تعد استراتيجية الخطاب من الركائز الأساسية التي تستند إليها الحالات الثورية والمراحل الانتقالية الاستثنائية، حيث تتنوع مستوياتها بين الشأن العام والسياسي والإعلامي. ويشير التحليل إلى أن التمييز بين هذه المستويات يتطلب دراسات معمقة للمفردات والسياقات لضمان الفاعلية العلمية والعملية في التأثير على الجماهير.
إن مجمل خطاب الحركات الإسلامية نبع من إدراكات وتصورات شابتها بعض الاختلالات، مما جعل الخطاب الناتج عنها مسكوناً بأمراض حدت من قدرته على تحقيق الغايات المنشودة. وقد شهدت الساحة السياسية نتائج عكسية في كثير من المشاهد بسبب قصور هذا الأداء الخطابي عن ملامسة الواقع المعقد.
من الملاحظ أن الثورات العربية في مجملها افتقرت إلى خطاب استراتيجي واضح، مما سمح ببروز خطابات متنازعة أحدثت فرقة بدلاً من الجمع. هذا الغياب أدى إلى عدم تكافؤ أدوات الاتصال مع الحالة الثورية، مما جعل مسارات التغيير تضطرب وتفقد بوصلتها في منتصف الطريق.
أحد أبرز الأخطاء المرصودة هو عدم الاهتمام بخطاب 'معاش الناس' وقضاياهم اليومية، حيث انصب تركيز القوى التي شاركت في السلطة على الجانب السياسي المحض. هذا التغافل شكل ثغرة نفذ منها الخطاب المضاد للتشكيك في الإنجازات وصناعة حالة من الكراهية والشيطنة للمشاريع الوطنية.
إن الخطاب الذي يلامس تطلعات الشعوب هو الذي يعبر بصدق عن قيم العيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. ويجب أن يوجه هذا الخطاب اهتماماً خاصاً للفئات التي استهدفتها سياسات الإفقار وغلاء الأسعار، لمواجهة محاولات الإخضاع عبر التخويف والتجويع.
تواجه التنظيمات الاجتماعية والسياسية تحدياً كبيراً في تطوير خطاب يواكب المرحلة ويستثمر السياق لمواجهة الهجمات الإعلامية الشرسة. فالقدرة على التأثير في الجماهير تتطلب وعياً عميقاً بكيفية صناعة الالتفاف الشعبي حول مشروع يعبر عن آمال الشارع وآلامه.
دخلت النظم السلطوية على خط التنازع حول الخطاب الديني، محاولةً ترويج طبعات خاصة من الدين تخدم مصالحها وتصنع ظهيراً دينياً لطغيانها. وقد أدى هذا التدخل إلى تأميم الدولة للدين وتوظيفه سياسياً لضرب الخصوم وتبرير السياسات القمعية.
إن افتقاد استراتيجية الخطاب أدى إلى تحرك عملية التغيير ضمن مسارات ضل بعضها الطريق، وزيف كثير منها الواقع.
برزت ظاهرة التوظيف السياسي للدين عبر إنشاء مؤسسات رسمية وشبه رسمية تدعم النظم المستبدة، بالإضافة إلى استغلال توجهات دينية معينة كالمداخلة وبعض التيارات السلفية الموالية. هذه القوى مارست لغة اتهامية وصنعت كراهية تجاه التكوينات المعارضة لتسويغ الاعتقال والمطاردة.
تعتبر عملية تحليل الخطاب ومراجعته ذاتياً مسألة حيوية للتيارات الإسلامية، إذ يجب أن تستند إلى نقد واعي للممارسات السابقة. ويتطلب ذلك اعتماد خطاب المكاشفة مع القوى السياسية الأخرى لتحديد الحد الأدنى من التوافق لمواجهة الثورات المضادة.
يجب أن تقوم استراتيجية الخطاب القادمة على 'نظرية الساقين'، وهي التوازن بين الساق السياسية والساق الثورية دون تغليب إحداهما على الأخرى. هذا التوازن هو الكفيل بتهيئة الأرض للتغيير واستعادة الحاضنة الجماهيرية التي فقدت الثقة في الخطابات التقليدية.
يمثل التجديد في الخطاب الإسلامي ضرورة ذاتية، ويستوجب استحضار إسهامات فكرية رصينة مثل ما قدمه الدكتور عبد الوهاب المسيري في 'معالم الخطاب الإسلامي الجديد'. إن بناء استراتيجية شاملة يتطلب دمج الأسئلة المتعلقة بالثورة والعلاقات الدولية والفاعلية المجتمعية.
عانت الخطابات السابقة من أمراض بنيوية وقصور في الاستيعاب، حيث تأثرت بحالة نفسية جماعية اتسمت بالمزايدات والمكايدات السياسية. هذه العقد أدت إلى فشل النخب في بناء علاقات إيجابية تقوم على التوافق وبناء الثقة، مما أضعف الحالة الثورية برمتها.
في المقابل، اعتمد خطاب الانقلابات العسكرية على التزييف والتزوير لتبرير السيطرة على مفاصل الدولة والساحات الاقتصادية. وقد أسهم هذا الخطاب السلبي في عسكرة المجتمع والمؤسسات، وممارسة ضغوط هائلة على الظاهرة الإسلامية عبر مسالك الإغراء والتشويه.
ختاماً، فإن التجديد الحقيقي للخطاب يجب أن ينبع من قواعد التجدد الذاتي الحضاري بعيداً عن الانبهار بالآخر أو التبعية له. إن 'مشاتل التغيير' تتطلب صياغة استراتيجية تراعي المقاصد وتملك الفاعلية للانخراط في هموم الناس، ومقاومة كل أشكال النمطية والتجمد الفكري.





شارك برأيك
أزمة الخطاب في الحركات السياسية: بين التوظيف السلطوي وضرورات التجديد الحقيقي