أقلام وأراء

الجمعة 14 نوفمبر 2025 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل... حين تتحول الحروب إلى مختبر للربح

في عالمٍ عادلٍ تحكمه القيم لا المصالح، كان ينبغي أن تُعاقب "إسرائيل" على جرائمها في غزة وأن تُحاصر سياسياً وأخلاقياً، لكن في عالمٍ منقلبٍ الموازين، خرجت دولة الاحتلال من حرب الإبادة وقد زاد وزنها في السوق العالمي للسلاح، لتتربع بين الدول الأكثر تصديراً للموت على وجه الأرض، مدفوعةً بدماء الفلسطينيين التي تحولت إلى وقودٍ لآلة الاقتصاد العسكري الإسرائيلي.

منذ حربها على غزة عام 2014، أدركت إسرائيل أن معاركها ليست فقط ساحاتٍ للقتل، بل مختبراتٍ للتجريب والتسويق، فكل صاروخٍ يسقط، وكل طائرةٍ تدمّر، وكل نظام دفاعٍ يُجرَّب، يتحول لاحقاً إلى سلعةٍ معروضة في أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا، ممهورةٍ بعبارة “مجرَّب في القتال”، وكأن الحروب ليست إلا حملاتٍ دعائية مدفوعةٍ بالدم والدمار، إن حرب 2014 شكّلت نقطة التحوّل الكبرى في صناعة السلاح الإسرائيلي، فبعد 51 يوماً من القصف، انفتحت أمام شركات السلاح الإسرائيلية أسواق جديدة وارتفعت المبيعات إلى مئات الملايين من الدولارات، حتى أن أحد موظفي تلك الشركات صرّح قائلاً: "إن صناعتنا ستتضرر إذا مرت إسرائيل بعشرين عاماً دون عملية عسكرية كبرى".

بينما أوقفت الحرب الروسية الأوكرانية صادرات موسكو بنسبة تجاوزت 90%، كانت تل أبيب تحطم الأرقام القياسية في مبيعات السلاح، لتسجل عام 2024 وحده نحو 15 مليار دولار، أكثر من نصفها إلى الدول الأوروبية التي تعيش هوس التسلح في ظل تصاعد الحرب الباردة الجديدة، وقد شكّلت أوروبا السوق الأكبر لإسرائيل متجاوزة آسيا والمحيط الهادئ للمرة الأولى، رغم الأصوات الأوروبية التي طالبت بوقف التعامل العسكري مع دولةٍ ترتكب جرائم إبادة يومية في غزة.

لم يمنع القصف على غزة من توقيع صفقاتٍ كبرى، أبرزها اتفاق بقيمة 3.8 مليار دولار مع ألمانيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي “حيتس 3”، وهي الصفقة الأكبر في تاريخ إسرائيل، لتتحول برلين، التي لطالما تحدثت عن "الأخلاق" و"القيم الإنسانية"، إلى الشريك العسكري الأول لدولةٍ تمارس الاحتلال علنًا وتقتل الأطفال بلا حساب، ووفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن إسرائيل استحوذت خلال الفترة بين 2020 و2024 على 13% من واردات ألمانيا من الأسلحة و7% من واردات المملكة المتحدة، في تأكيدٍ على أن الدم الفلسطيني لا يُسقط الصفقات، بل يُغذيها.

لقد أصبحت الحرب بالنسبة لإسرائيل مشروعاً اقتصادياً، والعسكرة جزءاً من هويتها الثقافية والسياسية، فالجيش ليس فقط أداة للسيطرة، بل أيضاً الذراع الأقوى لتسويق التكنولوجيا والابتكار الإسرائيلي، من الطائرات المسيّرة إلى الأنظمة الدفاعية والهجومية، وكلها تُسوَّق على أنها “مجرّبة في بيئة حقيقية” أي في غزة والضفة وساحات الدم الفلسطيني .

بعد عامين من حرب الإبادة، لم تتراجع مكانة إسرائيل في نظام التسلح الدولي، بل ترسخت أكثر بوصفها شريكاً أمنياً موثوقاً لكبرى دول العالم، وباتت تستفيد من كل حربٍ تنشب في أي مكان، تصلي في السرّ لأن تندلع الصراعات، لأنها ببساطة تبيع أدواتها وتقطف أرباحها، هذه المفارقة الأخلاقية الفاضحة تكشف أن العدالة في هذا العالم لا تُقاس بميزان الحق، بل بميزان القوة والمصالح، وأن الدولة التي تمارس الإبادة قد تكافأ، لا ان تُعاقب .

في النهاية، لا يبدو أن إسرائيل ستتوقف عن الحروب، لأنها ببساطة لا تستطيع العيش دونها، فكل حربٍ تشعلها تمنحها فرصة جديدة لتجريب سلاح، وتوقيع صفقة، وجني أرباح جديدة من جثة جديدة، لتبقى غزة مختبرها المفتوح، وسوقها الدائم، وعار الإنسانية المستمر.

دلالات

شارك برأيك

إسرائيل... حين تتحول الحروب إلى مختبر للربح

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.