أقلام وأراء

الإثنين 27 أكتوبر 2025 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا يعني ضمّ الضفة؟

لم يعد مشروع ضمّ الضفة الغربية مجرد طرح سياسي عابر في الخطاب الإسرائيلي، بل أصبح توجهاً استراتيجياً يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تهدف إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة وإعادة صياغة المشهد السياسي في المنطقة بما يخدم منطق السيطرة الدائمة. فإسرائيل لم تعد تتحدث عن ضمّ جزئي أو مؤقت، بل عن عملية تاريخية تنهي تماماً أي فصل جغرافي أو قانوني بين أراضي عام 1948 والضفة الغربية، لتتحول الأخيرة إلى جزء من كيان واحد تُدار فيه الأرض والسكان وفق منطق التفوق القومي والديني.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الذي تلا الحرب على غزة، حيث وجدت إسرائيل في الانشغال الدولي بإعادة الإعمار، وفي انقسام الموقف الفلسطيني الداخلي، فرصة لتمرير سياسات ميدانية تتجاوز حدود إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله جذرياً. فالضمّ بالنسبة لصنّاع القرار في تل أبيب هو وسيلة لتصفية المرحلة التي بدأت باتفاق أوسلو، وتكريس واقع لا يسمح بعودة التفاوض حول حلّ الدولتين. إنه إعلان غير رسمي لنهاية مرحلة الدولة الفلسطينية المحتملة، وبداية مرحلة جديدة عنوانها السيطرة الديموغرافية والاقتصادية الكاملة.

لكن الأخطر من كل ذلك هو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تتعامل مع الضمّ باعتباره إجراءً سياسياً فحسب، بل باعتباره تحقيقًا لعقيدة دينية توراتية ترى في الضفة الغربية قلب "أرض الميعاد". فداخل هذه الحكومة تتغلغل تيارات أيديولوجية يمينية متطرفة لا تؤمن بوجود الفلسطينيين كشعب، وتعتبر بقاءهم في الأرض المحتلة خطأً تاريخياً يجب تصحيحه. لذلك تتحول القرارات الحكومية إلى أدوات عقائدية تجرّ المجتمع الإسرائيلي نحو حالة من الغلوّ الديني والقومي، ما يجعل الصراع في نظرهم مقدساً لا يقبل المساومة.

هذه النزعة العقدية تدفع بالضرورة نحو انفجار وشيك وحتمي، لأن استمرار تجاهل حقوق الفلسطينيين وإلغاء وجودهم السياسي والجغرافي سيولّد حالة مقاومة متصاعدة، لن تبقى محصورة في إطارها المحلي. فكل محاولة لفرض الضمّ ستقابل برد فعل شعبي وميداني يعيد الصراع إلى نقطة الغليان، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مشحونة وغليان اجتماعي عربي يرى في السياسات الإسرائيلية استفزازاً مباشراً. إن الحكومة الإسرائيلية الحالية بمزيجها من التطرف الديني والسياسي تدفع إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود فلسطين لتشعل المنطقة بأكملها.

من الناحية القانونية، يبقى الضمّ خرقاً واضحاً للقانون الدولي وللشرعية الأممية، إذ لا يجوز لدولة الاحتلال أن تنقل سيادتها إلى أراضٍ محتلة أو تُسكن مستوطنيها فيها. غير أن إسرائيل تراهن على ضعف النظام الدولي وتشتت أولوياته بعد أن فقدت المؤسسات الدولية قدرتها على فرض العقوبات أو حتى الضغط السياسي الفعلي. وهكذا يتحول القانون الدولي إلى أداة رمزية تُستدعى في الخطاب دون أن تمتلك أي أثر رادع على الأرض.

في المقابل، يواجه الفلسطينيون واقعاً معقداً يفرض عليهم مراجعة شاملة لمفهوم المشروع الوطني. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمفاوضات متوقفة أو بخطط تسوية مؤجلة، بل بصراع وجودي على الأرض والهوية. لذلك يصبح المطلوب اليوم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ليكون قادراً على تحويل التحدي إلى فرصة، وعلى الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل في مواجهة المشروع الصهيوني الجديد. وهذا لا يتحقق إلا بتوحيد الموقف الداخلي وبتجديد الخطاب السياسي ليعكس واقع ما بعد الحرب لا ما قبلها.

أما على المستوى العربي، فقد تراجع حضور القضية الفلسطينية في الأجندة الرسمية نتيجة لتبدّل أولويات الأنظمة وانخراط بعضها في مسارات تطبيع جديدة. غير أنّ الشعوب ما زالت ترى في فلسطين جوهر الصراع العربي ومصدر التوازن الأخلاقي في المنطقة، وهو ما يمنح الفلسطينيين سنداً معنوياً وشعبياً لا يمكن تجاهله، رغم برود المواقف الرسمية.

الضمّ إذن ليس مجرد خطوة إسرائيلية أحادية، بل هو إعادة تعريف لطبيعة الصراع برمّته. فبدلاً من أن يكون صراع حدود أو تفاوض على دولة، أصبح صراعاً على الهوية والوجود وعلى من يملك حق تعريف الأرض ومن يسكنها. هذه التحولات تُعيد القضية الفلسطينية إلى أصلها التاريخي كقضية تحرر وطني، بعد أن أُغرقت لسنوات في مسار التسويات.

وفي ظلّ المشهد الإقليمي والدولي الراهن، يبدو أن إسرائيل تراهن على (نظام عربي) مفكك وعلى نسق دولي منشغل بأزمات أخرى، بينما يبقى الرهان الحقيقي على وعي الفلسطينيين وقدرتهم على استعادة زمام المبادرة. فضمّ الضفة، بمعناه العميق، ليس نهاية الصراع، بل بداية لمرحلة جديدة تُلزم الفلسطينيين بإعادة إنتاج مشروعهم الوطني على أسس أكثر صلابة، قادرة على الجمع بين المقاومة السياسية والشعبية، وعلى استثمار التحولات الإقليمية لصالحهم بدل أن تكون ضدهم.

دلالات

شارك برأيك

ماذا يعني ضمّ الضفة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.