… وفي اليوم الثاني بعد العام الثاني، في التاسع من تشرين الأول ٢٠٢٥، وبعد النازلة الثقيلة التي أصابت البشر والحجر في قطاع غزة، وضعت الحرب أوزارها، وانطفأت نيرانُها على الأرض، لكنها ظلت تمور وجعًا في القلوب المكلومة، وتومض دمعًا سخينًا في المآقي الحزينة على فقد الأبناء والبنات، والآباء والأمهات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والأجداد والجدات، أُبيدت عائلات، وخرجت عن الخدمة مستشفيات، وقُصفت آبار المياه والمخابز والتكيات، وذهب شقاء العمر بتدمير الأبراج والمنازل حاضنة الأحلام والآمال والذكريات.
تصدى المقاومون للغزاة، وسُجلت بطولات، باقتحام أحدث الدبابات، بينما كان الجنود يفرون مذعورين أمام مَن نذروا أرواحهم للدفاع عن أرضهم وكرامة أوطانهم.
في اليوم الثاني بعد العام الثاني، تقاطر مندوبو الدول إلى مصر، للإشراف على نجاح المفاوضات التي وضعت حدّاً لإبادةٍ أفجعت القلوب، وزلزلت شوارع العواصم بصرخات الحرية، وامتلأت البحار بسفن الإغاثة للمجوعين في السعير، الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت، وأكلوا حشاش الأرض وعلف الحيوانات، وشربوا مياه البحر بعد أن غيض الماء وشح الدواء، فهزلت الأجساد حتى بان العظم من اللحم.
في عامي الإبادة والمسغبة الشديدة، عاش الناس في خيامٍ باليةٍ لا تقي قرّا، ولا تدرأ حرّا، وكانت القذائف تسقط على رؤوسهم فتحرق فلذات أكبادهم، وتذيب أجسادهم أمام عيونهم، وتطمر أرواحهم تحت أطلال منازلهم.
اكتظت المستشفيات بالمصابين، والمقابر بالجثامين، والشوارع بالمشردين، نازحون يُغيثون نازحين، وجرحى يسعفون مصابين، انتشرت المسيّرات فوق المدن والقرى والبلدات كالحشرات، توزع القنابل على الأسطح وغرف النوم والشرفات، فقُتل وأُصيب كل يوم ما يعادل صفّاً مدرسيّاً من الأطفال، بمعدل طفل كل سبع عشرة دقيقة.
في اليوم الثاني بعد العام الثاني، انكشفت المواجع، واختلطت مشاعر الفرح بانطفاء المحرقة، بتباريح الألم على شهداء الإبادة والمفقودين والمعذبين في ظلمات الزنازين.
في اللحظات الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لم يشأ الجُناة أن ينهوا الإبادة إلا ببصمةٍ تُشبههم، لتظلّ شاهدةً على ما يصوغ فكرهم، ويعتمل قلوبهم، من ضغائن وأحقاد، ونوازع الانتقام التي تتسلط على عقولهم، فقتلوا وجرحوا العشرات من النساء والأطفال.
عامان كاملان طُويا في ذاكرة الزمن، كابد خلالهما المصلوبون على السفود في الظلمات الخوفَ والجوع، ونقصًا من الأموال والأنفس والثمرات، قبل أن يأتي عامٌ فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون… وينتصرون بإرادة الحياة!





شارك برأيك
.. عامٌ فيه يُغاث الناس!