أمين الحاج
شهدت المواقف الغربية، لا سيما الأوروبية، تحولاً ملحوظا تجاه العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، مقارنة بالمراحل الأولى من العدوان، ففي حين اتسمت ردود الفعل الغربية في بدايات الحرب بدعم شبه مطلق للعدوان تحت شعار "حق الدفاع عن النفس"، برزت لاحقاً مواقف أكثر "حذرا"، بل "انتقادية"، من قبل بعض الدول والمؤسسات الغربية، فما الذي أدى الى هذا التغير النسبي في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي تجاه العدوان على غزة؟
أولاً، لا يمكن انكار تأثير الضغط الشعبي المتصاعد في العديد من الدول الغربية، فقد خرج مئات الآلاف في تظاهرات تضامنية مع غزة، لا سيما في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، مطالبين بوقف العدوان وإنهاء المجزرة المستمرة والتجويع بحق المدنيين، دفعت هذه الضغوط الشعبية بعض السياسيين الى إعادة النظر في سياساتهم، ليس بدافع تبدل القناعات، بل لتجنب خسارة التأييد الداخلي، خصوصاً في ظل تصاعد التيارات الشبابية المناصرة للعدالة وحقوق الإنسان وحرية فلسطين.
ثانياً، ساهمت التغطية الإعلامية، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، في فضح الجرائم الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، فبات من الصعب تبرير قصف المستشفيات والمدارس أو التستر عليه، رغم الجهد الإعلامي لجيش الاحتلال والفيديوهات التي يتم إنتاجها ونشرها، والتي لم تعد تقنع الرأي العام العالمي، ما جعل الرأي العام الغربي أكثر وعياً بحجم المأساة الإنسانية، وقلص من قدرة الحكومات الغربية على تسويق الرواية الإسرائيلية التقليدية دون مساءلة أو نقد، والتي بدت منقسمة بين من تتقدم بخطاب أكثر حدة تجاه العدوان، وأخرى تفقد قدرتها على فرض خطاب غربي موحد، فضلاً عن تراجع فعالية خطاب "الضحية" الإسرائيلي أمام الصور الحية للمجازر، والتصريحات التحريضية الصادرة عن وزراء ومسؤولين إسرائيليين، مما فاقم من هذا التراجع.
ثالثاً، بدأت منظمات دولية كوكالات الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، بالإشارة الى "احتمال" ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، مما زاد من "الحرج" السياسي والدبلوماسي لحكومات غربية استمرت في تزويد الاحتلال بالسلاح والدعم السياسي، بل وعطلت قرارات أممية دعت لوقف العدوان، تزامن ذلك مع مواقف ناقدة من نخب فكرية، وثقافية، وأكاديمية غربية، باتت أكثر جرأة في مساءلة السياسات الإسرائيلية وازدواجية المعايير الغربية.
رابعاً، اتضحت حدود "الاستثنائية الإسرائيلية" في ضوء القانون الدولي، فالصمت أو التبرير باتا غير مقبولين أخلاقيا في ظل توثيق الجرائم التي تحدث على مرأى ومسمع العالم، من التهجير والتجويع الممنهج، الى قطع الإمدادات عن السكان المحاصرين، وتعطيل منظومة العمل الإنساني، وفشل الآلية "البديلة" وتحولها الى سلاح آخر من أسلحة القتل في المعركة او مصيدة لطالبي العون والإغاثة، وهو ما يرقى الى استخدام التجويع كسلاح حرب وفق القانون الدولي.
خامساً، لا يمكن فصل هذا التغير عن ديناميكيات أعمق، منها تراجع الإجماع الأوروبي الداخلي بشأن دعم الاحتلال، وبدء بعض الحكومات بإعادة حساباتها في ضوء التحولات الجيوسياسية وتراجع أهمية الشرق الأوسط كأولوية أمنية أو اقتصادية بالنسبة للغرب.
ورغم ان هذا التحول لا يزال محدوداً، ولا يرقى الى موقف حازم يطالب بوقف العدوان أو محاسبة قادة الاحتلال، إلا أنه – في المجمل – يعكس تصدعاً في الخطاب الغربي التقليدي حول "الديمقراطية الإسرائيلية" و"التهديد الأمني".
ومن المهم التأكيد أن هذا التغير في المواقف الغربية تجاه غزة لم يكن تعاطفاً طارئاً، بل هو ثمرة لتراكم نضالات وجهود مئات الآلاف من أحرار العالم، فضلاً عن دور الجاليات العربية والمسلمة في الغرب، عبر الضغط الشعبي والإعلامي والقانوني، وهو مؤشر أولي على تحول أعمق في الوعي السياسي العالمي تجاه جوهر المشروع الصهيوني بطبيعته الاستعمارية الإحلالية، والصورة النمطية التي صُوّر بها في المخيال الغربي والعالمي على امتداد أكثر من ثمانية عقود.





شارك برأيك
غزة تكسر الصمت.. الغرب أمام مرآة الدم