أمين الحاج
من قلب المعاناة الفلسطينية وسِنيّ الحصار، وُلد في غزة جيل فلسطيني جديد، حمل في روحه بذور تحول تاريخي عميق، جيل لا يعيد فقط إنتاج مشاهد البطولة، بل يفرض على الباحثين والمؤرخين مراجعة كل ما عرفوه عن مفاهيم النصر والهزيمة، بل ومراجعة صورة الفلسطيني ذاته، بين الأمس واليوم.
حين سلط الضوء سابقاً على جيل الصحابة بوصفهم "جيلاً قرآنياً فريداً"، كان الحديث عن جيل غيّر فهم الإنسان للوجود، انعتق من التقاليد السائدة وإرث التاريخ، ليرتقي إلى طور جديد من الوعي وروح التضحية.
في غزة اليوم، نجد ملامح مشابهة، رغم اختلاف التجربة التاريخية والواقع؛ فجيل غزة ولد من رحم ظروف لا تُحتمل، لم يستسلم لقوانين الجغرافيا، أو ذاكرة الهزيمة المتوارثة، فها هو يعيد "اختراع" الفلسطيني خارج قالب الضحية أو حتى الأساطير التقليدية.
فلسطينياً، الفرق الجوهري بين جيل الثورة الفلسطينية القديم وجيل غزة اليوم يكمن في طبيعة الوعي، وديناميكية البطولة، فجيل عاش يروي الحكايات عن معارك بيروت وأطفال الـ(آر بي جي)، التي بقي معظمها خارج التوثيق، لكنها شكلت ذاكرة جماعية، التف حولها الجيل التالي، حنيناً لزمن البطولة المفقود.
غير أن هذه الحكايات -مهما بلغ سحرها- كانت معلقة في فضاء الأسطورة، أكثر مما كانت تعبّر عن تحول بنيوي في الإنسان الفلسطيني، واليوم، يجد الجيل القديم نفسه عاجزاً عن استيعاب ما يجري في غزة؛ لأن الأحداث لم تعد مجرد سرد أو بطولات معزولة، بل نمط حياة يومي جماعي موثق، مكاناً وزماناً، وهنا يصطدم بالوعي، إذ كيف لجيل جديد أن يتجاوز سقف الأسطورة، أو يعيش البطولة كحقيقة يومية، من هنا يمكن فهم الأصوات المطالبة بتسليم السلاح، فهي ليست تعبيراً عن رفض المقاومة بقدر ما هي ارتباك أمام متغير تاريخي لم يكن في الحسبان.
جيل غزة الفريد لا يقاتل الاحتلال فحسب، بل يصارع أيضاً أشكال الهزيمة النفسية والانكسار التي طبعت أجيالاً سابقة، وفكرة الفلسطيني الضحية أو الباحث عن عزاء رمزي في ذكريات الماضي، هذا الجيل يحمل وعياً جديداً بالزمن، لا يفصل بين الحاضر والمستقبل، ولا يعيش في أسر الماضي، ويدرك أن النصر ليس وعداً يتيماً، أو حلماً مؤجلا، بل حقيقة تُصنع وتوثق وتُعاش في اللحظة ذاتها.
يكمن عمق التجربة هنا في أن جيل غزة لا يخوض مواجهة عابرة، بل يؤسس فلسفة جديدة للوجود الفلسطيني، تتجاوز معادلة الحياة والموت التقليدية، فقد أصبح الموت في وعي هذا الجيل جزءاً أصيلاً من مشروع الحياة الجماعية، وتحول فناء الفرد شرطاً لبقاء الكل، فلم تعد الدماء المراقة أو مشاهد الحصار او حتى صور الدمار الموثقة رموزاً للنهاية أو الانكسار، بل نقاط انطلاق وبداية لرواية فلسطينية جديدة تكتب في كل لحظة، ومن هنا، لم يعد مأزق الأجيال السابقة مرتبطاً فقط بفكرة البطولة، بل أصبح مأزقاً يمس معنى الوجود الفلسطيني نفسه، فهم يواجهون جيلاً جديداً يعيد تعريف الهوية الفلسطينية بعيداً عن صورة الضحية التقليدية، ويغير علاقتهم بالزمن من انتظار المستقبل المجهول إلى صناعته عبر الحاضر، ما يجعلهم أمام تحدي استيعاب تحوّل جذري في رؤية الذات والدور والتاريخ.
يستطيع المتأمل في هذه التجربة أن يلاحظ كيف تحرر جيل غزة من ابتزاز الواقع والتاريخ في آن واحد، فلم يعد ينتظر اعترافاً غربياً أو خطاباً عربياً أو حتى مواساة الأجيال السابقة، لم يعد يستهلك الحكايات القديمة، بل أصبح يصنعها من جديد، ويكتبها على مرأى من العالم، هذه القدرة على إعادة انتاج السردية، وتحويلها إلى فعل تاريخي موثق، هي ما يؤسس لتحول وجودي في الوعي الفلسطيني.
قد لا يدرك كثيرون أن ما يفعله هذا الجيل اليوم لن يغير موازين القوى فحسب، بل سيغير طريقة التفكير في الصراع ذاته، لأنه جيل يربط المقاومة بالمعنى وبالكرامة، وبفلسفة العيش تحت القصف كحالة تحرر داخلي، ولهذا لا يُخيفه الموت، ولا يرعبه فقدان الأمل مؤقتاً، لأنه يؤسس في وعيه أن الانتصار الأكبر هو امتلاك القدرة على تجاوز الخوف، واستعادة القدرة على صياغة التاريخ وتأكيد الوجود وانتزاع الحق، وهذه هي المعجزة الفلسطينية الجديدة، التي سيتوقف عندها المؤرخون طويلاً، وسيتعلم منها الباحثون أكثر!
أقلام وأراء
الأربعاء 16 يوليو 2025 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
جيل فلسطيني فريد!