فلسطين

الخميس 16 أكتوبر 2025 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

اضحك مع ترمب !

إبراهيم ملحم

منذ اللحظة الأولى التي هبط فيها من طائرته الفخمة في المنطقة، وامتطى صهوة "الوحش" -اللقب الذي يُطلَق على سيارته الرئاسية- التي ترافقه في حله وترحاله، ليجتاز بها المطبات التي تعترض طريقه، لم يتوقف نجم تلفزيون الواقع عن تقديم عروضه على المسرح، وإدهاش مشاهديه بذرابة لسانه ضد خصومه وحلفائه، مثيرًا الجدل تارة، وطورًا باعثًا للسخرية والضحك حد الاستلقاء على الظهر؛ من فرط مفاجآته وتلطيشاته وقفشاته، التي بدا فيها أحيانًا كناظرٍ يُجيد التشغيب على زملائه في مدرسة الهادئين، أو مثل فيلٍ في متجر الفخار، يكسر أواني البروتوكول، ويدهس كلّ من يعترض طريقه، أو يبخل في إشباع غروره بالثناء على حضوره والتغزل في إنجازاته، التي لم يسبقه إليها أحدٌ من أسلافه، ومن فجاجته أنْ جاهر بكراهيته لاثنين من القادة الحاضرين معه لم يذكرهما، تاركًا الأبواب مفتوحة للتكهنات.

أغرق الشاشات بالأخبار العاجلة، والتصريحات المتناقضة، والتدخلات الفجة في شؤون الدول والرؤساء، وأجهزة القضاء، ولم ينسَ التلسين على سلفه "جو النعسان"، وهيلاري خصيمته التي يكرهها كرهه للموت.

للإنصاف؛ فالرجل الصاخب صاحب الذات المتضخمة له من المحامد مثلما له من المثالب، وإنْ كانت كفة مثالبه ترجح على كفة محامده، فمن محامده، التي لو لم يكن له سواها لَكَفته، وقف الحرب، فليس ثمة من لديه القوة لوقف جرافة المقتلة التي يقودها عجوز الليكود منذ عامين، معصوب العينين، وتتملكه نوازع الثأر والانتقام من النساء والأطفال، سوى مدحلة ترمب التي اعترضته وفرملت اندفاعه، ورشّدت جنونه، حمايةً له، بعد أن لم يعد أحدٌ في العالم يطيقه أو يدافع عن مقارفاته.

ومن محامده، أيضًا، أنه على غروره، ونرجسيته، وافتتانه بنفسه، لم يبخل بالإطراء والمديح على وزرائه، فلا يغار من نجاحاتهم وإنجازاتهم، ففي جميع لقاءاته كان يُكثر من الثناء عليهم، ويدعوهم بأسمائهم، ويطالبهم بالوقوف، لينالوا تصفيق الحضور لهم، حتى أنه رفع "ستيف" إلى منزلة كيسنجر، مستحسنًا أداءه، وممتدحًا إنجازه، وهي سجيّة لا تتوفر للكثير من المسؤولين الذين تستبد بهم أمراض التفرد والتطاوس والسيطرة، وسرقة الإنجازات، والتقليل من قيمة نجاحات غيرهم، وينسبون كل إنجازٍ لهم، حتى وإنْ كان لا أثر لهم فيه، ليظلوا هم وحدهم في كادر الصورة، وما سواهم يأتي خلفهم.

في مذكراته "سنواتي مذكراتي" الصادرة عن "دار الفرجاني" ٢٠٢٣، يذكر الدبلوماسي والمثقف الليبي المعروف عبد الرحمن شلقم، الذي تقلد وزارتي الإعلام والخارجية خلال حقبة حكم القذافي، أنه عانى كثيرًا من غيرة وحسد مدير المخابرات موسى كوسا، الذي ألّب القذافي عليه ليُقيله من منصبه، لولا اكتشاف الزعيم أنّ ما كِيلَ لوزيره من اتهاماتٍ كان كيديّاً، فأحضر خصمه، وقال له: "توقف عن الغيرة و الحسد، إنك تغار منه غيرة النساء".

لا يزال في جعبة الحاوي الكثير، فهو مستمرّ معنا كالقضاء المبرم لأكثر من ثلاثة أعوام، سنرى خلالها العجب العجاب من الإدهاش، بينما يجري على لسانه كل ما يخطر على باله، ويسارع لنشره دون فلترةٍ على منصته الخاصة، ويتركنا نغرق في تفسير أقواله والتنبؤ بقادم أفعاله، مستحضرًا قول المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها .. ويسهر الخلق جراها ويختصم.

دلالات

شارك برأيك

اضحك مع ترمب !

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.