أقلام وأراء

السّبت 29 يونيو 2024 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

عن مخرجات الانتخابات الفرنسية وتداعياتها

مع اقتراب الانتخابات التشريعية الفرنسية المبكرة التي ستجرى الجولة الأولى منها غدا الأحد، والثانية في السابع من الشهر القادم، والتي دعا إليها الرئيس إيمانويل ماكرون، تزداد المخاوف من تداعيات نتائجها على القارة الأوروبية. تأتي هذه الانتخابات بعد فوز اليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية للاتحاد الأوروبي، ما يثير تساؤلات حول مستقبل السياسات الداخلية والخارجية لفرنسا، وأثرها على الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والقضايا الدولية، مثل الحرب في أوكرانيا، والقضية الفلسطينية تحديدا.


تداعيات فوز جبهة اليسار الموحدة
في حال فوز جبهة اليسار الموحدة "الجبهة الشعبية الجديدة"، والتي تشير الاستطلاعات إلى حصولها على 32% من الأصوات، قد يشهد الاتحاد الأوروبي تحولات جذرية، حيث تسعى الجبهة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتخفيض التقشف المالي، وتحسين سياسات الهجرة، ورفع الضرائب على الأثرياء. وعلى الصعيد الداخلي، قد يؤدي ذلك إلى تبني سياسات أكثر توازناً تهتم بحقوق الإنسان وقضايا اللاجئين.


السياسات الداخلية
إذا نجحت جبهة اليسار الموحدة في الانتخابات، من المتوقع أن تركز على سياسات تعزز العدالة الاجتماعية داخل فرنسا. وسيتضمن ذلك إجراءات لتقليل الفجوة الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، وتعزيز حقوق العمال. قد تسعى الجبهة أيضاً إلى إدخال إصلاحات في نظام الضرائب، بحيث يدفع الأثرياء نسبة أكبر من الضرائب لتمويل الخدمات العامة.

العلاقات مع الولايات المتحدة
أما بالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة، فقد تسعى الجبهة اليسارية إلى استقلالية أكبر في السياسة الخارجية والتجارة، ما قد يقلل من الاعتماد على التحالفات التقليدية، ويدفع نحو بناء شراكات متعددة الأقطاب. هذا التوجه يمكن أن يؤثر على التنسيق الدفاعي مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، خاصة إذا سعت الجبهة إلى تقليل الالتزامات العسكرية الخارجية لفرنسا.

الحرب في أوكرانيا
فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، تتبنى جبهة اليسار موقفاً أقل تشدداً تجاه روسيا، ما قد يؤثر على الجهود الأوروبية الموحدة لدعم أوكرانيا. وهذا التوجه قد يضعف موقف الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، ويؤدي إلى تناقضات داخلية بين الدول الأعضاء، وهذا يقوي الموقف الروسي في مواجهة الولايات المتحدة.

القضية الفلسطينية
وفيما يخص القضية الفلسطينية، من المتوقع أن تكثف جبهة اليسار الضغوط على الحكومة الفرنسية لاتخاذ مواقف أكثر تأييداً لحقوق الشعب الفلسطيني. وقد تشمل هذه المواقف دعم فعلي لحل الدولتين على حدود 1967، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى تعزيز المقاطعة، وتأييد إجراءات عقابية ضد إسرائيل في مجال توريد الأسلحة والمواقف في المنظمات الدولية. وقد يؤدي ذلك إلى تحول ملحوظ في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الشرق الأوسط. لكن من الممكن أن تبرز خلافات بين مكونات جبهة اليسار التي تضم الاشتراكيين والشيوعيين، وأنصار البيئة، وحزب فرنسا الأبية، نظرا لأزمة هوية اليسار الأوروبي منذ سنوات.


تداعيات فوز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف
في حال فوز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان وشريكها جوردان بارديلا، والذي تشير الاستطلاعات إلى تقدمه بحوالي 36% من الأصوات، فقد يسعى الحزب إلى تقليل التزامات فرنسا تجاه مؤسسات الاتحاد الأوروبي، واستعادة المزيد من السيادة الوطنية. هذا الموقف قد يؤدي إلى أزمات داخلية في الاتحاد، وزيادة التوتر مع الدول الأعضاء، ما قد يسهم في تصاعد حركات اليمين المتطرف في جميع أنحاء أوروبا.


السياسات الداخلية
من المتوقع أن يسعى حزب التجمع الوطني إلى تنفيذ سياسات قومية تعزز من سيادة فرنسا وتقلل من تأثير الاتحاد الأوروبي على القرارات الوطنية. وقد يشمل ذلك تقليص ومناهضة الهجرة، وتشديد الإجراءات الأمنية داخل البلاد. كما قد يسعى الحزب إلى إعادة النظر في العديد من الاتفاقيات الأوروبية التي يعتبرها تقييداً لسيادة فرنسا.


العلاقات مع الولايات المتحدة
على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، قد تصبح هذه العلاقات معقدة إذا تبنى اليمين المتطرف سياسات قومية وانعزالية تتعارض مع التوجهات الأمريكية في أوروبا. ورغم ذلك، قد تجد لوبان وبارديلا حلفاء لها من التيارات اليمينية داخل الولايات المتحدة، ما قد يخفف من بعض التوترات في حال فوز ترامب بالرئاسة.


الحرب في أوكرانيا .
وفيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، من المتوقع أن يدعم اليمين المتطرف الجهود الأوروبية الموحدة لدعم أوكرانيا وفق سياسات الولايات المتحدة والناتو، ما لن يضعف موقف الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا. وقد يؤدي هذا التوجه إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، مع التركيز على القضايا الأمنية المشتركة.


الموقف من القضية الفلسطينية
وفيما يخص القضية الفلسطينية، من المتوقع أن تتبنى لوبان واليمين سياسات أكثر دعماً لإسرائيل، ما قد يؤدي إلى تراجع الدعم الفرنسي التقليدي لحل الدولتين والمبادرات السلمية في الشرق الأوسط. وقد يؤدي هذا التغير إلى تصاعد التوترات في المنطقة، ويعقد من الجهود الدولية لتحقيق السلام.

صراع الحضارات ونظرية الاستبدال
يعتقد زعماء اليمين المتطرف في فرنسا ودول أوروبية أخرى أن "الحضارة الغربية" مهددة من قبل الإسلام، وأن "السكان الأصليين" مهددون من قبل المهاجرين. هذا الفكر العنصري يعبر عن دعمهم لصراع الحضارات ونظرية الاستبدال، وهو توجه تتبناه الصهيونية الدينية وبعض الليبراليين الذين يسعون إلى الاستبدال الاستعماري في الأراضي الفلسطينية، لكن بشكل معاكس بالطبع، إلا أنه يعبر عن تماهي إيدولوجي بين اليمين المتطرف الأوروبي والصهيونيين، الأمر الذي دفع نتنياهو لاحتضان العديد من زعمائهم مؤخرا .


إضعاف مكانة ماكرون
سواء بفوز اليمين المتطرف أو جبهة اليسار الموحدة، سيواجه الرئيس ماكرون وحزبه تحديات كبيرة في تشكيل التحالفات البرلمانية لضمان استمرار حكمه بفعالية. وفي حال فوز اليمين المتطرف، من غير المرجح أن يتحالف ماكرون معهم نظراً للاختلافات الأيديولوجية الكبيرة. أما إذا فازت جبهة اليسار، فقد يسعى ماكرون إلى التحالف معها لضمان استقرار حكمه.


إذا فاز اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان وبارديلا، فإن موقف الرئيس ماكرون وحزبه "الجمهورية إلى الأمام" سيصبح حساساً للغاية. من غير المرجح أن يتحالف ماكرون، وهو نيوليبرالي من اليمين الوسط، مع حزب لوبان اليميني المتطرف نظراً للاختلافات الأيديولوجية الكبيرة بينهما، وتحديداً فيما يتعلق بالسياسات الأوروبية والهجرة والاقتصاد والأقليات، خاصة من المسلمين.


ماكرون سيسعى إلى ضمان استقرار حكمه
بغض النظر عن نتائج الانتخابات، سيسعى ماكرون إلى ضمان استقرار حكمه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2027 من خلال تحالفات تكتيكية، والاتجاه الذي قد يسلكه يعتمد بشكل كبير على النتائج النهائية للانتخابات وتوزيع المقاعد في البرلمان. وقد يتجه ماكرون إلى لعب دور المعارضة القوية لسياسات اليمين المتطرف في حال فوزهم ونجاحهم في تشكيل الحكومة، محاولاً توحيد القوى المعتدلة واليسارية داخل البرلمان لمواجهة سياسات لوبان واليمين المتطرف. وقد يهدف التنسيق مع الأحزاب اليسارية والوسطية إلى الحفاظ على تشكيل حكومة مشتركة، لكن ستكون لذلك استحقاقات على ماكرون دفعها لجبهة اليسار الموحد.

محطة انتخابية هامة والقفز الى المجهول
في كل الأحوال، ستظل الانتخابات الفرنسية محطة مهمة نترقبها نحن الفلسطينيين ويترقبها العالم، لتحديد مسار أحد أهم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بل وفي العالم. النتائج ستكون لها تداعيات واسعة على السياسة الفرنسية داخلياً وخارجياً، سواء كان ذلك من خلال سياسات تقدمية واستقلالية في حال فوز جبهة اليسار، أو سياسات انعزالية تؤثر على التكامل الأوروبي، والعلاقات الدولية، وتصعيد التطرف العنصري الأوروبي ضد الهجرة في حال فوز اليمين المتطرف، وستكون بمثابة قفزة فرنسية الى مستقبل مجهول.
................
بغض النظر عن نتائج الانتخابات، سيسعى ماكرون إلى ضمان استقرار حكمه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2027 من خلال تحالفات تكتيكية، والاتجاه الذي قد يسلكه يعتمد بشكل كبير على النتائج النهائية للانتخابات وتوزيع المقاعد في البرلمان.

دلالات

شارك برأيك

عن مخرجات الانتخابات الفرنسية وتداعياتها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.