فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

المرحلة الثانية ... مسار أمريكي لتكريس الحلول المؤقتة وفرض الإدارة الخارجية

د. دلال عريقات: الخطر يكمن بنجاح المرحلة الثانية وفق شروط أمريكية إسرائيلية تُعيد إنتاج غزة كأزمة إنسانية مُدارة لا كقضية تحرر وطني

د. قصي حامد: الانتقال للمرحلة الثانية الاختبار الحقيقي لتنفيذ الاتفاق وترمب يدفع نحو تقدمها بما يخدم رؤيته رغم إدراكه تعقيدها

د. رائد أبو بدوية: الإعلان ليس بروتوكولياً بل محاولة لفرض الهيمنة الأمريكية على مسار المرحلة الثانية وتثبيت وقف النار ومنع التصعيد

د. جمال حرفوش: الانتقال للمرحلة الثانية دون تثبيت التزامات المرحلة الأولى تجاوز خطير لقواعد حسن النية في تنفيذ الاتفاقات الدولية

د. سعيد شاهين: إسرائيل تنافس رغبة ترمب في النفوذ الكامل على قطاع غزة لتشاركه في الاستحواذ على ثرواته وليس لدوافع أمنية

د. رائد الدبعي: التركيز على ترتيبات الحكم قبل الحديث عن إنهاء الاحتلال يُحوّل الأزمة الإنسانية بغزة إلى مدخل لفرض إدارة خارجية 

يعيد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قُرب بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار قبل حلول أعياد الميلاد المخاوف من تشكيل المشهد السياسي المتعلق بقطاع غزة وهندسة "اليوم التالي" بمعزل عن الفلسطينيين.

ويشير كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، إلى مخاوفهم من محاولة لفرض إيقاع أمريكي خاص على مسار ما بعد الحرب، ووضع واشنطن في موقع الموجه المركزي للمرحلة المقبلة، سواء في ضبط التهدئة أو في تحديد طبيعة الإدارة التي ستُفرض على القطاع.

ويرون أن استعجال واشنطن في الانتقال للمرحلة الثانية لا يعكس مجرد حرص على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يحمل أبعاداً أعمق ترتبط بقطع الطريق على أي تحرك دولي قد يطالب بمساءلة إسرائيل، والتأكيد على بقاء الولايات المتحدة الطرف المهيمن على مسار الترتيبات الأمنية والسياسية.

في المقابل، تتعاظم المخاوف الفلسطينية من أن يتحول هذا المسار إلى بوابة لفرض إدارة خارجية على غزة، أو لإبقاء القطاع في حالة تهدئة هشة بلا أفق سيادي أو سياسي.

 

مؤشر سياسي مركّب لا خطوة تقنية

 

تؤكد أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدء ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة قبل أعياد الميلاد ليس خطوة تقنية أو ظرفية، بل مؤشر سياسي مركّب يعكس توظيفاً منظماً للبعدين الإنساني والديني في خدمة أجندة استراتيجية أمريكية تسعى إلى تثبيت دور واشنطن كقوة مهيمنة على مسار الأزمة، دون تقديم أي التزام فعلي بإنهاء الاحتلال أو فتح مسار سياسي حقيقي.

وتوضح أن الإدارة الأمريكية تستثمر توقيت الأعياد لتلميع صورة ترمب أمام الرأي العام الغربي وتقديم التهدئة كمنّة سياسية، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون وقف الحرب ورفع الحصار استحقاقات قانونية وحقوقية للفلسطينيين. 

وترى عريقات أن هذا التوظيف العاطفي يهدف إلى تحويل معاناة غزة من ملف عدوان واحتلال إلى مادة علاقات عامة سياسية.

وترى عريقات أن توقيت الإعلان يعكس أيضاً محاولة أمريكية واضحة لاستباق الضغوط الدولية، سواء داخل مجلس الأمن أو في المحافل الأممية، لمنع تشكّل إرادة دولية تطالب بمساءلة أو محاكمات أو وقف شامل للحرب. ووفق عريقات، تسعى واشنطن لإعادة تدوير نفسها كوسيط "لا يمكن تجاوزه"، رغم كونها شريكاً مباشراً في العمليات العسكرية والدعم السياسي لإسرائيل.

كما ترى أن جوهر التحرك الأمريكي لا يهدف إلى حل جذري للصراع، بل إلى إدارة الأزمة على مراحل، بما يضمن منع الانفجار الإقليمي ويحافظ على توازن ميداني يخدم الأمن الإسرائيلي قبل أي اعتبار آخر، مع إبقاء غزة في دائرة "التهدئة الهشّة" بعيداً عن أي أفق سيادي أو سياسي حقيقي.

 

ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة الثانية

 

وبشأن السيناريوهات المحتملة للمرحلة الثانية، تشير عريقات إلى ثلاثة مسارات رئيسية، جميعها محفوفة بالمخاطر، السيناريو الأول –وهو الأخطر– يقوم على تثبيت تهدئة طويلة دون مسار سياسي، تُدار فيها غزة عبر ترتيبات إنسانية بينما يبقى الحصار قائماً جزئياً، ما يؤدي إلى تكريس واقع "غزة بلا سيادة" وتحويلها إلى ملف إغاثي دائم، إضافة إلى خطر مصادرة أجزاء من أراضيها.

أما السيناريو الثاني، وفق عريقات، فيربط المرحلة الثانية بترتيبات أمنية دولية، تشمل قوة استقرار وإعادة تشكيل الإدارة في غزة ومسار إعمار مشروط سياسياً، ما يعني عملياً فرض حلول فوقية وتهميش منظمة التحرير والقرار الوطني الفلسطيني.

في حين يبقى السيناريو الثالث –الأفضل وطنياً لكنه الأضعف دولياً– وهو بحسب عريقات تحويل وقف إطلاق النار إلى مدخل لمسار سياسي شامل يربط غزة بالضفة والقدس، ويُنهي الانقسام، ويؤسس لعملية سياسية تقوم على إنهاء الاحتلال.

وتؤكد عريقات أن الخطر الحقيقي لا يكمن في فشل المرحلة الثانية، بل في نجاحها وفق شروط أمريكية–إسرائيلية تُعيد إنتاج غزة كأزمة إنسانية مُدارة، لا كقضية تحرر وطني، ما يجعل مواجهة "تطبيع الكارثة" مهمة سياسية مركزية للفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

 

أبعاد متشابكة وسيناريوهات معقدة

 

يوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة د. قصي حامد أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب البدء بترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبيل أعياد الميلاد، يحمل أبعاداً متشابكة تتعلق بإنهاء الحرب، وإدارة غزة، ومستقبل التوازنات السياسية داخل إسرائيل والمنطقة، إضافة إلى سيناريوهات معقدة تلوح في الأفق بشأن "اليوم التالي".

ويرى حامد أن إعلان ترمب يحمل ثلاث دلالات محورية، الأولى تتعلق برغبة واشنطن في إغلاق ملف الحرب الراهنة في غزة، تمهيداً للانتقال إلى ترتيبات جديدة تشمل نزع سلاح حركة حماس، وإعادة تشكيل إدارة القطاع، وتثبيت قوة سلام دولية تشرف على المرحلة المقبلة.

ويعتبر أن ترمب يسعى من خلال ذلك إلى تحرير جدول أعماله الدولي للتركيز على ملفات كبرى تشمل الصين وروسيا وأوكرانيا، إلى جانب دفع اتفاقات اقتصادية جديدة مع دول عربية.

أما الدلالة الثانية وفق حامد، فإنها مرتبطة بمخاوف واشنطن من عزم بنيامين نتنياهو الالتفاف على الاتفاق وإطالة أمد المرحلة الأولى من الاتفاق، كونها حققت له مكسباً مركزياً هو استعادة الأسرى الإسرائيليين.

ويشير حامد إلى أن نتنياهو يناور لإبقاء الحرب بصيغة عمليات محدودة تضمن استمرار الضغط العسكري، وتوظيف ذلك في معاركه السياسية الداخلية، سواء عبر استثمار الملف للضغط على واشنطن بشأن العفو من المحاكمات الجارية ضده، أو عبر استخدام استمرار الحرب كأداة لترتيب موقعه في المرحلة المقبلة للانتخابات الإسرائيلية.

وتتمثل الدلالة الثالثة، وفق حامد، في الضغوط العربية والإسلامية على الإدارة الأمريكية، وخصوصاً من مجموعة الثمانية، لإلزام إسرائيل بالانتقال إلى المرحلة الثانية وتثبيت وقف إطلاق النار، في ظل مخاوف من انهيار التفاهمات القائمة إذا استمر التعطيل الإسرائيلي، فيما يؤكد حامد أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يكون سهلاً.

ويشير حامد إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة، جميعها محاط بتعقيدات كبيرة، السيناريو الأول يتمثل في رفض نتنياهو أو تباطؤه في تنفيذ المرحلة الثانية أو وضع عراقيل أمام تنفيذها.

أما السيناريو الثاني، وفق حامد، فيتعلق بإمكانية لجوء نتنياهو إلى إعادة التصعيد العسكري في غزة، إذا واجه مأزقاً سياسياً داخلياً أو شعر بتهديد من مسار محاكمته، وقد يكون هذا التصعيد محدوداً لكنه متكرر بهدف إعادة خلط الأوراق.

ويبيّن أن السيناريو الثالث يرتبط باحتمال رفض "حماس" مبدأ نزع سلاحها، ما يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة بينها وبين المجتمع الدولي أو مع القوة الدولية المفترضة، الأمر الذي قد يؤدي إلى توتر واسع يعقّد أي تقدم في عملية تثبيت المرحلة الثانية.

ويشير حامد إلى أن "شكل إدارة قطاع غزة" يمثل أحد أكبر التحديات في المرحلة المقبلة، في ظل فجوة واضحة بين الرؤية الإسرائيلية والمطالب العربية، وبينهما خطة ترمب نفسها، لافتاً إلى وجود مقترحات عدة، من بينها منح السلطة الفلسطينية دوراً جزئياً في إدارة مناطق محددة ضمن إطار إصلاحي، أو تشكيل لجنة تكنوقراط تتبع لمجلس السلام الدولي بطابع فلسطيني، بما قد يشكل حلاً وسطاً لإرضاء الأطراف كافة.

ويبيّن حامد أن نتنياهو يحاول الحفاظ على واقع تقسيم غزة إلى منطقتين شرقية وغربية، لتجنب الذهاب نحو ترتيبات جديدة تعيد توحيد إدارة القطاع، فيما تظل قضية نزع السلاح عقبة رئيسية أمام أي تقدم.

ويرى حامد أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يمثل الاختبار الحقيقي لتنفيذ الاتفاق، فهو يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حماس، وإدارة غزة، وهي ملفات يدرك ترمب أنها شديدة التعقيد، ومع ذلك يدفع نحو تقدمها بما يخدم رؤيته لترتيب المنطقة.

 

 

سعي واشنطن لفرض إيقاع سريع على الملف الغزي

 

يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قرب البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من ترتيبات وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل أعياد الميلاد يشكّل خطوة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتجاوز الجانب الإجرائي إلى محاولة واضحة لفرض السيطرة الأمريكية على مسار التسوية والتحكم بموازين القوى داخل غزة وحولها.

ويوضح أن الإعلان جاء في إطار سعي واشنطن لفرض إيقاع سريع على الملف الغزي، بما يضمن تثبيت وقف إطلاق النار قبل أي تدخلات إسرائيلية قد تعطل الخطة الأمريكية، ويعزز قدرة الولايات المتحدة على الظهور باعتبارها صاحبة القرار الأساسي في رسم شكل المرحلة المقبلة. 

ويرى أبو بدوية أن الإعلان المبكر يمارس ضغطاً مباشراً على الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو، إذ يحد من هامش العودة إلى التصعيد العسكري الذي قد يُفشل الرؤية الأمريكية، ويدفع إسرائيل للتوافق مع الجدول الزمني الذي تفرضه واشنطن.

ويشير أبو بدوية إلى أن واشنطن تسعى أيضاً إلى تقليص قدرة القوى الإقليمية على التأثير في غزة خلال مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، عبر إدارة مشهد انتقالي تحت إشراف دولي–أمريكي يضمن حماية مصالحها في المنطقة. 

ويرى أن إعلان ترمب أدى إلى دفع الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها "حماس"، إلى تقديم مواقف متعلقة بسلاحها وشروط تسليمه، وهو ما يمنح الولايات المتحدة قدرة إضافية على التحكم بالمرحلة الثانية دون إقصاء الحركة عن كونها طرفاً تفاوضياً مركزياً.

ويعتقد أبو بدوية أن تصريحات "حماس" الأخيرة بشأن رفض نزع سلاحها قد تفتح الباب أمام منح السلطة الفلسطينية دوراً رمزياً أو محدوداً في إدارة القطاع مدنياً، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالمعابر والخدمات وإعادة الإعمار، بما يعي صبغة "شرعية فلسطينية" على العملية الانتقالية من دون أن تكون السلطة محوراً رئيسياً فيها.

ويلفت إلى أن تصريحات وزير الخارجية المصري المتعلقة بالإسراع في نشر قوة استقرار دولية تأتي في إطار التوجه الأمريكي نفسه، إذ يشكل الدور المصري جزءاً من شبكة ضامنين دوليين متوافقة مع الأهداف الأمريكية.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يرى أبو بدوية أن واشنطن تبدو قادرة على فرض جدولها الزمني على حكومة الاحتلال، ما يتيح لها تثبيت وقف إطلاق النار ومنع أي تصعيد جديد، إلى جانب إدارة انتقالية خليطة تشرف على الخدمات والمعابر وإعادة الإعمار تحت إشراف دولي–إقليمي منسق، مع مشاركة فلسطينية مدنية محدودة. 

وبحسب أبو بدوية، فإن واشنطن ستسعى للتوازن بين النفوذين السياسي والعسكري لـ"حماس" وضمان المصالح الأمنية الإسرائيلية، خاصة في ما يتعلق بالحدود ومنع تهريب الأسلحة.

ويرى أن إعلان ترمب ليس خطوة إدارية بروتوكولية، بل محاولة واضحة لفرض الهيمنة الأمريكية على مسار المرحلة الثانية، وتثبيت وقف إطلاق النار، ومنع التصعيد، وإعادة ضبط مواقف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية ضمن إطار دولي–إقليمي متوافق، مع احتمالية منح السلطة الفلسطينية دوراً رمزياً في إدارة القطاع.

 

دلالات سياسية وقانونية وجيوسياسية عميقة

 

يرى أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل البروفسور د.جمال حرفوش أن إعلان ترمب لا يمكن التعامل معه بوصفه خطوة تقنية في مسار التهدئة، بل يحمل دلالات سياسية وقانونية وجيوسياسية عميقة تعكس توجهاً لإدارة الصراع لا لإنهائه.

ويوضح أنّ الإعلان يأتي في لحظة سياسية حرجة، تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة تثبيت دورها كراعٍ حصري لمسار التسويات في الشرق الأوسط، على الرغم من التراجع الحاد في شرعيتها الأخلاقية بسبب ما شهدته غزة من جرائم وانتهاكات. 

ويشير حرفوش إلى أن توقيت الخطوة يرتبط أيضاً بالداخل الأمريكي، حيث يسعى ترمب إلى توظيف الملف الفلسطيني في سياق الصراع الانتخابي، وإعادة تقديم نفسه بوصفه صاحب "الصفقات الكبرى"، حتى وإن بدا ذلك على حساب قواعد القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

وعلى الصعيد القانوني، يشير حرفوش إلى أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من دون تثبيت التزامات المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بوقف شامل لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، يُعد تجاوزاً خطيراً لقواعد حسن النية في تنفيذ الاتفاقات الدولية، كما ورد في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. 

ويرى حرفوش أن هذا النهج يثير مخاوف من استخدام المرحلة الثانية كغطاء سياسي لإعادة تدوير الاحتلال بصيغة جديدة تُحافظ على السيطرة دون تحمل كلفة الاحتلال العسكري المباشر.

أما جيوسياسياً، فيرى حرفوش أن الإعلان قبل أعياد الميلاد يحمل رمزية محسوبة تهدف إلى إظهار الولايات المتحدة كقوة "صانعة للسلام"، بينما تواصل الوقائع الميدانية في غزة تكذيب هذا الخطاب، وسط استمرار الدمار والانتهاكات واتساع الفجوة بين التصريحات السياسية والحقيقة على الأرض.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة للمرحلة الثانية، يعرض حرفوش ثلاثة مسارات رئيسية: أولها سيناريو "التسوية المشروطة" الذي يتضمن انسحاباً تدريجياً وإدارة انتقالية وإعادة إعمار، لكنه يظل ضعيف الاحتمال في ظل غياب الإرادة الإسرائيلية والانحياز الأمريكي. 

أما السيناريو الثاني، وفق حرفوش، وهو الأكثر تداولاً، فيتعلق بإدارة دولية قسرية ووجود قوة متعددة الجنسيات ومحاولات لنزع سلاح المقاومة، وهو ما يمس حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وقد يعيد إنتاج الاحتلال بأسلوب ناعم، في حين يبقى السيناريو الثالث -"الفشل والانفجار"- الأكثر خطورة، إذ يقود إلى انهيار التفاوض وعودة المواجهة واتساع رقعة الصراع إقليمياً.

ويؤكد حرفوش أن أي مرحلة سياسية لاحقة لن تكون مستقرة ما لم تُبنَ على وقف دائم للعدوان، ومساءلة قانونية لمرتكبي جرائم الحرب، وتمكين الفلسطينيين من إدارة أرضهم بحرية، وإنهاء الاحتلال لا إعادة تدويره.

 

السلوك الإسرائيلي يضع ترمب في موقف حرج

 

يوضح أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بات في مرحلة تسمح له بالضغط على رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد استكمال المقاومة الفلسطينية تسليم الأسرى الإسرائيليين -أحياء وجثثاً- باستثناء جثة واحدة، وتنفيذ التزاماتها في المرحلة الأولى دون خروقات. 

وبحسب شاهين، يأتي ذلك مقابل استمرار إسرائيل في خرق الاتفاق عبر قتل أكثر من 300 فلسطيني في غزة، وما يرافقه من هجمات، وهدم، واستهدافات عسكرية، الأمر الذي يكشف نية حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل مواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافها التي أخفقت في تحقيقها ميدانياً.

ويؤكد أن هذا السلوك الإسرائيلي يضع ترمب في موقف حرج أمام حلفائه العرب والمسلمين المشاركين في قمة شرم الشيخ، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية المطالِبة بالحفاظ على الهدنة ووقف استهداف المدنيين، في وقت يسعى ترمب لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة والحفاظ على صورة بلاده كضامن رئيسي للاتفاق.

ويرى أن ترمب ينظر إلى الاتفاق كأداة لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول تمكين إسرائيل من نزع سلاح المقاومة وتفكيك حكم حركة حماس في قطاع غزة، والثاني تحويل الاتفاق إلى صفقة تدرّ عليه وعلى صهره وشركائه الاستثمارات الضخمة المرتبطة بإعادة إعمار قطاع غزة وإدارته عبر حكومة تتبع مجلس السلام الذي يرأسه، بعد حصوله على تفويض أممي يتيح له السيطرة عملياً على القطاع.

ويشير شاهين إلى أن ترمب يتطلع إلى استغلال ما يقدّره خبراء بمئات مليارات الدولارات من الغاز والنفط والعقارات في غزة.

لكن، في المقابل، يوضح شاهين أن إسرائيل نفسها تتنافس مع رغبة ترمب في النفوذ الكامل على قطاع غزة، لتشاركه الاستحواذ على ثروات القطاع خاصة النفط والغاز، وليس لدوافع أمنية، إلى جانب مشاريع الاستيطان وتثبيت وجود دائم في بعض المناطق.

ويشير إلى أن أطرافاً إقليمية تتطلع إلى أن تكون جزءاً من مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار في المرحلة المقبلة، في حين ترفض حركة حماس وشركاؤها القبول بإقصائها عن إدارة غزة أو إخراجها من المشهد السياسي الفلسطيني، كما ترغب إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الحلفاء.

ويلفت شاهين إلى أن المشهد العام محكوم بتعقيدات كبيرة وتشابكات سياسية واقتصادية تجعل كل السيناريوهات المتعلقة بالمرحلة الثانية شديدة الغموض والتداخل.

 

محاولة لفرض مسار يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية

 

يعتبر الناطق باسم جامعة النجاح الوطنية وأستاذ العلوم السياسية د.رائد الدبعي أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدء ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار قبل أعياد الميلاد محاولة أمريكية لفرض مسار يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية، بعيداً عن أي توافق فلسطيني أو احترام لمبدأ السيادة الوطنية.

ويوضح أن الإدارة الأمريكية تُحاول استثمار حالة الانقسام الفلسطيني وغياب رؤية وطنية موحدة لتحديد مستقبل قطاع غزة ضمن الإجماع الوطني، بما يجعل الموقف الفلسطيني هشّاً أمام مقترحات تُطرح بمعزل عن الحقوق المشروعة والقرارات الدولية. 

ويؤكد الدبعي أن رفض إسرائيل عودة منظمة التحرير الفلسطينية لممارسة سلطتها القانونية على القطاع يشكّل محوراً أساسياً في التوجه الأمريكي الجديد، الذي قد يُفضي إلى ترتيبات سياسية وأمنية تُفرض على الشعب الفلسطيني دون موافقته.

 

محاولة لتسويق إنجاز سياسي داخلي في واشنطن

 

ويشير الدبعي إلى أن توقيت إعلان ترمب يبدو أقرب إلى محاولة تسويق إنجاز سياسي داخلي في واشنطن، عبر الظهور أمام الرأي العام الأمريكي باعتباره القادر على وقف الحرب وإدامة حالة وقف إطلاق النار، فيما يبقى الفلسطينيون في غزة تحت وطأة العدوان والدمار والحصار، دون أي ضمان حقيقي لوقف الجرائم الإسرائيلية أو رفع القيود المفروضة على القطاع.

ويلفت إلى أن التركيز الأمريكي على "ترتيبات الحكم" قبل الحديث عن إنهاء الاحتلال أو وقف العدوان يعكس توجهاً خطيراً، إذ يُحوّل الأزمة الإنسانية في غزة إلى مدخل لفرض إدارة خارجية أو ترتيبات أمنية منفصلة عن البعد الوطني للقطاع، بما يجعله منطقة اختبار سياسي بدلاً من كونه جزءاً أصيلاً من دولة فلسطين.

وفي ما يتعلق بالمرحلة الثانية ذاتها، بشدّد الدبعي على أن أي ترتيبات مقبلة يجب أن تقوم على وقف شامل للعدوان، ورفع الحصار، وفتح المعابر، وإطلاق عملية إعادة إعمار تحت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. 

ويدعو الدبعي إلى توافق وطني كامل على أي صيغة لإدارة القطاع، بما يضمن تمثيل جميع الفلسطينيين وإعادة توحيد غزة والضفة كجغرافيا سياسية واحدة.

ويحذّر من أن أي إدارة تُفرض من الخارج، سواء كانت دولية أو إقليمية أو تعمل بمعزل عن منظمة التحرير، ستُكرّس الانقسام وتُمهّد لانتزاع الحق الفلسطيني في السيادة. 

ويؤكد الدبعي أن تحويل المرحلة الثانية إلى مجرد هدنة طويلة دون أفق سياسي سيُبقي غزة رهينة الانفجار، ويحوّل الترتيبات إلى إدارة أزمات بدلاً من معالجة جذور الصراع.

ويعتقد الدبعي أن جوهر المرحلة الثانية يجب أن يرتكز على إنهاء السيطرة المفروضة على الفلسطينيين وتمكينهم من تقرير مصيرهم بقيادة وطنية منتخبة، مؤكداً أن المطلوب هو التحرر من "الزنزانة" وليس تحسين شروطها، والانعتاق من الاحتلال لا التعايش مع قسوته.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

الجيش اليمني يكشف حصيلة ضحايا هجوم "الانتقالي" في حضرموت ويتهم القوات المهاجمة بتصفية الجرحى

في تطور ميداني لافت شرقي اليمن، كشف الجيش اليمني، يوم السبت، عن حجم الخسائر البشرية التي لحقت بقوات المنطقة العسكرية الأولى التابعة له. وأكدت المؤسسة العسكرية مقتل 32 ضابطاً وجندياً، بالإضافة إلى إصابة 45 آخرين بجروح متفاوتة، وذلك جراء العمليات العسكرية والهجوم الذي شنته القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على محافظة حضرموت منذ مطلع الشهر الجاري.

وجاءت هذه الإحصائيات ضمن بيان رسمي صادر عن رئاسة هيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع اليمنية، والذي سلط الضوء على التطورات الأخيرة في المحافظة الشرقية وتداعيات الاشتباكات الدائرة هناك.

ونعت رئاسة هيئة الأركان في بيانها من وصفتهم بـ"شهداء الوطن الأبطال" من منتسبي المنطقة العسكرية الأولى. وشدد البيان على أن هؤلاء العسكريين قضوا نحبهم أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني والدستوري، وفي إطار حق الدفاع عن النفس والوطن، أثناء تصديهم للاعتداءات التي نفذتها مجموعات مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

واعتبرت القيادة العسكرية أن هذا الهجوم يفتقر إلى أي مسوغ قانوني أو غطاء شرعي، مشيرة إلى أن الهدف منه هو زعزعة حالة الأمن والاستقرار التي كانت تتمتع بها محافظة حضرموت، وتهديد السلم في المناطق المحررة، بالإضافة إلى محاولة فرض سياسة الأمر الواقع التي من شأنها تقويض العملية السياسية والقفز على المرجعيات الوطنية المتفق عليها.

وأكد البيان العسكري أن تلك الاعتداءات والهجمات أسفرت بشكل مباشر عن ارتقاء 32 شهيداً وسقوط 45 جريحاً من صفوف الضباط والأفراد التابعين للقوات المتمركزة في المنطقة.

وفي اتهامات خطيرة تضمنها البيان، أشارت هيئة الأركان إلى أن عدداً من الضباط والأفراد لا يزالون في عداد المفقودين حتى اللحظة. كما اتهم الجيش تلك المجاميع المسلحة بارتكاب انتهاكات جسيمة، تمثلت في تصفية عدد من الجرحى وإعدام المحتجزين ميدانياً، واصفاً هذه الممارسات بأنها انتهاك صارخ لكافة القوانين والأعراف المحلية والدولية.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

السودان في عين العاصفة: رقصة البرهان الخطرة بين إغراءات الغرب ودعم الشرق

لنتصور دولة تقف على حافة الانهيار الشامل، تتقاذفها نيران حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، وجيش يقاتل على جبهات متعددة ومتشعبة، واقتصاد يتآكل طبقة تلو الأخرى، بينما تتكالب القوى الدولية الكبرى على ثرواتها وموانئها وموقعها الإستراتيجي الفريد.

في خضم هذا المشهد القاتم، يقف قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، محاولاً السير على حبل مشدود والإمساك بالعصا من المنتصف: يلوح للغرب بإمكانية بناء شراكة استراتيجية، بينما يتمسك في الوقت ذاته بحبال الوصل القوية مع المعسكر الشرقي الصاعد.

هذا التحرك ليس مجرد تقلبات سياسية عابرة أو انتقال عشوائي بين المحاور، بل هو تكتيك وجودي فرضته قسوة الجغرافيا ووطأة الحرب التي استنزفت الدولة والمجتمع، فضلاً عن التوازنات الدولية الدقيقة التي حولت السودان إلى ساحة اختبار كبرى لصراع النفوذ المحتدم في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وفي هذا الإطار تحديداً، جاءت رسالة البرهان الأخيرة الموجهة للغرب عبر مقال اختار له منصة أميركية بارزة، والتي لم تكن مجرد مقال رأي عابر، بل وثيقة سياسية مشفرة صيغت بعناية فائقة لتحمل دلالات عميقة وتصل مباشرة إلى دوائر صناعة القرار في العواصم الغربية.

في مقاله المثير للجدل، حمّل البرهان قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن الدمار، رافضاً توصيف ما يجري بأنه صراع بين جنرالين، ومؤكداً أنها حرب تمرد على شرعية الدولة. لكنه لم يكتف بهذا التوصيف، بل طرح معادلة واضحة: ساعدوني في تفكيك التمرد وإنهاء الحرب، وسأكون مستعداً للمضي قدماً في مسار التطبيع وتقديم صيغة حكم مدني ترضي المجتمع الدولي.

لوح البرهان بورقة الانتقال الديمقراطي، مذكرًا الغرب بمصالحه المهددة في البحر الأحمر، وفاتحاً الباب أمام الشركات الغربية للمساهمة في إعادة الإعمار. بدا الطرح أقرب إلى عرض تفاوضي متكامل الأركان: الشرعية والاستقرار والتعاون الأمني مقابل الدعم العسكري والسياسي.

هذه الرسالة لا تأتي من فراغ، بل تتزامن مع تحركات متنامية للبرهان على الساحة الدولية، شملت خطابات في الأمم المتحدة وانفتاحاً محسوباً على المؤسسات الغربية. ورغم هذه الإشارات، فإنها لا تعني تحولاً استراتيجياً كاملاً وانقلاباً نحو المعسكر الغربي، بل هي جزء من لعبة توازنات دقيقة تحاول فيها القيادة السودانية الموازنة بين المكاسب الآنية وتجنب مخاطر الاصطفاف الحاد.

يكتسب السودان أهمية قصوى كبوابة للبحر الأحمر وممر للتجارة العالمية وخزان للموارد. الصين ترى فيه امتداداً لطريقها التجاري وتخشى ضياع استثماراتها الضخمة، لذا تتحرك بحذر لدعم الاستقرار دون صدام مباشر مع الغرب. أما روسيا، فقد عززت وجودها عبر أدوات جديدة بديلة لمجموعة فاغنر، طامحة لموطأ قدم دائم في البحر الأحمر لتعزيز نفوذها في مواجهة الضغوط الغربية في ملفات أخرى.

في المقابل، يراقب الغرب التمدد الشرقي بقلق، لكنه يرهن دعمه الاقتصادي بملف التطبيع وترتيبات سياسية محددة. وهنا يكمن المأزق السوداني: الاعتماد على الشرق يوفر السلاح لكنه يفرض عزلة مالية خانقة، واللجوء للغرب قد يوفر المال لكنه يفتقر للدعم العسكري الحاسم وقد يفجر الجبهة الداخلية، مما يجعل الاصطفاف الكامل خياراً قاتلاً.

وسط هذه التعقيدات، يبرز خيار "عدم الانحياز الذكي"، القائم على تنويع الشراكات: تعاون اقتصادي مع بكين دون ارتهان، وتنسيق أمني مع موسكو دون تحويل البلاد لقاعدة روسية، وانفتاح سياسي على الغرب دون الخضوع الكامل لشروطه المجحفة، وبناء دور إقليمي يستند للجغرافيا لا الأيديولوجيا.

لكن نجاح هذه المناورة الخارجية مرهون بصلابة الجبهة الداخلية. فالرهان الحقيقي ليس على واشنطن أو بكين أو موسكو، بل على قدرة القيادة السودانية على توحيد الصف الداخلي، ووقف الانهيار الاقتصادي، وفرض السيادة الوطنية على القوى المتدخلة.

ختاماً، ما يفعله البرهان هو محاولة لجمع أوراق القوة من كافة الأطراف دون دفع الأثمان الباهظة لأي منها. إنها محاولة لاستغلال موقع السودان الفريد في الصراع الدولي، لكنها لن تؤتي أكلها ما لم يتم ترتيب البيت الداخلي، لأن مصير الدول تحدده إرادة شعوبها وقدرتها على الصمود قبل إملاءات الخارج.

أقلام وأراء

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

100 مليون وظيفة على وشك الاختفاء… هل بدأ عصر انهيار سوق العمل؟ وكيف سيعيش البشر في عالم لا يحتاج إليهم؟

تشير تقديرات ساندرز وغيرها من مراكز البحث الدولية إلى موجة غير مسبوقة من التحوّل الاقتصادي يقودها الذكاء الاصطناعي، موجة قد تعيد رسم بنية أسواق العمل كما نعرفها اليوم. حين تتحدث الأرقام عن احتمال اختفاء ما يقارب مئة مليون وظيفة خلال عقد واحد فقط، فهذا ليس تحذيرًا نظريًا ولا خطابًا دراميًا، بل قراءة مبنية على بيانات واضحة حول قدرة الأنظمة الذكية على أداء المهام بوتيرة أسرع وبتكلفة أقل من البشر. تتعمّق هذه المخاوف عندما نرى نسب التأثير المحتمل في قطاعات واسعة من الاقتصاد؛ فالممرضون الذين يشكلون أحد أعمدة الرعاية الطبية مهدد نحو أربعين في المئة من وظائفهم بالأتمتة، بينما يواجه سائقو الشاحنات فقدانًا يصل إلى سبعة وأربعين في المئة مع تطور المركبات الذاتية. أما المحاسبة، وهي مهنة لطالما ارتبطت بالدقة والتحليل البشري، فتتوقع التقارير أن يفقد أربعة وستون في المئة من العاملين فيها مواقعهم لصالح الأنظمة الذكية. حتى التعليم، ذلك القطاع الذي كان يُظن أنه الأقل عرضة للأتمتة، يشهد تهديدًا لوظائف مساعدي التدريس بنسبة خمسة وستين في المئة، في حين تبدو وظائف الوجبات السريعة الأقرب للاندثار مع تسعٍ وثمانين في المئة قابلة للاستبدال بالكامل عبر الروبوتات.

هذه الأرقام تشكّل ضغطًا على الوعي الجماعي وتفتح الباب أمام سؤال وجودي طرحه ساندرز بوضوح: كيف سيعيش الناس بلا وظائف؟ الإجابة ليست سهلة، لأننا أمام لحظة تحوّل تشبه الانتقال من الزراعة إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى الرقمنة، لكن بوتيرة أسرع بكثير. ما كان يحدث خلال خمسين عامًا أصبح يحدث خلال خمس سنوات، وما كان يحتاج إلى أجيال من التكيّف بات يتطلب قدرة فورية على إعادة تشكيل النظم الاقتصادية والاجتماعية. هذا التسارع يفرض نقاشًا جديدًا حول مفهوم العمل ذاته. فلطالما كان العمل هو أساس الدخل والهوية والاندماج الاجتماعي، وإذا اختفت الوظائف بشكل واسع، فإننا ننتقل من مجتمع يقوم على الإنتاج البشري إلى مجتمع يعتمد على إنتاج الآلة، ما يثير سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا جوهريًا حول كيفية توزيع الثروة في عالم تنتج فيه الآلات معظم القيمة.

شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وبيل غيتس تتفق في توقع اختفاء أغلب الوظائف البشرية في المستقبل القريب، مع بقاء نسبة محدودة فقط تتمحور حول الإبداع البشري المحض أو الإشراف على أنظمة الذكاء. هذه الرؤية ليست توقعًا متشائمًا بقدر ما هي قراءة للاتجاهات الصناعية. فالشركات الكبرى -من مصانع السيارات إلى شبكات المطاعم- تستثمر مليارات الدولارات في الأتمتة ليس بسبب رغبة في التخلص من البشر، بل لأنها ترى في الذكاء الاصطناعي كفاءة أعلى، وموثوقية أكبر، وتكلفة أقل. ومع ذلك، يبرز خطر أن يتحوّل النظام الاقتصادي إلى ما يشبه "جزيرة ثراء" صغيرة تحتكرها الشركات القادرة على امتلاك التكنولوجيا، بينما يقف ملايين البشر على الشاطئ المقابل يبحثون عن مكان في عالم لم يعد بحاجة إليهم كما كان.

السؤال حول الدخل والسكن والرعاية الصحية يصبح هنا أكثر إلحاحًا. فإذا كان الملايين مهددين بفقدان مصادر رزقهم، فمن يتحمل مسؤولية تأمين حياتهم الأساسية؟ بعض الاقتصاديين يقترحون حلولًا مثل الدخل الأساسي الشامل، وهو مبلغ شهري ثابت تقدمه الدولة لكل مواطن بصرف النظر عن عمله. هذا النموذج يهدف إلى فصل الحق في الحياة الكريمة عن شرط الحصول على وظيفة، لكنه يواجه أسئلة معقدة تتعلق بتمويله، وبالعدالة في توزيعه، وبقدرته الحقيقية على سد الفجوة التي سيتركها اختفاء الوظائف. وهناك من يدعو إلى فرض "ضريبة على الروبوتات" بحيث تُجبر الشركات على المساهمة في صندوق وطني يدعم الفئات التي فقدت عملها بسبب الأتمتة. بينما يرى آخرون أن الحل يكمن في إعادة هيكلة التعليم جذريًا نحو مهارات جديدة لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة، مثل القيادة، التفكير المركّب، الإبداع، التواصل البشري، والعناية الاجتماعية.

لكن حتى هذه الحلول لا تبدو كافية أمام حجم التحوّل، إذ إن الأتمتة لم تعد تستهدف الوظائف اليدوية أو الحسابية فقط، بل بدأت تتسلل إلى المهن المعرفية والإبداعية نفسها. نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على كتابة المقالات والسيناريوهات، تصميم الإعلانات، تشخيص الأمراض، إنتاج الموسيقى، وتطوير البرمجيات. وهذا يفرض إعادة تعريف للفوارق بين "مهارة الإنسان" و“كفاءة الآلة"، ويدفع المجتمعات إلى بناء أنظمة جديدة للثقة والقيمة والانتظام الاجتماعي.

في قلب هذه الأزمة يكمن سؤال أكبر من الوظائف والدخل. السؤال يتعلق بهوية الإنسان نفسه. ماذا يعني أن يعيش الإنسان في عالم لا يحتاج إلى جهده كي ينتج، ولا يحتاج إلى عمله كي يزدهر؟ ما هو دور الفرد في مجتمع تتولى فيه الخوارزميات الوظائف التي كان يعتمد عليها لبناء مستقبله؟ وهل يتحول الإنسان إلى مستهلك دائم بدل أن يكون منتجًا؟ أم يعيد بناء هويته حول الإبداع والمعنى والابتكار الروحي والاجتماعي بدل العمل التقليدي؟

الرقم الذي يتحدث عن احتمال اختفاء 100 مليون وظيفة خلال عقد واحد ليس رقمًا مبالغًا فيه، بل تقدير يستند إلى نماذج اقتصادية ترصد سرعة انتشار الأتمتة والذكاء الاصطناعي في القطاعات الأكثر عرضة للاستبدال. تشير تحليلات MIT وMcKinsey إلى أن الآلات باتت قادرة على تنفيذ ما يصل إلى 70٪ من مهام عدد كبير من الوظائف، ما يجعل هذا الرقم واقعيًا في ظل التوسع الحالي. ورغم أنّ كثيرًا من الوظائف قد لا تزول بالكامل، إلا أنّ طبيعتها ستتغير بعمق، وستتحول المهام البشرية إلى مهام إشرافية أو تكميلية للذكاء الاصطناعي. هذا الرقم يُطرح عالميًا كتحذير جاد، يدعو الحكومات لإعادة التفكير في سياسات التوظيف والتعليم قبل أن يصل التحوّل إلى نقطة لا يمكن تداركها.

إننا أمام مرحلة انتقالية حساسة تتطلب شجاعة فكرية وسياسية، لأن تجاهل الأسئلة سيقود إلى صدامات اقتصادية واجتماعية عميقة. وإذا كان المستقبل يحمل خطر فقدان الوظائف، فإنه يحمل أيضًا فرصة لإعادة توزيع الثروة، وتطوير نظم تعليم جديدة، وإعادة تعريف علاقة الإنسان بالآلة، وبناء مجتمع يمنح الناس قيمة خارج حدود العمل التقليدي. التحوّل الكبير لا يزال في بدايته، والقرار بيد المجتمعات: إما أن تترك التكنولوجيا تعيد تشكيلها بصورة عشوائية، أو تبني منظومة جديدة تضمن حياة كريمة لكل إنسان مهما تغيّرت وظائفه أو بقيت.

 

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو والمرحلة الثانية... مناورة سياسية مضلّلة للهروب من الاستحقاقات المقبلة

رام الله - خاص ب"القدس" دوت كوم

د. أحمد رفيق عوض: نتنياهو يحاول الإيحاء بأنه بات مستعداً للمرحلة الثانية لكنه في الواقع يتمسك بالشروط نفسها التي وضعها منذ البداية

سليمان بشارات: نتنياهو يعوّل بشكل كبير على زيارته المرتقبة لواشنطن للحصول على تعديلات جوهرية في شكل المرحلة الثانية ومضمونها

د. سهيل دياب: تصريحات نتنياهو مناورة اضطرارية تدار على قاعدة أن المرحلة الثانية مرحلة أمنية تكتيكية لا تُفضي إلى تسوية سياسية

د. تمارا حداد: نتنياهو يخوض "لعبة مقايضة سياسية" يحاول فيها تحقيق تهدئة مؤقتة في غزة مقابل تعميق السيطرة في الضفة

لبيب طه: اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يجعل نتنياهو حريصاً على إظهار أكبر قدر من التشدد ليقدّم نفسه باعتباره "المنقذ والمخلّص"

د. ولاء قديمات: تصريحات نتنياهو تأتي تناغماً مع الرغبة الأمريكية في ضمان استمرار الاتفاق خاصة بعد استجابة "حماس" للمرحلة الأولى

تشير المعطيات إلى أن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة لا تعكس تحولاً حقيقياً في الموقف السياسي، بقدر ما تعبّر عن محاولة لامتصاص الضغوط الدولية وتهدئة الرأي العام الإسرائيلي، ومناورة سياسية للهروب من استحقاقات المرحلة الثانية. 

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن خلف موقف نتنياهو المعلن حسابات سياسية مرتبطة بالسعي إلى كسب الوقت، من خلال الإيحاء بأن التحرك نحو المرحلة الثانية قائم، في حين تستمر الإجراءات الميدانية بتكريس السيطرة وتوسيع النفوذ ومنع أي تغيير جذري في المشهد، كما أن هذا الخطاب السياسي يُستخدم كذلك لطمأنة الحلفاء في الحكومة، مع الحفاظ على مسافة محسوبة من الضغوط الأمريكية.

كما يندرج هذا النهج وفق الكتاب والمحللين وأساتذة الجامعات، ضمن مقاربة أوسع تركز على تثبيت الوقائع على الأرض، واستباق أي استحقاقات قد تفرضها المرحلة الثانية، بما يحافظ على المصالح الإسرائيلية ويقلّل من فرص الدخول في مسار سياسي ملزم أو قابل للتطور مستقبلاً.

ويشيرون إلى أن تلك التصريحات بل قد تُستخدم كورقة تفاوض داخلية -قبل انتخابات قريبة- تصوّر نتنياهو كرجل القرار القوي، وخارجياً لإيجاد غطاء دولي لتثبيت السيطرة الإسرائيلية.

 

مواقف إعلامية مضللة لا تحمل أي تغيير حقيقي

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة ليست سوى مواقف إعلامية مضللة لا تحمل أي تغيير حقيقي في رؤيته أو سياسته، مشيراً إلى أن نتنياهو يحاول من خلالها امتصاص الضغط الأمريكي وتضليل الرأي العام والوسطاء دون التخلي عن شروطه الجوهرية.

وبحسب عوض، فإن نتنياهو يحاول الإيحاء بأنه بات مستعداً للمرحلة الثانية، لكنه في الواقع يتمسك بالشروط نفسها التي وضعها منذ البداية، وفي مقدمتها نزع سلاح حركة حماس عبر قوات دولية أو عبر الجيش الإسرائيلي، إلى جانب وضع قيود صارمة على قوات الاستقرار المزمع إدخالها إلى غزة، من حيث تشكيلها وصلاحياتها وانتشارها. 

ويرى عوض أن الدليل الأبرز على عدم صدق تصريحات نتنياهو هو إبقاء الحرب منخفضة الوتيرة، وتوسيع المناطق التي يسيطر عليها الاحتلال داخل غزة، وتشديد منع دخول المساعدات الإنسانية، وهي ممارسات تؤكد أن نتنياهو ليس بصدد التوجه نحو تغيير سياسي حقيقي.

وبحسب عوض، لا يحمل كلام نتنياهو أي تحول في موقفه، إذ ما يزال يسعى إلى ما يسميه "النصر المطلق"، وهو نزع سلاح حماس، ومنع قيام دولة فلسطينية، وحتى منع إعمار قطاع غزة.

 

خطط بديلة لإعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي

 

ويشير عوض إلى أن لدى نتنياهو خططاً بديلة تستهدف إعادة تشكيل الواقعين الجغرافي والديمغرافي للقطاع، تقوم على إعمار المناطق التي تحتلها إسرائيل فقط، وبناء مدن مؤقتة أو دائمة بهدف جذب السكان إليها وسحبهم من المناطق التي لا تزال تحت سيطرة حماس، وبالتالي تطويق ما يسميه الاحتلال "المنطقة الحمراء" وتركها عرضة للحصار والجوع والفوضى.

وفي ما يتعلق بتصريح نتنياهو حول أن ضم الضفة الغربية ما يزال محل نقاش، يرى عوض أن هذا الاستخدام الإعلامي للملف يهدف من جهة إلى تطمين شركائه الأكثر تطرفاً في الائتلاف الحكومي، ومن جهة أخرى إلى تقليل مخاوف الإدارة الأمريكية التي ترفض أي خطوات أحادية قد تفجر التوتر في الضفة.

ويعتقد عوض أن نتنياهو يسعى عبر هذه التصريحات إلى ربح الوقت وإرهاق الإدارة الأمريكية وتقليل زخمها للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لأن المرحلة الأولى هي الأفضل لإسرائيل، فهي تمنحها السيطرة الأمنية الكاملة على غزة، وتمكنها من احتلال نصف القطاع دون إدانة دولية واسعة، وتمنع عودة السلطة الفلسطينية، كما تمنحها القدرة على التحكم بحياة السكان واستخدام ذلك للضغط نحو الهجرة أو الإفقار المتعمد.

ويشير عوض إلى أن المرحلة الثانية تحمل استحقاقات سياسية وأمنية لا ترغب إسرائيل بدفعها، ولذلك فإن تصريحات نتنياهو الحالية لا يمكن البناء عليها، ولا تعكس أي نية حقيقية للمضي في المسار السياسي المطلوب.

 

نتنياهو يغازل الإدارة الأمريكية 

 

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة جاءت في سياق مرتبط مباشرة بدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لنتنياهو لزيارة البيت الأبيض نهاية الشهر، وبالتزامن مع إعلان واشنطن أن قوة الاستقرار الدولية باتت شبه جاهزة وقد ترى النور خلال الأسابيع المقبلة. 

ووفق بشارات، أراد نتنياهو من خلال هذا التصريح مغازلة الإدارة الأمريكية وإظهار أنه يتحرك وفق رؤيتها، لكنه في الوقت ذاته وضع محددات مشددة لطبيعة المرحلة الثانية بما ينسجم مع المصالح الإسرائيلية.

ويوضح بشارات أن نتنياهو يعوّل بشكل كبير على زيارته المرتقبة لواشنطن للحصول على تعديلات جوهرية في شكل ومضمون المرحلة الثانية، وبما يمنحه مكاسب سياسية داخلية ويعزز نفوذ إسرائيل في مستقبل قطاع غزة.

 

محاولة لإعادة صياغة دور القوة الدولية وتقييد مهامها 

 

ويرى بشارات أن تصريحات نتنياهو تحمل محاولة واضحة لإعادة صياغة دور القوة الدولية وتقييد مهامها بحيث لا تشكل بديلاً للدور الإسرائيلي، بل تكون جزءاً من تطبيق الرؤية الأمنية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها.

ويشير إلى أن نتنياهو يستخدم التنقل بين المرحلتين كأداة للاستثمار السياسي داخل إسرائيل، عبر تقديم نفسه باعتباره من يحدد اتجاهات الاتفاق، وأن الضغط الأمريكي هو مشاركة وليس إملاء، وبهذه الرسالة يحاول نتنياهو تكريس صورته أمام جمهوره بأنه رجل المرحلة وصاحب القرار في مستقبل غزة، وليس خاضعاً لأي ضغوط خارجية.

وفي ما يتعلق بالضفة الغربية، يعتبر بشارات أن نتنياهو يعمل على مقايضة سياسية واضحة قوامها: القبول بالتقدم في المرحلة الثانية من اتفاق غزة مقابل اعتراف أمريكي صريح بالسيادة الإسرائيلية على الضفة وضمها. 

ويؤكد بشارات أن نتنياهو يرى في هذا المسار فرصة تاريخية لانتزاع موافقة أمريكية على الضم، سواء كان معلناً أو واقعياً.

ويرى بشارات أن المرحلة المقبلة مفتوحة على سيناريوهين رئيسيين: الأول بالسير خلف الإدارة الأمريكية: وفي هذا السيناريو يلتزم نتنياهو بخطوات المرحلة الثانية مقابل فوائد سياسية كبيرة، منها تعزيز موقعه الداخلي، والحصول على عفو من رئيس الدولة، وانتزاع اعتراف أمريكي بضم الضفة، إلى جانب توسيع الشراكة العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة.

أما السيناريو الثاني وفق بشارات، فهو بالمناورة وكسب الوقت: ويتمثل في التعامل المرن مع مقترحات غزة دون تنفيذ فعلي، بهدف انتظار تغيرات محتملة على الساحة السياسية الأمريكية. 

ويتضمن هذا السيناريو بحسب بشارات، السعي لفرض واقع جديد في غزة عبر تكريس السيطرة العسكرية على نصف القطاع، استناداً إلى ما أعلنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حول "الخط الأصفر" كحدود دفاع وهجوم دائمة.

ويعتقد أن نتنياهو يواصل الدفع نحو خطوات أحادية مثل فتح معبر رفح باتجاه واحد، ومحاولة تثبيت أسس تهجير أهالي غزة وإعادة تشكيل إدارة القطاع، وربط كل ذلك بملف سلاح المقاومة. 

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل ما تزال في مرحلة مناورة واسعة، تحاول فيها الجمع بين إرضاء واشنطن والحفاظ على المصالح الإسرائيلية، مع تقديم الملف كقضية أمنية تهدف إلى ضمان "أمن استراتيجي" طويل المدى.

 

حالة مأزق ثلاثي الأبعاد يعيشها نتنياهو

 

يوضح أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة تعبّر عن حالة مأزق ثلاثي الأبعاد يعيشها نتنياهو، ما يجعله يتنقل بين الملفات بصورة تكتيكية دون أن يغيّر توجهه السياسي الأساسي.

ويشير دياب إلى أن البعد الأول من أزمة نتنياهو يتمثل في عدم قدرته على رفض مطلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانتقال إلى المرحلة الثانية، خصوصاً في ظل حسابات واشنطن المرتبطة بالانتخابات النصفية، حيث يشكل ملف غزة محوراً رئيسياً فيها.

كما يرتبط الأمر، وفق دياب، برغبة ترمب بتسريع التهدئة في سوريا، وهو ملف لا يمكن أن يتقدم -بحسب تقديرات الإدارة الأمريكية- من دون تهدئة متوازية في غزة ولبنان، ما يجعل غزة مدخلاً ضرورياً للملف السوري.

أما البعد الثاني، بحسب دياب، فيتعلق بأن الانتقال السريع للمرحلة الثانية يعني خسارة إسرائيل لأوراق قوة جوهرية، إذ سيُفهم الانسحاب من مناطق واسعة في غزة كـ"انكسار" داخلياً قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهو أمر لا يستطيع نتنياهو تحمّله سياسياً.

ويتمثل البعد الثالث -وهو الأخطر وفق دياب- في أن الوضع الحالي يمنح نتنياهو فرصته الذهبية للضغط على ترمب والرئيس الإسرائيلي هرتسوغ والمؤسسة القضائية لانتزاع عفو شامل من قضايا الفساد. 

ويرى أنه إذا تجاوزت إسرائيل المرحلة الثانية والثالثة من الاتفاق، فإن فرص حصول نتنياهو على العفو ستتضاءل كثيراً.

ويؤكد دياب أن تصريحات نتنياهو ليست تحولاً في الموقف، بل مناورة اضطرارية تدار على قاعدة الرؤية الإسرائيلية الثابتة بأن المرحلة الثانية مرحلة أمنية تكتيكية لا تُفضي إلى تسوية سياسية، بخلاف ما يراه الوسطاء والفلسطينيون ودول أوروبية وإسلامية، وقد عبّر نتنياهو عن هذا الموقف بوضوح حين قال للمستشار الألماني إنه "يسعى للسلام" لكنه سيعمل على منع قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويشير دياب إلى أن كل تحركات نتنياهو تُقرأ من زاوية واحدة: كيف يضمن بقاءه في الحكم بعد الانتخابات المقبلة؟ لذلك تُفسَّر تصريحاته وقراراته العسكرية والقانونية باعتبارها خطوات مرتبطة عضوياً بمستقبله الشخصي والسياسي.

 

السيناريوهات المحتملة: ثلاثة مسارات

 

وعن السيناريوهات المحتملة، يطرح دياب ثلاثة مسارات: الأول: المضي نحو المرحلة الثانية ببطء وفق ما يريده ترمب، مع إعطاء انطباع بأن الأمور تسير إيجابياً في غزة ولبنان وسوريا، وهو مسار يقلق نتنياهو.

السيناريو الثاني، وفق دياب، "الهروب إلى الأمام" عبر تصعيد عسكري محدود تجاه لبنان أو اليمن، وهو سيناريو مستبعد جزئياً لكنه يبقى خياراً إذا رأى نتنياهو أنه ينقذه سياسياً.

ويشير دياب إلى السيناريو الثالث وهو الأرجح، من خلال صيغة أمريكية إسرائيلية هجينة، تقوم على تصعيد في الضفة الغربية، والتقدم البطيء نحو المرحلة الثانية مع شروط إسرائيلية كبيرة تتعلق بنزع سلاح حماس والجثة الإسرائيلية الأخيرة، وفرض فيتو على مشاركة دول مثل تركيا وقطر في القوة الدولية، ما يحقق التوازن بين رغبة واشنطن في التقدم ومصلحة تل أبيب في التأخير.

 

مقايضة الضفة مقابل تسوية جزئية بغزة

 

ترى الكاتبة والباحثة السياسية د.تمارا حداد أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تكشف مقاربة إسرائيلية تقوم على مقايضة الضفة الغربية مقابل تسوية جزئية في غزة، مشيرةً إلى أن ملف الضفة يشكّل بالنسبة لنتنياهو الهدف المركزي في المرحلة المقبلة.

وتوضح حداد أنّ نتنياهو بات أقرب للموافقة على بدء المرحلة الثانية فور الانتهاء من تسليم آخر جثة، وهذه المرحلة بالنسبة له تتضمن تفكيك بنية حركة حماس ونزع سلاحها، ثم انسحاباً إسرائيلياً جزئياً من غزة، يلي ذلك تشكيل حكومة مؤقتة مع إدخال قوات دولية للاستقرار.

لكن حداد تلفت إلى أن تصريحات نتنياهو الأخيرة حول أن الضفة الغربية لا تزال "محل نقاش" لم تكن عابرة، بل جاءت "بشكل متعمّد"، ضمن محاولة لربط مصير غزة والضفة ببعضهما، بحيث يستغل نتنياهو ورقة الضفة للحصول على مكاسب سياسية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مقابل قبوله المضي قدماً في خطة غزة.

وبحسب حداد، يسعى نتنياهو إلى ضمان السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، خاصة المناطق المصنفة (ج)، ويعتبر ذلك أولوية تفوق أي تسوية داخل قطاع غزة. 

وتشير حداد إلى أن نتنياهو يستخدم الضفة كورقة تفاوض ضاغطة خلال لقائه المرتقب في واشنطن نهاية الشهر، أملاً في تحقيق اعتراف أو ضوء أخضر أمريكي بمزيد من إجراءات الضم التدريجي أو تعزيز الاستيطان.

وترى حداد أن قبول نتنياهو خطة ترمب الخاصة بغزة جاء "على مضض"، لكنه يسعى لتحويل هذا القبول إلى مكسب مزدوج: أولاً عبر تعزيز نفوذه الداخلي وإرضاء جمهوره اليميني، وثانياً عبر استخدام الخطة كمدخل للحصول على عفو من القضاء الإسرائيلي، بالتزامن مع دفع ملف الضفة باتجاه إنجاز سياسي يخدم مستقبله الانتخابي.

وتؤكد حداد أن الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق بات محسوماً تقريباً، خاصة مع اقتراب انتهاء المرحلة الأولى. 

 

 ضم غير معلن يجري على الأرض بوتيرة متسارعة

 

وفيما يخص الضفة الغربية، تشير حداد إلى وجود ضم فعلي غير معلن يجري على الأرض بوتيرة متسارعة، خاصة في المناطق المصنفة (ج). وترى أن الإعلان الرسمي عن الضم سيُؤجَّل بسبب رفض دولي وأوروبي واضح، لكن الواقع الميداني يشي بأن الضم سيتحقق آجلاً أم عاجلاً من خلال فرض الوقائع والاستيطان وإعادة تشكيل الجغرافيا.

وتشير حداد إلى أن نتنياهو يخوض "لعبة مقايضة سياسية"، يحاول فيها تحقيق تهدئة مؤقتة في غزة مقابل المضي في تعميق السيطرة الإسرائيلية في الضفة، معتبرةً أن هذا التحول ليس استراتيجياً بل تكتيكياً يخدم بقاءه السياسي واستعداداته للانتخابات المقبلة.

 

استجابة مباشرة لضغوطات أمريكية وغربية

 

يرى الباحث والمحلل السياسي لبيب طه أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة لا تعبّر عن أي تحوّل سياسي، بل تأتي استجابة مباشرة لضغوطات أمريكية وغربية، فيما يبقى نتنياهو أكثر تشدداً وتطرفاً من أي وقت مضى. 

ويوضح طه أنه على ما يبدو فإن هناك موقفاً جديداً لنتنياهو ليس سوى خطوة اضطرارية بعدما استعاد معظم المحتجزين، وبات يحاول الظهور بمظهر القائد المستجيب للمطالب الدولية، مع تمسّكه في العمق بأهدافه الأصلية التي يسعى إلى تحقيقها عبر تفجير الاتفاق من الداخل، حيث أن تلك المرحلة باتت اليوم بالنسبة له منصة لإفشال الاتفاق لا لإنجاحه. 

ويحاول نتنياهو -بحسب طه- الضغط بملفات شديدة الحساسية إلى المفاوضات، مثل نزع سلاح حماس، والانسحاب من غزة، وإسناد الحكم فيها إلى جهة غير الحركة. 

وهذه الملفات، كما يشير طه، ليست مجرد قضايا تفاوضية، بل شروط تفجيرية يهدف نتنياهو من خلالها إلى استكمال ما عجز عن تحقيقه عسكرياً، عبر الضغط والاشتراط على الطاولة السياسية.

وبحسب طه، فإن دوافع نتنياهو لا تتعلق بأي تحول نحو "السلام"، مؤكداً: "لم يصبح نتنياهو بين ليلة وضحاها رجلاً مسالماً، فهو منذ ظهوره على المسرح السياسي قبل أكثر من 30 عاماً لا يتغير إلا نحو مزيد من التطرف، ويزاود على جميع المتطرفين في الساحة الإسرائيلية”. ويؤكد طه أن الفارق بين نتنياهو وأقصى اليمين "هو فارق درجات لا جوهر"، وأنه يستخدم لغة براجماتية فقط عندما تُفرض عليه الضغوط.

وعلى الساحة الداخلية، يوضح طه أن اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يجعل نتنياهو حريصاً على إظهار أكبر قدر من التشدد أمام الجمهور الإسرائيلي، فهو يريد أن يخاطب قواعده بالقول: "أعدنا المحتجزين، ونزعنا سلاح حماس، وأزلنا أي تهديد للدولة"، ليقدّم نفسه باعتباره "المنقذ والمخلّص"، ويوظّف ذلك للفوز بالانتخابات مجدداً.

 

 نتنياهو قد يدفع بكل ثقله لنسف الاتفاق

 

ويتوقع طه أن يدفع نتنياهو بكل ثقله نحو نسف الاتفاق، كما فعل خلال العامين الماضيين، قبل أن يفرض الضغط الأمريكي الأخير التوصل إلى التفاهمات الحالية. 

ويرى أن المشهد المقبل لا يحمل أي مؤشرات تهدئة، فسياسة نتنياهو تقوم على منع قيام دولة فلسطينية، وعلى تعزيز الاستيطان، وتمكين المستوطنين من ممارسة الاعتداءات، ورفع مستويات الضغط والمعاناة في الضفة وغزة إلى أقصى حد.

ويشير طه إلى أن الحديث عن "بقاء الوضع كما هو" حديث مضلل، لأن الواقع يتجه نحو تصعيد مستمر، يعكس ثبات نهج نتنياهو لا تبدّله.

 

 نتنياهو يطمح لتقديم الاتفاق كإنجاز استراتيجي

 

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن تصريحات نتنياهو بشأن إمكانية البدء بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة تمثل استجابة واضحة للضغوط الأمريكية، وتحديداً لرغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الحفاظ على الاتفاق ودفعه قدماً، رغم أن نتنياهو كان يرفض في السابق الدخول في هذه المرحلة.

وبحسب قديمات، فإن هذه التصريحات تأتي تناغماً مع الرغبة الأمريكية في ضمان استمرار الاتفاق، خاصة بعد استجابة حركة حماس للمرحلة الأولى وتنفيذها بنودها رغم التحديات، إضافة إلى استعداد الحركة لمناقشة تجميد أو تخزين السلاح ضمن تفاوض المرحلة الثانية.

وتشير قديمات إلى أن نتنياهو يطمح لتقديم الاتفاق كإنجاز استراتيجي، خصوصاً بعد فشل مقترح الميليشيات كبديل لإدارة القطاع، وتصاعد الأوضاع في الضفة الغربية.

وترى قديمات أن المرحلة الثانية تواجه عقبات كبيرة، أبرزها ملف نزع سلاح "حماس" ونشر قوة متعددة الجنسيات في القطاع، وهي فكرة صعبة التطبيق بسبب الموقف الدولي وتعقيدات الواقع الأمني. 

وتشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تميلان حالياً إلى القفز عن العقبات وتركيز الجهود على إدارة واقع غزة وإعادة هندسته أمنياً وسياسياً واجتماعياً ضمن جدول زمني طويل، معتبرة أن تصريحات نتنياهو موجّهة للداخل الإسرائيلي وللإدارة الأمريكية قبل لقائه ترمب نهاية الشهر.

ولا ترى قديمات أن تصريحات نتنياهو تعكس تحولاً حقيقياً في موقفه، بل تعكس استجابة لضرورات الواقع ورغبة نتنياهو في إنقاذ الاتفاق من الانهيار، إلى جانب سعيه لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية على المدى القريب والبعيد.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، تشير قديمات إلى احتمالين رئيسيين: الأول: إذا تم الانتقال بنجاح إلى المرحلة الثانية، فإن غزة ستشهد إعادة هندسة شاملة لواقعها السياسي والأمني، إلى جانب عملية إعادة إعمار طويلة الأمد، بالتوازي مع تهدئة في الضفة الغربية والحد من التصعيد. 

أما السيناريو الثاني وفق قديمات، فإنه في حال تعثر الانتقال، فمن المرجّح الإبقاء على الوضع الراهن كما هو، مع استمرار القدرة الإسرائيلية على التحكم في مستوى التصعيد.

وتعتقد قديمات أن ما يجري يعكس إدارة أمريكية إسرائيلية مشتركة للمرحلة المقبلة، فيما يحاول نتنياهو توظيف الاتفاق لخدمة أهدافه السياسية دون تغيير جوهري في مواقفه الأساسية.

أقلام وأراء

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:51 صباحًا - بتوقيت القدس

نقابة تبني المستقبل

كلما تقدّم الزمن، يزداد يقيني بأن قطاع تكنولوجيا المعلومات في فلسطين لم يعد مجرد اختصاص مهني، بل أصبح جزءاً من هويتنا الحديثة، ومن معركة بناء الدولة، ومن قدرة المجتمع على الصمود والتحوّل. وفي قلب هذا التحوّل تقف نقابة العلوم المعلوماتية التكنولوجية، كجسم مهني يحاول أن يرسم الطريق وسط بيئة تتغيّر بسرعة وتضغط بقوة.

إن انعقاد اجتماع الهيئة العامة للنقابة مؤخرا كان لحظة تأكيد بأن هذا القطاع يتقدّم بثبات، رغم كل الظروف المحيطة، ليس الحدث بحد ذاته هو المهم، بل ما يمثّله من دلالة على الحضور المهني المنظم، وعلى رغبة العاملين في هذا المجال بأن يكون لهم صوت ومكان ودور واضح في المستقبل الرقمي لفلسطين.

لقد شهد الاجتماع اختيار مجلس جديد للنقابة، وهو انتقال طبيعي في دورة الحياة التنظيمية، لكنه بالنسبة لي يحمل معنى أعمق: معنى المسؤولية المشتركة تجاه مهنة تحتاج دائمًا إلى من يدافع عنها، ويرتب أولوياتها، ويساعدها على اتخاذ موقعها الحقيقي في الاقتصاد الوطني، ونيل ثقة الهيئة العامة واخياري نائبا للنقيب هو تكليف أقدّره، لأنه يعكس حجم التوقعات التي يحملها الزملاء، وحجم الإيمان بأن النقابة يمكن أن تكون قوة داعمة لكل العاملين في القطاع.

قطاع تكنولوجيا المعلومات في فلسطين يعيش اليوم بين طموح كبير وواقع صعب، لدينا خبرات بشرية قادرة على المنافسة في أي مكان، ولدينا مؤسسات تشقّ طريقها بثبات، ولدينا حضور متزايد في مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة والأمن السيبراني، ولكن هذه القوة تحتاج إلى إطار يحميها، ويوجهها، ويضمن أن تكون بيئة العمل عادلة، وأن تبقى المهنة مصدر أمان واستقرار للعاملين فيها.

النقابة هنا ليست مجرد إطار إداري؛ هي منصة لحماية المهنة، ولتمثيل أصحابها، ولتعزيز المعايير المهنية، وللتواصل مع مؤسسات التعليم والقطاعين العام والخاص. عندما تعمل النقابة بفاعلية، فإن أثرها لا يظهر فقط في تنظيم المهنة، بل في رفع مستوى القطاع كله، وفي خلق ثقافة مهنية تقوم على الالتزام والمسؤولية والاحترام المتبادل.

ما ينتظرنا في المرحلة المقبلة ليس بسيطاً. التطور العالمي المتسارع يضعنا أمام تحديات جديدة كل يوم: تحولات سوق العمل، الذكاء الاصطناعي، المنافسة الإقليمية، الهجرة المهنية، وفجوة المهارات بين ما تنتجه الجامعات وما يتطلبه السوق، هذه التحديات تتطلب رؤية واضحة، وعملاً هادئاً ومنتظماً، وتعاوناً بين كل الجهات المعنية.

أؤمن أن النقابة يمكن أن تلعب دوراً محورياً في سد هذه الفجوات، من خلال بناء جسور مع الجامعات لتطوير التخصصات والبحث العلمي، وتعزيز البيئة القانونية للعاملين في القطاع، وتوفير مبادرات دعم للمهنيين الشباب، وتنظيم سوق التدريب والشهادات المهنية، وخلق حالة من الوعي حول أخلاقيات المهنة ومسؤولياتها.

إن وجود مجلس جديد هو بداية لمرحلة عمل، لا خاتمة لمرحلة سابقة، ما نحتاجه اليوم هو أن نترجم طموحاتنا إلى خطوات عملية: مبادرات حقيقية، لوائح واضحة، ومساحات تفاعلية تضمن أن يشعر كل عضو بأن النقابة بيت له، ومساحة يُسمع فيها صوته.

ثقتي كبيرة بأن القطاع قادر على النمو، وأن النقابة قادرة على أن تكون جزءا أصيلا من هذا النمو، وما علينا إلا أن نعمل بصمت حين يلزم، وبصوت عال حين يجب، وأن نضع مصلحة المهنة فوق كل اعتبار.

إن مستقبل فلسطين الرقمي لا يُبنى بالصدفة، بل بالعمل المنظم، وبالطاقة البشرية التي أثبتت دائمًا أنها قادرة على تجاوز كل القيود.

أمّا مجلس النقابة فملتزمون بأن نكون جزءا من هذا المستقبل، وأن نعمل لكل من وضع ثقته فينا، ولكل من يرى في التكنولوجيا طريقا لبناء وطن أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات.

هذا هو دور النقابة كما يجب أن يكون، وهذا هو الطريق الذي سنمضي إليه بثبات.

أقلام وأراء

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس

طوفان غزة

يحدّثني صديقي النازح من رفح في مواصي خان يونس: “كنتُ أحاول رفع طرف الخيمة كي أسمح للماء بالخروج بدل أن يتجمّع داخلها، لكن الخيمة كانت أضعف من أن تصمد. الفراش غرق، والبطانيات التصقت بالطين، والأطفال استيقظوا مذعورين ومبللين، ورعبُ الماء في عيونهم كان أكبر من رعب الطائرات. حينها قلت: أين أنقلهم؟ من خيمة إلى خيمة؟ الحرب لم تنتهِ وما نزل ستارها، وفي ناس بعدها بتعلن انتصار! كنتُ أتحدّث باسم آلاف الآباء، لا باسم أسرتي وحدها. هذه شهادة شخصية، لكنها اليوم رواية جماعية”.

مع دخول حرب الإبادة عامها الثالث، تحوّلت غزة إلى منطقة منكوبة بالكامل. لم تعد هناك بنية تحتية، ولا كهرباء، ولا مياه صالحة، ولا طرق، ولا صرف صحي. الحرب لم تدمّر الحجر فقط، بل دمّرت شروط الحياة نفسها. ملايين الفلسطينيين اضطروا للنزوح، بعضهم للمرة الثانية أو الثالثة. والخيام التي كانت رمزًا للجوء المؤقت صارت اليوم مأوى دائمًا، لكنها خيام بلا أرضية ولا جدران ولا سقف يحمي من المطر أو الريح أو الوحول. آلاف الأطفال ينامون على أرض مبتلّة، والنساء يجاهدن للحفاظ على ما تبقّى من خصوصيتهن، والرجال يعجزون عن حماية أسرهم، ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن ما يملكونه لم يعد يساوي شيئًا أمام حجم الكارثة. انهيار البنية التحتية، وغياب شبكات الصرف، وتشديد الحصار، وتجميد إعادة الإعمار، كلها عوامل تواصل تحويل مخيمات النزوح إلى مشاهد متكررة للفقد والمهانة.

ومع وصول المنخفض الجوي بايرون، تحوّل كل شيء إلى مرحلة أكثر قسوة. الأمطار الغزيرة حوّلت الأرض إلى بحر من الطين، والطرقات إلى برك آسنة، والخيام إلى أوعية تجمع الماء بدل صدّه. الرياح عصفت بالخيام كما لو أنها قذائف صامتة. عشرات الخيام انهارت خلال ساعات الليل، والمئات غرقت بالكامل. هذه ليست مجرد أرقام أو وصف تقني للحالة الجوية، بل كانت ليلةً درسًا في معنى أن تكون أبًا عاجزًا أمام العاصفة. حين اشتد المطر، كنتُ أتنقّل داخل الخيمة محاولًا حماية الأطفال من تسرب الماء. أرفع فرشة هنا، وأغطي فجوة هناك، وأبحث عن أي قطعة قماش إضافية قد تمنع الريح من الدخول. شعرت أنني أتعامل مع كابوس حي. أكثر ما يؤلم هو أن الأب لم يعد قادرًا على أداء أبسط وظيفة: توفير سقف لا يسقط فوق رؤوس أسرته.


وبينما كان المطر يحوّل الأرض المحيطة بالمخيم إلى طين لزج تغرق فيه الأقدام، راودتني فكرة واحدة: كيف يمكن للعالم أن يناقش ممرات آمنة وخطط ما بعد الحرب، فيما خيمة واحدة غير آمنة لا يستطيع أحد تحمّل مسؤوليتها؟ وهل يحتاج المجتمع الدولي إلى مشهد أطفال يغرقون داخل خيمتهم ليصدّق أن الحصار ليس مجرد إجراء أمني، بل سياسة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين وتجريدهم من أبسط أدوات البقاء؟


تقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من ثلثي النازحين يعيشون في خيام بلا أرضيات عازلة، وبلا شبكات تصريف، وبلا حماية من السيول. جزء آخر يعيش فوق ركام منازلهم، لأن الركام بالنسبة لهم أفضل حالًا من الخيمة. ومع استمرار القيود الإسرائيلية التي تمنع دخول الخيام المناسبة ومواد الإيواء والبطانيات، تتحوّل موجة المطر الواحدة إلى كارثة إنسانية كاملة، وتهديد مباشر للحياة، ليس فقط بسبب الغرق، بل بسبب الأمراض التي تنتشر في المياه الراكدة والطين والصرف المكشوف.


ما يحدث اليوم ليس مجرد محنة نازحين، بل نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة: تدمير البيوت، ثم منع إعادة بنائها؛ تهجير السكان، ثم منع إدخال ما يحميهم من صقيع الشتاء؛ خلق أزمة، ثم إدارة النقاش العالمي حول كيفية إدارة هذه الأزمة. هناك من يريد لهذه الخيام أن تبقى لأنها تبرر استمرار الحرب، وهناك من يفضّل أن يرى الفلسطيني مجرد رقم بلا اسم، ولا بيت، ولا ذاكرة، لكي يصبح الحديث عنه أسهل من الحديث معه.


ومع ذلك، فإن الخيام التي تهتز اليوم تحت المطر تحمل داخلها قصصًا لن يستطيع الطقس ولا الحرب محوها. 


هناك أب يحاول أن يخفي خوفه كي لا ينتقل إلى أطفاله، وأم تكابد الليل لتجفف الماء عن أغطية صارت أثمن من الذهب، وأطفال يستيقظون من البرد لكنهم لا يبكون، لأن البكاء في الخيمة رفاهية لا تغيّر شيئًا. وبينما يحاول الجميع النجاة من المنخفض، يظل السؤال الأكبر معلّقًا فوق رؤوسنا: إلى متى سيبقى الفلسطينيون يعيشون في خيمة؟ وإلى متى سيبقى العالم يكتفي بمشاهدة الخيمة وهي تشتعل أو تنهار أو تغرق؟ ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه مرات بشكل مأساوي مع الفلسطينيين منذ النكبة، وخيام اللاجئين وشروط حياتهم لم تتغير.


هذه اللحظة تتطلّب أكثر من تضامن وأقل من بيانات سياسية. تتطلّب فتح ممرات آمنة فورًا، وإدخال مواد الإيواء من دون شروط، ووقف الحصار الذي حوّل الطقس إلى تهديد وجودي. الأخطار التي تلوح خلال الساعات والأيام المقبلة ليست قضاء وقدرًا، بل نتيجة مباشرة لحرب مستمرة وسياسات متعمدة.

وحتى ذلك الحين، سيبقى النازح الفلسطيني يعيش بين مطر يضاعف ألمه، وحرب لا تريد أن تنتهي، وعالم يفضّل أن يتحدث عنه بدلًا من أن ينقذه. أما نحن، فسنبقى نحمل الخيمة بيد، وأطفالنا باليد الأخرى، ونحاول أن نقنع أنفسنا بأن هذه العاصفة ستمر، حتى لو كنا ندرك في أعماقنا أن ما لن يمر هو الإبادة التي جعلت الخيمة قدرنا القسري للسنة الثالثة على التوالي.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:45 صباحًا - بتوقيت القدس

باراك يدعو إسرائيل إلى اغتنام الفرصة لعقد اتفاق مع سوريا

واشنطن - "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

حثّ السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، الحكومة الإسرائيلية على اغتنام ما وصفه بـ"الفرصة المتاحة" للتوصل إلى اتفاق سياسي مع سوريا، مؤكداً عبر قناة i24NEWS أن دمشق باتت تدرك أن مستقبلها الأمني يعتمد على تسوية مع إسرائيل. وحذّر باراك من أن إسرائيل "لا يمكنها محاربة كل دولة محيطة بها" بلا أفق سياسي، لافتاً إلى أن النهج العسكري المستمر لا يصنع استقراراً دائماً.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتحدث فيه دوائر في إسرائيل عن خوض حروب على "سبع جبهات" بالتوازي، بينما لا تُظهر الحكومة الحالية رغبة جدية في تثبيت اتفاقيات وقف إطلاق النار القائمة، وفق منتقدين. ويشير هؤلاء إلى أن استمرار الهجمات وتجاهل فرص التهدئة يضعف الثقة بجدية أي مسار للتفاوض مع دمشق.

من جهتها، قالت باربرا ليف، السفيرة الأميركية السابقة لدى سوريا، إن السياسات الإسرائيلية "قوّضت مراراً" فرص تحقيق تقدم في مسار السلام، محذّرة من أن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة طالما استمرت إسرائيل في إجراءات تُفاقم الاحتقان الشعبي في المنطقة. وترى ليف أن المشكلة لا تتعلق بغياب قنوات التواصل، بل في غياب الإرادة الحقيقية لوقف التصعيد.

وتبدو المواقف داخل إسرائيل متباينة بشدة بشأن مستقبل العلاقة مع سوريا. فوزير الدفاع يسرائيل كاتس استبعد تماماً إمكانية إبرام اتفاق، بينما أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن السلام ممكن شريطة التزام سوريا بمطالب أمنية محددة تطرحها إسرائيل. في المقابل، وصف وزير الخارجية جدعون ساعر الاتفاق بأنه "أبعد منالاً من أي وقت مضى"، فيما ذهب وزير شؤون الشتات إلى حد اعتباره أن "الحرب مع سوريا حتمية".

وتزامن هذا الجدل مع مواصلة الجيش الإسرائيلي توغله داخل الأراضي السورية منذ هجوم كانون الأول 2024، رغم أن المحادثات المباشرة بين الطرفين تجري "اسميا" منذ أبريل. وتشير تقارير إلى أن دمشق عرضت العودة إلى ترتيبات ما بعد عام 1974، بما في ذلك إعادة تفعيل المنطقة المنزوعة السلاح بين سوريا وهضبة الجولان المحتلة، لكن إسرائيل رفضت المقترح. ووفق تلك التقارير، يطالب نتنياهو بإنشاء منطقة منزوعة السلاح جديدة بين الخط القديم والعاصمة دمشق، وهو مطلب تعتبره مصادر دبلوماسية "مصمماً ليُرفض".

وفي ظل هذا التضارب بين خطاب إسرائيلي يعلن انفتاحاً على الاتفاق وواقع ميداني يعاكس هذا الادعاء، تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى فعلياً إلى تسوية، أم أنها تستخدم فكرة المفاوضات لإدارة الأزمة لا أكثر. ويبدو أن المسار الحالي يتأرجح بين مبادرات شكلية وواقع سياسي وعسكري يعقّد أي احتمال لاختراق دبلوماسي حقيقي.

وبحسب الخبراء يظهر المسار الإسرائيلي–السوري اليوم محكوماً بتشابك الحسابات الإقليمية والديناميكيات الداخلية لكل طرف. فمن جهة، تجد إسرائيل نفسها أمام بيئة أمنية متقلقلة، لكنها تعتمد مع ذلك على القوة العسكرية كحلّ دائم، مما يقلّص أي مساحة لخيارات سياسية بديلة. ومن جهة أخرى، تعرف سوريا أن أي اتفاق يمكن أن يخفف عنها الضغط الإقليمي، لكنها لا ترغب أيضاً في تقديم تنازلات جوهرية. هذا التوازن الهش يجعل السلام ممكناً نظرياً، لكنه صعب التحقيق عملياً.

واللافت أن المواقف الأميركية، سواء من باراك أو باربرا ليف، تبرز فجوة واضحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما ترى الولايات المتحدة أن الاتفاق مع سوريا يمكن أن يشكل مدخلاً لتخفيف التوتر الإقليمي، تتعامل إسرائيل بمنطق أمني صرف يضع الشروط فوق الحاجة إلى تسوية سياسية شاملة. وإذا استمر هذا التباين، سيظل المسار الدبلوماسي محكوماً بالمراوحة، فيما تتضاعف كلفة الخيارات العسكرية على المدى البعيد


فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس

الصحة العالمية: أكثر من ألف مريض في غزة استشهدوا بانتظار الإجلاء الطبي والحصار يفتك بالقطاع الصحي

كشفت بيانات حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن الحصار الإسرائيلي المطبق وحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة تسببا في استشهاد 1092 مريضاً، وذلك خلال الفترة الممتدة بين شهر يوليو/تموز من العام الجاري وحتى 28 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، حيث فارق هؤلاء الحياة وهم ينتظرون الموافقة على إجلائهم طبياً لتلقي العلاج خارج القطاع المحاصر.

وجاءت هذه الأرقام الصادمة في تصريحات صحفية أدلى بها ريك بيبركورن، ممثل المنظمة الأممية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خلال مؤتمر عقده في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك يوم أمس الجمعة، مستنداً في معلوماته إلى التقارير والبيانات الواردة من السلطات الصحية العاملة في قطاع غزة.

وأشار المسؤول الأممي إلى أن هذه الحصيلة المعلنة قد لا تعكس الواقع المأساوي بالكامل، مرجحاً أن تكون الأعداد الفعلية للضحايا الذين قضوا بسبب منعهم من السفر للعلاج أعلى من ذلك بكثير، منوهاً إلى أن الإحصائية الحالية تقتصر فقط على حالات الوفاة التي تم توثيقها والإبلاغ عنها رسمياً للجهات المختصة.

وفي سياق متصل، جددت المنظمة الدولية مناشدتها لدول العالم بضرورة فتح أبوابها لاستقبال المرضى والجرحى من القطاع، مشددة على أهمية استئناف تحويل المرضى للعلاج في مستشفيات الضفة الغربية والقدس المحتلة كحق أصيل لهم لإنقاذ حياتهم.

واستعرض بيبركورن الوضع الكارثي للمنظومة الصحية في غزة، موضحاً أن 18 مستشفى فقط من أصل 36 لا تزال تعمل وبشكل جزئي، إضافة إلى عمل 43% فقط من مراكز الرعاية الأولية، في ظل نفاد حاد وخطير للأدوية الحيوية، لا سيما علاجات أمراض القلب والمستلزمات الطبية الضرورية.

ونوه المسؤول إلى العقبات المستمرة التي يضعها الاحتلال، موضحاً أنه برغم التحسن الطفيف في معدلات الموافقة الشكلية على دخول المساعدات، إلا أن الإجراءات الفعلية لإدخال المعدات الطبية والأدوية لا تزال تتسم بالبطء الشديد والتعقيد غير المبرر، مما يفاقم معاناة المرضى.

وتتقاطع هذه التحذيرات مع دعوات سابقة أطلقتها منظمة "أطباء بلا حدود" خلال الشهر الحالي، حيث طالبت المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لإجلاء عشرات الآلاف من الحالات الحرجة في غزة، مؤكدة أن المئات قد فقدوا أرواحهم بالفعل وهم ينتظرون طوق النجاة الذي لم يصل.

وبحسب تقديرات المنظمة العالمية، تمكن نحو 8 آلاف مريض فقط من الخروج للعلاج منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023، بينما لا يزال هناك أكثر من 16 ألفاً و500 مريض وجريح يواجهون مصيراً مجهولاً وبحاجة ماسة للعلاج خارج حدود القطاع المدمر.

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:44 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد برصاص الاحتلال شمال غزة وغارات جوية مكثفة تزامناً مع المنخفض الجوي القاسي

ارتقى شاب فلسطيني شهيداً، اليوم السبت، جراء استهدافه برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق تقع خارج نطاق توغله شمالي قطاع غزة، في وقت شن فيه الطيران الحربي سلسلة من الغارات العنيفة والقصف المدفعي الذي طال مناطق متفرقة من القطاع المحاصر.

وأفادت مصادر طبية في مجمع الشفاء الطبي بوصول جثمان الشهيد من منطقة جباليا شمالي القطاع، حيث استهدفته نيران الاحتلال في منطقة تقع خارج حدود انتشاره العسكري المتفق عليها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم.

وفي سياق متصل، واصل جيش الاحتلال عمليات التدمير الممنهج، حيث نفذ عمليات نسف لمربعات سكنية بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف استهدف المناطق الشرقية لمدينة خان يونس جنوبي القطاع، وتحديداً في مناطق تمركزه داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي المناطق التي يفرض الاحتلال سيطرته عليها وتشكل نحو 53% من مساحة القطاع الإجمالية.

وامتد العدوان ليشمل أقصى جنوب القطاع، حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات جوية على مدينة رفح التي تخضع لسيطرة قوات الاحتلال، كما طال القصف الجوي مناطق انتشار الجيش في حي التفاح الواقع شرقي مدينة غزة.

وتتزامن هذه الاعتداءات العسكرية مع ظروف مناخية مأساوية يواجهها الغزيون، حيث يضرب القطاع منخفض جوي عميق وشديد البرودة، تسبب منذ يوم الخميس الماضي في وفاة 14 مواطناً نتيجة البرد القارس والأمطار الغزيرة، إضافة إلى انهيار ما يزيد عن 15 منزلاً كانت قد تعرضت لقصف سابق وتصدعت جراء عدوان الاحتلال.

وتكابد نحو 250 ألف أسرة فلسطينية مرارة العيش في مخيمات النزوح المنتشرة في القطاع، حيث يواجهون خطر الموت برداً وغرقاً داخل خيام مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، وسط محاولات يائسة من الأهالي لحماية أطفالهم بإمكانيات شبه معدومة، بحسب تحذيرات سابقة أطلقها جهاز الدفاع المدني.

ويستمر الاحتلال في انتهاكه الصارخ لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث سجل المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ارتكاب الاحتلال لنحو 738 خرقاً خلال الشهرين الماضيين فقط، مما أسفر عن ارتقاء أكثر من 386 شهيداً فلسطينياً، في تأكيد على عدم التزام الاحتلال بأي عهود أو مواثيق.

يشار إلى أن حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي امتدت لعامين كاملين، خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة، مودية بحياة أكثر من 70 ألف شهيد وإصابة ما يزيد عن 171 ألف مواطن، غالبيتهم من النساء والأطفال، فضلاً عن دمار شامل قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

تعاون استراتيجي متنامٍ.. صواريخ روسية تحمل ثلاثة أقمار إيرانية إلى الفضاء نهاية الشهر

تمضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدماً في تطوير برنامجها الفضائي بخطوات حثيثة، حيث كشفت تقارير إعلامية محلية عن تحديد موعد مرتقب لإرسال ثلاثة أقمار اصطناعية تم تصنيعها محلياً إلى مدارات الأرض، وذلك بالاعتماد على منصات إطلاق روسية، في مؤشر واضح على عمق التحالف التقني بين موسكو وطهران وتحديهما للضغوط الغربية المتزايدة.

وأفادت مصادر مقربة من دوائر القرار الأمني في طهران، يوم الخميس، بأن صاروخاً روسياً من طراز "سويوز" سيتولى مهمة نقل الأقمار الإيرانية الثلاثة إلى الفضاء الخارجي، محددة تاريخ الثامن والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر الحالي موعداً للإطلاق، والذي سيتم من قاعدة "فوستوتشني" الفضائية الواقعة في أقصى الشرق الروسي.

وتندرج هذه العملية ضمن استراتيجية إيرانية شاملة تهدف إلى تطوير منظومات الاستشعار عن بعد، حيث سيتم توظيف هذه الأقمار في قطاعات حيوية تشمل تحسين الإنتاج الزراعي، وإدارة الموارد المائية، والرصد البيئي الدقيق، فضلاً عن متابعة التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية ومراقبة الأراضي الزراعية بكفاءة عالية.

وتعتبر عملية الإطلاق المرتقبة حلقة جديدة في مسلسل التعاون المتصاعد بين طهران وموسكو في قطاع الفضاء، إذ اتجهت إيران في الأعوام الماضية نحو الاستفادة من الخبرات والتقنيات الروسية كوسيلة فعالة للالتفاف على العقوبات الغربية الصارمة التي تحول دون حصولها على التكنولوجيا الفضائية المتطورة والمعدات اللازمة من الأسواق العالمية.

وفي سياق متصل، كانت روسيا قد نجحت في شهر تموز/يوليو المنصرم في وضع قمر اصطناعي إيراني مخصص للاتصالات في مداره، وهو ما عدته طهران حينها إنجازاً نوعياً يمنحها بنية تحتية مستقلة للاتصالات بعيداً عن الهيمنة الغربية، في حين أثارت تلك الخطوة قلقاً لدى العواصم الغربية من احتمالية توظيف هذه القدرات في مهام التجسس والمراقبة العسكرية.

وتسعى إيران من خلال هذه الأقمار الجديدة إلى تحقيق ما تصفه بـ"الاستقلال التقني" في مجالات الأمن الغذائي والرقابة البيئية، من خلال الحصول على صور جوية دقيقة تساعد في دراسة الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وهي قضايا ملحة تواجهها البلاد بشكل متزايد نتيجة سنوات من الجفاف المستمر وانخفاض مناسيب المياه في الأنهار.

ومن المؤمل أن توفر البيانات التي ستجمعها هذه المنظومة الفضائية قاعدة معلوماتية صلبة لتطوير خطط وطنية تهدف إلى الحد من التلوث البيئي، والارتقاء بأساليب إدارة التخطيط الحضري للمدن، لا سيما في المناطق التي تشهد اكتظاظاً سكانياً كبيراً وتحديات بيئية مركبة.

يشار إلى أن القطاع الخاص الإيراني دخل بقوة على خط الصناعات الفضائية، حيث بدأت شركة "أميد فضاء" رحلتها في هذا المجال عام 2019 بتطوير القمر "كوثر" الذي استغرق إنجازه أربع سنوات من العمل الدؤوب، ومستفيدة من تلك التجربة والخبرات المتراكمة، تمكنت الشركة ذاتها من تصنيع القمر الثاني الذي يحمل اسم "هدهد" في غضون عام واحد فقط.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:34 صباحًا - بتوقيت القدس

حراك دبلوماسي في برلين.. واشنطن تدفع بخطة سلام وفرنسا تشترط ضمانات أمنية قبل التفاوض

كشف البيت الأبيض عن توجه المبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث من المقرر أن يعقد اجتماعاً هاماً يوم الاثنين المقبل مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعدد من القادة الأوروبيين. وتأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الأمريكية الحثيثة لطي صفحة الحرب الدائرة في أوكرانيا، في وقت تصر فيه باريس على ضرورة حصول كييف على "تطمينات أمنية" من واشنطن قبل الخوض في أي مفاوضات تتعلق بمصير الأراضي الواقعة شرقي أوكرانيا.

وأكد مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية صحة التقارير الإعلامية التي تداولتها الصحف الأمريكية مؤخراً، مشيراً إلى أن ويتكوف سيجري محادثات مكثفة مع زيلينسكي والزعماء الأوروبيين خلال عطلة نهاية الأسبوع، بهدف مناقشة سبل إطلاق مفاوضات السلام وإنهاء النزاع المستمر منذ سنوات.

وفي سياق متصل، أعلنت الحكومة الألمانية عن استضافتها لهذا الحدث الدبلوماسي البارز يوم الاثنين، والذي سيشهد حضور شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته. وسيحضر الرئيس الأوكراني أيضاً منتدى الأعمال الألماني الأوكراني بصحبة المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

وعلى الجانب الفرنسي، أفادت مصادر مطلعة بأن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يحسم أمره بعد بشأن المشاركة في قمة القادة الأوروبيين المزمع عقدها في برلين، حيث لا يزال القرار قيد الدراسة والتقييم وفقاً لما ذكره قصر الإليزيه.

وبينما تمارس واشنطن ضغوطاً متزايدة على كييف للقبول بتسوية سياسية، يشدد الجانبان الأوروبي والأوكراني على ضرورة تقديم الولايات المتحدة "ضمانات أمنية" ملموسة قبل البدء بأي تفاوض حول المناطق الشرقية التي أعلنت القوات الروسية السيطرة عليها. ونقلت الرئاسة الفرنسية عن مستشار للرئيس قوله إن هناك حاجة ماسة لشفافية تامة حول طبيعة الضمانات التي سيقدمها الغرب لأوكرانيا قبل المساس بملف الأراضي المتنازع عليها.

وأوضح المصدر الفرنسي أن أوروبا تنتظر التزاماً أمريكياً واضحاً تجاه الدول المشاركة في ما يسمى "تحالف الراغبين"، والذي يضم قرابة 30 دولة أبدت استعدادها لدعم الجيش الأوكراني والمشاركة في قوة لحفظ الاستقرار بمجرد التوصل لوقف إطلاق النار. ويهدف هذا التواجد إلى ردع أي عدوان روسي مستقبلي، حيث يجب أن تدرك موسكو أن أي هجوم جديد سيواجه برد موحد من الأوروبيين والأوكرانيين والأمريكيين معاً.

وفي سياق متصل، نفت كييف بشكل قاطع موافقتها على تقديم أي تنازلات جغرافية خلال مباحثاتها مع الجانب الأمريكي، وذلك رداً على تقارير صحفية ألمحت إلى انفتاح أوكراني على فكرة نزع السلاح من المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها والتي تطالب روسيا بضمها.

وشدد المستشار الفرنسي على أهمية أن تتوصل واشنطن أولاً إلى توافق مع حلفائها الأوروبيين والأوكرانيين لبلورة مقترحات سلام موحدة قبل الجلوس مع الروس. وأشار إلى أن هذه الأرضية المشتركة ضرورية لتقديم عرض تفاوضي قوي ومستدام يحترم السيادة الأوكرانية والقانون الدولي، تاركاً للأمريكيين مهمة استخدام نفوذهم لإقناع موسكو بأن هذا المسار الموحد هو السبيل الوحيد للسلام.

وعلى صعيد آخر، كشف مسؤولون أوكرانيون عن إرسال خطة محدثة إلى واشنطن تستند إلى مقترح الرئيس دونالد ترامب المكون من 28 نقطة لإنهاء الحرب. وتتضمن النسخة الجديدة من الخطة الأمريكية بنداً يتعلق بانضمام أوكرانيا السريع إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما تعارضه موسكو بشدة. وأفاد مصدر مطلع بأن الخطة تطمح لانضمام كييف للتكتل الأوروبي بحلول يناير 2027.

ورغم أن عملية الانضمام للاتحاد الأوروبي تتطلب عادة سنوات طويلة وإجماعاً من كافة الدول الأعضاء الـ27، وهو ما تعارضه دول مثل المجر، إلا أن كييف تعول على النفوذ الأمريكي لتذليل هذه العقبات وإقناع المعارضين. من جهتها، أبدت روسيا تشككها في إمكانية تعديل الخطة الأمريكية، حيث صرح يوري أوشاكوف، مستشار الكرملين، بأن مناقشة هذه التعديلات ستكون مساراً طويلاً، مؤكداً أن موسكو لم تطلع على أي تحديثات منذ اللقاء الأخير بين بوتين والمبعوثين الأمريكيين.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:29 صباحًا - بتوقيت القدس

في واقعة غريبة.. نائبة إسبانية تدخل قبة البرلمان بالنقاب للدعوة إلى حظره

شهد البرلمان الإسباني واقعة غير مألوفة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث أقدمت إحدى النائبات على دخول مقر المجلس التشريعي وهي ترتدي "النقاب" الذي يغطي الوجه بالكامل، في مشهد لفت أنظار الحاضرين وأثار تساؤلات عديدة حول دوافع هذا التصرف.

ولم يكن ارتداء النائبة لهذا الزي نابعاً من قناعة دينية أو تغيير في معتقداتها، بل جاء كخطوة سياسية استعراضية تهدف من خلالها إلى الضغط على المشرعين وزملائها في البرلمان لتمرير قانون يقضي بحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة والمؤسسات الرسمية في البلاد، مبررة ذلك بدواعي أمنية واجتماعية.

وتأتي هذه الحادثة التي تزامنت مع منتصف شهر ديسمبر الجاري، لتفتح الباب مجدداً أمام النقاشات الحادة المتعلقة بالحريات الدينية والرموز الإسلامية في الدول الأوروبية، وسط تباين كبير في الآراء بين التيارات السياسية المختلفة حول حدود الحرية الشخصية والتشريعات المتعلقة بالملابس الدينية.

صحة

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:28 صباحًا - بتوقيت القدس

شبح التوتر الأكاديمي.. أزمة صامتة تعصف بطلبة المدارس والجامعات وتستدعي حلولاً عاجلة

تشهد الأروقة التعليمية في المدارس والجامعات حالة متزايدة من ما يمكن وصفه بالأزمة الصامتة، والمتمثلة في التوتر الأكاديمي الذي يلقي بظلاله الثقيلة على الطلاب. هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على فترات الامتحانات فحسب، بل أصبحت رفيقاً دائماً للكثيرين، مما يثير تساؤلات جدية حول المسببات الحقيقية التي تفاقم هذا الوضع المقلق في البيئات الدراسية.

ويرى مختصون أن هناك عوامل متعددة تغذي هذا التوتر، بدءاً من التوقعات العالية المفروضة على الطلاب من قبل الأهل والمجتمع، وصولاً إلى الخوف المستمر من المستقبل المهني والأكاديمي. إن الضغوط النفسية الناتجة عن الرغبة الملحة في تحقيق التميز، في ظل بيئة تنافسية شديدة، تساهم بشكل مباشر في خلق حالة من عدم الاستقرار النفسي التي قد تؤثر سلباً على التحصيل العلمي ذاته بدلاً من تحسينه.

وتستدعي هذه الحالة وقفة جادة من قبل المؤسسات التربوية والأسر على حد سواء، للبحث في جذور المشكلة وإيجاد بيئة تعليمية أكثر توازناً وصحة. فالصحة النفسية للطالب تعتبر ركيزة أساسية للنجاح، وتجاهل مؤشرات التوتر الأكاديمي المتصاعدة قد يؤدي إلى تبعات طويلة الأمد تمس جوهر العملية التعليمية ومخرجاتها، مما يتطلب استراتيجيات دعم نفسي وأكاديمي فعالة.

رياضة

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:27 صباحًا - بتوقيت القدس

دموع الانتماء.. إلياس هدايا حارس سوريا يودع كأس العرب بمشهد مؤثر ومسيرة احترافية واعدة

شهدت ملاعب الدوحة لحظات عاطفية مؤثرة عقب صافرة النهاية التي أعلنت خروج المنتخب السوري من منافسات بطولة كأس العرب 2025، حيث رصدت عدسات الكاميرات الحارس المتألق إلياس هدايا وهو يذرف الدموع حزناً على الوداع المبكر. هذا المشهد لم يمر مرور الكرام، بل تحول إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبرت الجماهير العربية والسورية عن تضامنها مع الحارس الذي أظهر روحاً قتالية وانتماءً كبيراً لقميص نسور قاسيون رغم قصر مدة تواجده مع المنتخب.

ويعتبر إلياس هدايا، الذي يحمل الجنسيتين السورية والسويدية، مكسباً كبيراً للكرة السورية في مركز حراسة المرمى. الحارس الشاب الذي نشأ وتأسس في المدارس الكروية الأوروبية، اختار تمثيل بلده الأم مدفوعاً برغبة عارمة في تقديم الإضافة وإسعاد الجماهير المتعطشة للانتصارات. وقد أثبتت البطولة الحالية، رغم الخروج، أن هدايا يمتلك مقومات الحارس العصري من حيث التمركز وردة الفعل والقدرة على بناء اللعب من الخلف.

وبالعودة إلى مسيرته، فقد تنقل هدايا بين عدة أندية في الدول الاسكندنافية، مما أكسبه خبرة ميدانية ونضجاً تكتيكياً ظهر جلياً في تصدياته خلال مباريات دور المجموعات. ورغم مرارة الإقصاء، يرى المحللون الرياضيون أن وجود حارس بهذه المواصفات يمثل ركيزة أساسية لمستقبل المنتخب السوري في الاستحقاقات القادمة، خاصة تصفيات كأس العالم وكأس آسيا، حيث يعول عليه السوريون ليكون السد المنيع الذي يحمي طموحاتهم.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

عشرات الإصابات في انفجار غامض استهدف حفل زفاف بريف درعا جنوبي سوريا

شهدت محافظة درعا الواقعة في الجنوب السوري حادثاً مأساوياً، حيث ارتفع عدد ضحايا الانفجار الذي وصف بالغامض ووقع أثناء مراسم حفل زفاف، يوم أمس الجمعة، ليصل إلى 34 جريحاً، ومن ضمنهم عدد من الأطفال، وذلك وفقاً لآخر التحديثات الطبية.

وأفادت مصادر طبية رسمية في المحافظة، نقلاً عن مدير الصحة زياد المحاميد، بأن الحصيلة النهائية للمصابين جراء هذا الحادث الذي ضرب بلدة عابدين في الريف الغربي للمحافظة، قد قفزت بشكل ملحوظ لتتجاوز الأرقام الأولية التي كانت تشير إلى 16 إصابة، مؤكدة وجود أطفال بين الضحايا الذين يتلقون العلاج.

وفي تفاصيل توزيع الجرحى على المراكز الطبية لتلقي الرعاية اللازمة، بينت المصادر أن مستشفى درعا الوطني تكفل باستقبال 19 حالة إصابة، في حين تم نقل 6 مصابين إلى مستشفى طفس الوطني، كما وصلت 8 حالات أخرى لتلقي الإسعافات الأولية والعلاج في المركز الصحي الكائن ببلدة الشجرة.

وحتى اللحظة، لم يصدر أي بيان رسمي أو تعليق فوري من قبل الجهات المختصة في سوريا لتوضيح ملابسات الحادث بشكل دقيق أو الكشف عن الأسباب الحقيقية والجهات التي قد تكون خلف وقوع هذا الانفجار الذي عكر صفو المناسبة الاجتماعية.

ومن جانبهم، تباينت روايات الأهالي وشهود العيان في بلدة عابدين حول طبيعة الانفجار، حيث سادت حالة من الحيرة وعدم اليقين بشأن ما إذا كان الحادث ناجماً عن عبوة ناسفة مزروعة أو قذيفة سقطت في المكان، إلا أن ترجيحات لبعض السكان أشارت إلى احتمالية انفجار قنبلة يدوية وسط الحشود الغفيرة التي كانت تحيي حفل الزفاف، والتي ضمت مئات المواطنين ومعظمهم من الأطفال.

ويأتي هذا الحادث الأمني في وقت تشهد فيه البلاد مرحلة انتقالية حساسة، بعد أن نجحت قوى الثورة السورية في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 من دخول العاصمة دمشق، معلنة بذلك نهاية حقبة حكم بشار الأسد التي استمرت منذ عام 2000، واسقاط النظام الذي ورثه عن والده حافظ الأسد.

وتسعى الإدارة الجديدة التي تولت مقاليد الأمور في سوريا جاهدة لفرض الأمن والاستقرار في مختلف المحافظات، وتعمل بشكل دؤوب على ضبط الأوضاع وملاحقة ما تبقى من فلول النظام السابق الذين يحاولون زعزعة الاستقرار وإثارة القلاقل الأمنية في المناطق المختلفة.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:14 صباحًا - بتوقيت القدس

بيونغ يانغ تحتفي بعودة "الفوج 528" من جبهة كورسك وكيم يقلد القتلى أوسمة البطولة

نظّم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مراسم استقبال رسمية لوحدة هندسية عسكرية تابعة لبلاده، وذلك عقب عودتها من مهمة خارجية استغرقت قرابة أربعة أشهر في مقاطعة كورسك الواقعة غربي الأراضي الروسية، حيث انخرطت هذه القوات في عمليات قتالية وهندسية مساندة لموسكو في حربها المستمرة ضد كييف.

وذكرت وسائل الإعلام الرسمية في بيونغ يانغ أن كيم شارك شخصياً في الاحتفال التكريمي، معرباً عن تقديره العالي وتثمينه للدور الذي لعبه ضباط وأفراد الفوج 528 التابع لسلاح المهندسين في الجيش الشعبي، مشيداً بكفاءتهم وانضباطهم في الميدان.

وفي معرض حديثه عن أدائهم، وصف الزعيم الكوري الشمالي ما قدمه جنوده بـ"الملاحم البطولية" و"الجسارة الجماعية" في الامتثال لتوجيهات حزب العمال الحاكم، وذلك أثناء تنفيذهم للمهام الموكلة إليهم في جبهة كورسك المشتعلة.

وأشارت التقارير الرسمية إلى أن هذه الوحدة المتخصصة كانت قد غادرت إلى روسيا في مطلع شهر أغسطس/آب المنصرم، حيث تولت تنفيذ مهام مزدوجة جمعت بين العمليات القتالية والجهد الهندسي، وتحديداً في مجال نزع الألغام وتطهير المناطق في كورسك.

ويأتي هذا الاستقبال بعد تأكيدات سابقة صدرت عن وزارة الدفاع في موسكو الشهر الفائت، أشارت فيها إلى الدور الحيوي الذي لعبته القوات الكورية الشمالية في مؤازرة الجيش الروسي لصد الهجوم الأوكراني الواسع على كورسك، فضلاً عن مساهمتها الفعالة في تأمين المنطقة من الألغام المزروعة.

وفي سابقة نادرة، أقر كيم جونغ أون رسمياً بسقوط 9 قتلى من جنوده أثناء تأدية واجبهم، واصفاً رحيلهم بـ"الخسارة المؤلمة والمفجعة"، وقد أصدر مرسوماً بمنح الفوج وسام "الحرية والاستقلال"، في حين تم تقليد الجنود التسعة الذين قضوا لقب "بطل الجمهورية" إضافة إلى نياشين رفيعة أخرى تكريماً لتضحياتهم.

وجرت مراسم الاحتفال المهيب في العاصمة بيونغ يانغ يوم الجمعة، وسط حضور لافت لكبار القادة العسكريين والمسؤولين الحزبيين، وبمشاركة عائلات الجنود وجموع غفيرة من المواطنين الذين احتشدوا لتحية العائدين، بحسب ما نقلته المصادر الرسمية.

وعلى صعيد آخر، تتحدث تقارير استخباراتية غربية وكورية جنوبية وأوكرانية عن أرقام مغايرة، تشير إلى أن بيونغ يانغ أرسلت ما يقارب 14 ألف جندي إلى جبهة كورسك العام الفائت تفعيلاً لاتفاقية الدفاع المشترك، وتزعم هذه المصادر مقتل أكثر من 6 آلاف منهم في المعارك، وهي إحصائيات لم تعلق عليها كوريا الشمالية بالنفي أو الإيجاب.

وقد تعمقت العلاقات بين بيونغ يانغ وموسكو بشكل غير مسبوق لتصبح كوريا الشمالية حليفاً استراتيجياً لروسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا قبل نحو أربع سنوات، حيث قدمت دعماً لوجستياً وعسكرياً شمل آلاف الجنود وشحنات ضخمة من الذخائر والأسلحة لدعم المجهود الحربي الروسي ودفع القوات الأوكرانية للتراجع.

ويرتبط الطرفان بمعاهدة شراكة إستراتيجية شاملة ودفاع مشترك تم توقيعها عام 2024، في وقت يرزح فيه كلا البلدين تحت وطأة عقوبات دولية مشددة؛ فُرضت على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا، وعلى بيونغ يانغ نتيجة إصرارها على تطوير برنامجها النووي والصاروخي.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعرب عن امتنانه لنظيره الكوري الشمالي خلال قمة جمعتهما في بكين مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، شاكراً إياه على إرسال قوات للمشاركة في القتال، بينما جدد كيم التزامه بتقديم الدعم المطلق لروسيا وتسخير كافة الإمكانيات لمساعدة حليفته في حربها.

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 8:06 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تغرق في البرد: استشهاد 14 فلسطينياً وانهيار منازل تزامناً مع قرار أممي يطالب بفتح المعابر

ارتفعت حصيلة الضحايا في قطاع غزة جراء الأحوال الجوية القاسية، حيث ارتقى 14 مواطناً نتيجة البرد الشديد والأمطار الغزيرة، كما تعرض أكثر من 15 منزلاً للانهيار منذ بداية المنخفض الجوي "بيرون". يأتي هذا التدهور الميداني والإنساني في وقت صادقت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يلزم الاحتلال الإسرائيلي بفتح المعابر فوراً ودون شروط لإدخال المعونات الإنسانية العاجلة إلى القطاع المحاصر.

وأفادت مصادر طبية عاملة في مستشفيات القطاع بأن موجة البرد القارس أودت بحياة 14 شخصاً، من بينهم 6 أطفال، في حين تسببت السيول الجارفة في انهيار أكثر من 15 منزلاً في أحياء متفرقة من مدينة غزة. ويواجه النازحون الفلسطينيون ظروفاً كارثية داخل خيامهم المتهالكة التي لا تقوى على صد الرياح أو الأمطار، وسط انعدام شبه تام لوسائل التدفئة وحماية الأطفال، مما يفاقم من المأساة الإنسانية.

وفي شمال القطاع، رصدت المصادر الميدانية انهيار مبنى سكني متعدد الطوابق في منطقة مشروع بيت لاهيا، دون تسجيل إصابات بشرية، بينما تمكنت فرق الدفاع المدني وطواقم الإسعاف من انتشال جثامين أربعة شهداء، بينهم طفلان، بعد انهيار منزلهم في منطقة "بير النعجة" شمالي غزة، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية بعد أشهر من القصف.

وتفاقمت معاناة مئات الآلاف من النازحين منذ يوم الخميس الماضي، حيث يعيشون لحظات عصيبة تحت وطأة المنخفض الجوي المستمر. ووفقاً لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي، فقد تسببت الرياح العاتية ومياه الأمطار في غرق واقتلاع ما يزيد عن 27 ألف خيمة، مما ترك قاطنيها في العراء يواجهون مصيراً مجهولاً في ظل شح الإمكانيات.

وعلى الصعيد الدولي، صرح فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، بأن التقديرات تشير إلى تضرر أكثر من 140 ألف شخص جراء السيول التي اجتاحت ما يزيد عن 200 موقع لإيواء النازحين في غزة. وشدد المسؤول الأممي على ضرورة إزالة كافة العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام وصول المساعدات، مؤكداً على أهمية استئناف عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) دون قيود لإنقاذ الأرواح.

وفي سياق متصل، أطلق جوناثان كريكس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في فلسطين، نداءً عاجلاً لزيادة تدفق المساعدات الإغاثية إلى القطاع. وأكد كريكس في تصريحات صحفية على الحاجة الماسة لتكثيف إدخال الملابس الشتوية والخيام الصالحة للسكن لحماية الأطفال والأسر من قسوة الشتاء التي تفتك بأجسادهم الضعيفة.

من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن الكميات الشحيحة من مستلزمات الإيواء التي يُسمح بدخولها لا تلبي أدنى مقومات الحياة ولا تحمي من برد الشتاء. وأشارت الحركة إلى أن ارتقاء شهداء بسبب الغرق والبرد وانهيار المنازل هو دليل قاطع على استمرار حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، وإن اختلفت الوسائل والأدوات المستخدمة لقتل الفلسطينيين.

وتعيش قرابة 250 ألف عائلة فلسطينية في مخيمات النزوح ظروفاً مأساوية، حيث يفتقرون لأبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية نتيجة الحصار الإسرائيلي المطبق، ويواجهون خطر الموت برداً داخل خيام لا تصلح للسكن الآدمي، بحسب تحذيرات سابقة للدفاع المدني الفلسطيني.

سياسياً، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً صاغته النرويج، يطالب إسرائيل -بصفتها القوة القائمة بالاحتلال- بضمان التدفق الفوري وغير المشروط للمساعدات الإنسانية، وتوفير الغذاء والمياه والدواء والمأوى لسكان المناطق المحتلة. كما شدد القرار على وجوب حماية الطواقم الطبية والإغاثية، ومنع سياسات التهجير القسري والتجويع، وعدم عرقلة مهام المنظمات الدولية.

ورغم الدعوات الدولية والقرارات الأممية، لا تزال سلطات الاحتلال تضع العراقيل أمام وصول المساعدات الإنسانية. وتشير الإحصائيات إلى أن ما يدخل القطاع حالياً يقل بكثير عن الحد الأدنى اللازم لتلبية احتياجات نحو 2.4 مليون مواطن يعيشون كارثة إنسانية حقيقية في غزة، مما ينذر بتفاقم المجاعة والأمراض.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، أصدر وزراء خارجية كل من قطر والسعودية ومصر والأردن والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان بياناً مشتركاً أكدوا فيه أن دور "الأونروا" لا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله في رعاية اللاجئين الفلسطينيين. وأدان البيان بشدة اقتحام قوات الاحتلال لمقر الوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، واصفين ذلك بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي وتصعيد خطير.

في المقابل، هاجمت وزارة الخارجية الإسرائيلية القرار الأممي، واصفة المنظمة الدولية بأنها "مشوهة أخلاقياً"، وكررت مزاعمها حول ارتباط موظفي الأونروا بحركة حماس، وهي الاتهامات التي نفتها الوكالة والتحقيقات المستقلة مراراً. وتناغم الموقف الأمريكي مع الرواية الإسرائيلية، حيث اعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن قرار الجمعية العامة "غير جاد ومنحاز"، زاعمة أنه يستند إلى "ادعاءات كاذبة" ويبتعد عن المسار الدبلوماسي الفعلي.

يشار إلى أن حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي منذ أكتوبر 2023، أسفرت حتى الآن عن ارتقاء أكثر من 70 ألف شهيد، وإصابة ما يزيد عن 171 ألف مواطن، فضلاً عن تدمير هائل طال 90% من البنية التحتية للقطاع، مخلفة خسائر مادية أولية تجاوزت 70 مليار دولار.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 7:45 صباحًا - بتوقيت القدس

تبادل للهجمات الجوية بين موسكو وكييف.. تقدم ميداني لأوكرانيا وقتلى في الجانبين

أكدت السلطات الروسية سقوط قتيل جراء ما يرجح أنه هجوم جوي أوكراني استهدف منطقة جنوبية في البلاد، ويأتي ذلك عقب إصابة سبعة أشخاص في هجوم مماثل يوم الجمعة، وفي المقابل، أعلنت القيادة الأوكرانية نجاح قواتها في استعادة السيطرة على بلدتين تقعان في منطقة خاركيف بالشمال الشرقي.

وصرح رومان بوسارجين، حاكم مقاطعة ساراتوف بجنوب روسيا، بأن المنطقة شهدت وفاة شخص واحد بالإضافة إلى تضرر البنية التحتية، وذلك في أعقاب إطلاق صافرات الإنذار للتحذير من غارات جوية عبر الطائرات المسيرة.

ورغم عدم إفصاح الحاكم عن تفاصيل دقيقة حول الهجوم في منشوره عبر منصة تليغرام، إلا أنه كان قد أشار سابقاً إلى تحذيرات صادرة عن وزارة الدفاع الروسية بخصوص هجمات وشيكة بالمسيّرات قد تستهدف المناطق الممتدة على ضفتي نهر الفولغا.

وفي سياق متصل، شهدت منطقة تفير الواقعة غرب العاصمة موسكو يوم الجمعة إصابة سبعة مدنيين، من بينهم طفل، جراء هجوم نفذته طائرة مسيرة أوكرانية، مما استدعى إجلاء عشرين شخصاً من مبنى تضرر بفعل الهجوم، وفقاً لما ذكره فيتالي كوروليوف حاكم المنطقة.

وأوضح كوروليوف عبر حسابه على تليغرام أن الفرق المختصة تعمل حالياً على معالجة التداعيات والآثار الناجمة عن سقوط حطام الطائرة المسيرة على مبنى سكني في مدينة تفير.

وأفادت تقارير إعلامية روسية بأن الهجوم أسفر عن اندلاع حريق في المبنى المستهدف، بينما أعلنت وزارة الدفاع في موسكو عن نجاح دفاعاتها الجوية في إسقاط تسعين طائرة مسيرة أطلقتها أوكرانيا فوق عدة مناطق روسية خلال ساعات الليل.

على الصعيد الميداني للمعارك، أصدرت القوات الأوكرانية بياناً اليوم السبت أكدت فيه تمكنها من استعادة السيطرة على بلدتين من قبضة الجيش الروسي بالقرب من مدينة كوبيانسك ذات الأهمية الإستراتيجية في مقاطعة خاركيف شمال شرقي البلاد.

وذكر لواء "خارتيا" الأوكراني عبر تليغرام أن وحداته حققت اختراقاً ميدانيًا وصل إلى ضفاف نهر أوسكيل، مما أدى لقطع خطوط الإمداد عن القوات الروسية، مشيراً إلى استعادة بلدتي كيندراشيفكا ورداكيفكا، بالإضافة إلى أحياء في الجزء الشمالي من مدينة كوبيانسك التي كانت روسيا قد أعلنت السيطرة عليها في الشهر المنصرم.

وتعتبر هذه الوحدة العسكرية جزءاً من القوة الخاصة التي شكلتها كييف بهدف وقف الزحف الروسي في تلك الجبهة الحيوية، وفقاً للمصدر ذاته.

وفي المقابل، أفادت السلطات المحلية في مقاطعة دنيبرو الأوكرانية بمقتل شخص وإصابة آخرين جراء قصف روسي، كما أعلنت سلطات مقاطعة سومي عن مقتل شخصين ووقوع إصابات نتيجة قصف روسي مكثف استهدف المنطقة.

وفي تطور آخر، صرح أوليه كيبر، حاكم منطقة أوديسا بجنوب أوكرانيا، وخدمات الطوارئ، بأن القوات الروسية شنت هجمات ليلية استهدفت منشآت للطاقة، مما تسبب في نشوب حرائق وانقطاع في التيار الكهربائي.

وأشار كيبر عبر تليغرام إلى أن الهجوم الذي نُفذ بواسطة طائرات مسيرة أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عدة تجمعات سكنية في المنطقة التي تضم الموانئ البحرية الرئيسية لأوكرانيا.

وتواصل روسيا شن غارات وهجمات بشكل شبه يومي على مختلف المناطق الأوكرانية منذ بداية الحرب في فبراير/شباط 2022، بينما ترد أوكرانيا بهجمات عبر الطائرات المسيرة تستهدف بشكل أساسي المواقع العسكرية ومنشآت الطاقة الروسية.

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 7:08 صباحًا - بتوقيت القدس

كنيسة القديسة حنّة في القدس.. معلم تاريخي يخلد ذكرى ميلاد السيدة مريم العذراء

شُيدت كنيسة القديسة حنّة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتقف شاهداً معمارياً وروحياً على المكان الذي يُعتقد أن السيدة مريم العذراء عليها السلام قد وُلدت فيه، وذلك استناداً إلى المعتقدات والتقاليد المسيحية المتوارثة عبر الأجيال.

تتمركز هذه الكنيسة العريقة داخل أسوار البلدة القديمة في مدينة القدس، في الموقع الذي يُعرف تاريخياً بمنزل "يواكيم وحنّة"، وهما والدا السيدة مريم. ويشير الباحث المتخصص في تاريخ القدس، إيهاب الجلاد، إلى أن هذا المكان يحاذي البرك الأثرية التي لا تزال آثارها باقية في موقع الكنيسة الصلاحية، والمشهورة باسم "برك بيت حسدا"، وهي البقعة التي شهدت إحدى معجزات السيد المسيح عليه السلام والمتمثلة في شفاء الرجل المقعد.

ويوضح الباحث الجلاد أن عملية تحديد وتثبيت المواقع الدينية المسيحية تعود جذورها إلى الحقبة الصليبية، حيث دأب الصليبيون على اتباع تقليد خاص بوضع علامات وإشارات لتوثيق الأماكن المقدسة داخل البلدة القديمة. وقد وقع اختيارهم على هذه النقطة تحديداً لتكون الموقع المعتمد لولادة السيدة مريم عليها السلام، علماً بأنه قبل تلك الفترة الزمنية لم يكن هناك تأكيد أو رواية شائعة تفيد بأن هذا هو مكان ولادتها الفعلي.

وقد تم وضع العلامة الدالة في سرداب يقع أسفل كنيسة ضخمة في القدس، ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة ذات الطراز الروماني التي تم تشييدها فوق الموقع المحدد للولادة لا تزال صامدة وقائمة ببنيانها حتى وقتنا الحاضر، شاهدة على تعاقب الحقب التاريخية في المدينة المقدسة.

وفي ظل الأجواء الروحانية مع اقتراب حلول عيد الميلاد المجيد، يحرص الحجاج والسياح المسيحيون القادمون إلى الأراضي المقدسة لزيارة مدينتي بيت لحم والقدس، على إدراج عدد من الكنائس الهامة ضمن برنامج زياراتهم، وتأتي كنيسة القديسة حنّة في البلدة القديمة على رأس هذه المعالم التي يقصدونها للتبرك والزيارة.

تحليل

السّبت 13 ديسمبر 2025 6:27 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات التطبيع العربي: من بوابة واشنطن إلى التسليم بالهيمنة الإسرائيلية الكاملة

لطالما نظرت الأنظمة الحاكمة في منطقتنا العربية إلى مسار التسوية مع الاحتلال الإسرائيلي -بما يعنيه ذلك من إقرار بشرعية كيان قام على التطهير العرقي وسرقة الأرض- باعتباره الجسر الإجباري لرفع مستوى علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى درجة "التحالف الاستراتيجي". لقد أسس أنور السادات لهذه السياسة أواخر السبعينيات عبر "كامب ديفيد"، مدشناً حقبة التحاق مصر بالمعسكر الأمريكي والقطيعة مع الإرث الناصري. وقد سار على هذا الدرب كل من لحق به في التسعينيات، إبان ذروة التفرد الأمريكي بالعالم، طامحين لنيل "عضوية" هذا النادي الذي يضمن عروش الحكام واستمراريتهم مقابل التبعية المطلقة للمركز الإمبريالي.

في المقابل، كانت الرؤية الإسرائيلية للتطبيع في تلك الحقبة تهدف إلى خلق نظام إقليمي مدمج، تكون فيه "تل أبيب" المركز التكنولوجي والاقتصادي المتطور، بينما يشكل المحيط العربي مجرد سوق استهلاكية ومصدر للعمالة الرخيصة، في استنساخ لتقسيم العمل الدولي التقليدي بين الشمال والجنوب. وقد عبر شمعون بيريز بوضوح عن هذا الطموح في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، كاشفاً عن رغبة إسرائيلية في السيطرة على المنطقة عبر البوابة الاقتصادية والتقنية قبل غيرها.

غير أن معظم العواصم العربية تصدت حينها لمقترحات "السلام الدافئ" الإسرائيلية، متمسكة بصيغة "السلام البارد" القائم على الاعتراف المتبادل مشروطاً بانسحاب الاحتلال من أراضي عام 1967، دون الانخراط في مشروع الهيمنة الإسرائيلية الشاملة. وقد تبلور هذا الموقف بوضوح عام 1994 عبر تشكيل محور (دمشق - القاهرة - الرياض) عقب قمة الإسكندرية الثلاثية، ما يعني أن السقف العربي آنذاك كان يقبل بالتسوية السياسية لكنه يرفض التطبيع الشامل والتبعية الاقتصادية.

جاءت "المبادرة العربية للسلام" في قمة بيروت عام 2002 لتمثل انزياحاً جديداً وتراجعاً عن الثوابت السابقة، حيث عرض العرب "التطبيع الكامل" ثمناً للانسحاب الكامل، وهو العرض الذي تجاهله الاحتلال باستهتار. ولا يخفى أن السياق الدولي الضاغط بعد أحداث 11 سبتمبر والتهديدات الأمريكية، كان المحرك الأساسي لهذا الموقف العربي الذي سعى بالدرجة الأولى لخطب ود واشنطن وتأكيد الانخراط في استراتيجيتها الكونية، درءاً للغضب الأمريكي.

اليوم، اختلف مفهوم التطبيع ووظيفته بشكل جذري عما عهدناه في العقود الماضية. لم يعد الهدف مجرد إثبات الولاء للولايات المتحدة أو تعزيز التحالف معها سياسياً وعسكرياً؛ فهذه المسألة باتت من المسلمات القديمة لبعض دول الخليج، أو أصبحت واقعاً مفروضاً في دول أخرى نتيجة التحولات السياسية الداخلية.

إن المطلوب في المرحلة الراهنة يتجاوز التحالف التقليدي، ليصل إلى حد الإقرار الكامل بالسيادة العسكرية والاستراتيجية لإسرائيل على المنطقة بصفتها الوكيل الحصري للولايات المتحدة. وقد بات مصطلح "الهيمنة الإسرائيلية" متداولاً بكثافة في أروقة السياسة الغربية، كما عبر عنه الدبلوماسي الفرنسي جيرار آرو مؤخراً، حين وصف إسرائيل بأنها القوة المسيطرة على الشرق الأوسط، ناصحاً إياها بتقديم رؤية سياسية للمنطقة وعدم الاكتفاء بالقوة العسكرية المفرطة.

وتؤكد وثيقة الأمن القومي الأمريكي الأخيرة أن واشنطن لم تعد تضع منطقتنا في صدارة أولوياتها، بل تتجه لتوكيل مهام إدارة الإقليم لإسرائيل بعد سعيها للقضاء على قوى المقاومة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إجبار دول المنطقة على القبول بالهيمنة الإسرائيلية كضامن للمصالح الإمبريالية، مما يتيح لأمريكا التفرغ لملفات دولية أخرى أكثر إلحاحاً.

تشير القراءة المتأنية للتوجهات الأمريكية الحالية، وتصريحات فريق دونالد ترامب، إلى أننا أمام إدارة متهورة قد تؤدي سياساتها إلى إشعال المزيد من الصراعات وتعميق الخلافات حتى مع الحلفاء، مما يعيق تحقيق أهدافها. إن أوهام التطبيع تحت النار وعلى وقع المجازر لن يكتب لها النجاح، وستكشف الأيام القادمة أن رهانات البعض على هذا المسار ستسقط، كما سقطت رهانات من سبقهم، بفضل صمود شعوب المنطقة ومقاومتها.

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:58 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تغرق في مأساة جديدة.. المنخفض الجوي يفتك بخيام النازحين وسط صمت دولي مطبق

لم تكن الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الأيام المنصرمة مجرد حالة جوية عابرة في قطاع غزة، بل شكلت فصلاً مأساوياً جديداً يضاف إلى سجل المعاناة المستمرة. فالخيام القماشية المتهالكة لم تقو على مواجهة الرياح العاتية والسيول الجارفة، مما أدى إلى مضاعفة أوجاع السكان الذين أنهكتهم حرب إبادة متواصلة منذ عامين، مخلفة وراءها حصاراً خانقاً واعتداءات لا تتوقف.

لقد أسفر العدوان المستمر منذ عامين عن ارتقاء أكثر من 70 ألف شهيد وإصابة ما يقارب 170 ألف مواطن بجروح مختلفة، فضلاً عن الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية للقطاع. هذا الوضع الكارثي أجبر مئات الآلاف على النزوح، حيث لم يكتف الاحتلال بتشريدهم من منازلهم، بل يواصل منع وصول ما يكفيهم من الغذاء والدواء الضروريين للبقاء على قيد الحياة.

ورغم أن العائلات النازحة قبلت بالعيش في الخيام كخيار اضطراري للصمود، إلا أن المنخفض الجوي "بيرون" جاء ليزيد من قسوة ظروفهم. وتشير البيانات الصادرة عن المكتب الحكومي في غزة إلى أن الرياح الشديدة اقتلعت أكثر من 27 ألف خيمة، بينما أغرقت مياه الأمطار آلاف الخيام الأخرى، تاركة ساكنيها في العراء.

وتتوالى الأنباء المفجعة من المراكز الطبية في القطاع، حيث تم تسجيل وفاة 14 مواطناً على الأقل، بينهم ستة أطفال قضوا نتيجة البرد القارس، بالإضافة إلى انهيار أكثر من 15 منزلاً ومبنى سكنياً في مناطق متفرقة من مدينة غزة جراء الأحوال الجوية السيئة.

وفي سياق متصل، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة، مشيرة في تقاريرها إلى أن نحو 850 ألف نازح يتكدسون في 761 مركز إيواء ومخيم لا يزالون عرضة لخطر الفيضانات بشكل كبير، مما يهدد حياتهم وممتلكاتهم القليلة المتبقية.

من جانبها، حذرت هيئات دولية معنية بالهجرة من احتمالية غرق خيام وملاجئ مئات الآلاف من النازحين بمياه الأمطار، خاصة في ظل تعنت الاحتلال ومنعه دخول مواد البناء أو حتى الأكياس الفارغة التي يمكن تعبئتها بالرمال لعمل سواتر ترابية. وأكدت هذه الهيئات أن المساعدات التي دخلت سابقاً، بما فيها الشوادر والأغطية البلاستيكية، لم تكن كافية أبداً لمواجهة غزارة السيول الحالية.

وتتوافق التقديرات الدولية مع تأكيدات المسؤولين الفلسطينيين بوجود حاجة ماسة وفورية لتوفير ما لا يقل عن 300 ألف خيمة جديدة لإيواء قرابة 1.5 مليون نازح ما زالوا يعانون من ظروف غير إنسانية في مختلف أنحاء القطاع.

ولا يقتصر الخطر على الأمطار فحسب، بل يأتي أيضاً من جهة البحر، حيث حذرت منظمة الصحة العالمية من أن أكثر من أربعة آلاف مواطن يعيشون في مناطق ساحلية مصنفة على أنها عالية الخطورة، وأن ألفاً منهم يتأثرون بشكل مباشر بالأمواج العاتية وارتفاع منسوب مياه البحر.

وأمام هذه الكوارث المتلاحقة، يقف العالم ومؤسساته الكبرى موقف المتفرج، دون أن يحرك ساكناً لإنقاذ المدنيين الأبرياء الذين يتمسكون بأرضهم رغم كل الويلات. وقد نقلت تقارير ميدانية صرخات النازحين، مثل السيدة سعاد مسلم من منطقة الزوايدة، التي وصفت ليلتها بالسوداء بسبب البرد والمطر الذي أغرق أغطية أطفالها، تاركاً إياهم بلا مأوى جاف.

وفي مشاهد تعكس حجم المعاناة، رصدت التقارير شباناً فلسطينيين في حي الزيتون يحاولون بأدوات بسيطة حفر قنوات لتصريف المياه التي اجتاحت خيامهم، بينما شوهد طفل يسير حافي القدمين وسط الوحل والمستنقعات حاملاً أوعية فارغة في محاولة لجلب مياه الشرب من محطة بعيدة.

وحول انعدام وسائل التدفئة، أكدت النازحة شروق مسلم وهي تحتضن طفلتها، عجزهم التام عن إشعال النار للتدفئة لعدم توفر الحطب أو الغاز، مما يتركهم فريسة للبرد القارس.

وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، تتكرر المأساة بصور مختلفة، حيث غمرت المياه الخيام وأتلفت الفرش والملابس. ويروي المواطن الخمسيني يوسف طوطح كيف قضى ليله يحاول نزح المياه بدلو دون جدوى، متسائلاً بمرارة عن قدرة الأطفال على تحمل ما لا يطيقه الكبار.

وقد التفت عائلة طوطح حول نار صغيرة على الرمال المبتلة، في ظل صعوبة بالغة في طهي الطعام. وأشار يوسف وهو يجر فراشاً مبتلاً إلى أن القليل من الطعام والشراب الذي كان بحوزتهم قد تلف تماماً بسبب مياه الأمطار.

ورغم التصريحات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي ومقرري الأمم المتحدة التي تعبر عن القلق وتطالب بالمحاسبة وإنهاء الوضع المأساوي، إلا أن الواقع يثبت أن المجتمع الدولي والدول الفاعلة لم تتخذ أي خطوات جدية لوقف المأساة أو توفير الحد الأدنى من المأوى والغذاء لمئات الآلاف من ضحايا حرب الإبادة المستمرة.

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:49 صباحًا - بتوقيت القدس

بسبب انتهاكات الشاباك.. واشنطن حجبت معلومات استخباراتية وبثاً مباشراً عن الاحتلال في غزة

أفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر مطلعة بأن مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأمريكية اتخذوا خطوات لتعليق مشاركة بعض المعلومات الأمنية الحساسة مع حكومة الاحتلال بشكل مؤقت خلال فترة ولاية الرئيس السابق جو بايدن، وعزت المصادر هذا الإجراء إلى قلق متزايد لدى واشنطن بشأن الممارسات الإسرائيلية وطريقة إدارة العمليات العسكرية في قطاع غزة.

وفي تفاصيل هذا التطور، بينت المصادر أن الجانب الأمريكي أقدم خلال النصف الثاني من العام المنصرم 2024 على قطع البث المباشر القادم من طائرة استطلاع أمريكية كانت تحلق في أجواء القطاع، وهي طائرة كانت تعتمد عليها قوات الاحتلال بشكل كبير في عمليات تعقب المقاومة الفلسطينية والبحث عن المحتجزين، حيث استمر هذا الانقطاع المتعمد لعدة أيام.

ولم تقتصر الإجراءات الأمريكية على قطع البث المصور فحسب، بل امتدت لتشمل وضع قيود صارمة على كيفية استخدام تل أبيب لمعلومات استخباراتية محددة كانت مخصصة لضرب أهداف عسكرية ذات حساسية عالية وأهمية استراتيجية.

وبررت المصادر هذه الخطوات الاستثنائية بتصاعد القلق لدى الدوائر الأمريكية من التقارير التي تتحدث عن سوء معاملة جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بالإضافة إلى فشل الاحتلال في تقديم تعهدات كافية بالالتزام بقوانين الحرب الدولية عند استخدام البيانات الأمريكية، وهو شرط أساسي يفرضه القانون الأمريكي لتبادل المعلومات مع أي طرف أجنبي.

وأوضحت المصادر ذاتها أن قرار حجب البيانات كان إجراءً "تكتيكياً ومحدوداً" ولم يرقَ ليكون تغييراً جذرياً في سياسة الدعم الأمريكي الثابت للاحتلال، مشيرة إلى أن مسؤولي الاستخبارات يملكون الصلاحية لاتخاذ مثل هذه التدابير الميدانية بشكل فوري دون الحاجة للعودة إلى البيت الأبيض، في حين لم يتم التأكد مما إذا كان الرئيس بايدن على دراية بهذه التفاصيل وقت حدوثها.

وفي تعليقه على هذه الأنباء، تجنب جيش الاحتلال الحديث عن حوادث الحجب المحددة، مكتفياً بالقول إن التعاون الاستخباراتي الاستراتيجي ظل قائماً طيلة فترة العدوان. من جانب آخر، اعتبر خبراء ومسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية أن حجب معلومات ميدانية عن حليف وثيق في خضم معركة هو "سلوك غير مألوف" ويدل على وجود توترات خفية، خاصة أن تبادل المعلومات يعتبر ركيزة أساسية بين الحلفاء في مناطق النزاع.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:40 صباحًا - بتوقيت القدس

وثيقة سرية مسربة: "أوبلان دوي" تكشف خطط ألمانيا والناتو لحرب شاملة محتملة مع روسيا

قبل اندلاع العمليات العسكرية الروسية في الأراضي الأوكرانية في فبراير 2022، كانت الطموحات بإنشاء تكتل "أوراسي" موحد تبدو قريبة من التحقق، حيث كان الرهان قائماً على تعزيز الترابط الجغرافي والسكاني بين القارة الأوروبية والاتحاد الروسي. وكانت برلين تمثل المركز الحيوي لهذا التوجه، خاصة بعد خروج القوات السوفيتية من شطرها الشرقي، حيث استمرت العلاقات التجارية القوية، وتحديداً في مجال الطاقة، حتى عام 2023، إذ لا يمكن إنكار أن النهضة الاقتصادية الألمانية والأوروبية اعتمدت بشكل كبير على تدفقات الغاز الروسي منخفض التكلفة.

ولكن يبدو أن مشاعر العداء لروسيا أو ما يعرف بـ"الروسفوبيا" قد حلت محل أحلام التعاون، خاصة في ظل ما كشفته تقارير صحفية أمريكية مؤخراً حول وثيقة ألمانية تحمل اسم "أوبلان دوي". هذه الوثيقة تمثل خلاصة تخطيط عسكري استراتيجي أعده نخبة من قادة الجيش الألماني، وتتضمن سيناريوهات مفصلة للحظة الصدام العسكري المباشر والمرتقب مع موسكو من وجهة نظر برلين.

تتألف الخطة الاستراتيجية من حوالي 1200 صفحة، وتتمحور أبرز بنودها حول تحريك ما يقارب مليون جندي من قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" نحو الجبهة الشرقية في حال اندلاع حرب مفتوحة مع روسيا. كما تتطرق الوثيقة بدقة متناهية إلى البنية التحتية اللوجستية، بما في ذلك الموانئ وشبكات السكك الحديدية والطرق السريعة والممرات المائية، بالإضافة إلى وضع آليات محكمة لتأمين وحماية قوافل الإمداد العسكري.

ويرى قطاع واسع من المسؤولين الألمان، سواء في السلك العسكري أو المدني، أن روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين ستكون جاهزة عسكرياً لشن هجوم على دول الحلف بحلول عام 2029 كحد أقصى. بل إن تزايد وتيرة حوادث التجسس والأعمال التخريبية والانتهاكات الجوية قد يكون مؤشراً على أن موسكو قد تتخذ خطوات تصعيدية في وقت أقرب مما هو متوقع.

ولعل الجانب الأكثر إثارة للقلق في خطة "أوبلان دوي" هو شموليتها، إذ لا تقتصر على المؤسسة العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل القطاعات المدنية والخاصة، بما في ذلك المستشفيات وأجهزة الشرطة والخدمات العامة. هذا التوجه يعيد للأذهان مفهوم "عسكرة المجتمع" كاستراتيجية دفاعية شاملة، وهو المنهج الذي كان سائداً طوال عقود الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وفي مواجهة التساؤلات حول قدرة روسيا -التي استنزفتها الحرب في أوكرانيا- على فتح جبهة جديدة في أوروبا، جاءت تصريحات الفريق ألكسندر سولفرانك، قائد القيادة العملياتية للجيش الألماني، خلال مؤتمر برلين في نوفمبر الماضي لتؤكد أن موسكو لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية ضخمة. وأشار سولفرانك إلى أن روسيا تمتلك حالياً الإمكانات اللازمة لشن هجمات إقليمية محدودة ضد أراضي الناتو رغم انشغالها في الجبهة الأوكرانية.

ولا تقتصر هذه المخاوف على ألمانيا وحدها، بل تشاركها في ذلك كل من فرنسا وبولندا، حيث يسود اعتقاد بأن الكرملين يعكف على إعادة هيكلة قواته البرية والجوية وسلاح المدفعية، فضلاً عن تطوير أسراب الطائرات المسيرة. وتشير التقارير إلى خطط روسية لزيادة عديد القوات العاملة إلى 1.5 مليون جندي، مدعومة بحوافز مغرية للمجندين تشمل إعفاءات من الديون، ورعاية تعليمية للأبناء، وتجاوزاً عن السجلات الجنائية للمتطوعين.

ومن الجانب الأمريكي، يوافق الجنرال ديفيد بتريوس، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، على هذه التقديرات الأوروبية. ويرى بتريوس أنه طالما استطاع بوتين تأمين التمويل اللازم للمكافآت المالية الضخمة وتجنيد القوى البشرية المطلوبة، فإن روسيا ستكون قادرة على الاستمرار في هذا النمط من الحروب الاستنزافية المكثفة لفترات طويلة.

هذه المعطيات تفسر الخلفية التي انطلقت منها التصريحات النارية للرئيس الروسي في أوائل شهر ديسمبر الحالي، والتي سبقت الحديث عن مقترحات أمريكية لإنهاء الحرب. فقد أعلن سيد الكرملين بوضوح: "لا نخطط للحرب مع أوروبا، لكن إذا أرادت أوروبا ذلك فنحن مستعدون لها".

لم تكن كلمات بوتين مجرد تهديدات جوفاء، فالرجل القادم من خلفية استخباراتية يدرك تماماً التحولات في العقيدة الألمانية وتصاعد النزعة القومية في برلين. وفي المقابل، يرى مراقبون أن التحركات الألمانية قد تكون هي المستفزة لموسكو التي لا تزال قواتها بعيدة عن تهديد العمق الأوروبي. ومع توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة التي قد لا تحبذ الصدام المباشر، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت المخاوف المبالغ فيها قد تجر المنطقة إلى سيناريوهات غير محسوبة، حيث قد يحمل عام 2026 مفاجآت ثقيلة للعالم.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:36 صباحًا - بتوقيت القدس

عملية إنزال أمريكية في المحيط الهندي لمصادرة شحنة عسكرية صينية متجهة إلى إيران

كشفت تقارير إعلامية أمريكية، نقلاً عن مسؤولين في واشنطن، أن وحدة من القوات الخاصة الأمريكية نفذت عملية إنزال ومداهمة لسفينة تجارية في مياه المحيط الهندي خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، حيث قامت بضبط ومصادرة مواد عسكرية كان مصدرها الصين ووجهتها إيران.

وأوضح مسؤول أمريكي في تصريحات صحفية أن الحمولة المضبوطة احتوت على مكونات ذات استخدام مزدوج، يُعتقد أنها مخصصة للاستعمال في تصنيع الأسلحة التقليدية الإيرانية. وفي السياق ذاته، أشار مسؤول آخر إلى أن الولايات المتحدة حصلت على معلومات استخبارية دقيقة تفيد بأن هذه الشحنة كانت في طريقها إلى شركات إيرانية تعمل في مجال تزويد البرنامج الصاروخي لطهران بالمكونات اللازمة.

وذكرت التقارير أن القوات الأمريكية اعتلت متن السفينة بينما كانت تبحر على مسافة مئات الأميال قبالة السواحل السريلانكية. وأشارت المصادر إلى أنه تم السماح للسفينة بإكمال مسار رحلتها بشكل طبيعي بعد أن قامت القوات الأمريكية بإتلاف الشحنة العسكرية ومصادرتها.

ويأتي هذا الحادث بعد نفي السفارة الصينية لدى الاحتلال الإسرائيلي، في يوليو/تموز الفائت، صحة الأنباء التي تداولتها وسائل إعلام حول قيام بكين بتزويد طهران بمنظومة للدفاع الجوي، حيث شددت الصين حينها على التزامها القاطع بعدم تصدير أي أسلحة للدول التي تشهد نزاعات مسلحة.

يشار إلى أن المنطقة شهدت توتراً كبيراً، حيث شنت إسرائيل في 13 يونيو/حزيران الماضي عدواناً واسعاً على إيران استمر لمدة 12 يوماً بدعم أمريكي، طال منشآت نووية ومواقع عسكرية وبنية تحتية مدنية، بالإضافة إلى استهداف علماء وقيادات عسكرية بارزة.

وفي المقابل، ردت طهران بقصف مراكز استخباراتية وقواعد عسكرية إسرائيلية مستخدمة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قبل أن تعلن الإدارة الأمريكية في الرابع والعشرين من الشهر ذاته عن التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين تل أبيب وطهران.

تحليل

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:19 صباحًا - بتوقيت القدس

من "الشرق الأوسط الجديد" إلى "إسرائيل العظمى": مقامرة نتنياهو الأخيرة والعزلة الدولية

بقدر ما كشفت حرب الإبادة المستمرة عن عمق الفجوة والخلاف بين دولة الاحتلال والغرب الأوروبي، فإن التداعيات المترتبة على مسار وقف إطلاق النار أظهرت تصدعاً متزايداً مع الحليف الاستراتيجي الأبرز لتل أبيب، أي الولايات المتحدة الأمريكية. وكما أشرنا في تحليلات سابقة منذ بدء الحديث عن خطة الإدارة الأمريكية بشأن قطاع غزة، فإن حكومة بنيامين نتنياهو لم تظهر التزاماً حقيقياً بتلك الخطة التي قبلتها على مضض. السبب الجوهري وراء هذا الموقف هو أن وقف الحرب جاء دون أن تحقق إسرائيل هدفها الاستراتيجي بعيد المدى، والمتمثل في تهجير سكان القطاع وضم أراضيه تمهيداً لمشروع "إسرائيل الكبرى". وقد تجلى عدم الالتزام الإسرائيلي بوضوح من خلال استمرار عمليات القتل التي طالت مئات المواطنين، والمضي قدماً في تدمير ما تبقى من البنية التحتية والمنازل، فضلاً عن توسيع وترسيخ ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" التي تحتلها القوات الإسرائيلية وهي خالية من السكان بعد تهجيرهم قسراً. والأهم من ذلك، أن استمرار إطلاق النار يبقي خيار الحرب مفتوحاً في عقلية قادة الحكومة الإسرائيلية، مما يشير إلى نيتهم تجميد تنفيذ الخطة عند حدود المرحلة الأولى وعدم الانتقال لمراحل الحل المستدام.

في الواقع، هناك الكثير مما يمكن قوله لتشخيص الحالة الراهنة، ولكن يجب التأكيد على أن إسرائيل بتركيبتها اليمينية المتطرفة الحالية تعيش وهماً بأنها وصلت إلى اللحظة التاريخية المناسبة - سواء على صعيد جبهتها الداخلية، أو في علاقتها مع الفلسطينيين، أو في المشهد الإقليمي للشرق الأوسط ككل - لإعلان قيام "إسرائيل العظمى". هذا التوجه عبر عنه نتنياهو صراحة بمصطلح خادع قبل أكثر من عام حين تحدث عن "تغيير الشرق الأوسط". يعتقد نتنياهو وفريقه المتطرف أن الفشل في تحقيق طموحاتهم الآن يعني ضياع الفرصة إلى الأبد. هذه الحرب تختلف جذرياً عن سابقاتها؛ ففي الماضي كانت إسرائيل تشن حروباً كل بضع سنوات لتحقيق مكاسب أمنية أو سياسية أو احتلال أراضٍ جديدة، ثم تقبل بوقف إطلاق النار عند مواجهة عقبات كبرى لتعيد الكرة لاحقاً. أما اليوم، فيرى أصحاب مشروع "إسرائيل الكبرى" أن التحولات العالمية المتسارعة ليست في صالحهم، ولذلك قرروا المغامرة بكل شيء، حتى لو كلفهم ذلك خسارة الدعم الأوروبي، مراهنين حتى اللحظة الأخيرة على دعم الإدارة الأمريكية الحالية، مدركين أن الموقف الأمريكي قد يتغير جذرياً في المستقبل.

لن نكرر هنا تفاصيل المشهد الذي تبلور خلال عامين من الحرب على فلسطين وعلى عدة دول في المنطقة، ولكن الخلاصة الجوهرية هي أن إسرائيل، وبعد خوضها نحو عشر حروب كبرى، ومرور ما يقارب ثمانين عاماً على تأسيسها، ورغم توقيعها أربع معاهدات سلام مع دول عربية والعديد من اتفاقيات الهدنة، لا تزال تعيش حالة حرب مستمرة. هذه الحرب لم تعد مقتصرة على الجبهة الفلسطينية، بل اتسعت لتشمل الشرق الأوسط برمته. والأخطر من ذلك، أن العداء الإسرائيلي لم يعد موجهاً ضد أنظمة محددة، بل باتت الدولة العبرية في حالة حرب مفتوحة مع العالمين العربي والإسلامي. لقد تجاوزت الشوفينية الإسرائيلية مجرد مطالبة واشنطن بضمان تفوقها العسكري النوعي، لتصل إلى المجاهرة بالسعي لتغيير وجه المنطقة وتجريدها من عناصر القوة، بما في ذلك تغيير الأنظمة السياسية. ونتيجة لذلك، تجد إسرائيل نفسها اليوم في مواجهة عسكرية مباشرة مع فلسطين ولبنان وسورية واليمن وإيران، بينما تشهد علاقاتها توتراً شديداً مع باقي الدول مثل مصر والأردن وتركيا وقطر والسعودية، مما يعني عزلة إقليمية شبه تامة.

إن استمرار إسرائيل في حالة حرب منذ نشأتها هو ظاهرة فريدة لم يشهدها التاريخ الحديث إلا مع الدول والكيانات الاستعمارية، مثل الغزوات المغولية أو الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين كما حدث في الجزائر وفيتنام. هذا الواقع يؤكد أن اتفاقيات السلام والتطبيع التي أبرمتها إسرائيل، بدءاً من مصر والأردن وفلسطين، ووصولاً إلى الإمارات والبحرين والمغرب، لم تنجح في إنهاء حالة الصراع الوجودي بين الكيان ومحيطه الشرق أوسطي. لم يتحقق السلام الحقيقي ولا الاندماج، حتى في المجالات غير السياسية مثل الرياضة؛ فإسرائيل لا تزال جسماً غريباً يشارك في البطولات الأوروبية رغم موقعها الجغرافي الآسيوي، وكثيراً ما ينسحب رياضيون من دول عربية وإسلامية من المنافسات الدولية رفضاً لمواجهة ممثلي الاحتلال، مما يعكس عمق الرفض الشعبي لوجودها.

بمعنى آخر، بقيت معاهدات السلام واتفاقيات التطبيع مجرد حبر على ورق في الأروقة الرسمية، بينما تحولت لحظات توقيعها إلى محفزات لتصاعد حركات مقاومة التطبيع على المستوى الشعبي. الخلاصة التي نود الوصول إليها هي أن إسرائيل لم تتحول إلى دولة طبيعية في الشرق الأوسط لا قبل ولا بعد توقيع هذه الاتفاقيات، ولم تنل شرف العضوية الحقيقية في النادي الإقليمي. ولعل هذه الحقيقة المؤلمة للإسرائيليين هي التي تدفع قادتهم لرفع شعارات مختلفة؛ فبينما كان شعار "السلام" هو السائد منذ عام 1948 وحتى كامب ديفيد، ظهر شعار "الشرق الأوسط الجديد" بعد الحرب الباردة ومؤتمر مدريد واتفاق أوسلو. حينها، حاول شمعون بيريس، عراب هذا التوجه، دمج المفاوضات الثنائية مع الفلسطينيين بمسار متعدد الأطراف إقليمياً، مقدماً إغراءات اقتصادية لدمج إسرائيل في نادٍ اقتصادي إقليمي بالتوازي مع الانسحاب الجغرافي.

الفرق الجوهري يكمن في أن "الشرق الأوسط الجديد" بمفهوم بيريس، الذي طُرح قبل ثلاثة عقود، كان يستند إلى فكرة أن نفوذ الدول في عالم ما بعد الحرب الباردة يعتمد على الاقتصاد والشراكة لا على التوسع الجغرافي والقوة العسكرية. في المقابل، فإن الشرق الأوسط الذي يريده نتنياهو هو النقيض التام، حيث يستبدل مبدأ "الأرض مقابل السلام" بمبدأ "فرض الأمن بالقوة العسكرية". كان من الممكن تحقيق شرق أوسط جديد قائم على الشراكة والأمن والرخاء بين شعوب المنطقة، خاصة في ظل التقارب الممكن بين دول الخليج ومصر وتركيا وإيران، إلا أن العقبة الوحيدة كانت ولا تزال إسرائيل بحكوماتها اليمينية التي تصر على تطويع المنطقة لتناسب طبيعتها الاستعمارية، بدلاً من أن تتغير هي لتنسجم مع محيطها الطبيعي ونظام عالمي قائم على التعايش.

هذه المعطيات تفرض حتمية التغيير الداخلي في إسرائيل كشرط مسبق لأي استقرار. وأهم ملامح هذا التغيير هو لفظ اليمين المتطرف والعودة إلى مسار دولة المؤسسات، وذلك عبر خطوات ملموسة تبدأ بالانسحاب الكامل من أراضي دولة فلسطين والأراضي العربية المحتلة، وتفكيك المناطق الأمنية العازلة، أو تطبيقها بشكل متبادل على طرفي الحدود إذا لزم الأمر. كما يتطلب الأمر الاعتراف بحق العودة والتعويض، وتقديم إسرائيل لضمانات أمنية لدول الجوار، باعتبارها الطرف المعتدي والأقوى عسكرياً، بالإضافة إلى نزع الصبغة الدينية عن الدولة وتوجيه رسالة سلام حقيقية للمحيط الإقليمي.

في الختام، الخطوة الأهم التي يجب على إسرائيل اتخاذها هي إعلان حدودها الجغرافية النهائية بشكل واضح، وصياغة دستور يثبت هويتها كدولة مدنية طبيعية تعيش وفق مبادئ حسن الجوار. كل هذه الاستحقاقات تتطلب أولاً إحالة بنيامين نتنياهو، عراب أوهام "إسرائيل الكبرى"، إلى التقاعد السياسي الإجباري، وإسقاط معسكر اليمين المتطرف، لفتح المجال أمام إمكانية تطبيق حل الدولتين وإنهاء حقبة الصراع الطويلة.

أقلام وأراء

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:04 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المثقف المعاصر: حين تتحول المعرفة إلى عبء بلا أثر في واقعنا

في حقبة زمنية سابقة، كان تعريف المثقف يرتبط بذلك الشخص الذي يمتلك إلماماً بشيء من كل شيء، بينما كان النابغ هو من يحفظ المتون والأشعار. إلا أن نظامنا التعليمي نشأ في الأساس لتخريج موظفين لخدمة الدولة، ولم يتأسس لغرس قيم التعلم والتفكير النقدي وتطوير المعارف. ويعود ذلك إلى أن من وضع أسس التعليم الحديث في بلادنا هو المستعمر، الذي كان بحاجة إلى فئة قليلة من السكان المحليين لتدريبهم على نمط تفكيره لتسيير مصالحه الإدارية، فرسخ فيهم ثقافة الحفظ للاختبارات بدلاً من الفهم العميق، وعزز مبدأ سرية المعلومة وحصرها في أيدي فئة محددة، وهو نهج لا يزال متبعاً لدى بعض المدراء الذين يحجبون المعلومات عن أصحاب الاختصاص، مما يساهم في تكريس التخلف.

تتفاقم هذه المعضلة عندما يثق الشخص الذي يكدس المعلومات بمعرفته دون أن يقوم بمعالجتها أو تمحيصها، فيتخذها معياراً مطلقاً. وفي عصرنا الحالي، يستقي الكثيرون معلوماتهم من الهواتف والحواسيب، ويضيفون كل جديد إلى مخزونهم المعرفي دون تدقيق، ثم يعيدون نشرها على منصات التواصل الاجتماعي. وهناك، يجدون من يمدحهم ويعزز لديهم وهم الثقافة، ليخرجوا إلى المجتمع بآراء معارضة تناقش أدق المسائل والمقدسات، بينما هم في الحقيقة مجرد ناقلين يقتبسون دون ذكر المصادر، ويقبلون المعلومات كما سمعوها بلا تفكير. هؤلاء لا يشعرون بالحاجة إلى التعلم الحقيقي، بل يواجهون من يختلف معهم أو يطرح أسلوباً جديداً بالتسفيه والانتقاد والتقليل من الشأن.

تكمن خطورة "خزان المعرفة" في عجزه عن حل المشكلات أو تقديم إبداع حقيقي، لأنه نتاج منظومة تنمية التخلف. ومع ذلك، قد يكتسب هذا الشخص مكانة اجتماعية تفوق مكانة المثقف العالم الذي غالباً ما يكون مهمشاً في مجتمع سلبي. هذا المجتمع لا يعالج القضايا بمنطقية، بل يتبنى انطباعات جاهزة، وقد يضعها في خانة المقدسات ليس إيماناً بها، بل لتلبية غرائز حب السيطرة والتملك. في ظل هذا الواقع، يغيب البحث والاستقصاء، ويتحول الناس إلى مجرد مرددين لما يسمعون، يتناقلون الكلام ككرة تتقاذفها الألسن.

إن ما نشهده اليوم هو تباين صارخ بين الجيل الحالي والأجيال السابقة فيما يتعلق بجدلية الجودة والسوء. لقد تميز الجيل الماضي بالصرامة والدقة وعدم التهاون في الصواب، بدءاً من المظهر العام واحترام الذوق العام، وصولاً إلى إتقان العمل. كانت المهارة والإخلاص جزءاً أصيلاً من الذات الداخلية للفرد، بينما أصبحت اليوم خاضعة للمؤثرات الخارجية والتقلبات، بدلاً من أن تكون ثوابت راسخة في الشخصية.

إن المهارة هي شكل من أشكال الثقافة التي يمتلكها العامل المخلص، سواء كان بناءً أو تاجراً أو مصلحاً. عندما يعتز صاحب المهنة بمهنته ويسعى لتطوير نفسه من خلالها، فإنه يحقق النجاح الحقيقي. أما أولئك الذين ينشغلون بتقييم الآخرين بدلاً من تقييم ذواتهم، فهم يعانون من عجز يولد الإحباط. التقييم الحقيقي يجب أن ينصب على الذات: هل تحسن إنتاجي؟ هل تطورت مهاراتي؟ وهذا لا يتحقق بمجرد امتلاك المعرفة، بل بالانغماس في التعلم والصرامة مع النفس. فالحلول والابتكار هي واجب المثقف ومعيار ثقافته، وليست كمية المعلومات التي يحفظها، فالثقافة هي تهذيب النفس كما قالت العرب: "تثقيف الرماح" أي تقويمها.

هذه الصرامة والدقة هي التي تجعلنا نقف مبهورين أمام جمال وإتقان البيوت القديمة، رغم غياب الأجهزة الحديثة وقت إنشائها. في المقابل، نجد اليوم توفر الأدوات التي تختصر الزمن، ولكن الجودة غائبة والذوق مفقود، مع ارتفاع التكاليف. ولأن اليأس قد تسرب إلى المجتمع، نجد الناس يتجنبون بعضهم البعض، ليس لسوء فيهم، بل لضعف قدرتهم على العطاء. وقد أدى سوء سلوك البعض وضياع الحقوق إلى لجوء المسالمين للعزلة بحثاً عن السلامة النفسية.

يكمن الحل في كلمة واحدة: التوازن. وهذا التوازن يتطلب إعادة تنظيم حياة المجتمع وإعلاء شأن القيم، ليس من خلال ضخ المزيد من الكتب والمواعظ، بل عبر استعادة الصرامة والثبات على المبادئ. المشكلة ليست في المعرفة ذاتها، بل في كيفية استثمارها والصدق مع النفس. يجب أن يتوقف الفرد عن لوم الناس لأنهم لا يمنحونه القيمة التي يفترضها لنفسه وهي غير حقيقية.

إن غياب الحوارات الصافية، وسيادة الشخصيات الفارغة، وقيادة الجاهلين، واستغلال المواهب دون إنصافها، كلها ظواهر تحتاج إلى دراسة جادة ومنظومة تدريب وتطوير حقيقية. يجب أن ننتقل من مرحلة الخطابة بالأخلاق إلى مرحلة التطبيق الفعلي، وإلا سنبقى كمن يدعو للفضيلة وسلوكه يجسد نقيضها. إن الاكتفاء بما لدينا من علم دون تطوير ذواتنا هو مساهمة في انحدار المجتمع، والظلم الذي يملأ العالم يبدأ من ظلم الإنسان لنفسه بضلال الطريق، وعلاجه يكمن في إنشاء مراكز تأهيل فكري ونفسي تنسجم مع احتياجات المجتمعات.

تحليل

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:03 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا توقفت المعجزات الحسية بعد بعثة النبي الخاتم؟.. قراءة في حكمة التحول من الإبصار إلى البصيرة

في لحظة تأمل صباحية هادئة، وبينما كنت أتلو آيات من سورة النمل بصحبة ابني، استوقفتني تلك المشاهد العظيمة التي تروي قصص الأنبياء السابقين؛ سليمان عليه السلام الذي فقه منطق الطير والحيوان، وموسى وعصاه التي شقت البحر، وعيسى الذي أحيا الموتى بإذن الله. إنها سلسلة طويلة من الخوارق المادية المحسوسة التي كانت ترافق الرسل لتأييدهم. لكن، عند النظر في سيرة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ الوحي بعده، نلحظ تحولاً جذرياً في هذا المسار الإلهي، حيث توقفت تلك المعجزات الكونية المزلزلة التي كانت تأتي لتحسم الجدل فوراً بين التصديق والتكذيب بشكل حسي لا يقبل الشك.

هذا التغير الجوهري في النمط الكوني يطرح تساؤلاً ملحاً: لماذا غابت المعجزات الحسية المباشرة واختفى نمطها تماماً مع البعثة المحمدية؟ الإجابة تكمن في جوهر الآية الكريمة من سورة الإسراء: "وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ.. وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفا". ومن خلال تدبر هذه المعاني والحوار الذي دار مع ابني، تكشفت لي أبعاد عميقة حول الحكمة الإلهية من هذا التوقف، والتي يمكن تلخيصها في عدة نقاط جوهرية تعكس عظمة الرسالة الخاتمة.

أولاً، يأتي هذا التوقف تجسيداً لمفهوم الرحمة للعالمين؛ فقد كانت المعجزات المادية في الأمم السابقة غالباً ما تمثل الفرصة الأخيرة والنذير النهائي قبل حلول العذاب الشامل في حال التكذيب. فقد أهلك الله قوم ثمود وعاد وقوم لوط بعد أن كذبوا بآياتهم الحسية، فكان القانون الإلهي يقضي بإنزال الآية ثم العذاب الماحق للمكذبين. ولكن، بما أن الله أرسل محمداً رحمة للعالمين، فقد اقتضت هذه الرحمة رفع سنة الاستئصال والعذاب الدنيوي العام، وتأجيل الحساب إلى الدار الآخرة، ولو استمرت المعجزات الحسية وكذب بها الناس لوجب عذابهم، فكان رفعها رحمة بهم وحكمة بالغة.

ثانياً، أثبت التاريخ البشري عدم جدوى المعجزات مع القلوب الجاحدة؛ إذ يخبرنا سجل الإنسانية أن المعاندين لم يكونوا ليؤمنوا حتى مع رؤية الخوارق، بل كانت تلك المعجزات تزيدهم طغياناً وكفراً، وتصبح حجة عليهم لا لهم، كما قال العلماء إنها تكون "وبالاً عليهم". المعجزة المادية قد تدهش البصر وتثير الرعب، لكنها لا تضمن صلاح القلب أو استقامة النفس. لذا جاء الإسلام بمنهج مغاير لا يعتمد على إجبار الناس عبر الخوارق، بل دعوتهم للإيمان عبر التفكر والاختيار الحر، فالكلمة التي يخضع لها العقل أعمق أثراً من المعجزة التي تبهر العين لحظياً.

ثالثاً، تبرز هنا خلود المعجزة العقلية المتمثلة في القرآن الكريم؛ فالمعجزات الحسية هي أحداث وقتية يراها جيل محدد ثم تتحول إلى رواية تاريخية تتناقلها الأجيال. أما القرآن الكريم فهو معجزة عقلية حية، متجددة، وعابرة للأزمان. إنه ليس مجرد خرق للعادة، بل منظومة متكاملة من الإعجاز البياني، والتشريعي، والعلمي، والروحي. هو المعجزة الوحيدة القابلة للاكتشاف والتذوق من قبل كل إنسان في كل عصر، عالماً كان أم بسيطاً. لذلك، لم تعد البشرية بحاجة لمعجزات تظهر وتختفي، ما دام بين أيديها كتاب لا يبلى ولا تنقضي عجائبه، صالح لكل زمان ومكان.

رابعاً، يعكس هذا التحول نضج العقل البشري والاستعداد للإقناع؛ فمن لطائف الحكمة الإلهية أن بعثة النبي الخاتم تزامنت مع وصول البشرية إلى مرحلة من الرشد العقلي تؤهلها للتعامل مع خطاب الوحي بالفهم والتدبر، بدلاً من الانبهار بالخوارق المادية أو الخوف من العذاب. لقد انتهت مرحلة "الطفولة البشرية" التي كانت تتطلب أدلة مادية قاهرة، وبدأ عصر الحوار والفطرة السليمة. لم يعد الإنسان بحاجة لناقة تخرج من صخرة ليؤمن، بل بات بحاجة لمنهج يخاطب عقله، ويسمو بروحه، ويصلح قلبه قبل جسده.

خامساً، اقتضت المشيئة الإلهية إطلاق حرية الإنسان في عمارة الأرض وصناعة مستقبله؛ ففي العهد الجديد للرسالة الخاتمة، تُرِك المجال للإنسان ليختار طريقه، ويعمل، ويجتهد، ويتحاور، دون تدخلات قسرية عبر الخوارق لفرض الإيمان. لقد وضع الله البشر أمام مسؤولية الاختيار: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ". فمن أحسن عملاً وجد التوفيق والنصر والرعاية الربانية، ومن أساء فقد أُجل حسابه. إنها سنة التدافع والإقناع بدلاً من الإكراه، وسنة العمل والبناء بدلاً من انتظار المعجزات الخارقة.

ختاماً، يمكن القول إن انقطاع المعجزات الحسية ليس نقصاً في زمن الرسالة المحمدية، بل هو في حقيقته تكريم للإنسان وإعلاء لشأنه، وارتقاء بالخطاب الإلهي. لقد أراد الله للبشرية أن تنتقل من مرحلة الانقياد القسري تحت وطأة الخوف والمعجزات القاهرة، إلى مرحلة الإيمان الطوعي المبني على القناعة واليقين. إنه الانتقال من عصر الصواعق التي تهدم، إلى عصر الكلمات التي تبني العقول وتحيي القلوب، ليكون الإيمان نابعاً من حرية الاختيار وكمال العقل.

عربي ودولي

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:02 صباحًا - بتوقيت القدس

من بريمر إلى مبعوث ترامب الجديد.. هل يعيد التاريخ نفسه في العراق عبر احتلال ناعم؟

تعتبر أشكال الاحتلال الأكثر خطورة هي تلك التي تتحول من السيطرة العسكرية العلنية المباشرة إلى هيمنة خفية تتغلغل في مفاصل الدولة عبر قدرات مالية وإدارية هائلة. وعند النظر بتمعن إلى المشهد العراقي بعد مرور أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي، نجد أنفسنا أمام واقع يشبه الاحتلال المقنع، حيث تتشابه الجذور والسياسات التدميرة، وإن اختلفت الوجوه والأدوات المستخدمة.

بعد سقوط بغداد بأقل من شهرين، وتحديداً في الثاني عشر من أيار/ مايو 2003، هبطت طائرة بول بريمر في العاصمة العراقية ليتولى رئاسة ما سمي بـ"سلطة الائتلاف المؤقتة". لم يكن بريمر مجرد إداري لمرحلة انتقالية، بل كان حاكماً مطلقاً بصلاحيات إمبراطورية، ولم تكن قراراته تهدف إلى بناء دولة أو توفير خدمات، بل صبت في مجملها نحو تفكيك بنية الدولة العراقية، وتحطيم الإنسان، ومحاولة محو التاريخ لصياغة مستقبل مشوه.

لقد وثق بريمر جانباً كبيراً من مهامه في مذكراته، وكانت أولى قراراته الكارثية حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، مما أدى إلى هدم ركائز الدولة المدنية وإفراغ الوزارات من كوادرها. والمفارقة المؤلمة أن الحاكم الأمريكي اعترف في كتابه بأن الفوضى الأمنية وانتشار السلاح وظهور المليشيات كانت تحديات كبرى، لكن الواقع الذي عاشه العراقيون يؤكد أن إدارته لم تتجاهل هذه الفوضى فحسب، بل هيأت المناخ المناسب لنمو الجماعات المسلحة والصراعات الطائفية وكأنها تنفذ مخططاً معداً سلفاً.

لقد كانت العملية السياسية التي هندسها الاحتلال إحدى أسوأ مخرجات تلك المرحلة، حيث لم يجنِ الشعب العراقي منها أي نفع يذكر. على العكس تماماً، أصبحت كل دورة انتخابية وسيلة لإعادة إنتاج طبقة سياسية تتكالب على ثروات البلاد وتضرب بالقوانين عرض الحائط. إن بناء الدول لا يتم عبر صناديق الاقتراع في ظل مؤسسات متهالكة وانقسام مجتمعي، بل يتطلب أولاً بناء مؤسسات راسخة وتعزيز السلم الأهلي، وهو ما تعمدت إدارة بريمر تجاهله ليبقى العراق في دوامة الفشل المستمر.

اليوم، وبعد مرور 22 عاماً على ذلك الاحتلال، يجد العراق نفسه أمام سلطة أمريكية من نوع جديد تتمثل في منصب "الممثل الخاص" للرئيس دونالد ترامب في العراق. هذا المنصب المستحدث الذي أنيط بمارك سافايا، يبدو وكأنه استنساخ لدور بريمر ولكن بأسلوب يتناسب مع المتغيرات الدولية والإقليمية. ورغم اختلاف الظروف، فإن الأجندة تبدو واحدة: تحقيق المصالح الأمريكية عبر سياسات ظاهرها الإصلاح وباطنها إحكام القبضة على القرار العراقي وثرواته.

وبينما ترك بريمر بصمات سوداء واضحة في تدمير البنية السياسية والعسكرية للعراق، فإن سافايا لم يترجم مهامه إلى واقع ملموس بعد. وقد صرح مؤخراً بأن المجتمع الدولي يرهن دور العراق الإقليمي بإنهاء ملف "السلاح المنفلت"، واضعاً البلاد أمام خيارين: إما بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، أو العودة إلى مربع الفوضى والتعقيدات التي أنهكت العراقيين لسنوات طويلة.

تتقاطع مهام الرجلين في الجوهر وتختلف في التفاصيل؛ فبريمر امتلك سلطة مطلقة في ظل غياب حكومة عراقية وبداية احتلال عسكري، بينما يأتي سافايا في وقت يقترب فيه الحديث عن انسحاب أمريكي وبعد تجارب انتخابية متعددة لكنها هشة. كما أن بريمر أدار الفوضى من داخل بغداد، في حين لا يزال سافايا يطلق التصريحات عن بعد، مع وعود بزيارة قريبة قد تكشف عن طبيعة الدور الذي سيلعبه.

وفي تطور لافت يزيد المشهد تعقيداً، التقى توم باراك، مبعوث ترامب لسوريا ولبنان، برئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وسط تكتم على فحوى اللقاء. هذا الحراك الدبلوماسي المكثف يطرح تساؤلات حول ما إذا كان باراك سيلعب دوراً مكملاً لسافايا أم بديلاً عنه في ترتيب الأوراق الأمريكية في المنطقة.

الخلاصة أن العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة بالغة التعقيد تسبق تشكيل الحكومة المقبلة، وهي أيام حبلى بالأحداث السياسية وربما الأمنية. ويبقى السؤال المفتوح: هل سيكون "الحاكم الجديد" سافايا أكثر دهاءً وتأثيراً من سلفه بريمر في تكريس التبعية، أم أن المعادلات الداخلية ستفرض واقعاً مغايراً؟

فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 5:01 صباحًا - بتوقيت القدس

خدعة "وقف إطلاق النار": كيف يغطي العالم على استمرار الإبادة في غزة؟

طرحت الكاتبة الفلسطينية داليا أبو رمضان، الصامدة في قطاع غزة، تساؤلاً جوهرياً في الخامس من ديسمبر/كانون الأول، مستغربة كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يصدق المزاعم الإسرائيلية باستمرار "الهدنة" المزعومة بينما الواقع يصرخ بغير ذلك.

لقد كان التضليل والخداع عنصراً جوهرياً في ما سُمي بـ"اتفاق السلام" منذ لحظة ولادته. بدأت فصول هذه المسرحية السياسية في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول خلال قمة شرم الشيخ في مصر، حين وقع دونالد ترامب على وثيقة "وقف النار" بحضور قادة وممثلين عن نحو ثلاثين دولة.

وكرر ترامب إعلاناته بأن الحرب في غزة قد وضعت أوزارها، مدعياً بأسلوب استعراضي أن الوصول لهذه اللحظة استغرق ثلاثة آلاف عام، ومؤكداً بثقة مفرطة أن هذا الاتفاق سيصمد ولن ينهار، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد.

وقد لاقى هذا الاتفاق ترحيباً وإشادة واسعة من شخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي الأمريكي أيضاً، بمن فيهم الرئيس جو بايدن، والرئيس الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلاري، ونائبة الرئيس كامالا هاريس.

واعتبرت تقارير صحفية أمريكية الحدث بمثابة "جولة انتصار" لترامب، الذي حظي بتصفيق حار داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث وصف اللحظة بأنها "فجر تاريخي لشرق أوسط جديد"، وسط احتفالات صاخبة تزامنت مع الإفراج عن عدد من الأسرى الإسرائيليين المتبقين لدى المقاومة.

بدت قمة شرم الشيخ وكأنها عرض مسرحي أكثر منها مفاوضات جادة، حيث ركزت على تلميع صورة "صانع السلام" المفاجئة لترامب. وقد وصف دبلوماسي، فضل عدم الكشف عن هويته، الأجواء بأنها غريبة للغاية ومجرد استعراض خطابي جنوني يفتقر للجدية السياسية.

نجحت القمة في رسم مسار محدد للإعلام التقليدي والمؤسسي لتبني رواية تتجاهل عامين من الوحشية والإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال في غزة، وكأن التاريخ بدأ لحظة التوقيع، متناسياً أعداد الضحايا الهائلة التي قدرها قائد عسكري إسرائيلي سابق بنحو مائتي ألف بين شهيد وجريح.

وسرعان ما تبنت وسائل الإعلام العالمية سردية "وقف إطلاق النار"، مفترضة بشكل تلقائي وساذج أن جيش الاحتلال قد أوقف عدوانه وهجماته على المدنيين الفلسطينيين العزل.

ورغم إعلانات ترامب المتكررة، كان الواقع مغايراً تماماً؛ فالاتفاق لم يصمد على الأرض، لكن الرواية الخيالية استمرت بفضل التلاعب الإعلامي المدروس والتعتيم الكامل على أخبار المجازر المستمرة والهجمات الإسرائيلية.

وكشفت تقارير رصد إعلامي أنه خلال الأيام العشرة الأولى من الهدنة المزعومة، قتل الاحتلال ما يقارب 97 فلسطينياً وأصاب المئات، مع تسجيل عشرات الانتهاكات للاتفاق، دون أن يظهر أي عنوان رئيسي في الإعلام الغربي يشير بوضوح إلى خرق إسرائيل للاتفاق.

تم التقليل من شأن المذابح المستمرة في غزة بشكل منهجي، مع الإصرار على أن الإبادة قد "توقفت تقريباً"، مما أدى إلى صياغات صحفية متناقضة وصادمة مثل "الهدنة مستمرة رغم الغارات الإسرائيلية"، استناداً لتصريحات ترامب فقط كمصدر للحقيقة.

ورغم الانتهاكات المتبادلة المزعومة، كان يتم تصوير الهجمات الإسرائيلية بعد وقوعها على أنها "تجديد للالتزام بالهدنة"، وهو منطق عبثي لا يستقيم، إذ لا يمكن تسمية الوضع بوقف إطلاق نار مع استمرار القصف والقتل، كما أشار مراقبون.

وفي السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني، خرقت منظمة العفو الدولية جدار الصمت بتقرير يؤكد أن السلطات الإسرائيلية ما زالت تمارس الإبادة الجماعية، وتفرض عمداً ظروفاً معيشية تهدف للفناء الجسدي للسكان في غزة، دون أي تغيير حقيقي في نواياها.

ومنذ بدء الاتفاق الشكلي، واصل الاحتلال منع دخول المساعدات الضرورية من غذاء ودواء، حيث لم يسمح إلا بمرور خُمس الكميات الموعودة، مع استمرار إغلاق معبر رفح بشكل كامل في وجه الإغاثة الإنسانية.

وأفادت مصادر صحفية مستقلة أن الغارات الإسرائيلية اليومية أودت بحياة أكثر من 350 فلسطينياً، بينهم عدد كبير من الأطفال (136 طفلاً)، مما دفع المنظمات الحقوقية للتحذير من الانخداع بالهدنة الكاذبة بينما الإبادة مستمرة فعلياً على الأرض.

ويكفي الاستماع إلى أصوات الشهود من داخل القطاع المحاصر لإدراك حقيقة الوضع المأساوي الذي يعيشه السكان.

تروي داليا أبو رمضان تفاصيل ليلة التاسع عشر من نوفمبر، حين استيقظت مرعوبة على وقع انفجارات هزت الأرض، معتقدة أن الحرب عادت بكامل ضراوتها وأن الهدنة انهارت، رغم أن القصف كان يبعد عنها عدة كيلومترات، إلا أن شدته كانت مرعبة.

وتصف المشهد بأن الاحتلال أراد تذكير الغزيين بأن الهدنة التي يتغنى بها العالم ليست سوى غطاء رقيق يخفي تحته نيران الموت التي لا تنطفئ ولا تتوقف عن الاشتعال.

في تلك الليلة الدامية وحدها، ارتقى 28 شهيداً، معظمهم من الأطفال، وأصيب العشرات في قصف استهدف أحياء سكنية مكتظة، تحت ذريعة الاحتلال المعتادة باستهداف "قادة في المقاومة".

وقد كشف البحث البسيط أن وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى تجاهلت هذه المجزرة تماماً ولم تأتِ على ذكرها، في تواطؤ واضح بالصمت.

والتقارير القليلة التي نُشرت تبنت إطاراً كاذباً حول "المسؤولية المشتركة"، حيث أشارت إذاعة أمريكية إلى تبادل الاتهامات، معترفة بوقوع غارات إسرائيلية وسقوط ضحايا، لكنها أصرت في الوقت نفسه على أن اتفاق ترامب "لا يزال سارياً" بعد أسابيع من إعلانه.

ورغم عدم تسجيل ضحايا إسرائيليين، ردد الإعلام مزاعم الاحتلال حول عبور مسلحين لـ"الخط الأصفر"، وهو خط يزحف باستمرار لقضم أراضي غزة في عملية استيلاء غير شرعية، وقد تسبب في استشهاد شقيقين كانا يجمعان الحطب بدعوى تجاوزهما لهذا الحد المتحرك.

وتخلص داليا إلى أن الاحتلال نجح في إقناع العالم بتوقف شلال الدم، بينما يتم شطب عائلات بأكملها من السجل المدني بصمت تام، متسائلة عما إذا كان العالم يصمت فقط لوجود ورقة سياسية تسمى "وقف إطلاق نار".

ويبقى السؤال المؤلم الذي يطرح نفسه: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يتقبل هذه الكذبة الكبرى ويبتلعها بينما يتوسع المشروع الاستيطاني والعسكري أمام الأنظار؟

قد نجد تفسيراً لهذا الإنكار في تصريحات هيلاري كلينتون الأخيرة في نيويورك، التي اتهمت منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً "تيك توك"، بنشر محتوى ملفق عن غزة، معتبرة ذلك السبب وراء دعم الشباب للقضية الفلسطينية.

فمن وجهة نظر كلينتون والنخبة السياسية التقليدية، تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد ساحة للأكاذيب والتضليل يجب محاربتها.

وهذا المنطق يعني ضمناً أن كل من يصدق التقارير الحقوقية والشهادات الحية والأدلة البصرية عن الإبادة هو ضحية لغسيل دماغ يمارسه "الشيطان الجديد" المتمثل في الإعلام الرقمي الحديث.

لكن الصحفي والمحلل علي أبو نعمة يرى أنه رغم الدعاية المكثفة، فإن التحول في الوعي العالمي تجاه إسرائيل، خاصة بين الشباب، وصل إلى نقطة اللاعودة، حيث يتآكل الدعم لكيان الاحتلال، مما يدفع النخب لمزيد من القمع والرقابة لمحاولة السيطرة على السردية.

وفي خضم هذه الأحداث، قام ترامب، المنتشي بدوره المزعوم كصانع للسلام، بوضع اسمه على مبنى "معهد السلام الأمريكي" في واشنطن، بعد أن كان قد جرد هذه المؤسسة المستقلة من تمويلها الفيدرالي في وقت سابق من العام.

وقد احتفت الخارجية الأمريكية بهذا التغيير عبر منصة "إكس"، معلنة عن "معهد دونالد ترامب للسلام"، ليعكس هوية "صانع الصفقات"، رغم أن ترامب يواجه انقساماً وكراهية غير مسبوقة في الداخل الأمريكي، تماماً كما هو حال حليفته إسرائيل على الساحة الدولية.