أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 أغسطس 2025 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مصر تواجه تحديات متعددة تستوجب وقوفاً عربياً موحداً

في زمن تشابكت فيه الملفات الإقليمية والدولية، وتحولت فيه أدوات الصراع من الرصاص إلى الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية،  تقف مصر العروبة اليوم بثقلها الجيوسياسي والعسكري  في مواجهة طيف متنوع من الابتزازات والضغوط، بعضها قد يكون ظاهرا للعيان، وبعضها الآخر يتحرك في الظل بهدوء 

فما هي طبيعة هذه التهديدات؟ ومن يمارسها؟ وما هي أدواته؟  وكيف يمكن للدولة المصرية أن توازن بين الثبات والمرونة في إدارة هذه الملفات؟

 قد لا يخفى على مصري ولا عربي أن جمهورية مصر العربية تكاد تكون وحدها الدولة المقاومة في المنطقة سياسيا وحتى عسكريا كونها القوة الوحيدة القادرة على تحجيم دور إسرائيل والقوى الغربية من ورائها بفضل ذكاء طبقتها السياسية والعسكرية التي أظهرت طيلة تاريخها الناصع مدى جهوزيتها لتحمل الأمانة التاريخية للأمة العربية والإنسانية جمعاء.

وكدأب قوى الشر دوما تحيك المؤامرات والابتزازات للقوى الوطنية المؤمنة ببلدها وأمتها والكونية الإنسانية لبناء السلام، هاهي قوى الظلام أخذت في نسج خيوطها وأولها الأمن المائي ومعركة الصبر الاستراتيجي.

فملف سد النهضة الإثيوبي يمثل النموذج الأوضح للابتزاز الإقليمي.

أديس أبابا، التي شرعت في ملء السد بشكل أحادي، تدير المفاوضات مع مصر والسودان بمنطق المراوغة، مدعومة أحيانًا من أطراف خارجية تسعى لخلخلة توازن القوى في وادي النيل. ورغم أن القاهرة اختارت طريق التفاوض عبر مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي، إلا أن كثيرين يرون أن هذا الصبر يجب أن يكون محسوبًا بساعة استراتيجية دقيقة، لأن "الحق في المياه" هو خط أحمر مصري قديم.

وطبعا اللاعب الأمريكي والغربي يتعامل مع الملف بحسابات مصالح، فيغض الطرف عن الموقف الإثيوبي أحيانًا، وهو ما يُقرأ كنوع من الضغط غير المباشر على القاهرة لانتزاع تنازلات في ملفات أخرى.

وما لا يقل أهمية على الأمن المائي هو الأمن الجغرافي الترابي المتبدى بالضرورة في  مسألة سيناء وإعادة الإعمار وسط الابتزاز.

سيناء التي تحررت بدماء أبنائها البررة من الجيش المصري العظيم الذي وقف سدا منيعا مؤمنا ببلده وأرضه المقدسة أصبحت الآن مسرحًا لضغوط جديدة، ولكن هذه المرة تحت لافتة التنمية والإعمار.

إذ أنه هناك أطراف دولية تمارس ضغطًا ناعمًا عبر منظمات أو عبر دعم مشاريع مرتبطة بفصائل فلسطينية، بهدف فرض شكل معين من الوجود أو النفوذ في شمال سيناء.

في هذا السياق، يظهر نوع جديد من الابتزاز: مقايضة الملف الإنساني في غزة بالمطالب الأمنية والسياسية في سيناء. 

فجمهورية مصر العربية ترفض هذه المعادلة، لكن الضغوط تتصاعد كلما اشتدت الأزمات في القطاع.

ولئن كانت تبدو  المعادلة صعبة في غزة في ظل العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة، تُمارس على مصر ضغوط مزدوجة:

من جهة، هناك ضغط غربي– أمريكي تحديدًا– لدفع مصر لتقديم تنازلات في التنسيق الأمني أو الوساطة لصالح الاحتلال.

من جهة أخرى، هناك ضغط فلسطيني شعبي وفصائلي لفتح المعابر بشكل كامل.

الابتزاز هنا يأخذ شكل التشكيك في الدور المصري، ومحاولة تصويره على أنه منحاز أو قاصر، بينما الحقيقة أن مصر تتحمل عبئًا هائلًا في منع انفجار إنساني كامل على حدودها، وهي الدولة الوحيدة التي تتحرك في الميدان، سواء بالمعابر أو بالمساعدات أو بالوساطات.

طبعا هذا يأتي في خضم ما قاله نتنياهو من استراتيجية إسرائيلية تهدف لضم سيناء في ما أسماه بإسرائيل الكبرى وهو تصريح سافر في زعزعة الأمن القومي المصري مستعملين في ذلك طبعا حلفاءهم التاريخيين بهدف إرباك المنطقة. 

و لئن نجحت مصر في تفكيك المعادلة وانتصرت لنفسها ولأمتها حتى بدأت صفحة جديدة من الابتزاز  الاقتصادي وهو سلاح الغرب الصامت عبر الضغوط الاقتصادية هي أخطر أدوات الابتزاز اليوم، وهي لا تُمارس بالعلن بل عبر شروط القروض، والتصنيفات الائتمانية، ومطالب "الإصلاح الهيكلي".

 الطاقة والغذاء.

لكن يبقى الأخطر طبعا هو ربط  الشروط الإقتصادية للغرب تلك  الملفات المقترنة بما هو سياسي منها:

تحسين سجل الحريات بطريقة تتوافق مع الرؤية الغربية من أجل التحكم في السياسات الداخلية عبر أذرع ما يسمى بالمجتمع المدني والجمعيات والحريات الليبرالية وبرمجة الشباب على التفاهة الرأسمالية المنمطة، وأيضا محاولة التدخل في الشأن الوطني السيادي واتخاذ مواقف محددة من روسيا أو الصين أو الملف الإيراني.

هذا بالإضافة إلى مسألة  البحر المتوسط... صراع الغاز والخرائط في شرق المتوسط، حيث تتداخل المصالح بين مصر، تركيا، اليونان، إسرائيل، وقبرص، تتعرض القاهرة لضغوط لترسيم حدود بحرية لا تخدم مصالحها، أو للقبول بمشاريع إقليمية يتم تمريرها عبر تحالفات عسكرية واقتصادية مشبوهة.

ورغم أن مصر حققت تقدمًا في ملف الغاز عبر منتدى غاز شرق المتوسط، إلا أن الصراع لم يُحسم بعد، وكل تنازل اليوم قد يُكلف الأجيال القادمة كثيرًا.

ختاما فليعلم الأقربون قبل الأبعدين أن جمهورية مصر العربية ليست دولة سهلة الابتزاز، وتاريخها يشهد بذلك.

لكن أدوات الردع تحتاج إلى تحديث دائم، وتوازن ذكي بين:

القوة العسكرية الصلبة.

والدبلوماسية الهادئة.

التحالفات المرنة متعددة المحاور.

 خاصة وأن القاهرة تعلم أن خصومها لا يأتون بالدبابات الآن، بل يستخدمون الدولار، والماء، والميديا، والشائعات، والضغوط النفسية على القرار السياسي.

وهو ما يجعلنا اليوم أمام وحدة الضرورة وضرورة الوحدة وأن الوقوف العربي مع مصر في حقيقته هو وقوفهم مع أنفسهم وذواتهم وأمنهم لأن مصر العروبة وكما هو معروف منذ ثورة يوليو المجيدة في فجر الثالث و لعشرين منه لسنة إثنان وخمسون وتسع مائة وألف إلى العدوان الثلاثي مرورا بنكسة سبع وستين وتسع مائة وألف وصولا لانتصار العبور وتفجير إرادة الشعب المصري في إعادة سيناء وتجاوز خط برليف. كلها محطات تاريخية خاضتها مصر نيابة عن الأمة العربية وأحرار العالم.

دلالات

شارك برأيك

مصر تواجه تحديات متعددة تستوجب وقوفاً عربياً موحداً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.