أقلام وأراء

الثّلاثاء 23 سبتمبر 2025 1:08 مساءً - بتوقيت القدس

نتنياهو بين نقش سلوان وطمس الهوية العربية للقدس: قراءة تاريخية وسياسية

في 15 أيلول الجاري، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، خطابًا مثيرًا للجدل من متنزه "مدينة داوود" الأثري بالقدس الشرقية، حضر الفعالية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في مشهد يشي بمحاولة إضفاء شرعية دولية على مشروع تهويد القدس، أعلن نتنياهو بلهجة متحدّية أن القدس "لن تُقسّم" وأن "لا وجود لدولة فلسطينية"، بل وجّه خطابه إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائلاً: "القدس لنا وستبقى لنا إلى الأبد".
هذا الخطاب لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل حمل بين سطوره محاولة ممنهجة لإعادة كتابة التاريخ، عبر استدعاء "النقش السلواني" الذي يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وتقديمه باعتباره "دليلاً توراتيًا" يثبت ملكية اليهود للقدس، نتنياهو ذهب إلى حد اتهام تركيا بالاستيلاء على النقش ورفض تسليمه لإسرائيل، زاعمًا أن وجوده هناك يحجب "حقًا تاريخيًا" لإسرائيل.
النقش السلواني اكتُشف عام 1880 في نفق سلوان بالقدس الشرقية، ويعود إلى عهد الملك حزقيا (725–697 ق.م)، النقش مكتوب بخط عبري قديم على حجر كلسي، ويصف عملية حفر النفق لنقل المياه من "عين سلوان" إلى داخل المدينة أثناء حصار سنحاريب الآشوري (701 ق.م).
الأثريون يؤكدون أن النص ذو طابع هندسي-تقني بحت، إذ يصف كيفية التقاء فرق الحفر داخل النفق، ولا يحتوي على أي إشارة دينية أو سياسية تتعلق بملكية القدس.

هذا النقش، وفقًا لخبراء الآثار، يمثل وثيقة تقنية عن شق قناة مائية، لكنه لا يرقى بأي حال إلى "صك ملكية" أو دليل سيادي، وقد نُقل إلى إسطنبول أواخر القرن التاسع عشر، حيث يُعرض اليوم في متحف الآثار التركية، ورفض تركيا تسليمه لإسرائيل يستند إلى القوانين الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ومنع نقل الآثار من الأراضي المحتلة.
الرواية التي قدّمها نتنياهو تتجاهل حقيقة موثقة تاريخيًا: القدس عبر آلاف السنين كانت مدينة متعددة الثقافات والهويات، تعاقبت عليها الحضارات الكنعانية، والآشورية، والفارسية، واليونانية، والرومانية، والبيزنطية، والعربية الإسلامية، والعثمانية، قبل أن تقع تحت الانتداب البريطاني ثم الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.
تجاهل نتنياهو لسياق القدس التاريخي يعكس انتقائية سياسية، فالمدينة نشأت منذ الألف الثالث قبل الميلاد كمدينة كنعانية تُدعى "أورسالم"، وتعاقبت عليها حضارات كبرى:
    •    الآشوريون (القرن الثامن ق.م)
    •    الفرس الأخمينيون (539–332 ق.م)
    •    اليونان البطالمة والسلوكيون (332–164 ق.م)
    •    الرومان والبيزنطيون (63 ق.م – 638 م)
    •    الفتح العربي الإسلامي (638 م) الذي جعلها مدينة مركزية في الحضارة الإسلامية
    •    الحكم العثماني (1517–1917) الذي أرسى هوية القدس المتعددة الأديان والثقافات.
هذه الحقائق التاريخية توثّق أن القدس لم تكن يومًا حكرًا على جماعة واحدة، بل مدينة ذات هوية حضارية مشتركة، ولم تكن يومًا حكرًا على شعب واحد أو ديانة واحدة، بل إن هويتها الجامعة تشكّلت من هذا التنوع الحضاري والديني، وهو ما يحاول نتنياهو طمسه باستدعاء شواهد أثرية منزوعة من سياقها التاريخي.
مشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الفعالية مثّلت رسالة سياسية خطيرة، إذ تعكس دعمًا ضمنيًا لمشاريع التهويد، في تناقض صارخ مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن حل الدولتين، فالاحتفال بـ"افتتاح النفق القديم" لم يكن مجرد حدث ثقافي أو أثري، بل جزء من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى فرض الرواية التوراتية على حساب الحقائق التاريخية وقرارات الشرعية الدولية.
قرارات الأمم المتحدة، بدءًا من القرار 181 لعام 1947 مرورًا بالقرار 242 (1967) وصولًا إلى القرار 2334 (2016)، أكدت أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأن أي تغييرات ديموغرافية أو جغرافية تفرضها إسرائيل تُعد باطلة ولاغية، وتجاهل نتنياهو لهذه القرارات يعكس سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة، معتمدًا على الدعم الأميركي وبعض التغطيات الغربية.
محاولات نتنياهو لطمس الهوية العربية للقدس عبر "النقش السلواني" وغيره من الرموز الأثرية لن تلغي حقيقة أن القدس مدينة عربية إسلامية-مسيحية الجذور، وأن سكانها الأصليين هم الفلسطينيون الذين حافظوا على وجودهم فيها عبر القرون، إذ إن اختزال تاريخ المدينة في نقش مائي من القرن الثامن قبل الميلاد، وتقديمه باعتباره شهادة ملكية، لا يتجاوز كونه توظيفًا سياسيًا انتقائيًا للتاريخ لخدمة مشروع استيطاني إحلالي.
من خلال استدعاء النقش السلواني، يحاول نتنياهو صناعة "سردية أثرية" لتبرير الهيمنة السياسية، لكن الواقع السكاني والحضاري يكذّب هذه الرواية:
    •    360  ألف فلسطيني يعيشون اليوم في القدس الشرقية، يشكّلون أكثر من 40% من سكان المدينة.
    •    الوجود العربي والإسلامي والمسيحي متجذر في معالم المدينة: المسجد الأقصى، كنيسة القيامة، والأسواق القديمة التي تعود للعهد المملوكي والعثماني.
محاولات تهويد المدينة عبر تغيير الأسماء، وبناء المستوطنات، وافتتاح "أنفاق توراتية"، ما هي إلا خطوات لطمس هذا الإرث وإحلال هوية مصطنعة محل الهوية العربية الأصيلة.
خطاب نتنياهو في "مدينة داوود" لم يكن مجرد مناسبة خطابية، بل جزء من حرب الروايات التي تخوضها إسرائيل لفرض شرعية تاريخية مزعومة على احتلالها للقدس، وتفنيد هذه المزاعم تاريخيًا وسياسيًا وقانونيًا ضرورة قصوى، ليس فقط لحماية الهوية العربية للقدس، بل أيضًا لمنع تحويل التراث الإنساني إلى أداة في صراع سياسي استعماري.
 القدس، كما يؤكد التاريخ والقرارات الدولية، ليست ملكًا لأمة واحدة ولا ديانة واحدة، بل هي مدينة عالمية الطابع، عربية الجذور، وأرض لشعبها الفلسطيني أولًا وأخيرًا.

المراجع :
[1] Avigad, Nahman. Discovering Jerusalem. Jerusalem: Shikmona Publishing Co., 1980.
[2] Cross, Frank Moore. “The Siloam Inscription.” Israel Exploration Journal, Vol. 10, 1960.
[3] UNESCO, Convention for the Protection of Cultural Property in the Event of Armed Conflict (The Hague, 1954).
[4] Finkelstein, Israel & Silberman, Neil Asher. The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts. Free Press, 2001.
[5] United Nations General Assembly Resolution 181 (II), 29 Nov 1947.
[6] United Nations Security Council Resolution 242, 22 Nov 1967.
[7] United Nations Security Council Resolution 478, 20 Aug 1980.
[8] United Nations Security Council Resolution 2334, 23 Dec 2016.
[9] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تقرير السكان 2024.



دلالات

شارك برأيك

نتنياهو بين نقش سلوان وطمس الهوية العربية للقدس: قراءة تاريخية وسياسية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.