لنتصور دولة تقف على حافة الانهيار الشامل، تتقاذفها نيران حرب ضروس لا تبقي ولا تذر، وجيش يقاتل على جبهات متعددة ومتشعبة، واقتصاد يتآكل طبقة تلو الأخرى، بينما تتكالب القوى الدولية الكبرى على ثرواتها وموانئها وموقعها الإستراتيجي الفريد.
في خضم هذا المشهد القاتم، يقف قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، محاولاً السير على حبل مشدود والإمساك بالعصا من المنتصف: يلوح للغرب بإمكانية بناء شراكة استراتيجية، بينما يتمسك في الوقت ذاته بحبال الوصل القوية مع المعسكر الشرقي الصاعد.
هذا التحرك ليس مجرد تقلبات سياسية عابرة أو انتقال عشوائي بين المحاور، بل هو تكتيك وجودي فرضته قسوة الجغرافيا ووطأة الحرب التي استنزفت الدولة والمجتمع، فضلاً عن التوازنات الدولية الدقيقة التي حولت السودان إلى ساحة اختبار كبرى لصراع النفوذ المحتدم في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي هذا الإطار تحديداً، جاءت رسالة البرهان الأخيرة الموجهة للغرب عبر مقال اختار له منصة أميركية بارزة، والتي لم تكن مجرد مقال رأي عابر، بل وثيقة سياسية مشفرة صيغت بعناية فائقة لتحمل دلالات عميقة وتصل مباشرة إلى دوائر صناعة القرار في العواصم الغربية.
في مقاله المثير للجدل، حمّل البرهان قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن الدمار، رافضاً توصيف ما يجري بأنه صراع بين جنرالين، ومؤكداً أنها حرب تمرد على شرعية الدولة. لكنه لم يكتف بهذا التوصيف، بل طرح معادلة واضحة: ساعدوني في تفكيك التمرد وإنهاء الحرب، وسأكون مستعداً للمضي قدماً في مسار التطبيع وتقديم صيغة حكم مدني ترضي المجتمع الدولي.
لوح البرهان بورقة الانتقال الديمقراطي، مذكرًا الغرب بمصالحه المهددة في البحر الأحمر، وفاتحاً الباب أمام الشركات الغربية للمساهمة في إعادة الإعمار. بدا الطرح أقرب إلى عرض تفاوضي متكامل الأركان: الشرعية والاستقرار والتعاون الأمني مقابل الدعم العسكري والسياسي.
الانحياز للشرق يوفر السلاح ويخنق المال، والارتماء في حضن الغرب يجلب الاقتصاد ويفقد الإسناد العسكري، مما يجعل التوازن مسألة حياة أو موت في المعادلة السودانية.
هذه الرسالة لا تأتي من فراغ، بل تتزامن مع تحركات متنامية للبرهان على الساحة الدولية، شملت خطابات في الأمم المتحدة وانفتاحاً محسوباً على المؤسسات الغربية. ورغم هذه الإشارات، فإنها لا تعني تحولاً استراتيجياً كاملاً وانقلاباً نحو المعسكر الغربي، بل هي جزء من لعبة توازنات دقيقة تحاول فيها القيادة السودانية الموازنة بين المكاسب الآنية وتجنب مخاطر الاصطفاف الحاد.
يكتسب السودان أهمية قصوى كبوابة للبحر الأحمر وممر للتجارة العالمية وخزان للموارد. الصين ترى فيه امتداداً لطريقها التجاري وتخشى ضياع استثماراتها الضخمة، لذا تتحرك بحذر لدعم الاستقرار دون صدام مباشر مع الغرب. أما روسيا، فقد عززت وجودها عبر أدوات جديدة بديلة لمجموعة فاغنر، طامحة لموطأ قدم دائم في البحر الأحمر لتعزيز نفوذها في مواجهة الضغوط الغربية في ملفات أخرى.
في المقابل، يراقب الغرب التمدد الشرقي بقلق، لكنه يرهن دعمه الاقتصادي بملف التطبيع وترتيبات سياسية محددة. وهنا يكمن المأزق السوداني: الاعتماد على الشرق يوفر السلاح لكنه يفرض عزلة مالية خانقة، واللجوء للغرب قد يوفر المال لكنه يفتقر للدعم العسكري الحاسم وقد يفجر الجبهة الداخلية، مما يجعل الاصطفاف الكامل خياراً قاتلاً.
وسط هذه التعقيدات، يبرز خيار "عدم الانحياز الذكي"، القائم على تنويع الشراكات: تعاون اقتصادي مع بكين دون ارتهان، وتنسيق أمني مع موسكو دون تحويل البلاد لقاعدة روسية، وانفتاح سياسي على الغرب دون الخضوع الكامل لشروطه المجحفة، وبناء دور إقليمي يستند للجغرافيا لا الأيديولوجيا.
لكن نجاح هذه المناورة الخارجية مرهون بصلابة الجبهة الداخلية. فالرهان الحقيقي ليس على واشنطن أو بكين أو موسكو، بل على قدرة القيادة السودانية على توحيد الصف الداخلي، ووقف الانهيار الاقتصادي، وفرض السيادة الوطنية على القوى المتدخلة.
ختاماً، ما يفعله البرهان هو محاولة لجمع أوراق القوة من كافة الأطراف دون دفع الأثمان الباهظة لأي منها. إنها محاولة لاستغلال موقع السودان الفريد في الصراع الدولي، لكنها لن تؤتي أكلها ما لم يتم ترتيب البيت الداخلي، لأن مصير الدول تحدده إرادة شعوبها وقدرتها على الصمود قبل إملاءات الخارج.





شارك برأيك
السودان في عين العاصفة: رقصة البرهان الخطرة بين إغراءات الغرب ودعم الشرق