تترقب الأوساط السياسية الدولية احتضان الولايات المتحدة الأمريكية، نهاية شهر فبراير الجاري، جولة ثالثة وحاسمة من المفاوضات المتعلقة بنزاع الصحراء الغربية. وتهدف هذه الجولة إلى تطوير مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، وسط مساعٍ أمريكية للتوفيق بين هذا المقترح وبعض المطالب التقنية التي قدمتها جبهة البوليساريو في جولات سابقة.
وتأتي هذه التحركات بعد أن استضافت العاصمة الإسبانية مدريد، مطلع الأسبوع الماضي، الجولة الثانية من المباحثات التي ضمت أطراف النزاع الأساسية وهي المغرب وجبهة البوليساريو، بالإضافة إلى الجزائر وموريتانيا بصفتهما مراقبين. وقد جرت هذه اللقاءات تحت إشراف ثنائي مباشر من واشنطن ومنظمة الأمم المتحدة، حيث اعتُمدت أرضية الحكم الذاتي كقاعدة أساسية للنقاش.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الإدارة الأمريكية تضغط لتسريع وتيرة التفاوض، حيث حددت يومي 27 و28 فبراير موعداً مبدئياً للجولة الثالثة. ويرغب البيت الأبيض في الوصول إلى اتفاق إطار شامل قبل نهاية شهر مايو المقبل، لضمان الانتقال إلى مراحل التنفيذ العملي قبل الدخول في تعقيدات سياسية دولية جديدة.
ويرتبط هذا الجدول الزمني المكثف بتقرير مرتقب سيُعرض على مجلس الأمن الدولي في أبريل المقبل، لتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ القرار الأممي رقم 2797. وينص هذا القرار صراحة على ضرورة إجراء مفاوضات سياسية جادة تأخذ من مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً واقعياً للحل النهائي والدائم.
وتشير المعطيات المسربة إلى أن المفاوضات تجاوزت مرحلة العموميات، حيث جرى الحسم في اعتماد مبدأ الحكم الذاتي مع البدء في تنقيح وثيقة تقنية مكونة من 40 صفحة. وتتضمن هذه الوثيقة دمج بعض المطالب الواردة في رؤية البوليساريو، بما لا يتعارض مع جوهر السيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية.
وفي سياق متصل، استبعدت واشنطن خلال لقاءات مدريد الأخيرة العودة إلى مقترحات قديمة مثل 'خطة بيكر الثانية' التي كانت تنص على فترة انتقالية تنتهي باستفتاء لتقرير المصير. وبدلاً من ذلك، تركز الإدارة الأمريكية الحالية على حصر أي تطور سياسي ضمن إطار الحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية حصراً.
ومن المقرر أن يشارك خبراء دوليون، بتنسيق مع واشنطن، في صياغة الصلاحيات القانونية والإدارية لمنطقة الصحراء، لضمان تمتعها باستقلالية واسعة في تدبير شؤونها المحلية. والمثير للاهتمام هو استبعاد الخبراء الأوروبيين، بما في ذلك فرنسا وإسبانيا، من هذه الصياغات التقنية الدقيقة، وحصرها في الأطراف المباشرة والرعاة الدوليين.
البيت الأبيض يريد توقيع اتفاق إطار شامل لحل النزاع قبل متم شهر مايو للانتقال إلى تطبيقه الفعلي على الأرض.
وعلى صعيد المواقف الإقليمية، يُسجل التزام جزائري بدعم موقف جبهة البوليساريو مع التركيز على المطالبة بضمانات دولية قوية لأي اتفاق يتم التوصل إليه. وفي المقابل، تلتزم موريتانيا بموقف الحياد الإيجابي، مع اشتراط الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية الحيوية في المناطق المتاخمة لحدودها الشمالية.
وتتضمن المسودة المطروحة للنقاش منح الصحراويين حق انتخاب برلمان وحكومة محليين، مع بقاء صلاحية تعيين رئيس جهة الحكم الذاتي بيد العاهل المغربي بناءً على نتائج الانتخابات. كما سيتم الحفاظ على كافة رموز السيادة الوطنية المغربية، بما يشمل العملة والتمثيل الدبلوماسي الخارجي والدفاع الوطني.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن النموذج المقترح قد يستلهم بعض بنوده من نظام الحكم الذاتي في إسبانيا، خاصة فيما يتعلق بآليات الرقابة الدستورية. ومن بين ذلك، إمكانية إدراج بند يتيح للمركز التدخل في حالات استثنائية إذا ما حدث تهديد للنظام الدستوري أو خروج عن مقتضيات الاتفاق السياسي المبرم.
ولا تزال هناك نقاط عالقة تتطلب نقاشات معمقة في جولة فبراير المقبلة، وعلى رأسها كيفية إدارة وتقاسم الموارد الطبيعية مثل الفوسفات والثروة السمكية. كما تشمل الملفات المفتوحة قضايا تقنية مثل العلم الخاص بالجهة، ومدى استقلالية القرارات الاقتصادية المحلية عن العاصمة الرباط، وطبيعة العلاقات التجارية مع دول الجوار.
ومن المتوقع أن تشهد مهام بعثة الأمم المتحدة 'مينورسو' تحولاً جذرياً في المرحلة المقبلة، حيث سيناقش مجلس الأمن تغيير تفويضها الأصلي المرتبط بالاستفتاء. وقد تتحول البعثة إلى قوة مراقبة ودعم لتطبيق اتفاق الحكم الذاتي، وضمان التزام كافة الأطراف بالترتيبات الأمنية والإدارية الجديدة التي سيتم الاتفاق عليها.
ويرى مراقبون أن الضغط الأمريكي الحالي يعكس رغبة واشنطن في إغلاق هذا الملف المزمن الذي يؤثر على استقرار منطقة شمال إفريقيا والساحل. وتراهن الإدارة الأمريكية على أن الوصول إلى حل متوافق عليه سيعزز التعاون الأمني الإقليمي ويفتح آفاقاً اقتصادية جديدة في منطقة المغرب العربي.
ختاماً، يبقى نجاح جولة فبراير رهناً بمدى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة في التفاصيل التقنية الدقيقة التي تلي إقرار المبدأ العام. وبينما يبدي المغرب تفاؤلاً حذراً، تترقب جبهة البوليساريو والجزائر طبيعة الضمانات الدولية التي ستقدمها واشنطن لضمان ديمومة واستقرار أي حل سياسي مستقبلي.





شارك برأيك
تحركات أمريكية متسارعة لحسم نزاع الصحراء: جولة مفاوضات مرتقبة لتطوير 'الحكم الذاتي'