أقلام وأراء

الأربعاء 17 يونيو 2026 10:22 مساءً - بتوقيت القدس

صناعة الرواية الوطنية: تحديات الذاكرة وبناء الإنسان في سوريا المستقبل

تواجه المجتمعات التي تمر بمراحل انتقال سياسي كبرى، كما هو الحال في سوريا بعد سقوط النظام، تحديات تتجاوز إعادة بناء المؤسسات الدستورية أو إجراء الانتخابات. إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه يتعلق بنوع الذاكرة التي سيتم توريثها للأجيال القادمة، وكيفية صياغة هوية وطنية جامعة.

تعتبر الدول كيانات لا تقوم على الهياكل الإدارية فحسب، بل تستند بشكل أساسي إلى القصص التي ترويها عن نفسها والطريقة التي تستوعب بها ماضيها الأليم. وفي الحالة السورية، يبدو بناء رواية وطنية قادرة على حماية الذاكرة من النسيان ضرورة ملحة لمصالحة الماضي مع الحاضر.

يرى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أن المجتمعات لا يمكنها العيش بلا ذاكرة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع بناء مستقبلها إذا ظلت أسيرة لجراحها. فالتوازن بين حفظ الحقيقة وبين المضي قدماً هو الخيط الرفيع الذي يمنع الذاكرة من أن تتحول إلى سجن دائم.

من جهة أخرى، يحذر المفكر تزفيتان تودوروف من تحويل الذاكرة إلى وقود للصراعات المستمرة، حيث يمكن توظيفها سياسياً لإثارة الكراهية. لذا، فإن العدالة في تذكر الأحداث تتطلب وعياً يحول المأساة إلى درس للتعلم والمصالحة بدلاً من الانتقام.

تتجلى أهمية النقاش حول 'المجال العام' كما طرحه المفكر عزمي بشارة، في ضرورة إيجاد مساحة تسمح للأفراد برؤية أنفسهم كجزء من جماعة وطنية واحدة. فالأمم تُبنى بالتجارب السياسية المشتركة التي تتجاوز الانتماءات الضيقة، سواء كانت دينية أو قومية.

إن الأزمة السورية الراهنة ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي أزمة روايات متضاربة تتوزع بين الضحايا والناجين والمنفيين. ولا يمكن للدولة المستقرة أن تقوم على مسارات متوازية من الحكايات التي لا تلتقي أبداً في نقطة وطنية جامعة.

بالاستناد إلى مفهوم 'الجماعات المتخيلة' لبندكت أندرسون، نجد أن الأمم هي في جوهرها قصص يتفق الناس على الانتماء إليها. وهذا يتطلب في سوريا الاتفاق على حد أدنى من الحقيقة التاريخية التي تحمي المجتمع من تزييف الوعي أو التلاعب بالوقائع.

بناء الرواية الوطنية لا يعني بالضرورة فرض وجهة نظر أحادية بقوة القانون، بل يعني خلق بيئة تحترم التعددية وتجارب الألم المختلفة. الهدف هو منع تحويل الذاكرة الجماعية إلى أداة للإقصاء أو لتصفية الحسابات السياسية بين المكونات السورية.

إن حماية الذاكرة لا تعني الانغلاق داخلها، بل هي عملية واعية لاستخلاص العبر ومنع تكرار مآسي الماضي. فالشعوب التي تفقد صلتها بتاريخها تفقد هويتها، بينما الشعوب التي تغرق في الماضي تفقد قدرتها على ابتكار حلول للمستقبل.

يبرز السؤال الأهم حول نوع الإنسان الذي تسعى الرواية الوطنية السورية الجديدة إلى تكوينه في مرحلة ما بعد النظام. هل الهدف هو بناء إنسان يحمل جراحه كدعوة للثأر، أم إنسان قادر على الاعتراف بالألم وتجاوزه نحو بناء دولة المواطنة؟

الرواية الوطنية هي في الحقيقة مشروع لصناعة الإنسان الذي سيعيش في المستقبل، ومن خلالها يتشكل معنى الانتماء الحقيقي. إنها تحدد طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وترسم ملامح المسؤولية والعدالة الاجتماعية التي يطمح إليها السوريون.

التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تدوين وقائع الحرب والانتهاكات، بل في القدرة على تحويل هذه الذاكرة إلى أساس لمستقبل مشترك. يجب أن تكون الذاكرة حارسة للتاريخ ومسؤولة عن ضمان عدم العودة إلى عصور الاستبداد والقمع.

إن صياغة هذا التاريخ الجديد تتطلب شجاعة في مواجهة الحقائق، وقدرة على استيعاب الروايات المتعددة للداخل والمنفى. فالدولة القوية هي التي تستطيع دمج كل هذه القصص في إطار وطني واحد يحترم خصوصية كل تجربة.

في الختام، تظل الذاكرة مسؤولية تجاه المستقبل وليست مجرد ملكية للماضي، وهي الأداة الأهم لبناء مجتمع متوازن. إن نجاح السوريين في بناء روايتهم الوطنية سيكون الضمانة الأكبر لحماية مجتمعهم من التفتت والتحول إلى أسير للأحقاد التاريخية.

دلالات

شارك برأيك

صناعة الرواية الوطنية: تحديات الذاكرة وبناء الإنسان في سوريا المستقبل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.