أقلام وأراء

الجمعة 07 نوفمبر 2025 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تفكير ما بعد الإبادة: من خطاب الضحية إلى مشروع التحرر

أظهرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أن منظومة الاستعمار الإسرائيلي تحوّلت من التدمير المادي للشعب الفلسطيني إلى الإبادة الكاملة، وكسر إرادة الشعب الفلسطيني وإعادة بناء المجتمع الفلسطيني على مقاس تفكيك قدرته على الصمود، ومراكمة أدوات ضغط اقتصادي واجتماعي تهدف إلى جعل الشعب الفلسطيني رهينة وضعية لا خيار له فيها إلا الخضوع أو الاستسلام. إن النظر إلى ما يجري ليس كحادث عرضي أو مأزق تكتيكي محلي، بل كمشروع أيديولوجي تاريخي متكامل، هو باب ضروري لفهم الواقع الفلسطيني الراهن.

أولاً: علينا أن نعيد طرح "القضية الرئيسية" من منظور تفكيك الأيديولوجيا التي تؤسس للإبادة الجماعية، لا فقط كنتاجٍ لبلوغ الحركة الصهيونية ذروة نفوذها، بل كشراكة دوليةـ رأسمالية مؤسسية. ففي الوقت الذي لم يستطع فيه العالم، رغم بث المجازر على شاشاته، أن يوقف جريمة الإبادة، فإن ذلك يعني أن هناك أكثر من إرادة عدوان وحسب، وإنما وجود منظومة مصالح دخلت في عقد من التواطؤ مع الاحتلال، وهذا الفعل التواطئي ليس ميدانياً فقط، بل يشمل النصوص والاتفاقات الدولية التي تبرر أو تغلف الانتهاك باسم وقف إطلاق النار أو عادة الإعمار، بينما ما يحدث هو إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني ضمن منطق ما بعد الإبادة.

ومن هنا، فإن أي مقاربة لا تطرح المساءلة عن الإبادة الجماعية لا تصلح للتعاطي مع القضية الفلسطينية، يجب أن نقرأ النصوص (اتفاقات، قرارات، تصريحات) كأدوات في ترسانة الإبادة، لا كخلاصات تبرر التعايش أو الانتظار.

ثانياً: لا يكفي أن ننظر إلى إعادة الإعمار في غزة أو في الضفة على أنها أعمال إنسانية أو مساعدات للناجين، بل يجب أن تُعرض كجزء من متطلبات العدالة ومساءلة الاحتلال؛ فإعادة الإعمار من دون مساءلة تصبح تسوية مُقنعة تغلف الانتصار الرمزي للاحتلال وتقلص من قوة المقاومة الشعبية والسياسية. لذا، فإن التقدم في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يبدأ إلا من جذور العدالة والمساءلة ومواصلة النضال الفلسطيني داخلياً، والتحول نحو تشبيك أكبر مع النضال العالمي المناهض للعنصرية والأبارتهايد وبناء رأي عام دولي يتعامل مع فلسطين كقضية سيادة وطنية كاملة وشعب له الحق في تقرير مصيره.

ثالثاً: إنّ حركة الوحدة الفلسطينية والشراكات بين النساء والشباب والمؤسسات المحلية تُعد مدخلاً استراتيجياً مهماً للتعامل مع هذا المشهد الشامل، فالشباب والنساء ليسوا تابعين لمرحلة ما بعد الصدمة فحسب، بل هم لبنة إعادة بناء إرادة وطنية مقاومة قادرة على أن تشكل قاعدة اجتماعية تتجاوز تحولاتُها حالتَي المراقبة والصدمة إلى حالة إنتاج البديل الوطني "إنتاج القرار والمواقف"، ما يضعهم في قلب المعادلة، ويمنحهم قدرة على استثمار هذه المقاربة في بناء النظام السياسي الفلسطيني من الداخل.

رابعاً: إن مقاربة الكفاح السياسي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن المشهد الدولي ليس عرضياً أو مفاجئاً، وإنما هو مترابط مع حركة التضامن العالمية ومع نموذج العدالة النوعية التي خرجت من رفض الإبادة. إن حالة التضامن مع الشعب الفلسطيني اليوم ليست فقط رفضاً للاحتلال أو للعدوان، بل رفض للإبادة الجماعية بوصفها منهجاً، ومن هنا يصبح تكوين تحالفات دولية من منطلق العدالة الإنسانية والسياسية معاً أمراً مركزياً هذه التحالفات ترفع من قدر فلسطين ليس كضحية، بل كفاعل نقدي، ليس كمن ينتظر قراراً دولياً، وإنما كمن يشكل قراراً على المستوى الدولي مفصلاً على أساس مبدأ سيادة الشعب الفلسطيني وقواه الناعمة.

خامساً وأخيراً: التحدي الوطني داخل فلسطين هو أن نستثمر هذه المقاربة في إنجازات محددة: (1) تحرير الخطاب الوطني من منطق التبرعات أو "المساعدات" إلى منطق الحقوق والواجبات. (2) إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني والبديل السياسي ليس باعتباره امتداداً لوضع قائم، بل باعتباره تجاوزاً له مبنياً على مقومات سيادة حقيقية مؤسساتية وشعبية. (3) تحويل العدالة والمساءلة إلى أدوات ضغط سياسية وقانونية داخلية وخارجية تستهدف محاسبة الاحتلال، وتفكيك علاقاته الاقتصادية والاجتماعية مع بنى الدولة الفلسطينية والعالم الرأسمالي.

دلالات

شارك برأيك

تفكير ما بعد الإبادة: من خطاب الضحية إلى مشروع التحرر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.