احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد، اليوم الأحد، الجولة الثانية من المفاوضات المتعلقة بمستقبل الصحراء الغربية، بمشاركة أطراف النزاع والقوى الإقليمية المعنية. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة والأمم المتحدة، في سعي دولي لكسر الجمود المستمر في هذا الملف منذ عقود.
وتجري هذه المباحثات في مقر السفارة الأمريكية بمدريد وسط إجراءات أمنية مشددة وسرية تامة، بناءً على تنسيق بين مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ومايكل والتز، سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة. وتعكس هذه الرعاية الأمريكية رفيعة المستوى رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في حسم الملفات الإقليمية العالقة.
ويشارك في هذه الجولة وفود رفيعة المستوى يترأسها وزراء خارجية الدول المعنية، حيث يمثل المغرب ناصر بوريطة، والجزائر أحمد عطاف، وموريتانيا محمد سالم ولد مرزوق. كما يترأس وفد جبهة البوليساريو محمد يسلم بيساط، بحضور المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، لضمان التنسيق مع المسار الأممي.
وكشفت مصادر دبلوماسية أن المغرب قدم خلال هذه الجولة مقترحاً مفصلاً للحكم الذاتي يتألف من 40 صفحة، وهو تحديث شامل للمقترح الذي قُدم في عام 2007. وتتضمن الوثيقة الجديدة تفاصيل إدارية وقانونية موسعة تهدف إلى تقديم رؤية أكثر وضوحاً لشكل الإدارة المحلية تحت السيادة المغربية.
وقد أشرف على صياغة هذا المقترح المطور فريق رفيع المستوى من مستشاري العاهل المغربي، من بينهم عمر عزيمان والطيب الفاسي وعالي الهمة. كما شارك في إعداد الوثيقة مدير الاستخبارات العسكرية ياسين المنصوري ووزير الداخلية عبد اللطيف لفتيت، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الرباط لهذه الجولة.
وتشير التقارير إلى أن الدبلوماسية الأمريكية تضع حل نزاع الصحراء كأولوية قصوى في أجندتها الإقليمية الحالية، معتبرة أن استقرار شمال أفريقيا يرتبط بشكل وثيق بإنهاء هذا التوتر. وتنطلق واشنطن في وساطتها من قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يدعو لتحقيق اتفاق سياسي مقبول بين جميع الأطراف.
إيجاد حل لنزاع الصحراء يحظى بأولوية مطلقة في أجندة واشنطن لضمان استقرار الأوضاع السياسية في شمال أفريقيا.
وعلى الرغم من الزخم الذي توفره واشنطن، إلا أن التقييمات الأولية للدبلوماسيين الأمريكيين تشير إلى وجود تحديات قانونية، حيث يرى البعض أن المقترح المغربي قد يتطلب تعديلات دستورية داخلية. وتهدف هذه التعديلات المفترضة إلى مأسسة الحكم الذاتي بشكل يضمن صلاحيات حقيقية وواسعة تتوافق مع المعايير الدولية.
وتعد جولة مدريد الحالية هي الثانية في غضون أسبوعين، بعد لقاء أول عُقد في ولاية فلوريدا الأمريكية بعيداً عن أضواء الإعلام. ومن المتوقع أن تستمر هذه السلسلة من اللقاءات المكثفة، حيث تم الترتيب لعقد جولة ثالثة في الولايات المتحدة قبل نهاية شهر فبراير الجاري.
وتسعى الأطراف الدولية من خلال هذه اللقاءات المباشرة إلى تقريب وجهات النظر بين الرباط والجزائر والبوليساريو، في ظل ظروف إقليمية معقدة. ويأتي اختيار السفارة الأمريكية بمدريد كمقر للمفاوضات ليؤكد الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن كضامن ووسيط رئيسي في هذه المرحلة.
ويرى مراقبون أن انتقال المفاوضات من القاعات المفتوحة إلى الغرف المغلقة يعكس جدية الأطراف في الوصول إلى تفاهمات بعيداً عن الضغوط الإعلامية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في مدى قدرة الأطراف على التنازل عن مواقفها التقليدية لصالح حل سياسي مستدام ينهي النزاع.
وفي ختام هذه الجولة، من المنتظر أن يتم تقييم النتائج الأولية للمقترح المغربي الجديد ومدى استجابة الأطراف الأخرى له. وستشكل الجولة القادمة في واشنطن محطة حاسمة لتحديد مسار العملية السلمية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية تحت رعاية إدارة ترامب.





شارك برأيك
مفاوضات سرية في مدريد حول الصحراء الغربية بإشراف أمريكي ومشاركة مغاربية