أقلام وأراء

الإثنين 09 فبراير 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

قانون المتعثرين بين الرحمة والفلتان... حين تتحول النوايا الحسنة إلى ثغرة في جدار الدولة


ليس أخطر على المجتمعات من القوانين التي تُسنّ بنيّة الرحمة، لكنها تُطبّق في واقع هشّ، فتتحول من مظلة حماية إلى بوابة فلتان.
وقانون إلغاء الحبس للمتعثرين في فلسطين ليس استثناءً، بل مثال صارخ على الفجوة الخطيرة بين النص القانوني والواقع السياسي والاجتماعي.
الرحمة… مبدأ إنساني أم غطاء لعجز الدولة؟
لا أحد يجادل في أن الحبس بسبب الديون إجراء قاسٍ، وقد يطال فئات ضعيفة فعلًا. الرحمة هنا مطلوبة، بل واجبة.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة: هل تُمارس الرحمة عبر تعطيل أدوات تنفيذ الأحكام؟ أم عبر بناء منظومة قادرة على حماية الضعيف ومحاسبة المتهرب؟
حين تُلغى أوامر الحبس دون توفير بدائل تنفيذية فعّالة، فإن الدولة لا تُمارس الرحمة، بل تعلن عجزها، وتبعث برسالة خطيرة مفادها: “احصل على حكم… لكن لا تنتظر تنفيذه.”
حين يسقط الردع… من يحمي الحق؟
القضاء لا يُقاس بعدد الأحكام التي يصدرها، بل بقدرته على تنفيذها. وحين يفقد الحكم قوته التنفيذية، يصبح الحق نظريًا، والعدالة مؤجلة، والمواطن وحيدًا في مواجهة من يملك القوة أو النفوذ.
وهنا تبدأ المعضلة الأخطر: إذا كان القانون عاجزًا عن تحصيل الحقوق، إلى أين سيتجه الناس؟
من المحكمة إلى العشيرة… ومن القانون إلى العصا
في مجتمع يعاني من تآكل الثقة بالمؤسسات، وضعف أدوات الضبط، وانتشار السلاح والفوضى الاجتماعية، فإن فراغ القانون لا يبقى فراغًا.
يملؤه العُرف، وتملؤه العشيرة، ويملؤه البلطجي الذي “يُحصّل الحق” بطريقته.
وهكذا يتحول المتعثر الحقيقي إلى ذريعة، ويتحول المتهرب المتنفذ إلى المستفيد الأكبر، وتُستبدل سيادة القانون بسيادة الأقوى.
العشائر تاريخيًا أدت دورًا اجتماعيًا حين غابت الدولة، لكن إحياء هذا الدور اليوم عبر إضعاف القضاء هو نكوص خطير. فالعشيرة لا تحكم بالقانون، ولا تساوي بين الناس، ولا تحمي الضعيف دائمًا. وحين يصبح تحصيل الحق مرتبطًا بالانتماء لا بالمواطنة، نكون أمام تفكك صامت للدولة من الداخل.
البدائل… ولماذا لا تكفي في الحالة الفلسطينية؟
تُطرح بدائل للحبس: الحجز على الأموال، المنع من السفر، منع التراخيص، التقسيط الإجباري. لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن جميع هذه البدائل تفترض وجود دولة كاملة السيادة.
في الواقع الفلسطيني:          الدولة بلا سيطرة على الحدود،     ولا سيطرة فعلية على حركة الأفراد، ولا قدرة على ملاحقة المدين إن سكن في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو عمل في الداخل المحتل، وعليه، فإن هذه البدائل تفقد غايتها العملية، وتتحول إلى إجراءات شكلية لا تحصّل حقًا ولا تردع متهربًا.
البديل الجزئي الممكن (وليس الكامل)
إن كان ثمة إجراء يمكن أن يُحدث فرقًا نسبيًا، فهو إنشاء جهة وطنية مستقلة، موثوقة ومتخصصة، تقوم بدراسة الوضع المالي والاجتماعي للمتعثر ميدانيًا، وتزويد المحكمة بتقرير مهني محايد.
فالقانون يمنح القاضي سلطة تقديرية في إصدار أمر الحبس، لكن القاضي لا يستطيع النزول إلى بيت المدين أو مكان عمله أو التحقق من واقعه المعيشي، ما يجعله مضطرًا للتعامل مع المتعثر الحقيقي كما يتعامل مع النصّاب المتهرب.
وجود هذه الجهة لا يُلغي الحبس، بل يجعله أداة عادلة، دقيقة، ومحصورة في مكانها الصحيح.
في ظل دولة منقوصة السيادة، لا تُغني البدائل المتاحة حاليًا عن حبس المدين، ولا تشكّل منظومة إيجابية لضبط تحصيل الديون والحقوق.
القانون إما أن يكون سورًا يحمي المجتمع، أو ثغرة يتسلل منها الفلتان. وقانون المتعثرين، إن لم يُضبط بضمانات صارمة وأدوات تنفيذ حقيقية، فلن يكون قانون رحمة، بل إعلانًا غير مباشر بأن الدولة تراجعت خطوة، وأن العشيرة والبلطجي مدعوون لملء الفراغ.
“حين تعجز الدولة عن تنفيذ حكم قضائي، لا تفتح باب الرحمة… بل تفتح بوابة الغابة، ومن يدخل الغابة لا يسأل عن الحق، بل عن من يملك القوة".

دلالات

شارك برأيك

قانون المتعثرين بين الرحمة والفلتان... حين تتحول النوايا الحسنة إلى ثغرة في جدار الدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.