أقلام وأراء

الثّلاثاء 20 مايو 2025 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

بين غزة وطروادة

في عتمة التاريخ، تتكرر المآسي وتتشابه النكبات، كأن البشر لم يتعلموا من الدم ولا من الرماد. الحرب، مهما اختلفت وجوهها، تحمل في جوهرها نفس اللهيب، ونفس الصرخة المنسية وسط الركام. وما بين طروادة القديمة وغزة الجريحة، خيطٌ خفي من التشابه، نسيجُه الانتقام، وغزلُه الكبرياء الجريحة.


في حرب طروادة، التي خُلّدت في الإلياذة، كانت شرارة الحرب امرأة، "هيلين"، رمز الجمال والخطيئة، اختُطفت أو هربت – لا فرق – لكن ذلك الحدث كان ذريعة لأحقاد دفينة، وسيفًا شُهر باسم الشرف، بينما كانت الحقيقة خاضعة لأهواء الملوك والآلهة. زحف الإغريق على طروادة بعشر سنين من الدم، دم الأطفال والفرسان والشيوخ، انتقامًا لكرامة مهدورة، وامرأة ضاعت بين قصور الملوك.

وفي غزة، في خريف 2023، انفجرت النار مرة أخرى، لا بسبب امرأة، بل بسبب تاريخ طويل من القهر والاحتلال، ومن مقاومة تستيقظ كلما ظن العدو أنها خمدت. جاءت إسرائيل بحربها الانتقامية، بعد السابع من أكتوبر، بعنف لا يعرف ميزانًا، ولا يفرّق بين حجر وطفل، بين مدني ومقاتل، بين مستشفى ونفق. وكأنها، مثل الإغريق في طروادة، لا ترى في الآخر إنسانًا، بل طيفًا يجب محوه.

كلا الحربين، وإن اختلفت الأزمنة والأماكن، حملت في طياتها ذات الجنون: عقل الاحتلال يؤمن بأن القوة تعيد ما يعتبره حق، وهو بعيد بعد الفارق الزمني بين حربي طروادة وغزة عن الحق. 

في طروادة كما في غزة، انهارت الأسوار، وسقطت المدن، لكن الإنسان وحده، البريء، كان وقود المأساة.

وفي النهاية، بقيت طروادة أسطورة تُروى، مدينة سقطت لكن ذكراها خُلّدت. وغزة، وإن نزفت، فإنها لا تزال واقفة، تقاوم، وتكتب سرديتها بالدم والصبر. فالحرب لا تنتصر، حتى لو بدا أحدهم منتصرًا، لأن الحقيقة لا تُقاس بعدد الضحايا، بل بما تبقى من إنسانية بعد انقشاع الدخان.

دلالات

شارك برأيك

بين غزة وطروادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.