لم يعد الاقتصاد الفلسطيني مجرد ساحة أرقام ومؤشرات، ولا ملفًا تقنيًا يُقاس بمعدلات النمو أو حجم المساعدات، بل تحوّل إلى أحد أخطر ميادين الصراع غير المعلن. فهو اقتصاد يُدار بدقة بين حدَّي الانهيار الممنوع والنهوض المحظور، ويُستخدم كأداة ضبط أمني أكثر منه مسارًا تنمويًا طبيعيًا. في هذه المساحة الضيقة، يُسمح للفلسطيني أن يعيش، لكن دون أن يمتلك شروط الحياة الكريمة أو أدوات القوة الاقتصادية التي يمكن أن تتحول إلى رافعة تحرر وقرار مستقل.
إسرائيل، بوصفها القوة المسيطرة، لم تتعامل يومًا مع الاقتصاد الفلسطيني كحق طبيعي لشعب واقع تحت الاحتلال، بل كمتغير أمني يجب التحكم بإيقاعه. فالفقر المدقع خطر، لأنه يولّد انفجارات غير قابلة للاحتواء، والنمو الحقيقي خطر أيضًا، لأنه يخلق مجتمعًا منتجًا أقل قابلية للابتزاز وأكثر قدرة على الصمود المنظم. وبين هذين الحدين، جرى ضبط مستوى المعيشة، والتحكم بالموارد الطبيعية والمعابر وسوق العمل، وربط الاقتصاد الفلسطيني بمنظومة تبعية معقّدة تضمن استمراره في حالة “البقاء الوظيفي” دون انتقاله إلى حالة الفعل التاريخي.
ورغم ذلك، فإن استمرار الاقتصاد الفلسطيني ذاته، في ظل غياب السيادة على الأرض والمياه والطاقة والحدود، يُعد مفارقة لافتة. فاقتصاد يعمل بلا أدوات سيادية، وبلا حرية حركة للأفراد والبضائع، وتحت قيود تجارية ومالية خانقة، كان من المفترض أن ينهار. لكنه لم يفعل. لا لأنه قوي بنيويًا، بل لأن المجتمع الفلسطيني طوّر، عبر عقود، قدرة استثنائية على التكيّف والصمود، مكّنته من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي داخل مساحة ضيقة سُمح له بالحركة فيها. غير أن هذا الصمود بقي في معظمه جهدًا فرديًا يوميًا، لا ثمرة سياسة اقتصادية وطنية واعية، ما جعله صمودًا مُرهقًا بلا أفق تراكمي.
في هذا السياق، تحوّل الاقتصاد الفلسطيني تدريجيًا إلى اقتصاد استهلاكي هش، قائم على الرواتب والمقاصة والمساعدات الخارجية، فيما تراجعت القطاعات الإنتاجية، وتعمّقت التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، وتآكلت الطبقة الوسطى، وارتفعت معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب. وهكذا، جرى تفريغ الاقتصاد من بعده التنموي، وتحويله إلى أداة إدارة أزمة دائمة، لا مشروع بناء وطني. وحتى محاولات الإصلاح التي شهدتها بعض المراحل، كما في تجربة د. سلام فياض، أكدت أن المشكلة لا تكمن في القيود الخارجية وحدها، بل في غياب الرؤية القادرة على الاشتباك الذكي معها بدل الاكتفاء بالتكيّف السلبي معها.
لقد كشفت تلك التجربة، رغم محدوديتها وسقفها السياسي، أن الإدارة الاقتصادية الرشيدة قادرة، ولو جزئيًا، على إرباك منطق السيطرة، وتوسيع هامش الحركة، وتحويل الصمود من حالة دفاعية إلى مسار تراكمي. والمفارقة أن تراجع هذا النهج لاحقًا أعاد الاقتصاد إلى مربع التبعية وإدارة الأزمة، ما يؤكد أن غياب الرؤية لا يقل أثرًا عن قسوة الاحتلال ذاته.
ويتجلى هذا الواقع بأقسى صوره في قطاع غزة، حيث تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد إغاثة، تُدار فيه الحياة على حافة الكارثة، دون السماح بالانهيار الكامل أو بالنهوض الحقيقي. أما في الضفة الغربية، فيسود نموذج “الاستقرار الهش”، الذي يضمن الهدوء الأمني، لكنه لا يفتح أفقًا تنمويًا جادًا. في الحالتين، الاقتصاد ليس ساحة حرة، بل مساحة مُدارة أمنيًا، تُحدَّد فيها مستويات الفقر والنمو بدقة.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نحافظ على اقتصاد “قابل للحياة” تحت الاحتلال، بل كيف نحوله إلى اقتصاد مُقاوِم، يُبنى ليكون أداة اشتباك سلمي طويلة الأمد. فالاشتباك هنا لا يعني الوهم بالتحرر الاقتصادي الكامل، ولا القفز فوق الواقع، بل العمل الواعي داخله لتقليص التبعية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء قدرة ذاتية تُراكم القوة ببطء لكنها بثبات.
وفي هذا الإطار، لا يمكن التعويل على السلطة وحدها، ولا على السوق وحده، في بناء هذا الاقتصاد المقاوم. فالمعركة الاقتصادية الحديثة هي معركة مجتمع بأكمله، تبدأ من خيارات الاستهلاك، ونمط الاستثمار، ودور البلديات والنقابات، وصولًا إلى الجامعات والقطاع الخاص. إن دعم المنتج المحلي، وبناء سلاسل إنتاج قصيرة، وتشجيع المبادرات التعاونية، ليست تفاصيل تقنية، بل أشكال اشتباك يومي تُراكم أثرها بهدوء. فالاقتصاد المقاوم لا يولد بقرار سياسي مفاجئ، بل يتشكل تدريجيًا من شبكة قرارات صغيرة، حين تتحول الحاجة إلى وعي، والبقاء إلى مشروع.
إن تحويل الاقتصاد من ملف أمني إلى مسار تنموي مقاوم ليس ترفًا فكريًا، ولا شعارًا سياسيًا، بل أحد أشكال معركة التحرر الحديثة. فبين اقتصاد يُدار ليبقى حيًا بلا أفق، واقتصاد يُبنى ليكون أداة اشتباك سلمي تُربك السيطرة وتوسّع هامش القرار، يتحدد مستقبل الصمود الفلسطيني ومعناه. والسؤال لم يعد إن كان الفلسطيني قادرًا على البقاء، فقد أثبت ذلك، بل إن كان قادرًا على تحويل هذا البقاء إلى قوة منظمة تُفقد الاحتلال إحدى أخطر أدوات سيطرته: التحكم بلقمة العيش وبأفق الحياة.





شارك برأيك
الاقتصاد الفلسطيني: ملف أمني لا مسار تنموي