لا تكتفي الاقتصادات الآسيوية بتعديل علاقاتها التجارية لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية، بل تقوم أيضًا بتحويل مسار تمويلها نحو أسواق أخرى، مما يعكس التهديد الذي تمثله سياسات الرئيس ترامب بتقويض هيمنة الولايات المتحدة على تجميع رؤوس الأموال.
زاد إقبال المقترضين من منطقة آسيا والمحيط الهادي على إصدار سندات مقومة باليورو، حيث وصلت إلى مستوى قياسي بلغ 23% من إجمالي إصدارات العملات هذا العام، بزيادة قدرها 6% مقارنة بعام 2024، وفقًا لبيانات جمعتها مصادر اقتصادية.
شهدت مبيعات سندات اليورو الصادرة عن الشركات والحكومات ارتفاعًا بنسبة 75% في عام 2025، لتصل إلى 86.4 مليار يورو (100.7 مليار دولار).
على الرغم من أن الصفقات المقومة بالدولار لا تزال تشكل الجزء الأكبر من صفقات التمويل، إلا أن حصتها السوقية آخذة في التراجع، وقد تتضاءل الميزة التي تتمتع بها الولايات المتحدة في مجال التمويل تدريجيًا، وفقًا لتقارير اقتصادية.
أشار دانيال كيم، الرئيس المشارك لأسواق رأس مال الدين لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في أحد البنوك، إلى أن الحاجة إلى تنويع الاستثمارات بعيدًا عن التركيز على الدولار هي أحد العوامل الرئيسية، وأن الارتفاع الكبير في إصدار السندات المقومة باليورو هذا العام نابع من تضافر دوافع استراتيجية تتجاوز مجرد إعادة التمويل الروتينية.
أدت التحركات التجارية التي قام بها الرئيس ترامب هذا العام، بالإضافة إلى ضغطه على الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لخفض أسعار الفائدة على الرغم من المخاوف المتعلقة بالتضخم، إلى زعزعة ثقة المستثمرين في هيمنة الدولار، مما دفعهم إلى التوجه نحو أصول اليورو، وقد حذا المقترضون الآسيويون حذوهم، مما أدى إلى ارتفاع إصدارات سندات اليورو لتلبية الطلب على التنويع، في حين انخفض الدولار بنسبة 11% مقابل اليورو.
أوضح بن وانغ، رئيس أسواق رأس مال الدين الصينية الخارجية في أحد البنوك، أن إزالة الدولرة أو تنويع محافظ الاستثمار لزيادة استخدامها في العملات غير الدولارية هو موضوع شهدناه هذا العام، مضيفًا أن اليورو كان يشكل جزءًا أصغر من حجم تداول سندات البنك في منطقة آسيا والمحيط الهادي في بداية العام، ولكنه يمثل الآن أكثر من 10%، بل وحتى 20% بعد دخول النصف الثاني من العام.
يعزى هذا النمو أيضًا إلى انخفاض تكاليف التمويل، حيث تمكن بعض المقترضين الآسيويين من جمع الأموال باليورو بتكلفة أقل من الدولار أو عملاتهم المحلية، وأظهرت بيانات اقتصادية أن علاوة سعر الفائدة التي يدفعها المستثمرون لمبادلة اليورو بالدولار وصلت إلى أدنى مستوى لها في 5 سنوات تقريبًا، عند 3.1 نقطة أساس.
لطالما توقع المتشائمون نهاية دور الدولار كعملة احتياطية، لكن هذا التوقع لم يتحقق، فعلى مدى سنوات، شهدت إصدارات الدولار ارتفاعًا حادًا، وليس من الواضح ما إذا كان هذا التراجع الأخير مجرد عارض عابر أم اتجاه طويل الأجل، وفقًا لتقارير اقتصادية.
أحد العوامل الرئيسية هو الحاجة إلى تنويع الاستثمارات بعيدا عن التركيز على الدولار.
بحلول يونيو/ حزيران، شكل الدولار 63% من السندات الصادرة عن مقترضين بعملات أخرى غير عملاتهم المحلية، بزيادة قدرها 20 نقطة مئوية منذ نهاية عام 2007، وفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية، في حين انخفضت حصة اليورو إلى 25% من 32% خلال تلك الفترة.
لكن مارتن شولتز، كبير الاقتصاديين في شركة فوجيتسو المحدودة في اليابان، صرح بأن تزايد جاذبية اليورو لدى المشاركين في السوق الآسيوية للتمويل والاستثمار في الديون يعكس تطبيعًا في أعقاب الطفرة في مبيعات الدولار، وأضاف أن العالم يتجه نحو تعددية الأقطاب.
من بين أبرز الصفقات في أوروبا هذا العام، إصدار سندات صينية بقيمة 4 مليارات يورو، والذي اجتذب عروضًا تجاوزت 100 مليار يورو، وطرح شركة الاتصالات اليابانية العملاقة إن تي تي (NTT Inc) بقيمة 5.5 مليارات يورو، وهو أكبر إصدار يورو للشركات من آسيا في عام 2025.
أكد كريس إيغو، كبير مسؤولي الاستثمار في الاستثمارات الأساسية لدى شركة أكسا لإدارة الاستثمارات البريطانية، أن هذا يوفر سوقًا أوسع للاستثمار، مع تدفقات نقدية من مناطق مختلفة وأنواع مختلفة من الشركات، معتبرًا إياه تطورًا إيجابيًا.
من المتوقع أن تستمر جاذبية القارة كوجهة تمويلية حتى العام المقبل، حيث يتوقع أوين غاليمور، رئيس قسم تحليل الائتمان لمنطقة آسيا والمحيط الهادي في أحد البنوك، أن ترتفع إصدارات اليورو من جانب المقترضين الآسيويين إلى 125 مليار دولار في عام 2026، بزيادة تفوق 20%.
أشار هنري لوه، رئيس قسم الائتمان الآسيوي في شركة أبردين للاستثمارات، إلى أن الجهات المصدرة تتطلع عمومًا إلى توسيع نطاق أعمالها، ليس فقط داخل آسيا بل وخارجها، مع استمرار أوروبا في كونها سوقًا رئيسية، متوقعًا أن يشهدوا اهتمامًا متزايدًا بإصدارات اليورو لتمويل هذا النمو.
تجدر الإشارة إلى أن روسيا قد أكملت بنجاح الإصدار الأول لسندات القروض الفدرالية المقومة باليوان الصيني، بقيمة إجمالية بلغت 20 مليار يوان (نحو 2.8 مليار دولار).
أكدت وزارة المالية الروسية استعدادها لطرح السندات المقومة باليوان سنويًا إذا استمر الاهتمام بها في السوق، ويتيح هذا للمصدرين الروس، الذين راكموا فائضًا كبيرًا من العملة الصينية نتيجة التبادل التجاري، خيارًا استثماريًا جديدًا، ويعود ذلك أيضًا إلى جملة من الأسباب المتعلقة بالتغيرات الجيوسياسية والعقوبات الغربية، والتوجه الروسي نحو التخلي عن الدولار في التعاملات الخارجية.





شارك برأيك
تحول التمويل الآسيوي: تراجع الدولار وصعود اليورو