عربي ودولي

السّبت 06 ديسمبر 2025 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة: تحولات جذرية في السياسة الخارجية

في تحول ملحوظ عن إستراتيجية الأمن القومي لعام 2022، أصدرت الإدارة الأميركية إستراتيجية جديدة تركز على مبدأ عدم التدخل وتقديم مصالح أمريكا على أي اعتبار آخر.

تعتبر إستراتيجيات الأمن القومي بمثابة وثائق شاملة تحدد رؤية الولايات المتحدة للعالم، وتحديد التهديدات والفرص، وتوضيح الأدوات التي ستستخدمها لحماية مصالحها.

يعود هذا التقليد إلى قانون الأمن القومي لعام 1986، الذي يلزم البيت الأبيض بتقديم تقرير دوري إلى الكونغرس يشرح التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية والدفاعية، ويحدد أولويات الإدارة.

إصدار إستراتيجية جديدة ليس مجرد إجراء روتيني، بل يعكس تحولاً في كيفية رؤية الولايات المتحدة لموقعها في النظام العالمي.

تظهر إستراتيجية الإدارة الأميركية الجديدة قطيعة مع النهج الذي كان سائداً منذ نهاية الحرب الباردة، والذي كان يركز على القيادة الأميركية للنظام الدولي الليبرالي.

بدلاً من ذلك، تنطلق الوثيقة من رؤية تعتبر العالم مكونًا من دول قومية ذات سيادة، حيث تسعى كل دولة لحماية حدودها وهويتها ومصالحها الاقتصادية.

تحمل الإستراتيجية الجديدة ما تصفه بـ "نخب السياسة الخارجية" مسؤولية إهدار القوة الأميركية في حروب طويلة في الشرق الأوسط، والتوسع غير المدروس في الالتزامات الأمنية في أوروبا وآسيا، والتساهل مع آثار العولمة على الطبقة الوسطى الأميركية.

أحد أبرز التغييرات هو وضع "قضية الهجرة" في صميم مفهوم الأمن القومي، وربطها بأمن الحدود والجريمة المنظمة والمخدرات والضغط على الهوية الثقافية الأميركية، مما يجعلها تهديدًا لا يقل أهمية عن منافسة القوى الكبرى، مع التأكيد على أن "عصر الهجرة الجماعية يجب أن ينتهي".

تعيد الإستراتيجية تعريف السياسة الخارجية كامتداد مباشر لبرنامج داخلي اقتصادي واجتماعي يهدف إلى إعادة التصنيع واستعادة الهيمنة في مجال الطاقة وتقليل الاعتماد على الخصوم في التكنولوجيات الحساسة وسلاسل التوريد.

تتعامل الوثيقة الجديدة مع منطقة الشرق الأوسط على أنها "إقليم تراجعت ضرورته الإستراتيجية للولايات المتحدة"، ولكنها لا تزال تحتفظ بأهميتها.

تفسر ذلك بأن حاجة واشنطن إلى نفط المنطقة قد تراجعت مع تحولها إلى منتج ومصدر للطاقة، بالإضافة إلى أن الشرق الأوسط "لم يعد ذلك المصدر الدائم للإزعاج والمصدر المحتمل لكارثة وشيكة كما كان. بل إنه يظهر الآن كمكان للشراكة والصداقة والاستثمار وهو اتجاه ينبغي الترحيب به وتشجيعه".

ومع ذلك، تؤكد الإستراتيجية أن إمدادات الطاقة العالمية وأمن إسرائيل وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر لا تزال تعتبر "مصالح حيوية" تستوجب حضورًا عسكريًا وسياسيًا أميركيًا.

تعترف الإستراتيجية بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال معقدًا، لكنها تشيد بالجهود المبذولة نحو السلام.

تعتبر أن إيران قد خسرت الكثير من قوتها في المنطقة، وتصور طهران على أنها "تهديد يجب احتواؤه لا استئصاله".

تذكر الإستراتيجية أن مكافحة التطرف في المنطقة تكمن في تخلي واشنطن عن سياساتها القديمة التي قادتها إلى حربي العراق وأفغانستان، أو الضغط على الدول لتغيير نظام حكمها.

تضع الإستراتيجية الأميركية الجديدة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في مرتبة متقدمة، معتبرة أن القرب الجغرافي يجعل الاستقرار في هذه المنطقة امتدادًا مباشرًا للأمن القومي الأميركي.

تعتمد الوثيقة على إعادة إحياء صريحة لـ "مبدأ مونرو"، الذي يرفض أي تدخل أو توسع للقوى الأخرى في الأميركيتين، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الأخرى.

في الإستراتيجية الجديدة، يتم استخدام هذا المنطق للتحذير من محاولات الصين وروسيا لبناء نفوذ اقتصادي أو أمني داخل أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي، وربط ذلك مباشرة بمخاطر على الأمن الداخلي الأميركي.

لهذا، تتحدث عن تعزيز الوجود البحري الأميركي في البحر الكاريبي، وتوسيع التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة، وتكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية على أنظمة تعتبر "معادية".

تبدلت النظرة إلى الصين في الإستراتيجية الأميركية الجديدة، حيث لا تقدم العلاقة مع بكين على أنها مواجهة أيديولوجية، بل كعلاقة تعتمد على رهانات طويلة على الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا.

تعتبر الإستراتيجية الجديدة أن التحدي الصيني هو "اختلال في ميزان القوة الاقتصادية" من خلال التقدم السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والسيطرة على سلاسل التوريد والمعادن النادرة والمواد الخام، وتسعى إلى إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بحيث لا تعتمد الولايات المتحدة في صناعاتها على الصين.

في الوقت نفسه، تشدد الإستراتيجية على ضرورة ردع أي محاولة صينية لفرض أمر واقع جديد بشأن تايوان، باعتبار أن السيطرة على هذه المناطق تعني عمليًا قدرة بكين على خنق التجارة العالمية.

فيما يتعلق بالدول الأوروبية، تعتمد الإستراتيجية لغة هجومية غير معتادة تجاه حلفاء تقليديين، وتصف القارة بأنها تعاني "شيخوخة ديموغرافية" و"أزمة هوية".

بخلاف الخطاب الأميركي الكلاسيكي الذي يقدم أوروبا كامتداد طبيعي للغرب السياسي، تتحدث الوثيقة عن احتمال "محو حضاري" إذا استمرت سياسات استقبال اللاجئين وتراكم القيود التنظيمية على الاقتصاد، وتضع هذا التوصيف في سياق تبرير مراجعة عميقة لدور الولايات المتحدة داخل القارة.

تدعو الإستراتيجية الأوروبيين إلى تحمل المسؤولية الرئيسية عن دفاعهم، ورفع الإنفاق العسكري إلى مستويات أعلى بكثير مما هو متعارف عليه في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما تشكك في جدوى التوسع المستمر للحلف.

تلمح إلى أن دور واشنطن لن يبقى "مظلة مفتوحة" بلا شروط، بل سيخضع لمعادلة أكثر صرامة تتلخص بأنه "من يدفع أكثر، ويحمل عبئًا أكبر، يحظى بالتزام أمتن".

تجسد الإستراتيجية الحالية صياغة مكتملة لعقيدة "أميركا أولاً"، حيث يعاد ترتيب سلم الأولويات على النحو الذي يضع أمن الحدود وإعادة بناء الطبقة الوسطى وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية في صدارة الاهتمامات، بينما يعاد هيكلة الالتزامات الخارجية بما يخدم هذه الأهداف.

يتضح ذلك في التركيز على نصف الكرة الغربي بوصفه "المجال الحيوي" للولايات المتحدة، حيث تسعى واشنطن إلى منع أي اختراق صيني أو روسي، مع إشارة واضحة إلى استعدادها لتوسيع حضورها البحري والعسكري في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تحت عنوان مكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود.

في المقابل، تتعامل الإستراتيجية مع آسيا من زاوية مزدوجة: المحيط الهادي كساحة ردع عسكري ضد الصين، والهند ودول جنوب شرق آسيا كسوق بديلة تتيح فك الارتباط الجزئي عن الاقتصاد الصيني.

دلالات

شارك برأيك

إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة: تحولات جذرية في السياسة الخارجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.