تشهد الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، أسهمت في اتساع حالة الاغتراب بين شرائح واسعة من المجتمع والنظام السياسي القائم. فالكثير من الشباب والطبقات العاملة باتوا ينظرون إلى النظام باعتباره خاضعًا لسيطرة نخبة مالية ضيقة تملي توجهاته وتتحكم بمراكز صنع القرار، مما أدى إلى تآكل القدرة الرمزية لفكرة "الحلم الأميركي" التي قامت على وعد بإمكانية التقدم الاجتماعي من خلال الاجتهاد والتعليم والعمل. يجد الشاب الأميركي المعاصر نفسه مثقلا بديون جامعية باهظة، وفاقدا القدرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية مثل السكن الملائم والرعاية الصحية وبناء أسرة، أو حتى تحقيق استقرار وظيفي نسبي، ما ينعكس على شعور عام بالإحباط والشك في عدالة النظام الاجتماعي والاقتصادي.
وتتفاقم هذه الأزمة مع التراجع النسبي لموقع الاقتصاد الأميركي مقارنة بصعود قوى اقتصادية منافسة، وفي مقدمتها الصين، ما يولد شعورا واسعًا بالقلق تجاه المستقبل. هذا القلق يتجسد في إدراك متزايد بأن السياسات الاقتصادية الراهنة، خصوصا تلك التي اعتمدت خلال إدارة ترامب، منحت امتيازات ضريبية واسعة لأصحاب الثروات الكبرى على حساب الفئات الوسطى والدنيا. وبذلك، تعمّقت القناعة بأن النظام السياسي والاقتصادي لم يعد يعمل لصالح الأغلبية، بل لصالح أقلية مترابطة المصالح والنفوذ، ما يخلق حالة من الإحباط السياسي ويعقد إمكانية التغيير من الداخل.
في هذا السياق، يكتسب صعود زهران ممداني إلى موقع سياسي في نيويورك أهمية خاصة، إذ لا يمثل فوزه حدثًا انتخابيا عابرا، بل ثمرة تشكيل ائتلاف اجتماعي واسع من الأقليات العرقية والإثنية غير البيضاء؛ الأفارقة واللاتينيين والآسيويين والمهاجرين الجدد والمسلمين والنساء. هذا المشهد يعكس تآكل سردية "بوتقة الصهر" التي بنيت عليها الهوية القومية الأميركية، والتي افترضت إمكانية دمج الجميع في هوية واحدة مشتركة تقودهم نحو حلم مشترك. اليوم، تشعر قطاعات واسعة من تلك الأقليات بأن المؤسسات السياسية والاقتصادية الكبرى، من الكونغرس والبيت الأبيض والقضاء، إلى وول ستريت وهوليوود والإعلام والجامعات وشركات التكنولوجيا، لا تمثل مصالحها ولا تعكس تطلعاتها، بل تعمل أداة لمصالح نخبة محددة.
تُرى هذه المؤسسات، في نظر الكثيرين، بوصفها أدوات للتسيير والسيطرة بيد أوليغاركية مالية متوحشة، تتحكم في الموارد والثروة والقرار، وتدير سياسات الداخل والخارج وفق منطق الهيمنة والمصلحة، وليس وفق القيم الديمقراطية المعلنة. فالسياسات الأميركية الخارجية، سواء تلك المرتبطة بالحروب أو التدخلات أو دعم الانقلابات أو فرض الضغوط الاقتصادية على الدول، صارت جزءًا من منظومة تحركها مصالح الشركات العابرة للقوميات ومجمعات الصناعات العسكرية والأمنية، كما ظهر في العراق وليبيا وسوريا أو ابتزاز محميات الخليج مقابل ما يسمى "الحماية". هذه الأمثلة تعكس كيف تتداخل القوة الاقتصادية مع السياسة الخارجية لتشكيل منظومة معقدة لا تخضع بسهولة لأي إصلاح أو تغيير.
على المستوى الاقتصادي الداخلي، يواجه مشروع ممداني عقبة بنيوية تتمثل في التركز الشديد للثروة، إذ تمنح القوة المالية الهائلة لدى نخبة صغيرة قدرة واسعة على تمويل حملات سياسية مضادة، وامتلاك وسائل إعلامية مباشرة أو غير مباشرة، والضغط على البيروقراطية وصانعي القرار. تشير تقارير أوكسفام والاحتياطي الفيدرالي وبلومبرغ إلى واقع صادم في توزيع الثروة داخل الولايات المتحدة، حيث يمتلك أغنى أربعمائة أمريكي ثروة تقارب ما يمتلكه نصف الشعب الأمريكي الأكثر فقرا، فيما يمتلك أغنى واحد بالمئة نحو ثلث الثروة الوطنية، وعلى المستوى العالمي أفاد تقرير أوكسفام لعام ٢٠١٦ أن أغنى اثنين وستين شخصًا يمتلكون ثروة تعادل ما يمتلكه نصف سكان العالم الأفقر. هذا التركّز المذهل للثروة داخليا وكونيا يشكل تحديًا هائلًا أمام برنامج ممداني، إذ أن أي مسعى لإعادة توزيع الموارد وتحقيق العدالة الاقتصادية سيصطدم بمقاومة المصالح الراسخة، كما أن حماية الفئات الأضعف وضمان استفادتها من الإصلاحات يتطلب استراتيجية دقيقة توازن بين تحفيز الاقتصاد ومواجهة الاقصاء الاجتماعي، ما يجعل المهمة أكثر تعقيدا من مجرد تصور نظري، خاصة في مدينة نيويورك التي تعتمد تاريخيًا على رؤوس أموال المطورين العقاريين والشركات الكبرى لتمويل المشاريع العامة، مما يمنح هذه الأطراف نفوذا فعليًا يسمح لها بتعطيل أو إبطاء أي إصلاح يهدد مصالحها، سواء عبر تهديد بسحب الاستثمارات أو إعادة هيكلة الأسواق.
ويتجسد مشروع ممداني التمكيني في أربع ركائز أساسية: اعتبار السكن حقًا غير قابل للمساومة، توفير نقل عام مجاني، فرض ضرائب تصاعدية على الثروة، وتوسيع الخدمات العامة. هذه الركائز بطبيعتها تتحدى مصالح رأس المال العقاري والمالي، وبالتالي يتوقع أن تواجه مقاومة شرسة، ليس فقط في المجلس المحلي، بل أيضا في المحاكم ووسائل الإعلام والرأي العام المؤطر. ومع ذلك، فإن مشروع ممداني لا يتحرك في فضاء خال من الإمكان، فالأزمات الاجتماعية الحادة التي تعصف بنيويورك - ارتفاع الإيجارات إلى مستويات خانقة، تدهور النقل العام، واستفحال اللامساواة - خلقت استعدادًا شعبيا للاستماع إلى بدائل سياسية جديدة. صحيح ان رأس المال يمتلك القوة، لكن المجتمع يمتلك الحاجة، وهو ما يتيح إمكانية التغيير شرط بناء تنظيم شعبي واسع وتحالفات ميدانية ونقابية واجتماعية طويلة النفس، وليس الاعتماد فقط على العمل داخل قنوات النظام السياسي.
أما على المستوى الحزبي، فقد يساهم صعود ممداني في تعميق التباين بين الجناح التقدمي والجناح الوسطي التقليدي داخل الحزب الديمقراطي، إلا أن التجارب التاريخية - مثل تجربة "ديمقراطيّي ريغان" في الثمانينيات - تشير إلى أن الانقسام الحزبي لا يضمن بالضرورة انتصار التيار التقدمي، إذ يمكن للنيوليبرالية أن تخترق الحزب وتعيد توجيهه لصالح سياسات داعمة لرأس المال. لذلك، يمثل مشروع ممداني فرصة سياسية مهمة، لكنه يتحرك داخل بنية شديدة المقاومة، ويتطلب النجاح تحويل التأييد الاجتماعي إلى قوة تنظيمية مستدامة، قادرة على مراكمة النفوذ عبر الزمن، في مواجهة تركز الثروة والسلطة في الولايات المتحدة.





شارك برأيك
زهران ممداني في مواجهة تركز الثروة والنظام الأميركي