أبدت وزارة الخارجية الروسية استغراباً رسمياً من الموقف السلبي الذي تتخذه إسرائيل حيال حملات تدمير النصب التذكارية المخصصة للجنود السوفييت في عدة دول أوروبية. وأكدت المتحدثة باسم الوزارة، ماريا زاخاروفا أن هؤلاء الجنود كانوا القوة الرئيسية التي وضعت حداً للمحرقة النازية 'الهولوكوست' خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي تصريحات صحفية أدلت بها لوكالة 'نوفوستي'، وصفت زاخاروفا غياب الرد الإسرائيلي بأنه 'أمر مثير للدهشة'، خاصة بالنظر إلى الرمزية التاريخية التي تمثلها تلك النصب. وأشارت إلى أن موسكو تبذل جهوداً دبلوماسية لإقناع تل أبيب بأن التغاضي عن هذه الممارسات يضر بالذاكرة التاريخية المشتركة.
وشددت الخارجية الروسية على أن تدمير المعالم التي تخلد ذكرى المحررين السوفييت، والذين كان من بينهم آلاف الجنود اليهود، يعد محركاً أساسياً لتصاعد موجات معاداة السامية في المجتمعات الأوروبية المعاصرة. وترى موسكو أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طمس التاريخ العسكري السوفيتي وظهور الحركات المتطرفة.
واتهمت موسكو بشكل مباشر كلاً من بولندا ودول البلطيق وأوكرانيا بقيادة حملة ممنهجة لهدم نصب الجيش الأحمر. وأوضحت التقارير الروسية أن هذه العمليات تتم بغطاء سياسي ودعم لوجستي من قبل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي 'الناتو'.
وتعتبر الدبلوماسية الروسية أن استهداف هذه المعالم التاريخية ليس مجرد إجراء محلي، بل هو جزء من استراتيجية غربية أوسع تهدف إلى بناء جبهة سياسية وثقافية معادية لروسيا. ووفقاً لزاخاروفا، فإن إعادة كتابة التاريخ تخدم أجندات جيوسياسية تهدف لعزل الدور الروسي التاريخي.
وكشفت التحقيقات التي أجراها دبلوماسيون روس بين عامي 2020 و2021 عن تراجع حاد في عدد النصب التذكارية المتبقية في بولندا. فبعد أن كان هناك 561 نصباً تذكارياً في عام 1997، لم يتبقَ سوى 112 نصباً في مواقعها الأصلية، مما يعكس حجم الهدم المتسارع.
وفي سياق متصل، أقر معهد الذاكرة الوطنية في بولندا بهدم ما لا يقل عن 40 نصباً تذكارياً خلال فترة زمنية وجيزة لم تتجاوز 18 شهراً بنهاية عام 2023. وتبرر السلطات البولندية هذه الإجراءات بقوانين 'إزالة الشيوعية' التي أقرتها الحكومة في السنوات الأخيرة.
عدم رد فعل إسرائيل على تدمير النصب التذكارية للجنود السوفييت الذين أوقفوا المحرقة أمر مثير للدهشة.
وتؤكد روسيا أن هذه النصب لا تمثل أيديولوجية سياسية بقدر ما تمثل تكريماً لأرواح الملايين الذين ضحوا بأنفسهم لتحرير أوروبا من النازية. وتعتبر موسكو أن صمت القوى الدولية، وفي مقدمتها إسرائيل، يمنح شرعية ضمنية لهذه التحركات التي تصفها بـ 'البربرية'.
وتأتي هذه التوترات الدبلوماسية في وقت تشهد فيه العلاقات الروسية الغربية تأزماً كبيراً على خلفية النزاع في أوكرانيا. وترى موسكو أن الهجوم على الرموز السوفيتية هو امتداد للصراع الحالي ومحاولة للنيل من الإرث المعنوي للدولة الروسية ووريثتها الاتحاد السوفيتي.
وحذرت زاخاروفا من أن تجاهل هذه الأفعال سيؤدي إلى عواقب وخيمة على استقرار القيم الإنسانية في أوروبا. وأوضحت أن حماية التاريخ من التزييف هي مسؤولية جماعية يجب أن تشارك فيها كافة الدول التي عانت من ويلات الحرب العالمية الثانية.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن روسيا تعتزم إثارة هذا الملف في المحافل الدولية بشكل أكثر عدوانية في الفترة المقبلة. وتهدف موسكو من ذلك إلى إحراج الدول التي تدعي حماية حقوق الإنسان والذاكرة التاريخية بينما تسمح بتدمير معالم التحرير.
وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من وزارة الخارجية في تل أبيب رداً على الانتقادات الروسية الأخيرة. ويراقب المحللون كيف سيؤثر هذا الملف على التوازن الدقيق في العلاقات بين موسكو وتل أبيب في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
يُذكر أن روسيا تحتفل سنوياً بعيد النصر في التاسع من مايو، وهو اليوم الذي تعتبره مقدساً لتخليد ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية. وتعتبر أي إساءة لرموز ذلك النصر بمثابة إهانة وطنية كبرى تستوجب رداً ديبلوماسياً حازماً.
وخلصت الخارجية الروسية إلى أن استمرار هذه السياسات في أوروبا سيؤدي حتماً إلى قطيعة ثقافية وتاريخية يصعب ترميمها. ودعت المجتمع الدولي إلى التمييز بين الخلافات السياسية الراهنة وبين الاحترام الواجب لضحايا الحرب الذين أنقذوا العالم من الفاشية.





شارك برأيك
موسكو تنتقد صمت إسرائيل تجاه تدمير النصب التذكارية السوفيتية في أوروبا