تُعد كسوة الكعبة المشرفة أحد أبرز الرموز الإسلامية التي تجسد القيمة الدينية والتراثية، والتاريخية حيث يحظى هذا التقليد العريق باهتمام بالغ باعتباره تعبيرًا عن إجلال المسلمين لأقدس بيتٍ لله على وجه الأرض. تجمع الكسوة بين الروحانية والفخامة، مما يعكس مكانة الكعبة كمحورٍ للعبادة في العالم الإسلامي.

ويعود تاريخ كسوة الكعبة إلى عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي كان أول من أمر بتجديدها في الإسلام، ثم استمر الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون في هذا التقليد. وفي العصر العباسي، أُنتجت الكسوة بشكل منظم في مناطق مثل مصر واليمن، بينما استقرت صناعتها في العصر المملوكي بمصر، حيث كانت تُرسل إلى مكة في مواكب احتفالية تُعرف بـ"محمل الحج".

ضمن جولة نظمتها وزارتا الإعلام والحج للوفود الإعلامية التي تغطي موسم الحج، زار الوفد مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة بالقرب من المسجد الحرام، للاطلاع على مراحل تصنيع الكسوة التي تُصمم لتبقى عامًا كاملًا مقاومةً لعوامل الطقس والحرارة المرتفعة والمطر والغبار والاتربة الرطوبة، قبل أن تُستبدل سنويًا في يوم عرفة.

وقد شهد المجمع – الذي أُسس عام ١٣٩٧هـ (١٩٧٧م) – تطورًا كبيرًا منذ آخر زيارة لي قبل ٢٥ عامًا، حيث أصبح يعتمد على الحوسبة والذكاء الاصطناعي، مع استخدام أدوات قياس دقيقة لمراقبة الحرارة والرطوبة، مما يضمن الحفاظ على جمال الكسوة وبهائها طوال العام.
١٠أشهر من الإتقان: من الحرير والذهب إلى التحفة الفنية
تبدأ مراحل تصنيع الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي وأنقى خيوط الذهب في العالم، تحت إشراف خبراء متخصصين من وزارة الحج والعمرة. وتستغرق عملية الصناعة نحو ١٠ أشهر من العمل المتواصل، وفق إجراءات صارمة تعتمد الدقة في اختيار المواد الخام (الحرير، الذهب، الفضة)، لتنقل هذه الحرفة الأصيلة من جيل إلى جيل، كمظهر من مظاهر التعظيم والتبجيل للبيت الحرام.
وبعد الانتهاء من التصميم، يُوزع العمل على أقسام متعددة وفق جدول زمني محكم، مع التركيز على دقة تنفيذ الزخارف والآيات القرآنية المكتوبة بخط الثلث، والتي تزين واجهات الكعبة الأربع بأبعاد مدروسة تحمل دلالات تاريخية.
٦٧٠ كيلوجرامًا من الحرير و١٢٠ كيلوجرامًا من الذهب
وأوضح أحمد السويهري، مدير إدارة الإعلام بالمجمع، لـ"القدس" أن لجنةً متخصصة تقوم بشراء الحرير الطبيعي من إيطاليا بعد اختبارات الجودة والنوع ، حيث يُستخدم حوالي ٦٧٠ كيلوجرامًا من الحرير الذي يُصبغ باللون الأسود قبل نسجه آليًا ويدويًا. كما تُطرَّز الآيات القرآنية يدويًا بخيوط ذهبية من عيار ٢٤ مستوردة من ألمانيا، مع استخدام ١٢٠ كيلوجرامًا من الذهب والفضة لضمان متانة الكسوة وجمالها.
وأضاف أن الكسوة تتكون من خمسة أجزاء رئيسية تغطي الكعبة بارتفاع ١٤ مترًا، حيث يعمل عليها فنانون وخطاطون مهرة باستخدام برامج تصميم حديثة لضمان الدقة قبل التنفيذ اليدوي.
مصير الكسوة القديمة
وعن مصير الكسوة بعد استبدالها، أشار السويهري إلى أنها تُحفظ في متاحف المملكة مثل متحف المدينة المنورة وجدة، أو تُوزع أجزاء منها على المساجد. ومراكز إسلامية في العالمين العربي والإسلامي.
يُذكر أن تكلفة صناعة الكسوة تبلغ حوالي ٢٣ مليون ريال سنويًا، تمولها الحكومة السعودية بالكامل. ولا يقتصر المجمع على صناعة الكسوة الخارجية فقط، بل يصنع أيضًا الكسوة الداخلية الخضراء المزينة بآيات قرآنية وعبارات مثل "لا إله إلا الله"، بالإضافة إلى ستارة الحجرة النبوية الشريفة في المسجد النبوي.
وتظل كسوة الكعبة المشرفة تحفةً فنيةً وإيمانيةً ترمز إلى وحدة المسلمين، حيث تُجدد سنويًا في يوم عرفة بمراسم مهيبة، لتبقى شاهدًا على العناية الفائقة التي يوليها القائمون على خدمة الحرمين الشريفين لأقدس المقدسات.





شارك برأيك
كسوة الكعبة المشرفة: رحلة من الإبداع والعراقة تُجدد سنوياً في يوم عرفة