أقلام وأراء

الأربعاء 01 أكتوبر 2025 12:55 مساءً - بتوقيت القدس

تصفية السعي الوطني: «سلام ترامب» واستهداف المشروع الفلسطيني المقاوم والمسالم

في 29 سبتمبر 2025، أعلن البيت الأبيض ما سُمّي «الخطة الشاملة لوقف الحرب في غزة». على السطح، قد تبدو المبادرة إنسانية تهدف لوقف القتال وإيصال المساعدات وإعادة الإعمار؛ وهذا ما تسعى وسائل الإعلام والمحللون المُستعربون والمُتصهينون للترويج له. لكن القراءة المتعمقة لبنودها ومنطقها تكشف عن هدف أعمق وأخطر: إنها ليست مجرد محاولة لإعادة ترتيب الساحة الأمنية، بل مشروع لتصفية المشروع الوطني الفلسطيني بكامله— بما يشمل المقاومة المسلحة، والسياسة المدنية، والنضال الدبلوماسي، وكل أشكال السعي إلى الحرية والسيادة.

من «مكافحة الإرهاب» إلى تجريم الحق الطبيعي
البند الافتتاحي الذي يعرّف غزة كـ*«منطقة خالية من الإرهاب»* ليس مجرد وصف أمني، بل أداة لغوية سياسية تحوّل المشهد. عندما تُختزل القضية في «ملف أمني»، تُمحى الشرعية الوطنية ويُلغى البعد التاريخي للاحتلال. المقاومة، في سياق واقع احتلال طويل ونكبة متواصلة، ليست فعلاً منفصلاً عن حق شعب في تقرير مصيره؛ إنها ردّ فعل على غياب العدالة والقهر الممتد عبر أجيال. إعادة تعريف المقاومة كـ*«إرهاب»* تستلزم بعدها استبعاد كل المطالب الوطنية من دائرة المشروعية، وتحويل النضال إلى جريمة تحتاج إلى «عفو» أو «ترحيل» أو «تطبيع».

السلطة الفلسطينية: الرفض المزدوج للحلول
المفارقة المُقلِقة هي أن الاستهداف لا يقف عند فصيل مسلّح بعينه. فالسلطة الفلسطينية، رغم كل الانتقادات وحاجتها للإصلاح، تبقى تمثيلاً مؤسساتياً لإرادة شعب يطالب بدولة وسيادة وحقوق. الخطة تتعامل مع السلطة كطرف لا يُعد جديراً بالثقة، أو كمعيق يُستبدل بإدارة دولية تقنية لحين التزامها بكل الإملاءات الإسرائيلية. النتيجة: استبعاد كافة المكونات الفلسطينية – من فصائل وسلطة وشخصيات وطنية مستقلة – واستبدالها بهيئات تكنوقراطية دولية لا علاقة لها بمشروعية الممثلين ولا بتاريخ الشعب.

تصفية السيادة مقابل «الرفاه» المشروط
إغراءات التنمية، والاستثمارات، والمناطق الاقتصادية الخاصة تُعرض كحل سحري. لكنها في الواقع قفص ذهبي: رفاه مقيّد يقابله فقدان القرار والسيادة. جعل الرخاء المعاشي بديلاً عن الحقوق السياسية يعني أن الحقوق الوطنية تتحول إلى سلعة تُباع أو تُمنح. هذا منطقٌ لا يحرر، بل يقيّد: يبقى الناس في صورة حياة مريحة جزئياً، لكن على حساب حقهم في تقرير مصيرهم والسيطرة على مستقبلهم.

وصايةٌ جديدة باسم «السلام»
الهيئات الانتقالية، ومجالس السلام الدولية، والإشراف الخارجي «الفني»، كلها صيغ لنسخ حديثة من الوصاية والانتداب. ولكي يُذكِّرونا بتاريخ الاستعمار، جلبوا لنا توني بلير. الفارق أن هذه المرة تُطرح الوصاية بأدوات فخمة: خبراء، استثمارات، ومشاريع بنية تحتية. لكنها تبقى وصاية؛ إذ تُفرض قرارات جوهرية على شعبٍ لا يُشارك فعليًا في صياغتها. هذا التحوّل من حكم محلي إلى إدارة خارجية يغيّب الشعب ويقلّص دوره من صاحب قرار إلى مُتلقٍّ للمساعدات.

«حرية المغادرة» والتهجير الناعم
التأكيد على «حرية المغادرة» كخيار ينزلق بسهولة إلى سياسة تهجيرٍ ناعم. فتح قنوات الرحيل، وتسهيل الإغراءات بالخروج، وتجميلها بصيغة «طوعية» لا يُغيّر كونها جزءًا من مشروع تفريغ أرضي طويل الأمد، خاصة عندما تُرافقها ضغوط اقتصادية وأمنية مستمرة. إنه تهجير ببطء، أقل دموية لكنه بفعالية الإزاحة نفسها.

معادلة صفرية للشعب: الرضوخ أم الإبادة؟
الخطورة الحقيقية هي أن الخطة تضع الشعب الفلسطيني كله — وليس فصيلاً أو قيادة بعينها — أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام والرضوخ لمشروع يغتال سيادته ويبدّل حقه بالرفاه المشروط، أو المواجهة التي قد تُفضي إلى مزيدٍ من العنف والتهجير. هذه «المعادلة الصفرية» ليست طرحًا تكتيكيًا فحسب، بل مشروع استراتيجي لتصفية المطالب الوطنية وتحويل القضية من صراع سياسي عادل إلى مشروع إداري–اقتصادي يُدار من الخارج.

الدعوة إلى ردٍّ مدروس وشامل
خطر الخطة لا يقتصر على بنودها، بل يكمن في الإتيان بها كأمر واقع إذا لم يواجهها الشعب وقواه الحية بردٍّ ذكي ومدروس. هذا الرد لا يقتصر على المقاومة المسلحة؛ بل يتطلب تجنيد كل أدوات القوة المشروعة المتاحة:
* الشرعية الدولية: تفعيل المؤسسات الدولية والقانون الدولي.
* الوحدة السياسية: إعادة بناء خطاب وطني جامع يضع الشعب في المركز ويحافظ على حقوقه الأساسية دون التفريط بالمطالب السياسية.
* التحالفات الدولية: تحريك قنوات التضامن مع الشعوب والحركات الحقوقية والسياسية الدولية للضغط على صانعي القرار.

الخاتمة: الشعب هو العنوان — والرد الفلسطيني يجب أن يكون موحَّداً
«سلام ترامب» كما يُطرح لا يهدف إلى السلام بقدر ما يهدف إلى التسوية على حساب الكرامة والحقوق. إنها صفقة تُقدَّم كحل لكنها خطة لتدمير إمكانية قيام دولة حرة، قائمة على سيادة ومساواة. في مواجهة هذا الخطر الاستراتيجي لا يكفي أن تكون هناك ردود متفرقة أو أصوات متباينة؛ المطلوب استجابة وطنية جامعة توحّد كل القدرات والشرائع والرموز — السياسية والمجتمعية والمدنية — حول برنامج واحد واضح لحماية الحقوق الوطنية.

الوحدة هنا ليست شعارًا شكليًا، بل ضرورة عملية: وحدة الموقف تعني توحيد البوصلة بين الفصائل، والسلطة، والمجتمع المدني، والنشطاء، والمهجّرين، والشتات؛ تعني أيضا تنسيق العمل الدبلوماسي والقانوني والاعتصامي والإعلامي بحيث لا يترك فراغًا يمكن أن تملأه مشاريع الوصاية. الوحدة لا تُستعمل لإقبار الاختلاف المشروع، بل لتأطيره داخل مشروع وطني يضع مصلحة الشعب وحقه في الدولة والسيادة فوق أي حسابات ضيّقة.

لذلك، يجب أن يكون الرد الفلسطيني موحَّداً: خطابًا وطنياً واحدًا يصون الحقوق، استراتيجيةً متكاملة تجمع بين الشرعية الدولية والمقاومة المشروعة بكافة أشكالها السلمية والسياسية والقانونية، وحراكًا شعبياً متصلًا يُقوّي الموقف الداخلي ويكسب التعاطف والدعم الدولي. بهذا فقط يمكن تحويل التحدي إلى فرصة لإعادة بناء مشروع وطناني حقيقي، لا يستبدل الحق بالرفاه، ولا يغتال الكرامة باسم «السلام».

التاريخ علّمنا أن الشعوب لا تُمحى بقرارات فوقية ولا تُستبدل كرامتها بالمساعدات. مقاومة الحقّ، بمختلف أدواتها المشروعة — من النضال المدني إلى العمل السياسي والقانوني — هي الضمانة الحقيقية لاستمرار الوجود ولقطف غدٍ يعيد للشعب حريته وكرامته. ولن يتأتى ذلك إلا بوحدة حقيقية وصادقة لكل ما يحمل اسم فلسطين، وبرفض واضح ومُؤسس لكل ما يُحاول أن يحوّل الحق إلى بضاعة، والأمل إلى مشروع استثمار

دلالات

شارك برأيك

تصفية السعي الوطني: «سلام ترامب» واستهداف المشروع الفلسطيني المقاوم والمسالم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.