عربي ودولي

الأحد 08 فبراير 2026 3:16 مساءً - بتوقيت القدس

مفاوضات مسقط النووية: دبلوماسية حذرة تحت وطأة التهديدات العسكرية المتبادلة

شهدت العاصمة العمانية مسقط مساء الجمعة انطلاق الجولة الأولى من المفاوضات النووية المباشرة بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود المحيط بالملف النووي. ورغم صدور تصريحات اتسمت بالإيجابية من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره العماني بدر البوسعيدي، وصولاً إلى تفاؤل أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن المشهد الميداني لا يزال محتقناً.

تجري هذه المفاوضات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة تعزيز حشودها العسكرية في المنطقة، حيث استعرضت حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن' قدراتها القتالية قبالة السواحل الإيرانية. هذا الوجود العسكري المكثف يعكس عقيدة إدارة ترامب القائمة على 'السلام من خلال القوة'، مما يشير إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة على الطاولة الأمريكية.

من جانبها، لم تقف طهران موقف المتفرج، بل عمدت إلى استعراض قوتها الصاروخية تزامناً مع الحراك الدبلوماسي، حيث كشفت عن صاروخ 'خورمشهر 4' الباليستي. ويتميز هذا الصاروخ بقدرات فرط صوتية تصل إلى 16 ضعف سرعة الصوت ومدى يبلغ 3000 كيلومتر، مما يجعله قادراً على إصابة أهداف استراتيجية في عمق المنطقة وخارجها.

الاحتكاكات الميدانية لم تغب عن المشهد، إذ أفادت مصادر بقيام طائرة أمريكية بإسقاط مسيرة استكشافية إيرانية حاولت الاقتراب من القطع البحرية الأمريكية. كما سبقت المفاوضات محاولات إيرانية لاعتراض سفينة تجارية ترفع العلم الأمريكي في مضيق هرمز، مما يعكس حالة التوتر الشديد التي تسبق أي تفاهمات سياسية محتملة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد أن بلاده تدخل هذه الجولة بـ 'عيون مفتوحة'، في إشارة إلى عدم ثقة طهران الكاملة في النوايا الأمريكية بناءً على تجارب سابقة. وأوضح عراقجي أن إيران مستعدة لكافة السيناريوهات، بما في ذلك خيار الحرب، رغم تفضيلها للحلول الدبلوماسية التي تضمن حقوقها النووية السلمية.

في المقابل، تبرز تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث البعد العقيدي للإدارة الحالية، حيث شدد على أن القوة الأمريكية تستمد زخمها من قيم إيمانية وواجب مقدس. هذا الخطاب يعزز القناعة بأن واشنطن لن تتردد في استخدام القوة إذا رأت أن المسار الدبلوماسي لا يحقق أهدافها في تحجيم القدرات الإيرانية بشكل كامل.

وتشير القراءات السياسية إلى أن إدارة ترامب، المدفوعة بضغوط إسرائيلية مكثفة، تسعى لفرض صفقات سريعة وشاملة لا تقتصر على الملف النووي فحسب. وتصر واشنطن على إدراج ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لإيران ضمن أي اتفاق مستقبلي، وهو ما تعتبره طهران خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

تدرك طهران أن قبول واشنطن للتفاوض قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى كسب الوقت أو تبرير عمل عسكري مستقبلي في حال فشل المحادثات. ولذلك، تحرص القيادة الإيرانية على إظهار جهوزيتها العسكرية العالية، مع التلويح بقدرة صواريخها على اختراق أحدث المنظومات الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية.

وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني خلال مواجهات حزيران 2025، إلا أن التقارير تشير إلى فشل تلك العمليات في تحقيق هدفها النهائي بتدمير المشروع بالكامل. هذا الإخفاق العسكري النسبي يفرض على الإدارة الأمريكية مراجعة حساباتها بدقة قبل الإقدام على أي مغامرة عسكرية جديدة قد تشعل المنطقة.

إيران من جهتها تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تقنية، مثل خفض نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تقبلها القوى الدولية، أو تجميد بعض الأنشطة لفترة محددة. وتستند طهران في ذلك إلى فتاوى دينية تحرم امتلاك السلاح النووي، مؤكدة في الوقت ذاته على تمسكها بالاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وفق المعايير الدولية.

الجانب الإسرائيلي يراقب عن كثب مجريات مسقط، حيث يرى في النظام الإيراني خطراً وجودياً يجب استئصاله أو تحجيمه بشكل جذري. وقد حاولت واشنطن استغلال الاضطرابات الداخلية في إيران للضغط على النظام، إلا أن تلك المحاولات لم تؤدِ حتى الآن إلى تغيير سياسي ملموس في بنية الحكم بطهران.

إن الصراع الحالي هو صراع إرادات بامتياز، حيث تسعى كل طرف لتوظيف المفاوضات لخدمة أجندته الخاصة؛ فطهران تريد رفع العقوبات وتطوير قدراتها، بينما تريد واشنطن تفكيك التهديد الإيراني. ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه الجولة ستفضي إلى اتفاق تاريخي أم أنها مجرد استراحة محارب تسبق مواجهة أوسع.

المفاوضات في مسقط لن تكون يسيرة بأي حال من الأحوال، خاصة مع إصرار واشنطن على ربط الملف النووي بملفات الأذرع الإقليمية مثل حزب الله والحوثيين. هذا الربط يمثل معضلة كبرى للمفاوض الإيراني الذي يرى في هذه الأذرع عمقاً استراتيجياً لا يمكن التفريط فيه تحت أي ضغوط سياسية أو اقتصادية.

في الختام، تظل الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار العلاقة بين القطبين، فإما التوصل إلى تفاهمات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، أو العودة إلى مربع التصعيد. وفي كلتا الحالتين، فإن المنطقة تقف على صفيح ساخن، حيث أن اندلاع مواجهة مفتوحة سيكون له تداعيات كارثية تتجاوز حدود الدولتين المعنيتين.

دلالات

شارك برأيك

مفاوضات مسقط النووية: دبلوماسية حذرة تحت وطأة التهديدات العسكرية المتبادلة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.