عربي ودولي

الخميس 12 فبراير 2026 3:08 صباحًا - بتوقيت القدس

باريس تضغط لتعديل اتفاقية 1968 مع الجزائر: الأولوية للهجرة الاقتصادية على حساب العائلية

عادت قضية اتفاقية الهجرة الموقعة عام 1968 بين الجزائر وفرنسا إلى واجهة الأحداث السياسية، حيث أعلن مسؤولون فرنسيون عن رغبة بلادهم الأكيدة في إعادة صياغة بنودها. وتأتي هذه التحركات في ظل حالة من الجمود الدبلوماسي، إلا أن باريس ترى ضرورة ملحة في كبح التسهيلات الممنوحة للجزائريين في مجالات الإقامة العائلية.

وأكد وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز أن إعادة التفاوض حول هذا النص القانوني باتت أمراً عاجلاً وضرورياً لتصحيح ما وصفه بـ 'الامتيازات المفرطة'. وأوضح نونيز أن التوجه الجديد يهدف إلى خلق توازن يمنح الأولوية للهجرة الاقتصادية التي تحتاجها الأسواق الفرنسية، على حساب مسارات الهجرة العائلية التقليدية.

ونقل نونيز عن الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون حصل على موافقة مبدئية من نظيره الجزائري عبد المجيد تبون لفتح ملف الاتفاقية مجدداً. ويهدف هذا التحرك إلى تقليص الفجوة بين القوانين العامة للهجرة في فرنسا والوضع الاستثنائي الذي يتمتع به الرعايا الجزائريون منذ عقود طويلة.

وفي سياق متصل، كشف وزير الداخلية الفرنسي عن ترتيبات جارية لزيارة رسمية سيقوم بها إلى الجزائر قريباً لمناقشة ملفات أمنية شائكة. ومن المتوقع أن تتصدر قضايا مكافحة الإرهاب، والاتجار بالمخدرات، وإعادة قبول المهاجرين غير النظاميين جدول أعمال المباحثات المرتقبة بين الطرفين.

من جانبه، شدد الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو على أن الاتفاقية بصيغتها الحالية لم تعد تخدم المصالح الوطنية الفرنسية بأي شكل من الأشكال. وأشار لوكورنو إلى أن هناك توجيهات رئاسية باتخاذ مبادرات عملية خلال الأسابيع القادمة لتحقيق نتائج ملموسة في هذا الملف الذي يثير جدلاً واسعاً.

ويرى لوكورنو أن مراجعة الإطار القانوني القائم أفضل من خيار الإلغاء الكلي الذي تطالب به بعض التيارات اليمينية المتطرفة في البرلمان. ويهدف هذا التوجه إلى تحديث القواعد المنظمة لحركة الأفراد بما يتناسب مع المتغيرات السياسية والاقتصادية التي طرأت منذ نهاية الستينيات.

وكان البرلمان الفرنسي قد شهد انقساماً حاداً حول هذه الاتفاقية، حيث نجح اليمين في تمرير لائحة غير ملزمة تطالب بإلغائها بفارق صوت واحد فقط. ورغم أن هذه اللائحة لا تملك قوة القانون، إلا أنها شكلت ضغطاً سياسياً كبيراً على حكومة ماكرون لاتخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه الملف الجزائري.

وتمنح اتفاقية 1968 مزايا فريدة للجزائريين، من أبرزها الحصول على شهادة إقامة لمدة عشر سنوات بعد قضاء ثلاث سنوات فقط في فرنسا. كما تتيح للمتزوجين من مواطنين فرنسيين الحصول على الإقامة الدائمة في غضون عام واحد، وهي شروط تعتبرها باريس اليوم 'سخية للغاية'.

وتشير تقارير برلمانية فرنسية إلى أن استمرار العمل بهذه الاتفاقية يكبد الخزينة العامة نفقات تقدر بنحو ملياري يورو سنوياً. ويزعم أصحاب هذه التقارير أن الجزائريين يستفيدون من 'استثناءات قانونية' تعيق تطبيق قوانين الهجرة الحديثة التي تسري على بقية الجنسيات الأخرى.

في المقابل، ترفض أوساط حقوقية وسياسية هذه الأرقام وتعتبرها مبالغاً فيها وتهدف إلى تأجيج المشاعر ضد المهاجرين لأغراض انتخابية. وتؤكد هذه الأوساط أن الاتفاقية كانت نتاج سياق تاريخي مرتبط بمرحلة ما بعد الاستقلال ولا يمكن القفز فوق التزاماتها بسهولة.

الجانب الجزائري، وعلى لسان الرئيس عبد المجيد تبون، كان قد قلل في وقت سابق من أهمية الجدل الفرنسي حول الاتفاقية، واصفاً إياها بـ 'القوقعة الفارغة'. ويرى مراقبون أن الجزائر قد تستخدم هذا الملف كأداة ضغط في مفاوضاتها الأوسع مع باريس حول قضايا الذاكرة والتعاون الاقتصادي.

وتشير الإحصائيات الرسمية لعام 2024 إلى أن الجالية الجزائرية تظل الأكبر في فرنسا، حيث يقترب عدد المسجلين رسمياً من حاجز 650 ألف شخص. كما تتصدر الجالية الجزائرية قوائم الإقامة غير النظامية، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والقانوني بين العاصمتين.

وتسعى باريس من خلال التعديلات المقترحة إلى إخضاع الجزائريين لنفس المعايير المطبقة في قانون دخول وإقامة الأجانب العام. ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء ما يصفه بعض النواب بـ 'الخلل التاريخي' الذي جعل فئة واحدة من المهاجرين خارج نطاق التشريعات العامة.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الطرفين على الوصول إلى صيغة توافقية تضمن مصالح فرنسا الأمنية والاقتصادية دون المساس بحقوق الجالية الجزائرية. ومن المتوقع أن تشهد الشهور القادمة جولات مكثفة من المفاوضات التقنية والسياسية لحسم مصير هذا الاتفاق التاريخي المثيرة للجدل.

دلالات

شارك برأيك

باريس تضغط لتعديل اتفاقية 1968 مع الجزائر: الأولوية للهجرة الاقتصادية على حساب العائلية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.