رغم مرور أكثر من عشرة أيام على إعلان وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال الهدنة قائمة على أرضية رخوة، أقرب إلى هدنةٍ مؤقتة منها إلى اتفاقٍ مستقرّ. فبينما يلتقط السكان أنفاسهم بعد أكثر من عامين من الدمار، تتحوّل مرحلة ما بعد الحرب إلى حلبة صراعٍ جديدة بين القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى ترسيخ نفوذها في المشهد الفلسطيني.
إسرائيل، التي رضخت للهدنة بضغطٍ أميركي ودولي متزايد، تشترط أي إعادة إعمار بضماناتٍ أمنية مشددة تمنع – بحسب تعبيرها – "عودة حماس إلى التسلّح". هذه المقاربة الأمنية تجد صداها في واشنطن، التي تسعى إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب بما يحفظ مصالحها ويُقلّص في الوقت نفسه من مساحة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وكان من اللافت سعي جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ الساعة الأولى لوقف إطلاق النار ، لانتهاز أي فرصة ممكنة كي يصب لهيب طائراته المقاتلة، ونيران مدافعه على الشعب الغزي المنكوب، تحت ذرائع واهية، مثل تجاوز الخط الأصفر ، وهو خط اعتباطي قررت إسرائيل قتل كل من يحاول الوصول إليه في إطار الرجوع إلى الأماكن التي نزحوا منها. وقد أصدر وزير الحرب الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، تعليماتٍ لجيش الاحتلال بترسيم "الخط الأصفر" داخل غزة وقتل كل من يتجاوزه، وفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية.
ويفصل "الخط الأصفر" المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية - أكثر من 50% من غزة - كما هو موضح في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة.
وفقًا للمرحلة الأولى من الخطة، انسحبت القوات الإسرائيلية خلف الخط، الذي سيصبح الآن "منطقة موت" مع تطبيق سياسة "إطلاق النار فورًا" على الجنود.
في المقابل، تحاول السلطة الفلسطينية، بدعمٍ مصري وأوروبي، استعادة موقعها في إدارة القطاع، بينما ترفض حماس أي ترتيبات تُقصيها عن المشهد، وتتمسّك بحقها في أن تكون طرفًا مباشرًا في عملية الإعمار. هذا التنافس بين رام الله وغزة يعكس عمق الانقسام الفلسطيني الذي يعرقل أي جهد دولي أو عربي منسق لإعادة البناء.
أدوار متداخلة وتنافس إقليمي
تتصدّر قطر ومصر وتركيا مشهد الوساطة والإغاثة، لكن تباين أجنداتها يجعل التنسيق بينها هشًّا. فالدوحة تركز على البعد الإنساني والسياسي لدعم غزة، بينما تسعى القاهرة لتثبيت دورها الإقليمي وتأمين حدودها، في حين تراهن أنقرة على دبلوماسيةٍ مرنة تتيح لها الحوار مع جميع الأطراف. هذا التعدد في المسارات يُضعف إمكانية التوصل إلى رؤيةٍ موحدة لمرحلة ما بعد الحرب.
ارتدادات إقليمية وحسابات دولية
بحسب الخبراء، لا يمكن النظر إلى غزة بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فلبنان يشهد توترات متقطعة بين "حزب الله" وإسرائيل، وإيران تراقب الوضع عن كثب وتعتبر أي إعادة إعمار برعاية أميركية محاولة لتهميش نفوذها في محور المقاومة. وفي واشنطن، تُحاول إدارة الرئيس دونالد ترمب استثمار الهدنة في غزة لتسويق نفسها داخليًا كصانعة سلامٍ في الشرق الأوسط، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.
تبدو الهدنة في غزة أشبه باستراحةٍ قصيرة بين حربين، أكثر منها بداية لمسارٍ سياسي مستدام. فالإعمار، على أهميته، ليس مشروعًا هندسيًا فحسب، بل معركة سياسية على مستقبل القطاع وموقعه في توازنات الإقليم. وبين رهانات الداخل وضغوط الخارج، تبقى غزة عالقة بين هدنةٍ هشةٍ وإعمارٍ مؤجّل، بانتظار لحظةٍ إقليمية ودولية أكثر نضجًا قد تمنحها فرصة حقيقية للحياة.
بين تعقيدات الواقع الميداني وحسابات العواصم الإقليمية والدولية، يبدو أن طريق غزة إلى الإعمار محفوفٌ بالمخاطر أكثر من طريقها إلى الهدنة. وفي صميم الأزمة تكمن الكارثة الإنسانية والبنية التحتية المنهارة. أحياء كاملة سُويت بالأرض، وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي معطّلة إلى حدٍّ كبير، والمستشفيات تعمل بأقل طاقتها إن وُجدت. وتقدّر منظمات الإغاثة الدولية أن كلفة إعادة إعمار القطاع قد تتجاوز التوقعات السابقة بمليارات الدولارات، نظرًا لحجم الدمار وعمق الأزمة الإنسانية.
أما على الصعيد الأمني، فما زالت الخروقات المحدودة وعمليات القصف المتقطعة تذكّر بأن وقف النار ليس مستقرًا بعد. ومن دون إطار سياسي شامل يعالج جذور الصراع، يخشى المراقبون أن تنهار جهود الإعمار في حال قرار إسرائيلي باستئناف الحرب.





شارك برأيك
غزة بين هدنةٍ هشّة وإعمارٍ مؤجَّل