لا يمكن اعتبار العلاقة بين مصر وفلسطين مجرّد تقارب جغرافي، أو علاقات مصالح سياسية، بل علاقة أزلية ضاربة في جذور التاريخ، يمتزج فيها البُعد القومي بالعمق الإنساني، والوجدان الشعبي بالإرث الحضاري.
فالجغرافيا رسمت خطوط التداخل، حين جمعت بين مصر وفلسطين حدودا مشتركة، أما التاريخ، فقد كتب فصوله على ضفاف النيل وفي رحاب القدس، منذ عهد الفراعنة الذين خاضوا معاركهم للدفاع عن بلاد الشام، مرورا بالدولة الإسلامية التي اتحد فيها مصير الكنانة والمسرى، ثم الحملات الصليبية، فالحكم العثماني، ثم الاستعمار البريطاني، وصولا إلى الحروب العربية الإسرائيلية، حيث دفعت مصر بدماء أبنائها فداءً لفلسطين.
وظلت بوابة الدعم السياسي والإنساني والعسكري للشعب الفلسطيني في نضاله الممتد. ولعل الرابط الأقوى بين البلدين يتمثل في وعي الشعبين المصري والفلسطيني بأن قضيتهما واحدة، وأن أي تهديد لفلسطين هو تهديد مباشر لأمن مصر واستقرارها، والعكس صحيح.
وتظل مصر حاضنة للقضية الفلسطينية، وسندًا لا غنى عنه في وجه الاحتلال، ومركزًا محوريًا في الجهود السياسية والإنسانية لرفع الحصار، وتحقيق المصالحة، والدفع نحو حل عادل وشامل يُعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
فمصر وفلسطين ليستا جارتين فحسب، بل هما جسد واحد، وروح واحدة، لا تفصلهما حدود ولا تباعدهما الظروف.
جناحان لا يفترقان في أقصى الجنوب من فلسطين، وعلى الطرف الشرقي لشبه جزيرة سيناء، تمتد رفح الفلسطينية وتجاورها رفح المصرية، كجناحين لا يفترقان، وكقلبين ينبضان بحبٍ مشترك، رغم ما فرضته الجغرافيا السياسية من حدود ومعابر وأسلاك فاصلة.
رفح، المدينة التي قُسّمت قسرًا بين ضفتين، لم تنقسم يومًا في وجدان أهلها. فالعائلات ممتدة بين الطرفين، والدم واحد، والنَسب مشترك، والتقاليد والعادات واللهجة وحتى الحزن والفرح، توحدهما الأرض والروح.
ودوما كانت سيناء بوابة فلسطين، ليست فقط من منظور جغرافي، بل كحاضنة روحية وثقافية وملاذ إنساني.
في حروب مصر التاريخية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كان لرفح وسيناء الدور الأبرز، وقدّمتا الشهداء والجرحى من أجل فلسطين.
وفي المقابل، ظلّ الفلسطينيون يرَون في مصر عُمقهم وسندهم، وفي سيناء حاضنتهم، وفي رفح المصرية بيتًا كبيرًا لا يُغلق بابه.
ورغم المعاناة والحدود والمعابر، ظلت العلاقة الأخوية متجذّرة، فالزيجات المشتركة، والأُسر الممتدة، وروابط القربى، لم تُفلح السياسات ولا الاحتلال في محوها.
رفح ليست مدينتين، بل واحدة قُسمت على مضض، وتنتظر اليوم الذي تلتئم فيه من جديد.
غزة… السدّ المنيع على مرّ العصور، لم تكن غزة مجرّد مدينة ساحلية على شاطئ المتوسط، بل كانت دائما قلعة حصينة، وسدّا منيعا في وجه الغزاة والطامعين، تحرس الجنوب من بلاد الشام، وتتصدى لكل من حاول العبور نحو القلب العربي من بوابة فلسطين.
موقع غزة الإستراتيجي، جعل منها محورا رئيسيا في الصراع الحضاري والعسكري على مرّ التاريخ.
فهنا مرّ الفراعنة، وهنا وقف الآشوريون والفرس، وهنا اصطدم الإسكندر بصلابة الأرض والإنسان، ومنها صدّ صلاح الدين جحافل الصليبيين في طريقهم إلى القدس.
لم تكن غزة يوما مجرد مدينة، بل كانت درعا حاميا للشام بأسرها.
وقد كتب التاريخ أن من أراد غزو الشام، عليه أولا أن يُخضع غزة، لكن غزة -بعنادها وسواعد أبنائها- لم تكن يوما أرضا سهلة المنال.
كانت شوكة في حلق الطامعين، ومقبرةً لآمال الغزاة، وسيفا مشرعا في يد المقاومة، من عهد الكنعانيين حتى اليوم.
غزة اليوم، كما كانت بالأمس، ليست مجرد مدينة في الجنوب الفلسطيني، بل هي بوابة الأمة، وسيف بلاد الشام، وحصن العروبة الأخير.
100 ألف شهيد مصري منذ اللحظة الأولى لاحتلال فلسطين عام 1948، لم تكن مصر بعيدة عن ساحة الصراع، بل كانت في مقدمة الصفوف، حاملةً لواء الدفاع عن الأرض العربية، ورافضةً للمشروع الصهيوني الاستعماري الذي لم يستهدف فلسطين وحدها، بل استهدف الأمة بأكملها.
دفعت مصر ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها، فارتقى ما يزيد عن 100 ألف شهيد مصري في حروب وصراعات خاضتها مصر ضد الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه، بدءًا من حرب 1948، مرورًا بحرب السويس 1956، ونكسة 1967، وحرب الاستنزاف، ثم نصر أكتوبر المجيد عام 1973.
لكن معركة مصر لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضًا سياسية وإنسانية، فقد حملت على عاتقها وصاية نضالية وإنسانية على قطاع غزة، خاصةً في فترات حرجة، كانت فيها غزة معزولة ومحاصرة.
ومنذ عام 1948 وحتى نكسة 1967، كانت مصر حاضنة لغزة، تدير شؤونها المدنية والعسكرية، وتوفّر لها الغطاء السياسي والدعم الشعبي، وتحميها من محاولات التهويد والاحتلال المباشر.
لم تتخلَّ مصر يومًا عن دورها رغم الظروف المتغيرة، فحتى بعد احتلال القطاع من قِبل إسرائيل، ظلّت مصر بوابة الفلسطينيين إلى العالم، وملاذهم في الأزمات، ومعبَرهم إلى الحياة.