للحرب فصول أُخرى، حتى وقف إطلاق النار فتلك ليست النهاية، استجماع الإنجازات العسكرية وترجمتها إلى رصيد سياسي مرحلة اخرى في الحرب، وتعقيدات تلك المرحلة لربما أكثر بكثير من مرحلة الحرب المباشرة بالسلاح.
حرب السابع من أكتوبر تتلخص مراحلها الأولى في هجوم السابع من أكتوبر بما حملته من توظيف عنصر المفاجئة والانهيار الدراماتيكي للقوات الأسرائيلية، تلت ذلك حرب أبادة غير مسبوقة في غزة وتطهير عرقي في الضفة بهدف واحد ووحيد وهو التهجير. التهجير الذي يمثل صلب العقيدة الصهيونية في تفريغ الارض والاستيلاء عليها وبناء الدولة "النقية". حتى اللحظة لا نستطيع القول إن النتائج واضحة، وكلا طرفي الحرب حقق نقاطا يعتقدأنها لصالحه، وكلا الطرفين يستخدم كل طاقته لتثبيت وتعزيز ما يعتقد انها نقاط ايجابية لصالحه، وتستمر الحرب بطرائق اخرى.
كلا طرفي الصراع يعيش أزماته التي أنتجتها الحرب ويكابر، إسرائيل مجتمع يتمزق تمامًا، مثقل بأعباء اقتصادية، جيش متعب حتى العجز عن استمرار القتال، أزمة اقتصادية تتفاقم مع مؤشرات مقلقة لهجرة رأس المال الصناعي، أزمة اخلاقية لترك المحتجزين في الأسر خلّف جرحاً عميقاً في العقد الاجتماعي الإسرائيلي ، عزلة دولية متزايدة نتاج سقوط السردية الصهيونية القائمة على تقمص شخصية الضحية والامتداد الغربي المتقدم في شرق متخلف، والأهم أن هناك مجتمعاً يفقد اليقين الوجودي وأمل المستقبل المستقر، على الجانب الآخر الفلسطينيون تعرضوا لأبشع جرائم الإبادة الجماعية في تاريخهم، قطاع غزة دمر بشكل شبه كامل، التطهير العرقي في الضفة يتواصل، وانقسام سياسي يتعمق، وأكثر من ذلك مخاطر الضم تتزايد ومخاطر التهجير ما زالت موجودة، وإنْ بشكل أقل. كذلك مشاعر فقدان الجدوى من المفاوضات والمقاومة، ما يضع الفلسطينيين في حيرة من أمرهم أمام سؤال: "ما العمل ". هنا نجد أن المشهد بهذه الدرجة من التعقيد، طرفا الصراع ينزفان في حرب لا تبدو في الافق نهايتها واضحة. ولكن كلا الطرفين لا يملك سوى العض على الجراح والاستمرار وانتظار دورة عنف أُخرى ما دام هناك غياب لحل سياسي. هذه الحرب امتداد لصراع عمره مئة عام وأكثر، ويحتكم للمعادلة الصفرية، بمعنى أن نتائج كل جولة منه هي مقدمة لجولة جديدة ودون أي حسم، ولأنه يقوم على فلسفة أن كل جولة تعمق الأزمة أكثر مما سبقها، لكل تلك الأسباب فإن الخروج من الحلقة المغلقة لن يتم إلا بانتهاج طرق أخرى للتعاطي معه.
هذه الحرب سرعت التوجه القديم للعودة إلى حل الدولتين. العالم باغلبيته الساحقة توجه إلى حل الدولتين الكلاسيكي، ذروة هذا التوجه كانت مؤتمر نيويورك الذي قاده الفرنسيون والسعوديون، ولاقى ترحاباً ودعما من كل العالم تقريباً باستثناء إسرائيل وأمريكا، ولكن كما قال آينشتاين فإن توقع نتيجة مختلفة من إعادة التجربة وبنفس الادوات يعتبر نوعاً من الوهم، فإن العودة إلى حل الدولتين وبنفس الأدوات التي أدت إلى فشله هي استعادة لمسيرة من الأخطاء وبإدراك مسبق للنتائج الفاشلة. حل الدولتين فشل عبر ثلاثين عاماً من المحاولات الجادة وغير الجادة، ولعل أكثر المحاولات الحقيقية ماراثون المفاوضات في كامب ديفيد بين ياسر عرفات ويهودا باراك وبرعاية بيل كلينتون، ورغم الضغط التي مارسه كلينتون على الطرفين فإن تلك المفاوضات قد فشلت، بالتأكيد هناك عوامل متعلقة بتركيبة الطرفين السياسية، وأحياناً بشخوص القادة، قد ساهمت في الفشل، ولكن العامل الأهم الذي أدى إلى الفشل هو في جوهر هذا الحل، وعناصره، وآليات تطبيقه، والأهم الفلسفة التي يقوم عليها. هذا الحل يستند إلى ميزان القوى كفلسفة، وبالتالي فهو يكرس ضعف الطرف الضعيف ويجسد قوة الطرف القوي، ويعكس اتفاق بين طرف مهزوم وطرف منتصر، ميزان القوى هذا قد يفرض حلاً، ولكنه لن يعطيه صفة الاستدامة لأن أي تغيير في موازين القوى سيقود لا محالة إلى تغييرات جوهرية، وربما دراماتيكية للاتفاقات التي قامت على أساسه، هذا ليس استنتاجاً عبقرياً أو استثنائياً، مسيرة التاريخ وفي كل العالم زاخرة بأمثلة على ذلك. المسألة الأهم أن هذا الحل يصطدم بشكل فج بعناصر الواقع العنيد، التداخل السكاني، قضية القدس، موضوع اللاجئين، الاستيطان ، تعقيدات الأحواض المائية، التعقيدات الامنية …. كل موضوع من تلك يشكل تحدي كبير لا يستطيع حل الدولتين الكلاسيكي إيجاد مخارج له، ما يجعله كقنبلة موقوته قد تنفجر في اي لحظة وتفجر استدامة هذا الحل، ومع ذلك فإن حل الدولتين يبقى هو الحل الأمثل! كيف؟ إن استمرار الحرب ليس حلاً، مئة عام من الصراع تؤكد هذا الاستنتاج، والارتداد إلى حل الدولة الواحدة هو بمثابة الهروب من الصعب إلى المستحيل، وبقدر ما يمثل حل الدولة الواحدة حلما جميلا للفلسطينيين فإنه يمثل كابوساً مزعجاً للإسرائيليين، ولا تستطيع كل مفاهيم المساواة والشراكة أن تقنع الإسرائيلي اليهودي بالتخلي عن عناصر قوته ليندمج مع الفلسطينيين في دولة لمواطنيها وبدون قيود إثنية أو قومية. لهذا فإن حل الدولتين سيبقى هو الخيار الأمثل.
ولكن، هذا الحل حتى يتجاوز عناصر فشله يفترض في القائمين عليه أن يضعوا له آليات عمل ومخارج مختلفة، فلسفة مختلفة، طرائق تفكير مختلفة، معالجات مختلفة … معالجات لا تلغي حل الدولتين، بل تقدمه بآليات نجاح فاعلة وقادرة على تجاوز أسباب فشله السابقة، وهذا بالضبط هو جوهر فكرة دولتين في بلاد واحدة، هذا هو بالضبط ما تترجمه تلك الرؤية.
لنرَ.. بالتأكيد فإن السلام القائم على العدالة النسبية هو المآل الأخير القادر على كسر دائرة العنف المأساوية، لا طريق آخر، ليس المطلوب تجاهل موازين القوى، وموضوعياً لا يمكن تجاهلها، ولكن -والجميع يدرك ذلك- السلام القائم على موازين القوى بتجاهل مفهوم العدالة النسبية تمت تجربته، تجربة اتفاق أوسلو كانت مثالاً حياً على ذلك، فشلت التجربة، سلام يعكس الرغبة في إخضاع طرف لصالح الطرف الآخر حتماً ستفشل، وحتى لو تم فرضها بالقوة فإنها ستفشل في النهاية، ستفشل عندما يتم تغيير في موازين القوى، هذا ليس افتراضاً، هذا استخلاص لتجارب حروب في مناطق أُخرى، فرض تقسيم ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، إرادة القوي المنتصر فرضت ذلك، لكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تم وبشكل دراماتيكي هدم سور برلين وأُعيد توحيد ألمانيا. هذا أمر طبيعي، ولهذا فإن سلام يتجاهل مصالح ستين بالمئة من الفلسطينيين، وهم اللاجئون، سينهار بالتاكيد عند أي تغيير في ميزان القوى، سينهار تحت رغبة الأغلبية الفلسطينية في إنهاء تشردهم، إليس هذا منطقياً؟! إن سلاماً كهذا لن يعدو أكثر من هدنة بين حربين، هدنة قد تطول أو تقصر تبعاً للمتغيرات الإقليمية أو الدولية.
في التفاصيل هناك الكثير ليقال، ورغم إن الشيطان يكمن في التفاصيل فإن إيضاح المفهوم سيسهل فهم التفاصيل، والأهم فهم لماذا كانت التفاصيل بهذا الشكل، المفهوم العام لدولتين في وطن واحد أنها انتقلت كمفهوم من محاولة تغيير معطيات الواقع إلى مسار مختلف، وهو التعاطي مع تلك المعطيات عبر إعادة ترتيبها بطريقة تحول التحديات إلى فرص، وتجعل من تلك المعطيات عناصر بناء لمستقبل مختلف بدل كونها عناصر تفجير وهدم وموت. ودون أمثلة لا يمكن فهم ذلك، القدس هي من أهم التحديات التي تواجه الحل السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبسببها فشلت المفاوضات بين ياسر عرفات ويهودا براك في كامب ديفيد، والتداخل السكاني يمنع بشكل شبه مطلق إمكانية تقسيمها على طريقة رابين "نحن هنا وأنتم هناك"، ففي كل حي تقريباً في القدس هناك فلسطينيون وهناك يهود، وأحياناً في ذات البناية يوجد يهود وفلسطينيون، رؤية دولتين في وطن واحد تقول بوضوح: القدس شرقيها وغربيها مدينة موحدة تحت سلطة أمنية خاصة، وربما خارجية تتقاسم فيها الشعبان بالتساوي والمساواة السلطات المدنية، وتشكل بوحدتها هذه عاصمة مشتركة للدولتين، يعاد توزيع الخدمات بطريقة عادلة، تكون الأماكن الدينية متاحة للشعبين باحترام، تنحصر السلطة الأمنية بيد قوة دولية تتعاون مع قوة مشتركة. بهذا تصبح القدس نموذجاً للحياة المشتركة وفرصة للتقدم والتطوير، ويحقق كل من الشعبين رؤيته للقدس كمكان يوجد للشعبين مشاعر عميقة اتجاهه دون أن يكون انتقاص لأي من الشعبين فيه. هنا نجد صيغة مختلفة نسبياً، تترك لكلا الشعبين الشعور بأنها مدينة موحدة، ولهم فيها كل ما يشعرون به دون انتقاص، ولكن دون أن يكون بنفي مشاعر ووجود الشعب الآخر. وهذا ما كانت تفتقر إليه رؤية حل الدولتين التقليدي، ما أدى إلى فشل مفاوضات كامب ديفيد، نعم انجزت المفاوضات أمام قضية القدس، ولكن حتى لو لم تنفجر بسبب تلك القضية، كان من الطبيعي أن تنفجر أمام قضايا أخرى لا تقل أهمية. فالفلسفة المهمة التي تحكم تلك الرؤية هي إزالة العوائق التي تعيق تطبيق الحل السياسي، أزالتها بمعنى تحويلها إلى عناصر طيّعة تساهم في ترسيخ الحل ووضعها في سياق مقبول للشعبين، ولعل أهم تلك العوائق في الجانب الفلسطيني والإسرائيلي اللاجئون والمستوطنات، السياق الذي اتخذته دولتان في وطن واحد للتعاطي مع هاتين المسألتين يأخذ في الاعتبار الحقائق التالية: اللاجئون الفلسطينيين يمثلون نحو ثلثي الشعب الفلسطيني وتجاهل مصالحهم يعني إبقاء تلك القضية كقنبلة موقوته تهدد بالانفجار متى سنحت الفرصة بذلك، وثانياً فإن وجود أكثر من نصف مليون مستوطن يشكل تحدي لاي حكومة إسرائيلية، إن القدرة على ترحيل مثل هذا العدد رغماً عن إرادتهم يكاد يكون مستحيلاً، وربما لا تقوى عليه أي حكومة حتى لو رغبت بذلك، وثالثًا أن الفلسطينيين من مواطني إسرائيل ويحملون الجنسية الإسرائيلية هم مواطنون إسرائيليون بكامل الحقوق وبدون تمييز ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة بما فيها الحقوق السياسية كمواطنين إسرائيليين. لهذا قدمت رؤية دولتين في وطن واحد معادلة مختلفة عن الحلول السابقة في التعاطي مع هذين الأمرين: من حق كل فلسطيني ايا كان مكان سكنه ان يحمل الحنسية الفلسطينية سواء رغب في العيش في الدولة الفلسطينية ام لم يرغب، ثم تكون الحدود بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية حدودا مفتوحة تسمح بحرية الاقامة والتنقل والعيش في كلا الدولتين بحقوق مدنية كاملة وبدون تمييز، على ان يمارس الفلسطينيون الذين يرغبون العيش في داخل دولة إسرائيل حقوقهم السياسية من انتخاب وترشيح في دولتهم الفلسطينية بينما يمارس الإسرائيليون الذين يرغبون في الاقامة في الدولة الفلسطينية حقوقهم السياسية من انتخاب وترشيح في دولتهم الإسرائيلية، ويحترم من يقيم في الدولة الأخرى القانون والنظام ومستعدون للإقامة في الدولة الأخرى تحت نظامها وقانونها وأمنها بدون اي تمييز. هذا ليس كل شيء، فالإقامة في البلد الآخر تعني الالتزام بقوانين ونظام البلد، والعيش تحت سلطته وأمنه في ظل حقوق فردية كاملة باستثناء الحقوق السياسية التي يمارسها كل في بلده التي يحمل جنسيتها. هذا الحل يجعل للإسرائيليين القدرة على العيش في الدولة الفلسطينية كجالية يهودية بعد أن تفكك البنية الاستيطانية غير الشرعية، ويجعل بإمكان الفلسطينيين، بمن فيهم اللاجئون، إذا رغبوا، أن يعيشوا في إسرائيل كجالية فلسطينية، وبهذا يكون في الوطن الواسع مكاناً للجميع دون تمييز أو عنصرية أو التأثير على النظام السياسي لكلا الدولتين. وبهذا، نكون قد أزلنا عقبتين كبيرتين من طريق السلام المبني على حل الدولتين، وأكثر من ذلك فإننا خلقنا فرصة لهذا السلام بأن يستمر حتى لو تغيرت موازين القوى، إن هذا الحل يزيل مشاعر التناقض بين مفهوم الوطن ومفهوم الدولة، فكل البلاد مكانا ممكنا للعيش لكلا الشعبين بينما كل شعب يحقق حق تقرير المصير المعبر عن طموحه الوطني في دولته المستقلة دون ان يغلق الباب أمام الشعب الآخر في العيش أينما أراد، ودون أن يحدث خدش في مشاعر الشعب الآخر تجاه كل الوطن.
إن التخوف من إغراق إسرائيل بسكان فلسطينيين يمكن أن يزال بتحقيق تناسب في السكان من كلا الدولتين، الذين يرغبون في العيش في الدولة الأخرى، إضافة إلى التطبيق التدريجي لهذا الوضع بحيث يتم التدرج بما لا يُحدث إغراقاً سكانياً أو أزمات اقتصادية، وهذا ممكن خاصة إذا ما كان التزام بأن هذا التدرج سيصل في النهاية إلى تمكن الجميع من أبناء الشعبين من هذا الحق. كما أن الفلسطينيين الذين يحملون الحنسية الإسرائيلية ويرغبون في العيش داخل إسرائيل سيمارسون حقهم السياسي في الانتخابات والترشح في دولتهم الفلسطينية وليس في إسرائيل، وهذا ما يزيل مخاوف وأوهاماً حول سيطرة الفلسطينيين على النظام في إسرائيل.
إن فلسفة دولتين في وطن واحد تقوم على تعزيز ما هو مشترك واحترام خصوصية كل شعب فيما يختلف فيه عن الشعب الاخر، ولهذا فإن حق تقرير المصير لكل شعب أمر بالغ الخصوصية ويشكل كينونته ويعبر عن مشاعره كشعب، لذلك فإن دولتين في وطن واحد تبدأ رؤيتها باقامة دولتين كاملتا الاستقلال والسيادة على حدود الرابع من حزيران عام ١٩٦٧، دولتان بحدود مفتوحة، وبعاصمة مشتركة، وبضمانات أمنية واضحة ومحددة. وهذا ينقلنا إلى النقطة التالية وهي الأمن، وهي القضية الحاسمة والأساسية لنجاح أي حل سياسي، فكة دولتين في وطن واحد لم تبحث الأمن كقضية منفصلة لها جانب واحد، الأمن الشامل الذي هو جوهر الرؤية يقوم على خلق مصلحة متكافئة للشعبين من هذا الحل، وبالتالي تصبح لديهم ذات المصلحة في حماية هذا الحل والعمل على استدامته وهذا أهم مرتكز للأمن، وضع الشعبين على نفس الخط من المصالح يضعهم بالضرورة على نفس الخط من التهديد، ويصبح الأمن ليس مطلباً، بل ضرورة لهما، وهذا بحد ذاته لا يكفي، فهناك بالضرورة مؤسسة امنية من الدولتين وربما بمشاركة دول أُخرى تقوم بتنسيق الجهود للتأكد من تحقيق الأمن، هذا ؤضافة لأهمية تأسيس ثقافة مختلفة تقوم على المشاركة والديمقراطية واحترام الآخر، الأمن وفق رؤية دولتين في وطن واحد يشمل تطوير البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتعزيز المصالح المشتركة أولاً، ولجعل الأمن مفهوماً ثقافياً للشعبين، وبعد ذلك يتعزز بإجراءات أمنية يتفق عليها الشعبان دون الانتقاص من حقوق الشعبين السيادية والسياسية. وهناك الكثير من التفاصيل لا بد من استيفائها بمفاوضات رصينة وجدية.
إننا أمام رؤية سياسية، وليس اتفاق سلام متكاملاً، لذلك نرى أمامنا مفاهيم عامة وليست بنود اتفاقية، وتكمن اهمية تلك الرؤية في أكثر من جانب، فأولاً هي متوازنة تؤخذ بمجموعها، وليس كل مفهوم على حدة، والتوازن يأتي في مجموع بنودها، إن تغييراً في أحد المفاهيم قد يعصف بهذا التوازن ويجعلها غير مقبولة لأحد الشعبين، لهذا من الأهمية رؤية الغابة وليس الأشجار، بمعنى رؤيتها بتكاملها وشموليتها، وثانياً هذه الرؤية لا تنتج سلاماً يحل مشكلات الوضع الراهن فحسب، بل المشكلات المفترضة لاي اتفاقية سلام، بمعنى أن الاتفاقية تبحث في الاستدامة حتى لا تتحول إلى تجربة فاشلة، إن رؤية مكان القدمين غير كافية لاستظهار الطريق، يفترض رؤية الأفق البعيد والتعاطي معه، وهذا ما اهتمت فيه هذه الرؤية. وليس أخيراً، فإن رؤية دولتين في وطن يتمتع بقسط من الواقعية تمكن حل الدولتين التقليدي الواقعي من النجاح أيضاً، دون استخدام مبضع الجراح المؤلم الذي ينتزع الناس من بيوتهم. واقعيته تنبع من أنه لا يُحدث تغييرات إجبارية قد تُعقّد المشهد وتجعل فرص التطبيق ضئيلة، لا ترحيل إجبارياً، لا تبادل أراضٍ، لا فصل إجباريّاً بين شعبين موجودين في مختلف المناطق، كل ما في الأمر التعاطي مع تلك الأوضاع بطرق إبداعية مختلفة.
لكن أي سلام ومن أي نوع كان سيكون رهناً بالمتغيرات السياسية، وتلك الحرب التي تحولت إلى إبادة جماعية من طرف واحد ستترك آثارها على مسار الشعبين السياسي والوجودي، صحيح أن الحرب خلفت أحقاداً وكراهية غير مسبوقة، وخلفت جرائم غير مسبوقة أيضاً، لكنها خلفت قناعات تكاد تكون غير مسبوقة، وهي أن الحرب لا تمثل طريقاً للوصول إلى ثقة يقينية بالوجود أو الأمن، الحرب هذه أكدت ذلك، ولكن تأثير هذا المفهوم ما زال محدوداً، بل ومحدوداً جداً، ولكن متى سكتت أصوات الرصاص سيجد الشعبان نفسيهما أمام تلك الحقيقة وجهاً لوجه، وهذا ما سيجعل الإمكانية عالية لتغييرٍ كافٍ لإحداث نقلة نوعية باتجاه دولتين في وطن واحد، ليس كحل مفضل، بل كآلية تتوفر لها سبل النجاح لتحقيق حل الدولتين الكلاسيكي، وتنقله من حالة الفشل المزمن إلى أفق النجاح. وثالثاً: إن الفلسطينيين من مواطني إسرائيل ويحملون الجنسية الإسرائيلية هم مواطنون إسرائيليون بكامل الحقوق ودون تمييز، ويتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة، بما فيها الحقوق السياسية كمواطنين إسرائيليين. لهذا، قدمت رؤية دولتين في وطن واحد معادلة مختلفة عن الحلول السابقة في التعاطي مع هذين الأمرين: من حق كل فلسطيني أياً كان مكان سكنه أن يحمل الحنسية الفلسطينية، سواء رغب في العيش في الدولة الفلسطينية أم لم يرغب، ثم تكون الحدود بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية حدوداً مفتوحة تسمح بحرية الإقامة والتنقل والعيش في كلا الدولتين بحقوق مدنية كاملة ودون تمييز، على أن يمارس الفلسطينيون الذين يرغبون العيش في داخل دولة إسرائيل حقوقهم السياسية من انتخاب وترشيح في دولتهم الفلسطينية، بينما يمارس الإسرائيليون الذين يرغبون في الإقامة في الدولة الفلسطينية حقوقهم السياسية من انتخاب وترشيح في دولتهم الإسرائيلية، ويحترم من يقيم في الدولة الأخرى القانون والنظام، ومستعدون للإقامة في الدولة الأخرى تحت نظامها وقانونها وأمنها دون أي تمييز. هذا ليس كل شيء، فالإقامة في البلد الآخر تعني الالتزام بقوانين ونظام البلد والعيش تحت سلطته وأمنه في ظل حقوق فردية كاملة باستثناء الحقوق السياسية التي يمارسها كلٌّ في بلده التي يحمل جنسيتها. هذا الحل يجعل للإسرائيليين، بمن فيهم من يرغب من المستوطنين، المقدرة على العيش في الدولة الفلسطينية كجالية يهودية، كما بإمكان الفلسطينيين، بمن فيهم اللاجئون، إذا رغبوا، أن يعيشو في إسرائيل كجالية فلسطينية، وبهذا يكون في الوطن الواسع مكان للجميع دون تمييز أو عنصرية أو التأثير على النظام السياسي لكلا الدولتين. وبهذا نكون قد أزلنا عقبتين كبيرتين من طريق السلام بين الشعبين، وأكثر من ذلك فإننا خلقنا فرصة لهذا السلام بأن يستمر حتى لو تغيرت موازين القوى، إن هذا الحل يزيل مشاعر التناقض بين مفهوم الوطن ومفهوم الدولة، فكل البلاد مكان ممكن للعيش لكلا الشعبين، بينما كل شعب يحقق حق تقرير المصير المعبر عن طموحه الوطني في دولته المستقلة دون ان يغلق الباب أمام الشعب الآخر في العيش أينما أراد، ودون أن يُحدث خدشاً في مشاعر الشعب الآخر تجاه كل الوطن.





شارك برأيك
كيف يمكن لحل الدولتين أن يتجاوز أسباب إخفاقه؟!.. "دولتان في وطن واحد" الآلية التي تحقق ذلك