شهدت بلدة الزنتان الواقعة شمال غربي ليبيا عملية اغتيال غامضة استهدفت سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الراحل معمر القذافي، مما أثار موجة من التساؤلات حول الجهة المستفيدة من تغييب الشخصية التي كانت تمثل 'الخيار الثالث' لكثير من الليبيين. وأفادت مصادر بأن العملية نُفذت بدقة متناهية تعكس مستوى عالياً من التدريب العسكري والتقني.
ووفقاً للمعلومات المتوفرة، فقد هاجم أربعة مسلحين سيف الإسلام في حديقة منزله بالزنتان، حيث وصف محاميه المهاجمين بأنهم 'قوات خاصة' واجهها موكله مباشرة قبل مقتله. وأشارت التقارير إلى أن المنفذين تمكنوا من تعطيل أنظمة المراقبة المحيطة بالمكان، مما مكنهم من تنفيذ المهمة والانسحاب دون ترك أثر يحدد هويتهم.
ويرى مراقبون أن هذا المستوى من التخطيط يستبعد فرضية الاشتباكات العشوائية بين الميليشيات المحلية التي تشهدها ليبيا عادة. وأكد خبراء أمنيون أن العملية كانت منسقة ومتقنة، مما يشير إلى تورط جهات تمتلك قدرات استخباراتية ولوجستية تتجاوز إمكانيات المجموعات المسلحة التقليدية المنتشرة في المنطقة.
سيف الإسلام، الذي رحل عن عمر ناهز 53 عاماً، كان يُنظر إليه قبل عام 2011 على أنه الوجه الإصلاحي لنظام والده والوريث المحتمل للسلطة. وقد قاد في تلك الفترة مبادرات دبلوماسية هامة، كان أبرزها التوسط في اتفاق تخلي ليبيا عن برنامجها النووي عام 2003، وهو ما أدى حينها إلى رفع العقوبات الدولية عن البلاد.
عُرف نجل القذافي بعلاقاته الواسعة مع النخب السياسية والاقتصادية في أوروبا، ولا سيما في بريطانيا حيث كان يمتلك عقارات فخمة ويختلط بدوائر صنع القرار. إلا أن هذه العلاقات تعرضت لهزة عنيفة مع اندلاع الثورة الليبية، حيث سارعت تلك النخب للنأي بنفسها عنه بعد خطاباته المتشددة ضد المتظاهرين.
وفي لحظة فارقة من تاريخ ليبيا المعاصر، تحول سيف الإسلام من السياسي 'الليبرالي' إلى مدافع شرس عن بقاء عائلته في الحكم، مهدداً في خطاب شهير بـ 'أنهار من الدماء'. هذا التحول الجذري في مواقفه أدى إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحقه من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
بعد سقوط نظام والده ومقتله في عام 2011، قُبض على سيف الإسلام أثناء محاولته الفرار إلى النيجر، ليقضي سنوات طويلة محتجزاً لدى ميليشيا في الزنتان. ورغم صدور حكم بالإعدام بحقه من محكمة في طرابلس عام 2015، رفض مقاتلو الزنتان تسليمه، معتبرين إياه ورقة تفاوض سياسية رابحة في ظل الانقسام الليبي.
لم يكن هذا اشتباكاً بين ميليشيات، بل كان مخططاً له ومنسقاً ومتقناً؛ كانوا يعلمون متى سيصل وعطلوا أجهزة المراقبة ونفذوا العملية ثم اختفوا.
في عام 2017، أُعلن عن إطلاق سراحه بموجب قانون عفو عام، لكنه ظل بعيداً عن الأنظار لسنوات، مكتفياً بالتحرك في مناطق نفوذ قبلي ومحمياً بظروف أمنية معقدة. ولم يظهر للعلن بشكل رسمي إلا في عام 2021 عندما توجه إلى مدينة سبها جنوباً لتقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية التي لم تُجرَ حتى الآن.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن تحركات سيف الإسلام الأخيرة، خاصة في الجنوب الليبي، كانت تتم تحت حماية غير مباشرة من عناصر تابعة لمجموعة 'فاغنر' الروسية. ويرى محللون أن موسكو كانت تعتبره ورقة بديلة أو ضمانة سياسية في حال فشل الأطراف الأخرى في التوصل إلى تسوية شاملة.
اغتيال سيف الإسلام يضع حداً نهائياً لطموحات 'التيار الأخضر' في العودة إلى الواجهة السياسية عبر سلالة القذافي، حيث يعيش بقية أبناء الزعيم الراحل في الخارج دون أي نفوذ حقيقي على الأرض. وبموته، تفقد الساحة الليبية أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل والقدرة على حشد الموالين للنظام السابق.
تأتي هذه الحادثة في وقت تعاني فيه ليبيا من انسداد سياسي حاد بوجود حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني. ويخشى مراقبون أن يؤدي الاغتيال إلى اندلاع موجة جديدة من التصفيات السياسية بين الفصائل المتناحرة التي تتسابق على بسط نفوذها.
لم تصدر حتى الآن أي بيانات رسمية من السلطات في طرابلس أو بنغازي تتهم جهة محددة بالوقوف وراء العملية، وسط صمت مطبق من القوى الدولية الفاعلة في الملف الليبي. ويبدو أن غياب الأدلة الملموسة سيجعل من قضية مقتله لغزاً يضاف إلى سلسلة الألغاز التي خلفتها سنوات الصراع الطويلة.
إن النهاية الدرامية لسيف الإسلام القذافي في حديقة منزله بالزنتان تعكس واقع الدولة الليبية التي لا تزال تعيش تحت وطأة السلاح وغياب القانون. فرغم محاولاته تقديم نفسه كبديل للاستقرار، انتهى به المطاف ضحية لنفس الفوضى التي حذر منها والده قبل عقد ونصف من الزمان.
ويبقى السؤال المطروح في الأوساط الليبية والدولية حول تداعيات هذا الغياب على مستقبل الانتخابات المعطلة، وهل سيؤدي رحيله إلى تسهيل التوافق بين القوى الكبرى، أم أنه سيفتح الباب أمام صراعات جديدة على تركة النفوذ التي كان يمثلها كرمز لعهد مضى؟





شارك برأيك
اغتيال سيف الإسلام القذافي في الزنتان: نهاية غامضة لوريث 'الخيار الثالث' في ليبيا