فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

بين الركام والخيام.. أطفال غزة يتحدون الحرب لمواصلة تعليمهم في مواصي خان يونس

فوق رمال منطقة المواصي في خان يونس، وتحت أسقف خيام بالية تتسلل منها أشعة الشمس الحارقة، يسطر أطفال غزة فصلاً جديداً من فصول التحدي. يكتب هؤلاء الصغار حروفهم الأولى على حجارة صغيرة بدلاً من المقاعد الدراسية، في مشهد يختصر الواقع القاسي الذي فرضته الحرب المستمرة على قطاع غزة. تفتقر هذه الصفوف البديلة لأدنى المقومات، فلا قاعات مجهزة ولا كتب كافية، بل مجرد مساحات ضيقة تحولت بجهود ذاتية إلى مراكز للعلم.

أفادت مصادر ميدانية بأن الطلبة يضطرون لافتراش الأرض لساعات طويلة، حيث يتشاركون الدفاتر القليلة ويتقاسمون الأقلام المتاحة فيما بينهم. ويبذل المعلمون المتطوعون جهوداً مضنية لشرح المناهج الدراسية في بيئة تعليمية تفتقر للخصوصية والهدوء. هذا التكدس الطلابي جاء نتيجة حتمية لفقدان المدارس الرسمية التي كانت تحتضن أحلامهم قبل أن تحولها آلة الحرب إلى ركام.

تصف إحدى الطالبات النازحات هذا التحول المأساوي بقولها إنهم كانوا ينعمون بالجلوس في فصول مدرسية منظمة، لكنهم اليوم تشتتوا في خيام النزوح. وأضافت أن الجلوس على الأرض الباردة أصبح هو القاعدة، مما يجعل التركيز في الدروس مهمة شاقة تتطلب صبراً كبيراً. ورغم هذه الظروف الاستثنائية، لا يزال الإصرار يملأ عيون الأطفال الذين يرفضون الاستسلام لواقع الحرمان من التعليم.

في قلب هذه المعركة التعليمية، تقف المعلمة هنادي طعمية مع زملائها المتطوعين لإنقاذ ما تبقى من مستقبل الجيل الناشئ. وأكدت طعمية أن المعلمين أخذوا على عاتقهم أمانة تعليم الأطفال بإرادة حرة، لمواجهة محاولات هدم المنظومة المعرفية الفلسطينية. وترى أن وجود المعلم في هذه الخيام هو فعل مقاومة يهدف للحؤول دون تحقيق أهداف الاحتلال في تجهيل جيل كامل من الفلسطينيين.

وتشير الإحصاءات الميدانية إلى أن نحو 950 طفلاً يتلقون تعليمهم حالياً داخل هذه الخيام في مخيم النزوح بخان يونس. وتأتي هذه المحاولات لاستمرار العملية التعليمية رغم محدودية الإمكانات المادية وانعدام الدعم اللوجستي. ويمثل هؤلاء الأطفال شريحة واسعة من آلاف الطلبة الذين يبحثون عن بصيص أمل وسط الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية التعليمية في القطاع.

من بين هؤلاء الطلاب، يبرز السيد شراب، طالب الصف التاسع الذي يجسد يومياته معاناة جيل غزة بين مقاعد الدراسة وتأمين لقمة العيش. تروي والدته كيف يستيقظ في الصباح الباكر ليلتحق بالخيمة التعليمية حتى الظهيرة، ليعود بعدها مباشرة للعمل في 'بسطة' صغيرة هي مصدر رزق العائلة الوحيد. وبعد انتهاء يومه الشاق في العمل، يعود السيد مجدداً لمراجعة دروسه، متمسكاً بالتعليم كطريق وحيد نحو مستقبل أفضل.

يذكر أن الحرب قد تسببت في تدمير ما يزيد عن 95% من المؤسسات التعليمية في قطاع غزة، مما جعل الخيام الخيار الوحيد والمتاح أمام آلاف الطلبة. وأفادت مصادر بأن واقع التعليم في خيام النزوح يعكس إرادة شعب يرفض الانكسار، حيث يواصل الأطفال تمسكهم بحقهم في التعلم. إن هذه الأجيال التي تقطعت بها السبل ترى في المعرفة وسيلة للصمود وفعل تحدٍ في وجه واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

القضاء الإسرائيلي يقر بتجويع الشهيد القاصر وليد أحمد ويغلق ملف التحقيق في وفاته

كشفت تقارير صحفية عبرية عن مفارقة قانونية صادمة في أروقة القضاء الإسرائيلي، حيث أقر قاضٍ بتعرض الفتى الفلسطيني وليد أحمد (17 عاماً) لسياسة التجويع وسوء التغذية الحاد خلال فترة احتجازه. ورغم هذا الاعتراف الصريح، قررت المحكمة إغلاق ملف التحقيق الجنائي في ظروف وفاته، مدعية عدم كفاية الأدلة لربط الحالة البدنية المتردية بالوفاة مباشرة.

وأفادت مصادر صحفية أن القاضي إيهود كابلان رفع حظر النشر عن تفاصيل القضية التي هزت الأوساط الحقوقية، حيث يُعد أحمد أول قاصر فلسطيني يستشهد داخل سجون الاحتلال منذ عقود. ويأتي هذا الحكم ليسلط الضوء على السياسات الممنهجة التي تتبعها إدارة السجون بحق الأسرى، خاصة في ظل الظروف القاسية التي تلت أحداث أكتوبر 2023.

وكان الشهيد وليد أحمد قد ارتقى في مارس 2025 داخل سجن 'مجدو'، بعد مرور نحو ستة أشهر على اعتقاله من منزله في بلدة سلواد بالضفة الغربية المحتلة. وأكدت عائلته أنه كان يتمتع بصحة جيدة جداً قبل اعتقاله، ولم يكن يعاني من أي أمراض مزمنة أو مشاكل صحية تذكر، مما يعزز فرضية القتل البطيء عبر الإهمال والتجويع.

وأشار تقرير الطبيب الإسرائيلي دانيال سولومون، الذي راقب عملية التشريح، إلى أن جثمان الفتى أظهر علامات واضحة لسوء التغذية الحاد والتهاب القولون، بالإضافة إلى إصابته بمرض الجرب الجلدي. وأوضح الطبيب أن الشهيد كان قد اشتكى مراراً للمصحة الطبية في السجن من نقص كميات الطعام المقدمة له، دون أن يلقى أي استجابة لمطالبه.

وبرر القاضي كابلان قراره بوقف الملاحقة القانونية في ديسمبر الماضي بزعمه أن التحقيق قد استنفد كافة الوسائل المتاحة، معتبراً أن نتائج التشريح لا تثبت 'علاقة سببية' حتمية بين الجوع والوفاة. وكتب في مسوغات قراره أن حالة الهزال التي وصل إليها الفتى لا يمكن إنكارها، لكنها قانونياً لا تكفي لإدانة مصلحة السجون بجريمة قتل.

من جانبه، أكد خالد أحمد، والد الشهيد أن سلطات الاحتلال مارست تضييقاً شديداً على العائلة منذ لحظة الاعتقال، حيث رُفضت جميع طلبات المحامي لزيارته والاطمئنان عليه. وأضاف الوالد في تصريحات لمصادر إعلامية أن ما يحدث داخل الزنازين هو مأساة حقيقية تفتقر لأدنى معايير الإنسانية، حيث تُسلب حياة الأطفال بدم بارد.

ولا تزال سلطات الاحتلال تحتجز جثمان الشهيد وليد أحمد في الثلاجات، رافضة تسليمه لذويه لمواراته الثرى في مسقط رأسه ببلدة سلواد. وتخوض العائلة معركة قانونية مستمرة أمام المحاكم الإسرائيلية لاستعادة الجثمان، في ظل سياسة احتجاز جثامين الشهداء التي تنتهجها إسرائيل كأداة عقاب جماعي ضد الفلسطينيين.

وتأتي هذه القضية في سياق تقارير دولية وحقوقية متواترة توثق الانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك الحرمان من الغذاء والدواء والماء. وحذرت منظمات تابعة للأمم المتحدة من أن تعمد تجويع المحتجزين يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل.

ووصفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية ما تعرض له الفتى وليد أحمد بأنه 'جريمة مركبة وممنهجة'، تهدف إلى كسر إرادة الأسرى عبر التنكيل الجسدي والنفسي. وأكدت الهيئة أن إغلاق ملف التحقيق هو محاولة مفضوحة لتبرئة الجلادين وتوفير غطاء قانوني لسياسة القتل البطيء التي تمارسها إدارة السجون.

وتشير إحصائيات مصلحة السجون الإسرائيلية إلى وجود نحو 350 قاصراً فلسطينياً رهن الاعتقال تحت ذرائع أمنية، بالإضافة إلى العشرات بتهم تتعلق بالتواجد غير القانوني. وتواجه هذه الفئة من المعتقلين ظروفاً قاسية تفتقر للحد الأدنى من الرعاية الصحية والغذائية، مما يهدد حياة المئات منهم بالخطر المحدق.

وتعكس قضية وليد أحمد واقعاً مريراً يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون 'حرب إبادة' صامتة خلف القضبان، بعيداً عن أعين الرقابة الدولية. ويطالب حقوقيون بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للوقوف على أسباب وفاة الأسرى المتزايدة، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الجرائم من العقاب والملاحقة.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

الرئيس الفنلندي يحذر من وصول مفاوضات السلام الأوكرانية إلى طريق مسدود

أبدى الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب مخاوف جدية بشأن مستقبل العملية السلمية في أوكرانيا، محذراً من أن الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة قد تكون وصلت بالفعل إلى مرحلة من الجمود التام. وأشار ستوب في تصريحات صحفية حديثة إلى أن غياب التقدم الملموس يثير القلق حول إمكانية إنهاء الصراع في المدى المنظور، خاصة في ظل تعقيد المشهد الدولي الراهن.

واعتبر الرئيس الفنلندي أن تصاعد حدة التوترات العسكرية والسياسية المرتبطة بالحرب على إيران لعب دوراً سلبياً في هذا المسار، حيث أدى ذلك إلى تشتيت اهتمام المجتمع الدولي وصرف الأنظار عن الأزمة الأوكرانية. ويرى ستوب أن هذا التحول في الأولويات العالمية منح فرصة لتعثر المحادثات، مما جعل الوصول إلى اتفاق سلام أمراً بعيد المنال في الوقت الحالي.

وفيما يتعلق بتفاصيل المفاوضات، أوضح ستوب أن الوسطاء الأمريكيين بذلوا جهوداً مكثفة لتقريب وجهات النظر، إلا أن الفجوات لا تزال واسعة جداً بين طرفي النزاع. وتتركز الخلافات الجوهرية بشكل أساسي حول وضع إقليم دونيتسك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، وهي نقاط شائكة فشلت كافة المقترحات السابقة في إيجاد حلول وسط بشأنها.

وحمل الرئيس الفنلندي الجانب الروسي المسؤولية الكبرى عن هذا التعثر، مؤكداً أن موسكو لا تظهر حتى الآن أي رغبة حقيقية أو إرادة سياسية للانخراط في تسوية سلمية شاملة. واعتبر أن هذا الموقف الروسي المتصلب يمثل العقبة الأساسية التي تحول دون تحويل المبادرات الدبلوماسية إلى خطوات عملية على أرض الواقع، رغم الضغوط الدولية المستمرة.

وتتقاطع هذه الرؤية مع تقارير دبلوماسية أفادت بأن قنوات الاتصال بين كييف وموسكو تعاني من انسداد واضح رغم الوساطة الأمريكية النشطة في الآونة الأخيرة. وقد حاولت القيادة الأوكرانية تحريك المياه الراكدة عبر إيفاد بعثة رفيعة المستوى إلى واشنطن خلال الأيام الماضية، إلا أن تلك التحركات لم تسفر عن أي نتائج فورية يمكن البناء عليها لتغيير مسار التفاوض.

من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عقب مشاورات مع فريقه التفاوضي العائد من الولايات المتحدة أن حالة الركود لا تزال تسيطر على المشهد. واتهم زيلينسكي روسيا بالمماطلة وعدم الاستعداد الفعلي للسلام، مشدداً على ضرورة إبقاء القضية الأوكرانية على رأس أجندة الاهتمامات الدولية رغم التحديات الإقليمية الأخرى التي تفرض نفسها على الساحة.

تحليل

الخميس 26 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

فخ نتنياهو لترامب: كيف ورطت تل أبيب واشنطن في حرب إيران؟

بعد مرور نحو 26 يوماً على اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بدأت تلوح في الأفق إشارات دبلوماسية متناقضة؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام لفتح باب التفاوض. وفي المقابل، نقلت مصادر أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبلغ المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف بموافقة القيادة الإيرانية العليا على بدء محادثات لإنهاء الحرب، في حين شهد يوم الخميس الماضي اتصالات هاتفية رفيعة المستوى بين واشنطن وطهران، جرت بعيداً عن التنسيق الرسمي مع تل أبيب.

وتشير المعطيات إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في استدراج ترامب إلى هذا الصراع بناءً على خطة قدمها مدير الموساد، دافيد برنياع. زعمت هذه الخطة أن استهداف القيادات الإيرانية العليا سيؤدي فوراً إلى تمرد شعبي يطيح بالنظام، وهو السيناريو الذي وصفه مراقبون بالمبالغ فيه. وقد لعب مستشارو ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، دوراً محورياً في تعزيز هذا التوجه، وسط اتهامات لهما بتقديم المصالح الإسرائيلية على الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

ميدانياً واقتصادياً، تسببت الحرب في كارثة إقليمية؛ حيث تشير تقارير اقتصادية إلى أن خسائر المنطقة العربية تجاوزت 63 مليار دولار في أسبوعين فقط، مع شلل شبه تام في مضيق هرمز الذي تراجعت حركة السفن فيه بنسبة 97%. كما أدى النزاع إلى إلغاء آلاف الرحلات الجوية وتضرر قطاع الغاز في قطر بشكل كبير. وعلى الصعيد السياسي الداخلي، واجه ترامب تراجعاً حاداً في شعبيته لتصل إلى 36%، مع معارضة واسعة من الشارع الأمريكي للعمليات العسكرية التي لم تنجح حتى الآن في تدمير المشروع النووي أو الصاروخي الإيراني.

إن الواقع الحالي يثبت أن القوة النارية والتكنولوجية لم تحقق الأهداف السياسية التي وعد بها نتنياهو، فلا النظام الإيراني سقط ولا أذرعه الإقليمية توقفت عن العمل. ويبدو أن ترامب بدأ يدرك حجم المأزق الذي وُضع فيه، مما يفسر محاولات الإدارة الأمريكية الحالية للبحث عن مخرج تفاوضي يتجاوز الرغبة الإسرائيلية في استمرار التصعيد.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يحذر طهران من 'نفاد الوقت' وباكستان تكشف تفاصيل وساطة إقليمية

صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته تجاه القيادة الإيرانية، مؤكداً أن المفاوضين في طهران يسعون بشكل حثيث للتوصل إلى صيغة اتفاق جديدة. وأشار ترمب إلى أن هذا السعي يأتي نتيجة لما وصفه بالضغوط العسكرية الساحقة التي تمارسها الولايات المتحدة، معتبراً أن الخيارات المتاحة أمام طهران بدأت تتقلص بشكل كبير.

وحذر سيد البيت الأبيض من أن الوقت ليس في صالح الجانب الإيراني، مشدداً على أن الفرصة المتاحة للعودة إلى طاولة الحوار لن تظل قائمة للأبد. وأوضح أن أي تأخير إضافي في التعامل بجدية مع المقترحات الأمريكية قد يؤدي إلى عواقب كارثية، نافياً في الوقت ذاته الادعاءات الإيرانية التي تتحدث عن مجرد دراسة مقترحات واشنطن دون التزام.

وفي تطور دبلوماسي لافت، كشف وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار عن كواليس الاتصالات الجارية بين البلدين، مؤكداً أن إسلام آباد تلعب دوراً محورياً في نقل الرسائل. وأوضح دار أن المباحثات لا تجري بشكل مباشر، بل عبر قنوات وسيطة تهدف إلى تقريب وجهات النظر وتجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة.

وأشار الوزير الباكستاني، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء، إلى أن جهود الوساطة لا تقتصر على بلاده فقط، بل تشمل أطرافاً إقليمية وازنة مثل مصر وتركيا. وتهدف هذه التحركات الجماعية إلى خلق مسار دبلوماسي آمن يضمن الحد من التصعيد العسكري المتزايد وتوفير بيئة مناسبة للحوار بعيداً عن لغة التهديد.

وبحسب التصريحات الباكستانية الرسمية عبر منصة 'إكس'، فإن واشنطن سلمت بالفعل خطة عمل مفصلة تتكون من 15 بنداً أساسياً لتسوية الخلافات العالقة. وتخضع هذه الخطة حالياً لمداولات مكثفة داخل الدوائر السياسية في طهران، حيث تسعى القوى الإقليمية لضمان عدم انهيار هذه الجهود الدبلوماسية.

من جانبه، اعتبر ترمب أن المسؤولين الإيرانيين يرغبون بشدة في إبرام صفقة شاملة، لكنهم يواجهون معضلات داخلية تمنعهم من الإعلان عن ذلك صراحة. وأضاف أن الخوف من ردود الفعل الشعبية والمخاطر السياسية هو ما يدفع طهران لإبداء التصلب في العلن بينما تظهر مرونة في القنوات الخلفية.

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً وحاسماً، حيث وصف مسؤولون في طهران تصريحات الرئيس الأمريكي بأنها مجرد 'أكاذيب' تهدف للاستهلاك الإعلامي. وأكدت المصادر الإيرانية أن موقف البلاد لا يزال ثابتاً ومبدئياً، وأن الحديث عن مفاوضات في ظل الظروف الراهنة هو تفسير خاطئ للواقع.

وشددت طهران على أنها لم تدخل في أي مفاوضات فعلية مع الإدارة الأمريكية الحالية حتى اللحظة، مشيرة إلى أن أي اتصالات سابقة لم تتجاوز حدود إبلاغ المواقف. وأبدى المسؤولون الإيرانيون حذراً شديداً تجاه أي مقترحات أمريكية جديدة، مبررين ذلك بتعرضهم لما وصفوه بـ 'خديعتين' سابقتين من قبل واشنطن.

وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الترقب الإقليمي والدولي، حيث يرى مراقبون أن المنطقة تقف على مفترق طرق بين التسوية السياسية أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع. وتستمر القوى الإقليمية في محاولاتها لجس النبض وتقليل الفجوة بين المطالب الأمريكية والشروط الإيرانية لضمان استقرار الممرات الملاحية وأمن الطاقة.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

شلل في 13 قاعدة أمريكية بالمنطقة.. هجمات إيران تجبر واشنطن على 'العمل عن بعد'

كشفت تقارير صحفية دولية عن تدهور حاد في القدرات العملياتية للقوات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، إثر موجة من الهجمات الإيرانية المكثفة التي استهدفت البنية التحتية العسكرية. وأوضحت المصادر أن نحو 13 قاعدة عسكرية أمريكية باتت غير صالحة للسكن أو العمل، مما أجبر القيادة العسكرية على نقل مراكز إدارتها إلى مواقع مدنية بديلة مثل الفنادق والمكاتب التجارية.

أكدت المصادر أن هذه التحولات الميدانية كشفت عن ثغرات عميقة في استعدادات إدارة ترامب لمواجهة الترسانة الصاروخية الإيرانية المتطورة. ورغم استمرار طياري المقاتلات وطواقم الصيانة في تنفيذ مهامهم الجوية، إلا أن الهيكل التنظيمي للجيش الأمريكي في المنطقة بات يعاني من حالة تشتت غير مسبوقة نتيجة استهداف المقار الدائمة.

تشير البيانات العسكرية إلى أن القيادة المركزية الأمريكية قامت بتوزيع آلاف الجنود من أصل 40 ألفاً كانوا يتمركزون في المنطقة عند اندلاع المواجهات. وبينما تم نقل جزء من هذه القوات إلى القارة الأوروبية، بقي القسم الأكبر داخل الشرق الأوسط لكن بعيداً عن القواعد الأصلية التي تعرضت لدمار واسع أو تهديد مباشر.

في الكويت، التي شهدت أعنف الأضرار، قُتل ستة عسكريين أمريكيين في ضربة صاروخية استهدفت ميناء الشعيبة، مما أدى إلى تدمير مركز عمليات تكتيكي بالكامل. كما طالت الهجمات قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر بيورينغ، ما أسفر عن أضرار جسيمة في هياكل الطائرات ومرافق تخزين الوقود والصيانة الحيوية.

لم تكن القواعد الإستراتيجية الكبرى بمنأى عن الاستهداف، حيث تعرضت قاعدة العديد في قطر، التي تضم مقر القيادة المركزية، لضربة أدت لإتلاف رادار متطور للإنذار المبكر. وفي البحرين، أكدت مصادر ميدانية استهداف معدات اتصالات حساسة في مقر الأسطول الخامس الأمريكي، ما أربك عمليات التنسيق البحري في المنطقة.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد تسببت المسيرات والصواريخ الإيرانية في تدمير صهاريج للتزود بالوقود ومعدات اتصال في قاعدة الأمير سلطان الجوية. وأشارت التقارير إلى أن مراكز القيادة في هذه القاعدة تفتقر إلى التحصينات الكافية، مما تسبب في وقوع قتلى وجرحى بين صفوف الجنود خلال الهجمات الأخيرة.

في سياق متصل، حذرت أجهزة الاستخبارات الإيرانية سكان المنطقة من مغبة إيواء العسكريين الأمريكيين في المنشآت المدنية، معتبرة أن تواجدهم يحول تلك المواقع إلى أهداف مشروعة. وجاء هذا التحذير بعد رصد لجوء القوات الأمريكية لفنادق فاخرة في مدن مثل أربيل، وهو ما وصفته طهران باستخدام المدنيين كدروع بشرية.

يرى خبراء عسكريون أن الأزمة الحالية تعود بجذورها إلى طبيعة المنشآت التي شيدتها واشنطن خلال عقدين من الحرب في العراق وأفغانستان. تلك القواعد صُممت لمواجهة خصوم لا يمتلكون قدرات جوية أو صاروخية متطورة، وهو ما جعلها اليوم أهدافاً سهلة أمام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية.

انتقدت تقارير داخلية سوء التخطيط الذي مارسته الإدارة الأمريكية، حيث لم يتم تقليص أعداد الموظفين غير الأساسيين في السفارات قبل بدء التصعيد. كما تأخرت وزارة الخارجية في إصدار تحذيرات السفر للمواطنين الأمريكيين، مما عكس سوء تقدير لحجم الرد الإيراني المتوقع على التحركات الأمريكية في المنطقة.

على الصعيد العملياتي الجوي، تعاني أطقم التزود بالوقود من ضغوط هائلة نتيجة العمل المتواصل على مدار الساعة دون فترات تدريب كافية. وقد أدى هذا الإجهاد العملياتي إلى وقوع حوادث مأساوية، كان أبرزها اصطدام طائرتين من طراز كيه سي -135 خلال الشهر الجاري، ما أسفر عن مقتل ستة عسكريين إضافيين.

نقلت مصادر عن مسؤولين عسكريين سابقين قولهم إن القدرة على إنشاء مراكز عمليات مؤقتة في الفنادق لا تعوض فقدان التجهيزات اللوجستية الضخمة الموجودة في القواعد الثابتة. وأوضحوا أن بعض المعدات التقنية والرادارات لا يمكن تشغيلها بكفاءة من فوق أسطح المباني المدنية، مما يضعف القدرة الدفاعية والهجومية للجيش الأمريكي.

رغم هذه الخسائر الفادحة والاضطرار للعمل من مواقع غير محصنة، يصر مسؤولون في البنتاغون على أن هذه التهديدات لن توقف العمليات العسكرية. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة القوات الأمريكية على الصمود في ظل استمرار استهداف خطوط الإمداد وقواعد الارتكاز الرئيسية في المنطقة.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

حزب الله يستهدف مقر وزارة الدفاع بتل أبيب والاحتلال يقر بمقتل جندي جنوبي لبنان

صعّد حزب الله من وتيرة عملياته العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي اليوم الخميس، معلناً عن تنفيذ 23 هجوماً نوعياً استخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة الانقضاضية. وشملت بنك الأهداف مواقع استراتيجية وحساسة، كان أبرزها مقر وزارة الأمن الإسرائيلية المعروف بـ 'الكرياه' في قلب تل أبيب، بالإضافة إلى مقر قيادة الجبهة الشمالية التابع لجيش الاحتلال.

وأكد الحزب في بياناته العسكرية أن مقاتليه تمكنوا من استهداف ثكنة 'دولفين' التي تضم مقراً لشعبة الاستخبارات العسكرية شمال مدينة تل أبيب، إلى جانب قصف مستوطنة المطلة بطائرات مسيّرة حققت إصابات دقيقة. وتأتي هذه الضربات في إطار الرد على الغارات الإسرائيلية المكثفة التي تستهدف القرى والبلدات اللبنانية منذ مطلع شهر مارس الجاري.

وفي الميدان الجنوبي، أفادت مصادر ميدانية بأن مقاتلي الحزب دمروا دبابتي ميركافا في بلدة دبل باستخدام صواريخ موجّهة، مما رفع حصيلة الدبابات المدمرة منذ ليلة أمس إلى 18 دبابة. وأوضحت المصادر أن الاحتلال يسعى جاهداً لكسر الخطوط الدفاعية الأولى في القرى الحدودية، إلا أنه يواجه مقاومة شرسة تمنعه من تثبيت نقاط تقدمه.

من جانبه، اعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي رسمياً بمقتل أحد جنوده خلال اشتباكات عنيفة دارت في جنوب لبنان، وهي الخسارة الثالثة التي يقر بها منذ بدء العملية البرية الحالية. كما أشارت تقارير إعلامية عبرية إلى نقل جنديين مصابين إلى المستشفيات، وصفت حالة أحدهما بالخطيرة نتيجة المواجهات المباشرة مع المقاومين.

وشهدت بلدات القوزح ودير سريان والقنطرة اشتباكات مسلحة من 'مسافة صفر'، حيث حاول جنود الاحتلال التسلل نحو الأحياء السكنية تحت غطاء جوي ومدفعي كثيف. وأكد حزب الله أن مقاتليه تصدوا لهذه المحاولات بأسلحة خفيفة ومتوسطة، مما أجبر القوات المهاجمة على التراجع بعد وقوع إصابات مؤكدة في صفوفها.

وفي سياق متصل، ادعى جيش الاحتلال أن لواء 'غولاني' يواصل عملياته البرية المركزة في المنطقة، زاعماً تدمير نحو 200 بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله. ومع ذلك، لم تتوفر أي تأكيدات مستقلة حول هذه الادعاءات، في ظل استمرار تساقط الصواريخ على المواقع العسكرية الإسرائيلية والمستوطنات الشمالية دون توقف.

وعلى صعيد الإحصائيات الرسمية، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن حزب الله أطلق نحو 600 قذيفة وصاروخ ومسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط. وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأن إجمالي ما أطلقه الحزب منذ اندلاع المواجهات الحالية تجاوز 3500 وسيلة قتالية جوية، مما يعكس حجم الضغط العسكري على الجبهة الشمالية.

ميدانياً أيضاً، استهدف الحزب مربض مدفعية في مستوطنة شامير وموقع مسكاف عام المقابل لبلدة العديسة، بالإضافة إلى موقع العباد الحدودي. وتزامنت هذه الهجمات مع دوي صافرات الإنذار في مناطق واسعة من الجليل وصفد وصولاً إلى منطقة المركز، وسط حالة من الاستنفار القصوى في صفوف الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

إنسانياً، لا يزال لبنان يعاني من آثار العدوان الواسع، حيث كشفت السلطات اللبنانية عن حصيلة ثقيلة بلغت 1094 شهيداً وأكثر من ثلاثة آلاف جريح. كما تسببت العمليات العسكرية والتهديدات الإسرائيلية في نزوح ما يزيد عن مليون مواطن من قراهم ومدنهم، في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة وتدمير واسع في البنية التحتية.

أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

تحقيق المصالحة والوحدة الفلسطينية وبناء الدولة: استلهام تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية نموذجاً

د. ابراهيم نعيرات

تمر فلسطين اليوم بمرحلة حرجة نتيجة تراكم الانقسامات الداخلية وأثر الاحتلال المستمر، مما جعل معالجة آثار الماضي ضرورة وطنية عاجلة. لم يكن الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد خلافات سياسية بين الفصائل، بل امتد أثره ليشمل الشعب الفلسطيني بأسره، فقد تأثر المواطنون في حياتهم اليومية، سواء على صعيد الحقوق الفردية والاجتماعية، أو في فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية، كما تراجع مستوى الثقة بالمؤسسات الوطنية. علاوة على ذلك، تأثرت القضية الفلسطينية برمتها، إذ أضعف الانقسام التمثيل الوطني الموحد، وقلل قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك السياسات الإسرائيلية، مما أوجد حاجزًا مزدوجًا أمام الوحدة الوطنية والتحرك الدولي الفعال. في هذا السياق، يظهر بوضوح أن الشعب الفلسطيني هو الضحية الحقيقية للانقسام والتراكمات السياسية والاجتماعية، وليس طرفًا واحدًا من الفصائل، ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة وطنية شاملة لاستعادة الوحدة الوطنية والثقة بين المجتمع والدولة.

الإطار النظري: العدالة الانتقالية

يمكن الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية التي طبقتها دول أخرى. ففي المغرب، نجحت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق توازن بين كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، دون اللجوء إلى محاكمات قضائية واسعة، مما عزز الاستقرار السياسي والعدالة الرمزية للضحايا. أما جنوب إفريقيا، فقد أظهرت تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة أهمية مبدأ “الاعتراف مقابل العفو” لتجاوز إرث الفصل العنصري وبناء مجتمع متماسك على أساس المصالحة والاعتراف المتبادل. وتجربة تونس بينت ضرورة وجود إطار قانوني ومؤسساتي واضح لمعالجة انتهاكات الماضي، بينما ركزت رواندا على العدالة المجتمعية والمصالحة المحلية بعد الإبادة الجماعية، مستفيدة من التقاليد المجتمعية لضمان إعادة بناء النسيج الاجتماعي. هذه النماذج تؤكد أن التوازن بين الاعتراف بالخطأ، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، والمصالحة الجماعية هو عامل أساسي في بناء وحدة وطنية مستدامة، ويمكن تكييف هذه الدروس مع خصوصية الواقع الفلسطيني لتعزيز أثرها الإيجابي.

خصوصية الحالة الفلسطينية: معيقات تطبيق العدالة الانتقالية

تختلف الحالة الفلسطينية عن النماذج التقليدية للعدالة الانتقالية، نظرًا لتعقيد بنيتها السياسية واستمرار الصراع الخارجي، وهو ما يفرض تحديات مركبة أمام أي مسار للمصالحة الوطنية. فبينما ارتبطت تجارب العدالة الانتقالية في دول أخرى بمرحلة “ما بعد النزاع” أو “ما بعد الاستبداد”، لا تزال فلسطين تعيش واقعًا مزدوجًا يجمع بين الانقسام الداخلي واستمرار الاحتلال، مما يجعل تطبيق هذا النموذج أكثر تعقيدًا.

أولى هذه المعيقات تتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، الذي يحدّ من قدرة النظام السياسي الفلسطيني على ممارسة سيادته الكاملة، ويقيد عمل المؤسسات، ويؤثر بشكل مباشر على أي جهود لإصلاحها أو إعادة بنائها. كما أن الاحتلال يستفيد موضوعيًا من حالة الانقسام، ما يخلق بيئة غير مستقرة تعيق تنفيذ مسار وطني شامل للمصالحة والعدالة.

ثانيًا، تعاني الساحة الفلسطينية من ازدواجية الشرعية السياسية والمؤسساتية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تتنازع السلطة بين قوى سياسية رئيسية، الأمر الذي يضعف إمكانية الاتفاق على إطار موحد للعدالة الانتقالية، ويثير تساؤلات حول الجهة المخولة بإدارة هذا المسار والإشراف عليه.

ثالثًا، يبرز غياب سردية وطنية موحدة حول أحداث الانقسام، حيث تختلف الروايات بين الأطراف السياسية، بل وداخل المجتمع نفسه، مما يعقّد عملية كشف الحقيقة وبناء ذاكرة جماعية مشتركة. وفي ظل هذا التباين، قد تتحول آليات العدالة الانتقالية إلى ساحة جديدة للصراع بدل أن تكون أداة لتجاوزه.

رابعًا، يشكل ضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين عائقًا جوهريًا، إذ تخشى الأطراف المختلفة من أن يتم توظيف مسار العدالة الانتقالية لتصفية حسابات سياسية أو لإعادة توزيع النفوذ، وهو ما يقلل من الاستعداد لتقديم تنازلات حقيقية أو الاعتراف بالأخطاء.

خامسًا، تلعب التدخلات الإقليمية والدولية دورًا مؤثرًا في تعقيد المشهد، حيث ترتبط بعض الأطراف الفلسطينية بمحاور إقليمية مختلفة، ما قد يؤثر على مواقفها من المصالحة ويجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات الخارجية.

سادسًا، يضاف إلى ذلك الهشاشة الاقتصادية والاعتماد على المساعدات الخارجية، وهو ما قد يحدّ من قدرة السلطة والمؤسسات على تنفيذ برامج جبر الضرر أو الإصلاح المؤسسي بشكل فعّال ومستدام.

وأخيرًا، يبرز ضعف البنية القانونية والمؤسساتية كعائق إضافي، حيث تعاني المؤسسات القضائية والإدارية من آثار الانقسام، ما يضعف قدرتها على لعب دور محوري في إنفاذ العدالة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

بناءً على ذلك، فإن تطبيق العدالة الانتقالية في فلسطين يتطلب مقاربة واقعية ومرنة تأخذ بعين الاعتبار هذه التحديات، وتقوم على التدرج في التنفيذ، وبناء الثقة بين الأطراف، وفصل مسار المصالحة الداخلية عن التعقيدات الخارجية قدر الإمكان. كما يستدعي ذلك دورًا فاعلًا للمجتمع المدني في خلق مساحة مشتركة للحوار، بما يساهم في تهيئة البيئة السياسية والاجتماعية اللازمة لإنجاح هذا المسار.

إمكانات التكييف والاستلهام من التجربة المغربية

ورغم هذه التحديات، فإن إمكانية الاستفادة من التجارب المقارنة تظل قائمة من خلال تكييفها مع الواقع الفلسطيني.

تطرح المصالحة الوطنية الفلسطينية نفسها كمدخل أساسي لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسساتي، وإعادة بناء المشروع الوطني على أسس جامعة. وفي ظل تعثر محاولات المصالحة التقليدية المبنية على تقاسم السلطة أو الاتفاقات المؤقتة، يبرز خيار العدالة الانتقالية كإطار بديل قادر على معالجة جذور الأزمة، وليس مجرد مظاهرها.

فالتجربة المغربية، ممثلة في هيئة الإنصاف والمصالحة، تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، كونها نموذجاً عربياً نجح في التوازن بين متطلبات العدالة والاستقرار عبر مقاربة شمولية لمعالجة ماضي الانتهاكات. فقد استندت التجربة المغربية إلى مرتكزات أساسية يمكن اعتبارها مرجعاً لأي مسار مصالحة، أهمها: الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، كشف الحقيقة، جبر الضرر، والإصلاح المؤسساتي. ولم يكن الهدف من هذه الآليات مجرد تصفية الماضي، بل إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع على أسس الثقة والمواطنة، وهو بعد تحويلي يمكن الاستفادة منه في سياق الحالة الفلسطينية، رغم اختلاف الشروط السياسية والتاريخية.

وتواجه المصالحة الفلسطينية تحديات جوهرية، أبرزها غياب سردية وطنية موحدة حول أحداث الانقسام، خاصة في ظل الصراع بين حركة فتح وحركة حماس، حيث تتعدد الروايات وتتناقض أحياناً، مما يعيق بناء ذاكرة جماعية مشتركة. وهنا يبرز دور آلية كشف الحقيقة كما طبقتها هيئة الإنصاف والمصالحة، ليس فقط في توثيق الانتهاكات، بل في خلق فضاء عمومي للنقاش والاعتراف، ما يسهم في تفكيك رواسب الماضي وتمهيد الطريق لمصالحة قائمة على الشفافية والوضوح.

المقترح الفلسطيني (النموذج التطبيقي)

دروس التجربة المغربية وإمكانات تكييفها فلسطينياً

تعد مقاربة جبر الضرر عنصراً محورياً يمكن استلهامه فلسطينياً، خاصة بالنظر إلى المعاناة الإنسانية الناتجة عن الانقسام الداخلي، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فقد أظهرت التجربة المغربية أن التعويض لا يقتصر على البعد المادي، بل يشمل أبعاداً رمزية وتنموية تعزز شعور الضحايا بالإنصاف. ويمكن تكييف هذا البعد في فلسطين من خلال برامج تعويض وإدماج تستهدف المتضررين من الانقسام، بما يساهم في تعزيز الثقة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني.

ويبرز الإصلاح المؤسساتي كدرس جوهري آخر، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون إعادة هيكلة البنى التي ساهمت في إنتاج الانتهاكات أو تغذيتها. وفي السياق الفلسطيني، يتطلب ذلك إصلاح المؤسسات السياسية والأمنية على أسس وطنية جامعة، بعيداً عن الانقسام الحزبي، لضمان حياديتها وفعاليتها في خدمة المشروع الوطني.

ومع ذلك، ينبغي التنويه بأن استلهام التجربة المغربية لا يعني النقل الحرفي لأدواتها، بل يتطلب تكييفها ضمن إطار فلسطيني يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السياق، بما في ذلك طبيعة الصراع، وبنية الفاعلين السياسيين، وتأثير العوامل الخارجية، مثل الاحتلال المستمر. فالنجاح في هذا المسار يعتمد بالأساس على إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الفلسطينية تتجاوز التنافس على السلطة نحو شراكة استراتيجية قائمة على الوحدة الوطنية. فقد جسدت التجربة المغربية إرادة سياسية حقيقية لطي صفحة الماضي وفتح أفق للإصلاح، وهو عنصر ضروري لأي نموذج فلسطيني ناجح.

كما يشكل إدماج المجتمع المدني الفلسطيني عنصراً أساسياً، على غرار ما شهدته التجربة المغربية من مشاركة واسعة للفاعلين الحقوقيين، إذ إن المصالحة لا يمكن أن تظل اتفاقاً بين النخب السياسية فقط، بل يجب أن تتحول إلى مشروع مجتمعي شامل يعيد بناء الثقة ويعزز ثقافة التسامح.

وبناءً على ذلك، يمثل استلهام تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة خياراً استراتيجياً يمكن أن يسهم في تجاوز الانقسام الفلسطيني، شريطة تبنيه ضمن مقاربة مرنة قائمة على التكييف والإبداع لا على التقليد الحرفي. فالمطلوب هو بناء تجربة فلسطينية أصيلة تستفيد من الدروس المقارنة وتستجيب لمتطلبات الواقع السياسي والاجتماعي، بما يمهد لإعادة التفكير في مسار المصالحة باعتباره مشروعاً استراتيجياً لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس العدالة والإنصاف والوحدة الوطنية، وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

تبرز العدالة الانتقالية الفلسطينية كمسار وطني حيوي يسمح لكل الأطراف السياسية بالاعتراف بأخطائها والتعلم من تجارب الماضي، وتحويل الأخطاء السابقة إلى قاعدة لبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع. المطلوب هو أن تتحمل الفصائل مسؤوليتها في الاعتراف بالخطأ، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المؤسسات والمجتمع بأسره، لضمان عدم تكرار الانتهاكات والتجاوزات، وخلق بيئة يمكن فيها إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية ضمن حدود القانون والمؤسسات، بعيدًا عن العنف أو الإقصاء. وتكتسب العدالة الانتقالية الفلسطينية بعدًا استراتيجيًا إضافيًا، إذ تمثل أداة لقطع الطريق أمام محاولات الاحتلال لاستغلال الانقسام وإضعاف اللحمة الوطنية، كما تمثل استجابة لمطلب شعبي واسع، يضغط على الفصائل للتعامل بإيجابية مع مسار المصالحة الوطني. فالعودة إلى الشعب عبر الانتخابات وحدها لا تكفي لمعالجة الانقسامات أو إعادة الثقة بين الأطراف، وإذا لم يتم تأسيسها على قاعدة مصالحة وطنية شاملة، فإنها ستفشل في تحقيق التغيير المرجو. أما إذا تم التوافق على هذا المقترح وتطبيقه بجدية، فإن الانتخابات تصبح خطوة فعّالة، مبنية على أساس من الوحدة والمساءلة والشفافية، وتؤسس لمسار ديمقراطي مستقر وقابل للاستدامة.

ويتمثل المقترح التفصيلي للعدالة الانتقالية الفلسطينية في مجموعة من الإجراءات المتكاملة:

بناء التوافق السياسي: عبر اتفاق وطني شامل بين جميع الأطراف على معالجة الماضي والاعتراف بالأخطاء، مع إشراف جهة مستقلة تمثل المجتمع المدني والقوى الوطنية لضمان حياد المسار، وإشراك جميع الفصائل في صياغة خريطة الطريق للمصالحة. هنا يمكن معالجة التحديات السياسية عبر وضع سيناريوهات مرنة لمواجهة المقاومة، مثل إنشاء حوارات ثنائية وفصلية في البداية بين الأطراف الأكثر تحفظًا لضمان مشاركتهم، ثم توسيع نطاق التوافق ليشمل الجميع، مع تقديم ضمانات بأن المسار لن يستخدم لتصفية حسابات سياسية.

إنشاء هيئة الحقيقة والإنصاف الفلسطينية: هيئة مستقلة تضم شخصيات قضائية وحقوقية ومجتمعية، تكلف بتوثيق الانتهاكات والاستماع للضحايا من جميع أنحاء فلسطين، وإعداد تقرير شامل يبني ذاكرة جماعية وطنية تعكس الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني كله هو الضحية، ويضمن الاعتراف بالخطأ على المستوى الفردي والجماعي، مع نشر نتائج عملها بشفافية لتعزيز الاعتراف الجماعي. ويمكن تطوير مؤشرات لقياس نجاح الهيئة مثل: عدد الضحايا المستفيدين، مدى رضاهم عن العملية، عدد المبادرات التي تمت بناءً على توصيات الهيئة.

برنامج وطني لجبر الضرر: يتضمن توفير التعويض المادي والاجتماعي والنفسي لكل المتضررين من الانقسام، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وإعادة إدماج المتضررين في المؤسسات والوظائف الوطنية، إلى جانب برامج تأهيلية وتدريبية، مع الاعتراف الرسمي بالمتضررين لاستعادة كرامتهم وتعزيز شعورهم بالعدالة.

مقاربة مرنة للمساءلة: تعتمد مبدأ “الاعتراف مقابل التخفيف”، مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وتجنب المحاكمات القضائية الواسعة التي قد تعيق المصالحة الوطنية، لضمان أن يصبح الاعتراف بالخطأ جزءًا من التعلم الجماعي وليس أداة للانقسام. وللتأكيد على التوازن بين العدالة والمصالحة، يمكن وضع إطار يوضح أن المسار يدمج بين العدالة الرمزية، الاعتراف بالضرر، والمسؤولية القانونية المحدودة، بما يمنع تكرار الانتهاكات دون تسييس العدالة.

إصلاح وتوحيد المؤسسات: يشمل إصلاح الأجهزة القضائية والإدارية والأمنية لضمان الشفافية والعدالة، وتعزيز استقلال القضاء والمهنية في الإدارة، ووضع ضوابط واضحة لمنع تكرار الانتهاكات.

إشراك المجتمع في المصالحة: من خلال دعم مبادرات الصلح المحلي والمجتمعي، وإشراك المجتمع المدني والأطر المحلية في إدارة الحوار الوطني، لتعزيز ثقافة الاعتراف والمصالحة والمشاركة المجتمعية، مع ضمان أن يشمل المسار كل شرائح المجتمع المتضررة، بما في ذلك الشباب والمرأة والفئات المهمشة. ويمكن تعزيز ذلك عبر آليات تواصل إعلامية ومجتمعية مستمرة، مثل برامج حوار مفتوحة، منتديات إلكترونية، وحملات إعلامية تفاعلية تتيح للمواطنين المشاركة في صياغة الحلول.

إدارة ملف الاحتلال بشكل موازٍ: عبر توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بشكل منهجي عبر المسارات القانونية والدولية، مع فصل هذا الملف عن مسار المصالحة الداخلية لضمان تركيز الجهود على معالجة الانقسامات الداخلية والمصالحة الوطنية.

إدماج الذاكرة في التعليم والإعلام: من خلال تضمين مفاهيم العدالة الانتقالية والاعتراف بالأخطاء والمصالحة في المناهج الدراسية، وإنتاج برامج إعلامية تهدف لتعزيز ثقافة الاعتراف والمساءلة والتسامح بين جميع مكونات المجتمع، ما يساهم في توعية الأجيال الجديدة بقيمة المصالحة والوحدة الوطنية.

آليات متابعة وتنفيذ: لضمان استمرار المسار وعدم الانحراف، تشمل مراقبة تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والإنصاف، وآليات مستقلة لتقييم التقدم، وضمان الفصل بين السلطة السياسية والقضائية. يمكن إضافة مؤشرات تقييم مرحلية لقياس مدى تقدم المسار وفاعليته بشكل دوري.

مرونة زمنية وتدرج في التنفيذ: مع جدول زمني واضح لكل مرحلة من مراحل المصالحة، يسمح بالتقييم الدوري والتعديل حسب النتائج على الأرض.

تصور عملي لتنفيذ العدالة الانتقالية الفلسطينية

وفي ضوء ما سبق من تحليل للتحديات وطرح للمقترح الفلسطيني، يمكن بلورة تصور عملي لتنفيذ العدالة الانتقالية الفلسطينية، يقوم على التدرج والمرونة، ويهدف إلى تحويل المبادئ النظرية إلى خطوات قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وذلك من خلال مسار مرحلي متكامل يشمل:

تهيئة البيئة السياسية والمجتمعية وبناء الثقة: يبدأ المسار بتهيئة البيئة السياسية والمجتمعية عبر إجراءات بناء الثقة بين الأطراف، مثل إطلاق حوارات غير رسمية بوساطة شخصيات مستقلة، واتخاذ خطوات متبادلة لخفض التوتر، ووقف الحملات الإعلامية التحريضية، بما يخلق مناخًا ملائمًا لبدء العملية.

إطلاق مسار الحقيقة والاعتراف: الانتقال إلى مرحلة إطلاق مسار الحقيقة والاعتراف من خلال تشكيل إطار تمهيدي مستقل يعمل على جمع الشهادات بشكل تدريجي، وتشجيع الاعتراف الطوعي ضمن ضمانات تحول دون التوظيف السياسي، بما يسهم في بناء سردية وطنية مشتركة.

تفعيل برامج جبر الضرر: تفعيل برامج جبر الضرر من خلال إنشاء آليات تعويض مادي ومعنوي، وتقديم دعم نفسي واجتماعي للمتضررين، وإعادة إدماجهم في المجتمع والمؤسسات، بما يعزز الشعور بالإنصاف ويعيد بناء الثقة المجتمعية.

الإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار: في مرحلة لاحقة، يتم التركيز على الإصلاح المؤسسي عبر إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والإدارية وتعزيز استقلال القضاء، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

دور المجتمع المدني (عنصر عابر للمراحل): يرافق هذه المراحل جميعها دور فاعل للمجتمع المدني في الوساطة، ومراقبة التنفيذ، وتعزيز ثقافة الحوار والمصالحة، بما يحول هذا المسار من اتفاق سياسي إلى عملية مجتمعية شاملة.

الفصل النسبي بين المسارات: يقوم هذا التصور على مبدأ الفصل النسبي بين مسار المصالحة الداخلية وتعقيدات الصراع مع الاحتلال، بما يسمح بالتركيز على معالجة الانقسام الداخلي دون تعطيل، مع الاستمرار في توثيق الانتهاكات الخارجية عبر المسارات القانونية والدولية.

النتائج المتوقعة والتوصيات

من المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى أثر متعدد الأبعاد؛ سياسيًا، من خلال تعزيز الوحدة الوطنية، تقليل الانقسام، وزيادة شرعية المؤسسات؛ ومجتمعيًا، عبر استعادة الثقة بين المواطنين، وتعزيز المشاركة المدنية، ونشر ثقافة المصالحة والتسامح على مستوى المجتمع بأكمله؛ وقانونيًا ومؤسساتيًا، من خلال تطوير منظومة العدالة، وتعزيز استقلال القضاء، وتحسين أداء الأجهزة الأمنية والإدارية؛ ودوليًا، عبر تعزيز صورة فلسطين كمجتمع يسعى للحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان، وجذب الدعم الفني والحقوقي؛ وعلى المدى البعيد، من خلال بناء دولة قانون قوية ومستقرة، تقليل احتمالات الصراعات الداخلية، وتمكين المجتمع الفلسطيني من العمل بشكل موحد على مستقبل سياسي واجتماعي شامل يضمن مشاركة الجميع دون إقصاء.

إن هذا النموذج الفلسطيني للعدالة الانتقالية يمثل مسارًا للاعتراف السياسي بالأخطاء والتعلم منها من قبل كل الفصائل، مع وضع الخلافات ضمن حدود القانون والمؤسسات، ومعالجة الضرر الذي طال الشعب الفلسطيني بأسره والقضية الوطنية برمتها. كما يوفر قاعدة صلبة تجعل أي انتخابات مستقبلية مجدية وفعّالة، لأنه يضمن أن التنافس السياسي سيقوم على أرضية من الوحدة والمساءلة والشفافية، وليس على الانقسام أو استغلال الانقسامات السابقة. عبر هذا المسار، تتحول التجارب المؤلمة إلى قاعدة لبناء مستقبل شامل، حيث يُدار الاختلاف السياسي بشكل بناء، ويصبح الاختلاف وسيلة للحوار، لا أداة للصراع أو الانقسام، ليتمكن المجتمع الفلسطيني من استعادة وحدته وقوته، وإطلاق مشروعه الوطني بشكل متماسك ومستدام، مستفيدًا من دروس النماذج الدولية مثل المغرب في الاعتراف بالماضي، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات كأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.


عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

تعديلات دستورية في الجزائر تعزز صلاحيات الرئاسة وتثير جدلاً حول استقلالية المؤسسات

أقر البرلمان الجزائري مؤخراً مشروع تعديل دستوري وُصف بالتقني، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية تهدف إلى تعزيز قبضة السلطة التنفيذية على مفاصل الدولة. وتأتي هذه الخطوة لتمنح الرئيس عبد المجيد تبون صلاحيات أوسع، لا سيما في ملفات التعيينات القضائية الحساسة وإدارة العملية الانتخابية، مما يرسخ موقعه الشخصي في الولاية الرئاسية الثانية.

ويرى مراقبون أن هذه التعديلات تعكس رغبة الرئاسة في إحكام السيطرة على البنية المؤسسية للبلاد، خاصة بعد تجاوز مرحلة الحراك الشعبي الذي اندلع في عام 2019. وقد نجح النظام في استعادة توازنه تدريجياً مستفيداً من استقرار عائدات الطاقة، بالتوازي مع تبني ترسانة قانونية تفرض قيوداً مشددة على العمل السياسي والنقابي.

وتشير تقارير إلى أن العلاقة بين الرئاسة وقيادة الجيش، التي تمثل الركيزة الأساسية للنظام، تشهد تحولات ملحوظة في الآونة الأخيرة. فقد أظهر الرئيس تبون توجهاً نحو توسيع استقلالية القرار الرئاسي، مستغلاً الصلاحيات الدستورية الممنوحة له لتقليص نفوذ مراكز القوى التقليدية التي كانت تعمل من وراء الكواليس.

ومن أبرز ملامح التعديل الجديد ما يخص المجلس الأعلى للقضاء، حيث تم تقليص تمثيلية القضاة وهيئات حقوق الإنسان لصالح أعضاء أقرب إلى السلطة التنفيذية. كما تم إلغاء شرط الحصول على 'رأي ملزم' من المجلس في التعيينات القضائية العليا، مما يحول هذه الهيئة إلى جهة استشارية تصادق على قرارات الرئيس دون قدرة فعلية على الاعتراض.

وفي المجال الانتخابي، تضمنت التعديلات تراجعاً عن المكتسبات التي تحققت بعد الحراك، حيث سُحب التنظيم اللوجستي والمادي للانتخابات من السلطة الوطنية المستقلة وأُعيد إلى الإدارة الحكومية. هذا الإجراء أثار مخاوف واسعة لدى أطياف المعارضة من عودة تدخل وزارة الداخلية في نتائج الاقتراع وتوجيه العملية الانتخابية.

كما منحت النصوص الجديدة رئيس الجمهورية الحق في الدعوة لانتخابات محلية مبكرة في أي وقت يراه مناسباً، وهو ما يمنحه أداة قانونية لحل المجالس المحلية المعارضة. ويهدف هذا الإجراء، بحسب محللين، إلى ضبط المواعيد الانتخابية وفق الأجندة السياسية للرئاسة وضمان انسجام المؤسسات المنتخبة مع توجهات السلطة المركزية.

وعلى صعيد هيكلية الدولة، تم تمديد ولاية رئيس مجلس الأمة من ثلاث سنوات إلى ست سنوات، وهو منصب يتمتع بأهمية استراتيجية كونه يخلف الرئيس في حال شغور المنصب. كما فُرضت شروط تعليمية محددة للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما قد يقلص من فرص الشخصيات المستقلة أو المرشحين ذوي الخلفيات الشعبية غير الأكاديمية.

وأفادت مصادر بأن السلطة التنفيذية اختارت مساراً سريعاً لإقرار هذه التعديلات عبر البرلمان بغرفتيه، متجاوزة خيار الاستفتاء الشعبي العام. وبررت السلطات هذا التوجه بكون التعديلات ذات طابع 'تقني' تهدف لتعزيز فعالية المؤسسات، بينما يرى قانونيون أن التغييرات تمس التوازنات الأساسية للسلطة وتستوجب نقاشاً مجتمعياً أوسع.

وتتزامن هذه التحركات الدستورية مع سياق إقليمي متوتر، مما دفع النظام لاعتبار هذه المراجعة خطوة استباقية لتأمين الجبهة الداخلية وإحكام السيطرة على المؤسسات. ويرى خبراء أن الجزائر تتجه نحو تكريس نموذج 'الرئاسة القوية' التي تتحكم في كافة مفاصل الدولة مع تقليص أدوات الرقابة والقيود المؤسسية إلى حدها الأدنى.

وفيما يخص الحريات العامة، شهدت السنوات الأخيرة صدور قوانين تقيد النشاط النقابي وتمنع حق الإضراب في قطاعات واسعة، بالإضافة إلى استهداف مزدوجي الجنسية. فقد تم منع هذه الفئة من امتلاك وسائل إعلامية، وصولاً إلى إقرار تشريعات تسمح بسحب الجنسية في حالات تتعلق بالولاء للدولة أو الأمن القومي، مما زاد من تضييق الخناق على المعارضة.

وبدأ البرلمان مؤخراً مناقشة مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية، يتضمن شروطاً تعجيزية لتأسيس الكيانات السياسية الجديدة أو استمرار القائم منها. ويهدف هذا القانون، بحسب منتقديه، إلى هندسة المشهد السياسي بما يضمن بقاء النخبة الحاكمة وتهميش أي أصوات تطالب بالتغيير الجذري أو الإصلاح السياسي الحقيقي.

وتشير مصادر إعلامية إلى أن درجة التحكم في المشهد الإعلامي والجمعوي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما دفع بعض المعارضين للمقارنة بين الحقبة الحالية وفترات سابقة. ويرى هؤلاء أن هامش الحرية الذي كان متاحاً في الماضي قد تآكل لصالح سلطة مركزية لا تقبل التعددية السياسية أو النقد الإعلامي للسياسات العامة.

من جانبها، تدافع الأوساط الموالية للرئيس عن هذه الإجراءات، معتبرة إياها ضرورية لتحقيق الاستقرار السياسي وتنفيذ البرامج الاقتصادية والتنموية الطموحة. وتؤكد هذه الأوساط أن الرئيس تبون يفي بوعوده الانتخابية في بناء 'جزائر جديدة' قوية ومستقرة بعيداً عن التجاذبات التي أضعفت الدولة في سنوات سابقة.

ختاماً، يبقى المشهد السياسي الجزائري أمام مرحلة مفصلية، حيث تضع هذه التعديلات الدستورية قواعد جديدة للعبة السياسية لسنوات قادمة. وبينما ترى السلطة فيها وسيلة للنجاعة والفعالية، تظل التساؤلات قائمة حول مستقبل الديمقراطية والتعددية في ظل تركيز كافة الصلاحيات في يد مؤسسة الرئاسة.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

مجزرة جديدة في السودان.. مقتل 28 مدنياً بغارات جوية استهدفت أسواقاً وطرقاً حيوية

شهدت ولايتا شمال دارفور وشمال كردفان في السودان موجة جديدة من العنف الدامي، حيث أسفرت غارات جوية نفذتها طائرات مسيّرة عن مقتل ما لا يقل عن 28 مدنياً وإصابة العشرات. وأكدت مصادر طبية وميدانية أن الهجمات استهدفت تجمعات مدنية ومسالك تموين حيوية، مما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية فادحة في ظل استمرار الصراع المسلح الذي يمزق البلاد منذ قرابة عامين.

وفي تفاصيل الهجوم الأول، أفادت مصادر محلية بأن طائرة مسيّرة استهدفت سوقاً مكتظاً في مدينة سرف عمرة التابعة لولاية شمال دارفور يوم الأربعاء الماضي. وأدى القصف إلى مقتل 22 شخصاً، من بينهم طفل رضيع، فيما استقبل المستشفى المحلي نحو 17 جريحاً يعانون من إصابات متفاوتة الخطورة، وسط نقص حاد في الإمكانيات الطبية اللازمة لإسعافهم.

ونقلت مصادر عن شهود عيان في سوق سرف عمرة أن القصف الجوي طال شاحنة كانت محملة بالوقود، مما تسبب في انفجار ضخم وحريق هائل انتشر بسرعة في أرجاء السوق. وأوضح عاملون في المنطقة أن استخدام شبكات الاتصال الفضائي كان الوسيلة الوحيدة لنقل أخبار المجزرة إلى الخارج، نظراً لانقطاع شبكات الاتصالات التقليدية في معظم مناطق الإقليم.

وفي سياق متصل، تعرضت ولاية شمال كردفان لغارة مماثلة استهدفت شاحنة مدنية كانت تسلك أحد الطرق الرئيسية بين منطقتي الرهد وأم روابة. وأكد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد وصول ست جثث إلى المرفق الصحي، مشيراً إلى أن ثلاثاً منها كانت متفحمة تماماً نتيجة الحريق الذي أعقب الغارة، بالإضافة إلى تقديم العلاج لعشرة مصابين آخرين.

ووجهت مصادر طبية ومحلية في شمال كردفان أصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن استهداف الشاحنة المدنية، خاصة وأن الحادث وقع في منطقة تشهد تحركات للمدنيين بين مناطق سيطرة الجيش. وتأتي هذه الاتهامات في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الطائرات المسيّرة إلى أداة رئيسية في تصفية الحسابات الميدانية على حساب أرواح الأبرياء.

ويعيش السودان منذ منتصف أبريل 2023 على وقع نزاع مسلح طاحن بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو ما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص داخلياً وخارجياً. وتسيطر قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، بينما يحاول الجيش الحفاظ على نفوذه في مناطق الوسط والشرق والجنوب، وسط تبادل مستمر للسيطرة على المواقع الاستراتيجية.

وتحذر الأمم المتحدة من أن الأزمة الإنسانية في السودان باتت تصنف كواحدة من أسوأ الأزمات عالمياً، حيث يحتاج أكثر من 33 مليون شخص إلى مساعدات عاجلة للبقاء على قيد الحياة. ومع استمرار استخدام الطائرات المسيّرة في قصف المناطق المأهولة، تتفاقم معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين في خطوط النار دون وجود ممرات آمنة أو حماية دولية كافية.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

استهداف ناقلة نفط تديرها تركيا بمسيرة بحرية في البحر الأسود

أعلنت السلطات التركية الرسمية عن تعرض ناقلة نفط تديرها شركة وطنية لهجوم تخريبي في الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس، وذلك أثناء إبحارها في مياه البحر الأسود. ورجحت التقديرات الأولية أن الهجوم نُفذ بواسطة زورق مسير استهدف بدقة أجزاء حيوية في السفينة لتعطيلها عن الحركة.

وأكد وزير النقل التركي، عبد القادر أورال أوغلو، في تصريحات إعلامية أن السفينة التي ترفع علم سيراليون أبلغت عن وقوع انفجار عنيف في حجرة المحرك بعد منتصف الليل. وأوضح الوزير أن المعطيات تشير إلى أن الانفجار كان موجهاً من الخارج، مما يعزز فرضية الاستهداف المتعمد للمحركات لشل قدرة الناقلة على الملاحة.

وأفادت تقارير ميدانية بأن الانفجار طال أيضاً قمرة قيادة السفينة، مما أدى إلى تسرب المياه بكميات كبيرة إلى غرفة المحركات. وعلى إثر ذلك، سارع الطاقم لطلب استغاثة عاجلة من السلطات البحرية التركية التي استجابت فوراً للنداء وأرسلت وحدات الإنقاذ اللازمة إلى موقع الحادث.

وبحسب البيانات الملاحية، فإن الناقلة 'ألتورا' كانت قد غادرت ميناء نوفوروسيسك الروسي وهي محملة بنحو مليون برميل من النفط الخام، وكانت في طريقها عبر البحر الأسود. وتظهر بيانات تتبع السفن أن الناقلة كانت شبه ممتلئة وقت وقوع الهجوم الذي كاد أن يتسبب في كارثة بيئية أو ملاحية في المنطقة.

وعلى صعيد السلامة البشرية، طمأن وزير النقل التركي بأن جميع أفراد الطاقم البالغ عددهم 27 شخصاً بخير ولم يتعرض أي منهم لإصابات جسدية جراء الانفجار. وتواصل الوحدات التركية المختصة متابعة الوضع الفني للسفينة لضمان عدم غرقها أو حدوث تسرب نفطي في المياه الإقليمية.

ورغم عدم تحديد الموقع الدقيق للهجوم رسمياً، إلا أن مصادر إعلامية محلية أكدت وقوع الحادثة على مسافة تقل عن 30 كيلومتراً من مدخل مضيق البوسفور الاستراتيجي. ويمثل هذا القرب الجغرافي من الممرات الملاحية التركية الحيوية تصعيداً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية التي يشهدها البحر الأسود مؤخراً.

وتشير السجلات التجارية إلى أن ملكية الناقلة تعود لشركة 'سي غريس شيبينغ' الصينية، في حين تتولى شركة 'بيرغامون دينيزجيليك' التركية مهام الإدارة الفنية والتشغيلية. وتأتي هذه الحادثة في ظل ضغوط دولية متزايدة، حيث تندرج السفينة ضمن قائمة العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا على قطاع النقل النفطي الروسي.

ويعكس هذا الهجوم حالة التوتر المتصاعد في البحر الأسود، الذي تحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى المتحاربة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022. وتجد تركيا نفسها في موقف حساس، حيث تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع كل من موسكو وكييف رغم تكرار الحوادث الأمنية.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد حذر في وقت سابق من مخاطر تحويل البحر الأسود إلى ساحة للمواجهات العسكرية المباشرة، مؤكداً ضرورة حماية الممرات الملاحية. ويعد هذا الاستهداف واحداً من سلسلة هجمات طالت سفناً تجارية مرتبطة بروسيا خلال الأشهر الماضية، مما يهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار الملاحة الدولية.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

نكبة متجددة في سلوان: الاحتلال يستولي على 13 شقة ويشرد عشرات المقدسيين

اقتحم عشرات المستوطنين حي بطن الهوى في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، ونفذوا عملية استيلاء واسعة طالت 13 شقة سكنية في آن واحد. جرت هذه العملية تحت حماية عسكرية مشددة من قوات الاحتلال، التي فرضت طوقاً أمنياً لتأمين نقل الممتلكات وتسليم المنازل للمستوطنين.

تأتي هذه الخطوة التصعيدية كجزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأحياء الفلسطينية المحيطة بالبلدة القديمة من سكانها الأصليين. وتسعى الجمعيات الاستيطانية، بدعم من أجهزة الاحتلال، إلى تغيير الخارطة الديمغرافية عبر أدوات قانونية منحازة وقوة ميدانية غاشمة تفرض التهجير القسري.

وثقت مصادر حقوقية وميدانية قيام جنود الاحتلال بمداهمة المنازل المستهدفة وتسليم قاطنيها إخطارات بالإخلاء الفوري خلال ساعات قليلة. وقد شوهدت طواقم دائرة الإجراء والتنفيذ الإسرائيلية وهي تفرغ محتويات الشقق السكنية وتلقي بها في العراء تمهيداً لإحلال المستوطنين مكان أصحاب الأرض.

روى المقدسي رأفت بصبوص تفاصيل مؤلمة عن لحظة اقتحام منزله ومنزل والده، حيث أُمهلوا 24 ساعة فقط لمغادرة المكان الذي عاشوا فيه لعقود. وأكد بصبوص أن عائلته تقطن في هذا الحي منذ ما قبل احتلال القدس عام 1967، وتحديداً منذ 63 عاماً، معتبراً ما يجري امتداداً لنكبة أجداده.

وفي مشهد إنساني قاسٍ، عبر المسن يوسف بصبوص عن حرقته لفقدان منزله الذي بناه 'حجراً حجراً' منذ عام 1963. وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تمنع أصحاب الحق من دخول بيوتهم بينما تفتح الأبواب مشرعة للمستوطنين، مؤكداً أن هذه هي المرة الثانية التي يتعرض فيها للتهجير بعد نكبة عام 1948.

طالت عمليات الإخلاء أيضاً 11 شقة سكنية تعود لعائلة الرجبي، حيث تزعم الجمعيات الاستيطانية ملكية الأرض ليهود من أصول يمنية قبل عقود طويلة. وفور الانتهاء من إخراج العائلات، قام المستوطنون برفع الأعلام الإسرائيلية فوق أسطح المباني في خطوة استفزازية تعكس حجم السيطرة.

بهذا التصعيد الجديد، يرتفع عدد الشقق التي تم الاستيلاء عليها في حي بطن الهوى خلال الأيام الأربعة الأخيرة إلى 15 شقة سكنية. وقد أدت هذه الحملة المسعورة إلى تشريد نحو 80 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، باتوا بلا مأوى في ظل ظروف جوية وسياسية صعبة.

أثارت هذه التطورات موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول ناشطون مقاطع فيديو توثق صرخات النساء ومعاناة الأطفال أثناء طردهم. ووصف المتابعون ما يحدث بأنه 'تطهير عرقي علني' يُنفذ بدم بارد وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدولي الصامت.

حذر ناشطون مقدسيون من أن عمليات التهجير في سلوان لم تعد مجرد أحداث فردية أو نزاعات قانونية، بل هي مسار متسارع لإنهاء الوجود الفلسطيني. وأشاروا إلى أن الاحتلال يستغل القوانين التمييزية لشرعنة سرقة العقارات وتحويل محيط المسجد الأقصى إلى بؤر استيطانية متصلة.

من جانبه، أطلق مركز 'بتسيلم' الحقوقي تحذيرات جدية من خطر تهجير واسع يهدد أكثر من 2200 فلسطيني في حي بطن الهوى وحده. وأوضح المركز أن مئات الأطفال يواجهون مستقبلاً مجهولاً في ظل إصرار الاحتلال على تنفيذ قرارات الإخلاء لصالح المستوطنين والجمعيات المتطرفة.

لا يتوقف الخطر عند حدود بطن الهوى، بل يمتد ليشمل حي البستان المجاور، حيث يواجه نحو 1550 شخصاً خطر هدم منازلهم أو إخلائها. وتخطط بلدية الاحتلال لإقامة ما تسمى 'حديقة الملك' السياحية على أنقاض هذه المنازل التاريخية، في إطار مشروع تهويدي شامل.

تشير الإحصائيات الميدانية إلى أن حي بطن الهوى فقد نحو 15 عائلة منذ بدء العدوان على غزة في السابع من أكتوبر 2023. ومن بين العائلات التي هُجرت قسراً عائلات شحادة، وغيث، وعودة، وشويكي، لينضموا إلى قائمة طويلة من ضحايا التوسع الاستيطاني المستمر منذ سنوات.

أكدت مصادر محلية أن سلطات الاحتلال نفذت هدم 35 منزلاً في منطقة سلوان حتى فبراير 2026، مع وجود عشرات الأوامر الأخرى قيد التنفيذ. ويعكس هذا التسارع في عمليات الهدم والاستيلاء رغبة إسرائيلية في حسم الصراع الديمغرافي في القدس المحتلة بأسرع وقت ممكن.

رغم الألم والتهجير، يشدد أهالي سلوان على تمسكهم بحقهم في العودة إلى منازلهم، مؤكدين أن سياسة اقتلاع الإنسان من جذوره لن تنجح. وتبقى صرخات المقدسيين وشهاداتهم الحية وثيقة تاريخية تفضح زيف الادعاءات القانونية للاحتلال وتؤكد على هوية المدينة العربية والإسلامية.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة: إصابات في طوباس والقدس واستيلاء على أراضٍ بالخيام

أفادت مصادر محلية بإصابة عدد من المواطنين الفلسطينيين فجر اليوم الخميس، إثر هجوم شنه مستوطنون في منطقة صافح تياسير الواقعة شمال شرق طوباس. وقد جرى نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة لتلقي العلاج اللازم، في ظل تكرار هذه الاعتداءات التي استهدفت المنطقة ذاتها بشكل مكثف خلال الآونة الأخيرة.

وفي سياق التوسع الاستيطاني الميداني، أقدمت مجموعات من المستوطنين صباح اليوم على نصب خيام في أراضي بلدة أمرين شمال غرب مدينة نابلس. وتأتي هذه الخطوة ضمن محاولات فرض واقع استيطاني جديد في المنطقة، حيث اقتحم المستوطنون القرية تحت حماية أمنية ونشروا معداتهم في أراضي المواطنين الخاصة.

ولم تقتصر عمليات نصب الخيام على نابلس، بل امتدت لتشمل منطقة خلايل اللوز جنوب شرق بيت لحم، بالإضافة إلى خيمة أخرى في منطقة عيون بالجهة الجنوبية من مدينة طوباس. وذكرت مصادر أن هذه المنطقة الأخيرة تقطنها عائلات فلسطينية كانت قد هُجرت قسراً من الأغوار الشمالية نتيجة اعتداءات سابقة.

وعلى صعيد الإصابات في مدينة القدس المحتلة، أكدت طواقم الإسعاف نقل 5 مصابين إلى المستشفى يوم أمس الأربعاء، جراء تعرضهم للضرب المبرح من قبل مستوطنين في بلدة مخماس. ووقعت هذه الاعتداءات تحديداً في منطقة المكيبرة الواقعة على أطراف البلدة، مما تسبب بجروح ورضوض متفاوتة للمواطنين.

وفي محافظة الخليل، شهد فجر الأربعاء هجوماً استهدف منشآت اقتصادية، حيث أقدم مستوطنون على إحراق جرافة ومعدات عمل داخل محجر يقع في المنطقة الجنوبية للمدينة. وتأتي هذه الهجمات في إطار استهداف سبل عيش الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم الخاصة لترهيبهم ودفعهم لترك أراضيهم.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن شهر فبراير الماضي شهد تصعيداً غير مسبوق، حيث نُفذ أكثر من 511 اعتداءً في مختلف محافظات الضفة. كما سجلت الهيئة استشهاد 7 فلسطينيين برصاص المستوطنين منذ نهاية الشهر الماضي وحتى مطلع الأسبوع الجاري.

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، بلغت حصيلة ضحايا اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية نحو 1134 شهيداً، فيما أصيب ما يقارب 11 ألفاً و700 مواطن بجروح متفاوتة. وتظهر هذه الأرقام حجم العنف الممارس ضد المدنيين الفلسطينيين في القرى والبلدات والمدن المختلفة.

وفيما يتعلق بحملات الاعتقال، تشير التقارير إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت قرابة 22 ألف فلسطيني منذ بدء التصعيد الأخير في أكتوبر الماضي. وترافق هذه الاعتقالات عمليات تخريب واسعة للمنازل والمنشآت، مما يفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية للسكان في الأراضي المحتلة.

وتستمر سياسات التهجير القسري وهدم المنازل كأدوات أساسية في التوسع الاستيطاني، حيث يتم استهداف التجمعات البدوية والزراعية بشكل مباشر. ويهدف هذا المخطط إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين لصالح بناء وتوسيع المستوطنات غير القانونية التي تلتهم مساحات شاسعة من الضفة الغربية.

أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 12:27 مساءً - بتوقيت القدس

غموض نجاح المفاوضات لوقف الحرب المشتعلة اصلاً

الحرب التي نعيشها و نتابعها جميعاً بين أمريكا و إسرائيل من جهة و ايران و الميليشيات التابعة لها في الدول العربية من جهة أًخرى ، تقلق الجميع و تحديداً مدى توسعها لحرب إقليمية في منطقة الشرق الأوسط و تحديداً دول الخليج العربي الذي لم يسلم من الصواريخ و المسيرات الإيرانية تنفجر و تحرق هنا و هناك و تستهدف قواعد و سفارات أمريكية ناهيك عن مصافي النفط و القلق المترافق معها يزداد يوم بعد يوم بتفاقم الحرب و تزايد اشتعالها و تحديداً في الشرق العربي أي لبنان و العراق  و اليمن حيث تتواجد المليشيات المدعومة من ايران ( الى الآن لم تنخرط بعد في هذه الحرب ) و كذلك الدول العربية التي توصف بالآمنة اليوم ، و خوف انزلاقها في هذه الحرب غير المحسوبة و انخراطها فيها دون إرادتها و تحديداَ ان الصواريخ و المسيرات تستهدف دول خليجية و عربية مجاورة للجمهورية الإسلامية الإيرانية و المساعي العالمية لتهدئة الأوضاع و المفاوضات المحتملة بين ايران و أمريكا و الشروط المتبادلة بينهما و السعي الى وقف و انهاء هذه الحرب المشتعلة ، الشرط الأول الأمريكي لإيران عدم تخصيب اليورانيوم الذي يمنح القدرة النووية العسكرية و إعادة مجالها النووي خاضع للرقابة و الشرط الثاني السعي الى الحد و تقييد قدرات الصواريخ البالستية الإيرانية ، حيث دونالد ترامب يسعى الى فرض السلام في الشرق الأوسط ، و ان الصواريخ البالستية أصبحت تهدد حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط لكن في المقابل ايران تصر ان شرط التخلص من الصواريخ البالستية غير قابل للتفاوض و ان لها الحق في الدفاع عن نفسها ، و الشرط الثالث انهاء كلياً للدعم العسكري و المالي لأذرع ايران و فصائلها المسلحة في المنطقة العربية و تحديداً العراق و لبنان و اليمن المتمثل بحزب الله و ميلشياته المسلحة و في المحصلة  تسعى الولايات المتحدة الامريكية لتقليص النفوذ الإيراني في الإقليم و مناطق الدول المتوترة بالحروب و المشتعلة اصلاً ، و بالطبع الموضوع الأهم في هذه الفترة من الحرب هو اغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نقل البترول و الغاز الى العالم و يشغل جميع الدول تحديداً التابعيات الكارثية الاقتصادية جراء اغلاق هذا المضيق البالغ الأهمية عالمياً في المقابل ايران وضعت شروطها لاستئناف المفاوضات مع أمريكا منها : اغلاق القواعد الامريكية في الخليج العربي و ايضاً تطالب بتعويضات مالية عن الاضرار التي لحقت بها جراء الحرب العسكرية الامريكية عليها ، تسعى ايران لفرض رسوم على السفن العابرة عبر مضيق هرمز و تطالب بضمانات بعدم وجود أي تصعيد عسكري مستقبلاً ، السعي الى وقف الهجمات على حزب الله اللبناني و رفع كامل العقوبات الاقتصادية عن ايران و عدم المفاوضات حول صواريخ ايران البالستية .

في خضم الموضوع الشاغل للجميع الآن أي المباحثات للسلام و وقف الحرب الدائرة حالياً ، و مهلة الخمس أيام التي امهلها الرئيس الأمريكي الحالي لإيران و التي تعد بمثابة الفرصة الأخيرة للسعي الى انهاء الحرب ، صرح دونالد ترامب ( امام ايران الآن الفرصة الأخيرة حيث تهديداتها لنا و لحلفائنا ، نأمل ان ايران تغتنم هذه الفرصة الأخيرة لتصبح أمريكا و العالم اكثر اماناً و لنعيش في عالم اكثر استقراراً و هناك فرصة للوصول الى تفاهم مع ايران ، امهلنا ايران خمسة أيام ، و سنرى الى اين تتوصل الأمور ) السؤال الأبرز هنا ، هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف توافق على شروط أمريكا للسعي الى وقف الحرب الدائرة حالياً ؟ في المقابل يتصف الوضع الحالي بالمفعم بالتطورات العسكرية وانطلاق المسيرات و الصواريخ في منطقة الشرق الأوسط ، و الحرب مستمرة الى الآن ، و استمرار الغارات الامريكية الإسرائيلية المشتركة على مواقع عسكرية إيرانية و استهداف القاعدة البحرية في بوشهر و كذلك القاعدة الجوية للجيش في شيراز و قواعد عسكرية في أصفهان و في الوقت نفسه تم اختيار رئيس جديد للأمن القومي الإيراني خلفاً لعلي لاريجاني الذي تم استهدافه بضربات مشتركة إسرائيلية أمريكية ، و في المقابل الوضع الإسرائيلي مشتعل و أعمدة الدخان تتصاعد جراء الصواريخ الإيرانية و شظاياها فوق تل ابيب و يبدو ان احتمالية المحادثات المرتقب عقدها بين أمريكا و ايران وسط غياب إسرائيلي كامل عن مشهد هذه المحادثات و اسلام آباد تسعى الى استضافة هذه المحادثات المرتقبة بين ايران و أمريكا و إن حدثت ( حيث استلمت ايران من باكستان مقترح التهدئة لإنهاء الحرب )  و في ذات السياق الغموض و ضبابية الوضع تسيطر على المشهد كاملةً ، حيث لا احد يعرف من يسيطر على القرارات المفصلية الإيرانية في النهاية ، هل الخامنئي تحديداً مجتبى هو الذي يسيطر الآن او الحرس الثوري الإيراني هو الذي يستلم زمام الأمور الآن حيث يوجد احتمالية ان الخامنئي الجديد مصاب و الى الآن لا احد يعرف حقيقة هذا الغموض كونه لم يظهر بنفسه لإلقاء كلمته .

الحرب الجارية بين أمريكا و إسرائيل من جهة و ايران من جهة أخرى ، تدخل اسبوعها الرابع و كما نلاحظ الحرب تتعمق و تتفاقم بدلاً من ان تهدئ و تداعياتها تصيب الجميع متأثراً بها في الشرق الاوسط و العالم و الجميع يتابع مستجداتها ، هل سوف تنجح المفاوضات المرتقبة لإحلال السلام و انهاء الحرب ؟ اعتقد ان الأمور يبدو انها متجهة اكثر و اكثر الى استمرار الحرب و تفاقمها و دون الوصول الى حل نهائي لوقف الحرب الحالية بين أمريكا و ايران و تحديداً اذا لم يتم الاتفاق لوقف الحرب يوجد احتمالية أمريكا حينها بشن عملية عسكرية للجيش الأمريكي داخل الأراضي الإيرانية ، و ايران أعلنت مؤخراً استهداف حاملة الطائرات الامريكية ( يواس اس ابراهام لينكون ) بصواريخ كروز المتطورة ، حيث  وصفت ايران هذا الاستهداف ( بالضربة الاستراتيجية ) بشل القدرات الحربية البحرية الامريكية ضد ايران و في المقابل نفت أمريكا هذا الهجوم الإيراني و هي في صدد الاستمرار في العملية العسكرية ملحمة الغضب ( Operation Epic  ) و اكدت ان أي تصعيد مباشر لسلامة القوات الامريكية سوف حتماً يواجه رداً قوياً و قاسياً بين تصريحات هذا و ذاك لكن للأسف الحرب مستمرة كلامياً و على ارض الواقع و الصواريخ فوق رؤوسنا شظاياها تحرق الأخضر و اليابس و للأسف الحرب تشتد قوتها يوم بعد يوم و كما يبدو لي انه لا يوجد أي افق و مؤشر للتهدئة في المنظور القريب ، حيث نلاحظ استمرار اطلاق الصواريخ و تم استهداف المملكة الأردنية الهاشمية بخمس صواريخ و مسيرات فقط خلال 24 ساعة الماضية و كذلك صرحت وزارة الدفاع السعودية اعتراض مسيرة جديدة في المنطقة الشرقية و الصواريخ تطلق من المعارضة الإسلامية في العراق ، حيث تواجه الدولة العراقية تحدياً سافراً لفرض سيادتها في ظل تطورات الحرب الجارية الآن و تحديداً الوضع الداخلي العراقي و السعي لفرض سلطة القانون في ظل التحديات المتكررة على مؤسسات الدولة العراقية ، و كذلك مقرات البعثات الأجنبية و هنا يوجد حتماً مخاوف من الانزلاق الى حرب إقليمية غير محسوبة النتائج و تحديداً عندما لا تقرر أي دولة مهيمن عليها من فصائل خارج اطار سلطة و سيادة الدولة و الجيش بتقرير المصير لشن حرب او السلام بدلاً عن الدولة ، كما الحال في لبنان الذي تسعى هي الأخرى بحصر السلاح بيد الدولة و الجيش و عدم اطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية ممثلة بحزب الله مهددةً امن الدولة و كذلك السعي الى اشعال الدول المجاورة العربية و الخليجية التي تتسم بالآمن و الأمان ، المشهد الحالي يوصف بالضبابية و غموض مستقبل هذه الحرب و اذا يمكن التوصل الى حل لوقف الحرب الحالية او إمكانية توسعها الى حرب إقليمية في منطقة الشرق الاوسط .

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 12:19 مساءً - بتوقيت القدس

ادعاءات إسرائيلية باغتيال قائد بحرية الحرس الثوري وترمب يسعى لإنهاء الحرب

أفادت مصادر إعلامية عبرية نقلاً عن مسؤولين في تل أبيب، بتنفيذ عملية اغتيال استهدفت قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، علي رضا تنكسيري، خلال هجوم وقع في منطقة بندر عباس الساحلية. ويُعد تنكسيري أحد أبرز القيادات العسكرية الإيرانية، حيث تولى مسؤولية ملفات استراتيجية وحساسة، على رأسها التهديد بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

ولم تشر التقارير المتداولة في الإعلام العبري إلى التوقيت الدقيق للهجوم الذي استهدف القائد الإيراني، وسط تضارب في الأنباء حول الجهة المنفذة للعملية. وبينما تشير بعض التحليلات إلى أن الجيش الأمريكي هو من يتولى استهداف المناطق الساحلية الإيرانية، تؤكد مصادر أخرى أن إسرائيل هي من تقود عمليات الاغتيال النوعية في العمق الإيراني.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية عن تراجع إسرائيل عن خطط لاستهداف شخصيات سياسية إيرانية رفيعة المستوى، شملت وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وجاء هذا التراجع بعد ضغوط مارستها باكستان على الإدارة الأمريكية، محذرة من أن تصفية هذه القيادات ستؤدي إلى غياب أي طرف يمكن التفاوض معه لإنهاء الصراع.

وأكدت تقارير صحفية أمريكية أن رفع اسمي عراقجي وقاليباف من قائمة الاستهداف الإسرائيلية هو إجراء مؤقت قد يستمر لعدة أيام فقط. وتهدف هذه الخطوة، بحسب مسؤولين أمريكيين، إلى اختبار إمكانية فتح قنوات اتصال سياسية تفضي إلى تهدئة شاملة في المنطقة، بعيداً عن لغة التصعيد العسكري المباشر.

من جانبه، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن رغبته الصريحة في إنهاء العمليات العسكرية ضد إيران في أسرع وقت ممكن. ونقلت مصادر مطلعة أن ترمب حدد جدولاً زمنياً يتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع لإتمام هذه المهمة، مشيراً إلى أن الهجمات الحالية يجب أن تدخل مراحلها النهائية وفق الخطة الموضوعة مسبقاً.

ويرى الرئيس الأمريكي أن استمرار العدوان على إيران يمثل استنزافاً سياسياً يشتت انتباه الإدارة عن القضايا الداخلية الملحة. وتتصدر ملفات الهجرة غير النظامية والتحضيرات للانتخابات النصفية المقبلة أولويات البيت الأبيض، مما يدفع ترمب للضغط باتجاه حسم الملف الإيراني عبر مزيج من القوة العسكرية والدبلوماسية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، برزت باكستان كلاعب محوري في الوساطة بين طهران وواشنطن، إلى جانب أدوار مساندة من مصر وتركيا. وتحتفظ إسلام أباد بقنوات اتصال مباشرة وفعالة مع الطرفين، مما جعلها المرشح الأبرز لاستضافة أي محادثات سلام محتملة تهدف إلى وقف نزيف الحرب في الشرق الأوسط.

وفي إطار هذه المساعي، أرسلت واشنطن مقترحاً يتألف من 15 بنداً إلى القيادة الإيرانية عبر الوسيط الباكستاني، يتضمن شروطاً لإنهاء المواجهة. وادعت الإدارة الأمريكية أن الجانب الإيراني يبدي رغبة في التوصل إلى اتفاق ينهي حالة العزلة والضربات العسكرية المتلاحقة التي تعرضت لها البنية التحتية والقيادية في البلاد.

ورغم هذه التحركات، التزمت طهران بموقف حذر، حيث صرح وزير الخارجية عباس عراقجي بأن بلاده تدرس المقترح الأمريكي بعناية لكنها لم تقرر بعد الدخول في مفاوضات مباشرة. ونفى عراقجي وجود أي حوار حالي مع واشنطن، مؤكداً أن إيران لا تنوي تقديم تنازلات تحت وطأة التهديدات العسكرية المستمرة.

وتشير المصادر إلى أن التنبؤ بقرارات ترمب النهائية يظل أمراً صعباً، خاصة في ظل التداخل بين التصريحات السياسية والعمليات الميدانية. فبينما يتحدث البيت الأبيض عن رغبة في السلام، تستمر الضربات الجوية في استهداف مواقع استراتيجية، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة بين التهدئة الشاملة أو الانفجار الكبير.

وتراقب العواصم الإقليمية والدولية بحذر مآلات هذه التطورات، خاصة مع اقتراب المهلة التي حددها ترمب لإنهاء الحرب. وتتزايد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات الميدانية، مثل تأكيد اغتيال تنكسيري، إلى رد فعل إيراني واسع قد يطيح بكل جهود الوساطة الباكستانية والأمريكية المبذولة حالياً.

ويبقى ملف الاغتيالات هو المحرك الأساسي لمستوى التصعيد، حيث تعتبر طهران استهداف قيادات الحرس الثوري خطاً أحمر يستوجب الرد. وفي حال ثبوت مقتل قائد البحرية، فإن ذلك قد يدفع الحرس الثوري لتنفيذ عمليات انتقامية في الممرات المائية الدولية، مما سيعقد مهمة ترمب في إنهاء الحرب خلال الأسابيع الستة المقبلة.

اقتصاد

الخميس 26 مارس 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع أسعار الذهب عالمياً وسط ترقب لمسار التهدئة في الشرق الأوسط

شهدت أسواق المعادن النفيسة تراجعاً ملحوظاً في أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الخميس، حيث فقد المعدن الأصفر مكاسبه التي حققها في الجلستين الماضيتين. ويأتي هذا الهبوط في ظل حالة من الترقب الشديد بين المستثمرين لمؤشرات ملموسة حول تقدم جهود التهدئة في منطقة الشرق الأوسط، وسط مخاوف من تقلبات جيوسياسية مفاجئة قد تعيد رسم خارطة الطلب على أصول الملاذ الآمن.

على صعيد الأرقام، انخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1% ليصل إلى 4476.51 دولار للأوقية، فيما سجلت العقود الأمريكية الآجلة تسليم أبريل تراجعاً أكبر بنسبة 2.1% لتستقر عند 4457 دولاراً. وتعكس هذه الأرقام حالة الحذر التي تسيطر على المتداولين بانتظار اتضاح الرؤية السياسية والعسكرية في المنطقة، خاصة مع استمرار الحرب للأسبوع الرابع على التوالي.

وفي سياق التصريحات السياسية المتضاربة، زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القيادة الإيرانية تبحث عن صيغة لاتفاق ينهي الصراع الحالي، وهو ما قابله تصريح مغاير من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. حيث أكد عراقجي أن طهران تدرس المقترح الأمريكي المقدم لكنها لا تملك نية حالية للدخول في محادثات مباشرة لإنهاء القتال، مما يشير إلى فجوة واسعة في المواقف الدبلوماسية بين الطرفين.

من جانبها، صعدت الإدارة الأمريكية من لهجتها التحذيرية، حيث نقلت مصادر عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت أن الرئيس ترامب لوح باستخدام قوة عسكرية غير مسبوقة ضد إيران في حال رفضها القبول بما وصفه بـ 'الهزيمة العسكرية'. هذه التهديدات زادت من حالة عدم اليقين في الأسواق، ودفعت المحللين لتوقع تحركات حادة في أسعار الذهب والنفط مطلع الأسبوع المقبل مع ظهور بوادر الموقف الأمريكي تجاه العمليات البرية.

ولم تكن أسواق الطاقة بعيدة عن هذه التوترات، إذ قفزت العقود الآجلة لخام برنت لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة العالمية. ورغم أن ارتفاع أسعار النفط يعزز عادة من جاذبية الذهب كأداة للتحوط من التضخم، إلا أن استمرار الضغوط النقدية واحتمالية بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة يقلل من فرص صعود المعدن الذي لا يدر عائداً ثابتاً.

وفيما يخص المعادن الأخرى، طال التراجع الفضة التي انخفضت بنسبة 1.9% لتصل إلى 69.90 دولار للأوقية، كما سجل البلاتين والبلاديوم خسائر متفاوتة تراوحت بين 1.4% و2%. وتتزامن هذه التراجعات مع تغيير في توقعات الأسواق المالية، حيث تشير أداة 'فيد ووتش' إلى استبعاد أي تيسير نقدي من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال العام الجاري، بعد أن كانت التوقعات السابقة تميل نحو خفض الفائدة مرتين.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات وغرق مئات الخيام.. المنخفض الجوي يفاقم مأساة النازحين في غزة

شهدت مدينة غزة اليوم الخميس حادثة مأساوية أسفرت عن إصابة ثلاثة نازحين بجروح متفاوتة، إثر انهيار جدار أحد المباني التي تعرضت لقصف إسرائيلي سابق. وأوضحت مصادر ميدانية أن الجدار المتهالك لم يصمد أمام الرياح القوية والأمطار الغزيرة التي رافقت المنخفض الجوي الحالي، مما أدى لسقوطه على النازحين الذين كانوا يحتمون بجواره، حيث جرى نقل المصابين فوراً إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.

وفي وسط القطاع، وتحديداً في مدينة دير البلح، أفادت مصادر محلية بغرق مئات الخيام التي تؤوي آلاف العائلات المهجرة، بعد أن حولت مياه الأمطار المتراكمة مناطق النزوح إلى برك من الوحل. وقد تسربت المياه إلى داخل مراكز الإيواء المؤقتة، مما تسبب في إتلاف الأغطية والملابس والمستلزمات الأساسية، في ظل انعدام كامل لشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية القادرة على استيعاب هذه الكميات من الأمطار.

وتواجه العائلات النازحة في المناطق الغربية من مدينة غزة ظروفاً قاسية للغاية، حيث باتت الخيام المهترئة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية من البرد القارس والرياح العاتية. هذه الأوضاع الجوية المتدهورة زادت من معاناة المواطنين الذين فقدوا منازلهم، وأصبحوا يواجهون خطر الموت ليس فقط بسبب العمليات العسكرية، بل نتيجة الظروف البيئية والمناخية الصعبة ونقص مواد الإيواء والتدفئة.

من جانبهم، أطلق مختصون في الدفاع المدني ومهندسون تحذيرات عاجلة من خطورة البقاء بالقرب من المنشآت والمباني الآيلة للسقوط، مؤكدين أن تشبع الجدران المتصدعة بمياه الأمطار يزيد من احتمالية انهيارها بشكل مفاجئ. ودعا المختصون النازحين إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر، والابتعاد عن الركام والمباني التي تعرضت لضربات جوية سابقة، حفاظاً على أرواحهم في ظل استمرار المنخفض الجوي.

يُذكر أن قطاع غزة يعيش كارثة إنسانية غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نحو 1.9 مليون فلسطيني باتوا نازحين ويفتقرون للمأوى الآمن. وتأتي هذه الموجة من الطقس السيئ لتكشف حجم الدمار الهائل الذي طال الأحياء السكنية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه مئات آلاف العائلات التي تعيش في خيام لا تلبي أدنى معايير السلامة الإنسانية.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 11:48 صباحًا - بتوقيت القدس

المشاط يحذر السعودية من 'نفاد الصبر' ويطالب بتنفيذ خارطة الطريق الأممية

وجهت جماعة أنصار الله الحوثي، اليوم الأربعاء، خطاباً حاداً للمملكة العربية السعودية، دعتها فيه إلى ضرورة الإسراع في تنفيذ التفاهمات والاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً. وأكدت الجماعة أن حالة التهدئة الحالية لا تعني القبول بالمماطلة المستمرة في ملفات السلام الشامل.

وفي كلمة له بمناسبة ما يعرف بـ 'يوم الصمود'، أوضح رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع للجماعة، مهدي المشاط أن استحقاقات الهدنة وما رافقها من خفض للتصعيد لا تزال تواجه عراقيل متعمدة من قبل الرياض. وأشار المشاط إلى أن الجماعة تراقب عن كثب سلوك الأطراف الأخرى تجاه الالتزامات المعلنة.

واتهم المشاط الجانب السعودي بالتنصل من بنود خارطة الطريق التي أعلن عنها المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في نهاية عام 2023. واعتبر أن هذا التراجع يهدد بانهيار الجهود الدبلوماسية التي بُذلت خلال الأشهر الماضية لإحلال السلام في المنطقة.

وشدد القيادي الحوثي على أن الفرص التي مُنحت لتحقيق السلام الحقيقي كانت كافية، إلا أن دول التحالف، وعلى رأسها السعودية وبدعم من الولايات المتحدة، لا تزال تراهن على كسب الوقت. وحذر من أن هذا المسار قد يؤدي إلى عودة التصعيد العسكري بشكل أوسع.

وأكد المشاط في خطابه أن صبر الجماعة له حدود ولن يستمر إلى الأبد، مشيراً إلى أنهم يمتلكون الخيارات الكفيلة بانتزاع ما وصفها بـ 'الحقوق المشروعة' للشعب اليمني. ولفت إلى أن الجماعة مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى في حال استمرار الحصار والمماطلة.

وتطرق الخطاب إلى تفاصيل خارطة الطريق المتعثرة، والتي تشمل تدابير لوقف شامل لإطلاق النار وتحسين الظروف المعيشية الصعبة للمواطنين. وأوضح أن الجمود الحالي في العملية السياسية يعود إلى غياب الإرادة الحقيقية لدى الأطراف الأخرى في تنفيذ هذه البنود.

وطالب المشاط الرياض بالانتقال من مرحلة الوعود الشفهية إلى الاستجابة الفعلية لمتطلبات السلام على أرض الواقع. ودعا إلى فصل مسار السلام في اليمن عن أي مصالح أو حسابات إقليمية ودولية أخرى لا تخدم استقرار البلاد.

وحدد رئيس المجلس السياسي متطلبات السلام الأساسية في وقف العمليات العسكرية بشكل كامل، ورفع القيود المفروضة على الموانئ والمطارات. كما شدد على ضرورة انسحاب كافة القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية كشرط أساسي لأي تسوية دائمة.

وفيما يتعلق بالملفات الإنسانية والقانونية، أكد المشاط على ضرورة معالجة ملف الأسرى والمفقودين بشكل شامل، بالإضافة إلى دفع التعويضات وجبر الضرر. وأشار إلى أن إعادة الإعمار هي مسؤولية تقع على عاتق الدول التي شاركت في الحرب على اليمن.

وعلى الصعيد الإقليمي، جدد المشاط موقف جماعته الداعم للجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبراً أن أي استهداف لها يصب في مصلحة المشروع الصهيوني. ودعا الدول العربية والإسلامية إلى عدم الانخراط في أي مخططات تستهدف أمن المنطقة واستقرارها.

يُذكر أن اليمن يعيش حالة من التهدئة الهشة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف، رغم انتهاء الهدنة الرسمية، حيث توقفت العمليات العسكرية الكبرى. ومع ذلك، لا تزال الاتهامات المتبادلة بين الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين تعيق إحراز أي تقدم ملموس في المسار السياسي.

وكان المبعوث الأممي قد أعلن في ديسمبر 2023 عن التزام الأطراف بحزمة تدابير تشمل دفع رواتب الموظفين واستئناف تصدير النفط. إلا أن هذه التفاهمات اصطدمت بتعقيدات ميدانية وسياسية حالت دون التوقيع النهائي عليها حتى اللحظة.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

مقتل شخصين وإصابة 3 آخرين بسقوط شظايا صاروخ بالستي في أبو ظبي

أعلنت السلطات الرسمية في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، اليوم الخميس، عن وقوع ضحايا ومصابين جراء سقوط شظايا ناتجة عن اعتراض صاروخ بالستي في سماء المدينة. وأكدت المصادر أن الحادثة أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة، في تطور ميداني لافت تشهده المنطقة.

وأوضح مكتب أبو ظبي الإعلامي أن الشظايا سقطت في منطقة شارع سويحان الحيوي، مما أدى أيضاً إلى تضرر عدد من المركبات المدنية المتواجدة في المكان. وأشارت الجهات المعنية إلى أنها لم تتمكن حتى اللحظة من تحديد هوية الضحايا الذين قضوا في هذا الحادث الأليم.

وشددت السلطات في الإمارة على ضرورة استقاء المعلومات من المصادر الرسمية المعتمدة وتجنب الانسياق وراء الشائعات التي قد تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأكدت أن الدفاعات الجوية نجحت في تدمير الصاروخ قبل وصوله إلى هدفه، إلا أن تساقط الحطام تسبب في هذه الخسائر البشرية والمادية.

يأتي هذا الحادث في سياق تصعيد عسكري واسع، حيث أفادت تقارير من السعودية والبحرين والكويت بتعرض أراضيها لهجمات متزامنة بصواريخ وطائرات مسيرة. وذكرت مصادر مطلعة أن هذه الهجمات انطلقت من الأراضي الإيرانية واستهدفت منشآت حيوية وأعياناً مدنية في الدول الأربع فجر اليوم الخميس.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع الإماراتية أن منظومات الدفاع الجوي لديها تعاملت بفاعلية مع ثلاث موجات من الاعتداءات الصاروخية والمسيرة منذ ساعات الفجر الأولى. وأوضحت الوزارة أن القوات المسلحة في حالة استنفار كامل لمواجهة أي تهديدات جوية تخترق الأجواء السيادية للدولة.

وكانت منطقة الشوامخ في أبو ظبي قد شهدت حادثاً مماثلاً يوم الإثنين الماضي، حيث سقطت شظايا صاروخ بالستي تم اعتراضه بنجاح. وأسفرت تلك الحادثة عن إصابة طفيفة لشخص يحمل الجنسية الهندية، دون وقوع خسائر في الأرواح في ذلك الوقت بحسب البيانات الرسمية.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الدفاع الإماراتية إلى حجم الضغوط العسكرية التي تتعرض لها البلاد منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي. حيث تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض وتدمير مئات الأهداف المعادية التي تنوعت بين الصواريخ البالستية والطائرات الانتحارية المسيرة.

وبحسب البيانات الرسمية، فقد بلغ إجمالي الأهداف التي تم التعامل معها 345 صاروخاً بالستياً و15 صاروخاً من طراز كروز، بالإضافة إلى أكثر من 1700 طائرة مسيرة. وتؤكد هذه الأرقام ضخامة العملية العسكرية المستمرة التي تستهدف البنية التحتية والمناطق المأهولة في الإمارات.

وتسببت هذه السلسلة من الهجمات المستمرة منذ أسابيع في سقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار مادية جسيمة في مرافق استراتيجية تشمل مطارات وموانئ ومباني سكنية. وتواصل الجهات المختصة تقييم الأضرار الناتجة عن هجمات اليوم الخميس في ظل استمرار حالة التأهب الأمني والدفاعي.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

البرازيل تدخل نادي مصنعي المقاتلات أسرع من الصوت بطائرة 'غريبن' المحلية

أعلنت السلطات البرازيلية رسمياً عن تدشين أول طائرة مقاتلة أسرع من الصوت يتم تصنيعها وتجميعها داخل الأراضي البرازيلية، وهي من طراز 'غريبن إف-39إي' التابعة لشركة ساب السويدية. وجرت مراسم الكشف عن الطائرة في منشأة غافياو بيكسوتو التابعة لولاية ساو باولو، بحضور الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وعدد من كبار القادة العسكريين والمسؤولين في الحكومة.

واعتبرت الرئاسة البرازيلية أن هذا التطور يمثل تحولاً نوعياً في الصناعات الدفاعية للقارة، كونه يجسد أول عملية توطين ناجحة لتكنولوجيا المقاتلات الحربية المتقدمة في أمريكا اللاتينية. ومن جانبه، أوضح وزير الدفاع خوسيه موسيو أن امتلاك هذه القدرات التصنيعية يرفع من جاهزية القوات المسلحة لحماية الحدود والسيادة الوطنية، كما يساهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن الإقليمي والقدرة الردعية للدولة.

وتأتي هذه الخطوة ضمن اتفاقية كبرى أبرمتها البرازيل للاستحواذ على 36 مقاتلة من هذا الطراز، حيث نصت الاتفاقية على أن يتم إنتاج 15 طائرة منها بالكامل داخل منشآت شركة 'إمبراير' البرازيلية. ويهدف هذا التعاون مع الجانب السويدي إلى نقل الخبرات التقنية الدقيقة لمهندسي الطيران البرازيليين، مما يضمن استقلالية أكبر في صيانة وتطوير الأسطول الجوي الحربي مستقبلاً.

وكانت عملية اختيار طائرة 'غريبن' قد جاءت بعد سلسلة طويلة من التقييمات الفنية والمنافسات المحتدمة مع طائرات عالمية أخرى، أبرزها مقاتلة 'رافال' الفرنسية و'سوبر هورنت' الأمريكية. وقد رجحت كفة العرض السويدي بفضل حزمة نقل التكنولوجيا التي قدمتها شركة ساب، والتي سمحت للبرازيل بأن تصبح شريكاً في عملية التصنيع وليس مجرد مستورد للسلاح.

وعلى الرغم من التزام البرازيل التاريخي بالحلول الدبلوماسية والسلمية، إلا أن الحكومة الحالية ترى ضرورة تحديث ترسانتها العسكرية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية المتزايدة حول العالم. وتراقب برازيليا باهتمام تداعيات النزاعات الدولية وتأثيراتها على أمن الطاقة والغذاء، بالإضافة إلى متابعة التطورات السياسية المتسارعة في الجارة فنزويلا عقب التغييرات الأخيرة في السلطة هناك.

اقتصاد

الخميس 26 مارس 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس 'بلاك روك' يحذر من ركود عالمي حاد حال وصول النفط إلى 150 دولاراً

أطلق لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة 'بلاك روك' العالمية، تحذيرات شديدة اللهجة من احتمالية انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود حاد. وأوضح فينك أن وصول أسعار النفط إلى حاجز 150 دولاراً للبرميل سيمثل ضربة قاصمة للاستقرار المالي الدولي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.

وأفادت مصادر إعلامية بأن فينك يرى أن استمرار التهديدات المرتبطة بإيران، بالتزامن مع عدم اليقين في أسواق الطاقة، يترك آثاراً عميقة على النمو. واعتبر أن مآلات النزاع الحالي لا تزال ضبابية، مما يضع المستثمرين وصناع القرار أمام تحديات صعبة للتنبؤ بمستقبل الأسواق المالية.

ورسم رئيس أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم سيناريوهين للمرحلة المقبلة، أولهما يقوم على احتواء الأزمة الراهنة وعودة الاستقرار، مما قد يهبط بالأسعار. أما السيناريو الثاني فينذر ببقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار لسنوات، مع احتمالية تجاوزها 150 دولاراً، وهو ما سيؤدي حتماً إلى تداعيات اقتصادية وخيمة.

وأشار فينك إلى أن الاضطرابات الناتجة عن النزاعات الدولية أدت بالفعل إلى تقلبات ملحوظة في الأسواق، حيث يسعى المستثمرون لتقدير تكاليف الطاقة المستقبلية. وفي هذا السياق، برزت مطالبات في بريطانيا بضرورة تعزيز الإنتاج المحلي من النفط والغاز لتقليل الارتهان للتقلبات الخارجية وضمان أمن الطاقة.

وشدد المسؤول الاقتصادي على أن ارتفاع تكاليف الطاقة يعمل كـ 'ضريبة رجعية' ترهق الفئات الأقل دخلاً بشكل يفوق الأثرياء بكثير. وأكد أن توفير مصادر طاقة رخيصة ومستدامة يظل هو المفتاح الأساسي لتحقيق النمو الاقتصادي ورفع مستوى معيشة الشعوب في مختلف القارات.

ودعا فينك إلى تبني نهج عملي يمزج بين استغلال كافة المصادر المتاحة حالياً وتسريع التحول نحو الطاقة البديلة والمتجددة. وحذر من مخاطر الاعتماد الكلي على مصدر واحد للطاقة، معتبراً أن التنوع هو الضمانة الوحيدة لمواجهة الصدمات الجيوسياسية المفاجئة التي تضرب سلاسل الإمداد.

وتوقع أن يدفع استمرار غلاء النفط لسنوات طويلة العديد من الدول نحو تسريع استثماراتها في طاقة الرياح والطاقة الشمسية. ويرى فينك أن هذا التحول لن يكون مدفوعاً فقط بالأهداف البيئية، بل بالحاجة الملحة لخفض التكاليف وضمان استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي.

وفي ملف التكنولوجيا، رفض فينك الادعاءات التي تتحدث عن وجود 'فقاعة' في قطاع الذكاء الاصطناعي رغم حجم الاستثمارات الهائل المتدفق إليه. وأكد أنه لا يرى مؤشرات على انفجار وشيك، معتبراً أن بعض حالات الفشل الفردية في الشركات الناشئة هي جزء طبيعي من دورة الابتكار.

وحذر من أن المنافسة التكنولوجية العالمية تزداد شراسة، خاصة مع الاستثمارات الضخمة التي تضخها الصين في هذا المجال الحيوي. وأشار إلى أن عدم كفاية الاستثمارات الغربية قد يمنح بكين تفوقاً استراتيجياً يصعب تعويضه في المستقبل القريب، مما يهدد التنافسية الأوروبية والأمريكية.

وانتقد فينك بطء التحرك في القارة الأوروبية فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية للطاقة اللازمة لدعم ثورة الذكاء الاصطناعي. ووصف الموقف الأوروبي بأنه يقتصر على 'الكثير من الكلام والقليل من الأفعال'، داعياً إلى التركيز على توفير طاقة رخيصة لدعم مراكز البيانات العملاقة.

وبالمقارنة مع الأزمة المالية العالمية في 2008، نفى فينك وجود أي أوجه تشابه بين الوضع الحالي وتلك الحقبة المأساوية. وأكد أن النظام المالي العالمي اليوم يتمتع بمتانة أكبر وهياكل تنظيمية تحميه من الانهيارات الشاملة التي شهدها العالم قبل نحو عقدين.

وعلى صعيد سوق العمل، توقع فينك أن يساهم الذكاء الاصطناعي في خلق طفرة من الوظائف التقنية والحرفية الماهرة. وأوضح أن المهن مثل الكهرباء واللحام والسباكة ستشهد طلباً متزايداً، في حين قد تتأثر بعض الوظائف المكتبية التقليدية نتيجة الأتمتة والتقنيات الحديثة.

واختتم فينك حديثه بالدعوة إلى إعادة صياغة المنظومة التعليمية، منتقداً التركيز المفرط على التعليم الجامعي الأكاديمي في الولايات المتحدة. وطالب بإعادة الاعتبار للتدريب المهني والحرفي، مؤكداً أن النجاح المهني في الاقتصاد الحديث بات يتطلب مهارات عملية تواكب التحولات التكنولوجية والطاقية.

عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

من 1983 إلى 2026.. تاريخ المواجهات الجوية وسقوط الطائرات الأمريكية في سماء المنطقة

أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في أوائل عام 2026، وما رافقها من تحطم مقاتلة أمريكية من طراز 'إف-15' غربي إيران، فتح سجلات المواجهات الجوية التاريخية في المنطقة. وتأتي هذه الحوادث لتعيد إلى الأذهان وقائع بقيت محفورة في الذاكرة العسكرية، لا سيما تلك التي شهدتها الساحة اللبنانية قبل أكثر من أربعة عقود حين واجهت واشنطن تحديات ميدانية غير مسبوقة.

تعود جذور الوجود العسكري الأمريكي المباشر في لبنان إلى عام 1958، خلال عهد الرئيس كميل شمعون الذي استنجد بواشنطن لمواجهة التهديدات السوفياتية وتنامي النفوذ الناصري. ونفذ الأسطول السادس آنذاك عملية 'الخفاش الأزرق'، حيث نزل أكثر من 10 آلاف جندي من 'المارينز' على شواطئ خلدة، في مشهد اختلطت فيه آليات الحرب بحياة المصطافين الهادئة على الساحل اللبناني.

لم يكن التدخل الأمريكي في الخمسينيات سوى تمهيد لعودة أكثر تعقيداً ودموية في عام 1982، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان. حيث أذن الرئيس رونالد ريغان بنشر قوة متعددة الجنسيات لتأمين خروج منظمة التحرير الفلسطينية، لكن هذا الدور 'الحيادي' سرعان ما تبدد مع انخراط الولايات المتحدة المباشر في الصراع الداخلي اللبناني واستهدافها لمواقع عسكرية جبلية.

شهد عام 1983 ذروة التصعيد، حيث تعرضت ثكنات المارينز في بيروت لتفجير هائل أدى إلى مقتل 241 جندياً أمريكياً، وهو ما وصفه مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه أكبر انفجار غير نووي منذ الحرب العالمية الثانية. هذا الهجوم دفع إدارة ريغان للبحث عن أهداف انتقامية، موجهة أصابع الاتهام نحو جهات مدعومة من دمشق وطهران، مما مهد الطريق لمواجهة جوية مباشرة.

في صبيحة الرابع من ديسمبر 1983، انطلقت 28 طائرة حربية أمريكية من حاملتي الطائرات 'إنديبندنس' و'جون كينيدي' لضرب مواقع سورية شرق بيروت. كانت المهمة تستهدف مستودعات ذخيرة ورادارات دفاع جوي، إلا أن الرد السوري كان عنيفاً وغير متوقع، حيث أطلقت البطاريات الأرضية نحو 40 صاروخاً باتجاه التشكيلات المهاجمة.

أسفرت تلك المواجهة عن إسقاط طائرتين أمريكيتين من طرازي 'A-6' و'A-7'، وسقطت إحداهما مشتعلة في منطقة جونية الساحلية، مما تسبب في أضرار مادية جسيمة وإصابات بين المدنيين. وقد وثقت التقارير الصحفية حينها احتفال الجنود السوريين فوق حطام الطائرات المحطمة، في مشهد عكس حجم التوتر الإقليمي والدولي على الأراضي اللبنانية.

الطيار إدوارد تي أندروز، الذي كان يقود طائرة 'A-7E كورسير'، تمكن من القفز بمظلته في عرض البحر الأبيض المتوسط، حيث أنقذه الجيش اللبناني قبل نقله إلى الأسطول السادس. أما طاقم الطائرة الثانية فقد واجه مصيراً مختلفاً، حيث قُتل الملازم مارك لانغ في ظروف غامضة أثناء الهبوط، بينما وقع زميله الملازم روبرت غودمان في الأسر.

أصبح الملازم روبرت غودمان أول أسير حرب أمريكي منذ نهاية حرب فيتنام، ونُقل إلى مجمع عسكري في دمشق حيث قضى شهراً كاملاً تحت ضغوط نفسية وجسدية. حاولت واشنطن استعادته عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية لكنها فشلت، إذ كانت دمشق تسعى لاستخدام ملفه للضغط من أجل انسحاب القوات الأمريكية الكامل من لبنان.

جاء الانفراج في أزمة الأسير غودمان من مسار غير تقليدي، قاده القس جيسي جاكسون، أحد رموز حركة الحقوق المدنية في أمريكا. حيث وجه جاكسون نداءً إنسانياً للرئيس السوري حافظ الأسد، تلاه زيارة لدمشق على رأس وفد ديني، انتهت بإطلاق سراح الطيار في مطلع يناير 1984 كبادرة إنسانية تجاه الشعب الأمريكي.

عقب العودة، استقبل الرئيس ريغان الطيار غودمان في البيت الأبيض استقبال الأبطال، مشيداً بجهود الوساطة التي قام بها جاكسون. وروى غودمان لاحقاً تفاصيل أسره في زنزانة رطبة بدمشق، وكيف كان يتلقى آلاف الرسائل من مواطنيه، مما عكس الاهتمام الشعبي الواسع بقضيته التي تحولت إلى رمز لتلك الحقبة الصعبة.

تؤكد الدراسات التوثيقية، مثل تلك الصادرة عن مؤسسة CFR أن الضربة الأمريكية عام 1983 كانت رداً على استهداف طائرات الاستطلاع، وليست مرتبطة رسمياً بتفجير الثكنات. ومع ذلك، فإن السياق العام يشير إلى أن واشنطن كانت تبحث عن استعادة هيبتها العسكرية في بيئة لبنانية معقدة تداخلت فيها القوى المحلية والإقليمية بشكل كثيف.

المواجهة الجوية فوق لبنان لم تكن مجرد تفصيل عسكري عابر، بل شكلت رسالة ميدانية قوية حول حدود القوة الأمريكية في مواجهة الدفاعات الجوية السورية. وقد استخدمت القوات السورية في تلك المعركة مزيجاً من صواريخ 'SA-7' المحمولة ومدافع 'ZSU-23' المضادة للطائرات، مما أربك حسابات المخططين العسكريين في البنتاغون.

بالعودة إلى عام 2026، تظهر التقارير عن سقوط طائرات أمريكية بنيران صديقة في الكويت أو تحطم مقاتلات في إيران أن التحديات الجوية لا تزال قائمة. إن الربط بين الماضي والحاضر يكشف عن استمرار الحساسية العسكرية في أجواء الشرق الأوسط، حيث تظل الطائرات الحربية هدفاً دائماً في صراعات النفوذ والسيطرة.

ختاماً، تبقى قصة إسقاط الطائرتين فوق لبنان فصلاً نادراً في تاريخ الحروب الحديثة، وشاهداً على حجم النفوذ الذي مارسته دمشق في تلك الفترة. إن هذه الوقائع المسجلة في الأرشيف العسكري الأمريكي تظل مرجعاً لفهم ديناميكيات الصراع التي لا تزال تشكل ملامح المنطقة حتى يومنا هذا.

أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

قبل الطلقة الأولى: اعرف النهاية السياسية


بقلم غرشون بسكين

على مدى سنوات طويلة من الانخراط في حوارات غير رسمية مع الفلسطينيين والإسرائيليين وفاعلين إقليميين، توصلتُ إلى استنتاج بسيط لكنه بالغ الأهمية ينبغي للجميع أن يفهمه — خاصة بعد كل ما مررنا به في السنوات الأخيرة: قبل البدء في حرب، يجب على القادة المسؤولين أن يسألوا أنفسهم كيف ستنتهي. ويجب أن تكون الإجابة في النهاية سياسية وتتحقق عبر الدبلوماسية.

الحروب سهلة البدء. لكنها أصعب بكثير في إنهائها.

لقد أظهر التاريخ مرارًا أن الحملات العسكرية التي تُطلق دون هدف سياسي واضح لنهايتها نادرًا ما تنتج استقرارًا. بل تخلّف دمارًا وصدمةً نفسية ومظالم غير محلولة تفرض في نهاية المطاف نفس الحوارات السياسية التي كان يمكن أن تتم قبل بدء القتال. إن المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران، إلى جانب الصراع المستمر مع حزب الله، تطرح هذا السؤال تحديدًا. فالعمليات العسكرية قد تحقق نجاحات تكتيكية. ويمكن اعتراض الصواريخ. ويمكن تدمير البنية التحتية. ويمكن القضاء على قادة عسكريين. لكن أيًّا من هذه الإجراءات لا يجيب على السؤال الاستراتيجي الأهم: ما هي الحقيقة السياسية التي ستوجد بعد أن تسكت البنادق؟ إذا بدا الوضع السياسي بعد الحرب كما كان قبله تمامًا، أو أسوأ، فإن المنطقة ستكون قد دفعت ثمنًا هائلًا مقابل مكسب استراتيجي ضئيل جدًا.

أحيانًا تخلق الحروب لحظات تحول استراتيجي. فعندما ينقشع الغبار، قد تفتح أبوابًا سياسية كانت تبدو مغلقة من قبل. والتحدي أمام إسرائيل والولايات المتحدة والعالم العربي اليوم هو إدراك أن مثل هذه اللحظة قد تكون آخذة في التشكل الآن.

لقد أدت المواجهة مع إيران وشبكة وكلائها الإقليميين إلى تسريع تحول مهم في الشرق الأوسط. فعدد متزايد من الدول العربية يرى أن مصالحه الأمنية تتقاطع بشكل متزايد مع إسرائيل في مواجهة طموحات إيران الإقليمية، وقدراتها الصاروخية، والتأثير المزعزع للاستقرار الذي تمارسه منظمات مسلحة بالوكالة مثل حزب الله وحماس وميليشيات أخرى. إن دولًا مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والأردن ومصر وغيرها تواجه الواقع الاستراتيجي نفسه: لا يمكن للمنطقة أن تحقق استقرارًا طويل الأمد بينما تمارس إيران نفوذها من خلال فاعلين مسلحين غير حكوميين وقدرات عسكرية مزعزعة للاستقرار. وقد أدى هذا القلق المشترك بالفعل إلى مستويات غير مسبوقة من التنسيق الأمني الهادئ والتعاون الاستخباراتي. كما عزز المنطق الكامن وراء بنية أمنية إقليمية ناشئة تربط بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة والولايات المتحدة ضمن إطار دفاعي تعاوني.

لكن التعاون الدفاعي الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على المنطق العسكري وحده. فبالنسبة للحكومات العربية، فإن التطبيع مع إسرائيل والمشاركة في إطار أمني إقليمي ليس مجرد حساب استراتيجي؛ بل هو أيضًا قضية سياسية مرتبطة بعمق بالمسألة الفلسطينية. ويدرك القادة العرب أن قدرتهم على تعميق العلاقات مع إسرائيل بطريقة علنية ودائمة تعتمد على إحراز تقدم موثوق نحو حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. هذه هي الحقيقة التي يجب على القادة الإسرائيليين مواجهتها.

على مدى أكثر من عقد من الزمن، تصرف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستمرار بطرق أضعفت إمكانية حل الدولتين. فقد ساهم التوسع الاستيطاني، والتهميش السياسي للقيادة الفلسطينية المعتدلة، وغياب أي مبادرة دبلوماسية جادة، في تآكل الأفق السياسي الضروري لتحقيق السلام. وبهذا، لم تُقوّض إسرائيل فرص حل الصراع فحسب، بل أضعفت أيضًا قدرتها على بناء شراكات استراتيجية أوسع في المنطقة.

ومع ذلك، فقد خلقت الحروب مع إيران وحزب الله فرصة استراتيجية محتملة لإسرائيل يمكن أن تحوّل موقعها في الشرق الأوسط بشكل جذري. إذ يمكن لإسرائيل أن تنتقل من موقع العزلة الإقليمية الجزئية إلى الاندماج الكامل ضمن نظام إقليمي تعاوني للأمن والاقتصاد. لكن هذا التحول لن يحدث دون معالجة القضية الفلسطينية.

بالنسبة لكثير من الإسرائيليين اليوم، تبدو فكرة الدولة الفلسطينية بعيدة أو غير واقعية. فقد أدت سنوات العنف والمفاوضات الفاشلة وانعدام الثقة العميق إلى تآكل الثقة في عملية السلام. كما أن صدمة هجمات السابع من أكتوبر والحرب المدمرة التي أعقبتها في غزة زادت من تشدد المواقف العامة. ومع ذلك، فإن غياب الحل السياسي لا ينتج الاستقرار. فالبديل عن إطار سياسي تفاوضي ليس اختفاء الصراع، بل استمراره الدائم. وطالما يعيش ملايين الفلسطينيين دون سيادة سياسية أو حق في تقرير المصير، فإن الصراع سيواصل توليد دورات من العنف والتطرف وعدم الاستقرار، ما يقوّض في نهاية المطاف أمن إسرائيل على المدى الطويل ومكانتها الدولية. ويظل حل الدولتين الإطار الوحيد القادر على التوفيق بين حاجة إسرائيل المشروعة إلى الأمن وتقرير المصير القومي، وبين تطلّع الفلسطينيين المشروع إلى الاستقلال والكرامة.

حتى في خضم الحرب الحالية، ترتفع أصوات من داخل المنطقة تحذر من مخاطر السماح للتصعيد العسكري بأن يحل محل الاستراتيجية السياسية. ففي بيان مشترك حديث، أدان نشطاء سلام إيرانيون وإسرائيليون الحرب وحذروا من أن تصاعد المواجهة العسكرية لن يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الأمن في المنطقة. وقد أشاروا إلى العداء الأيديولوجي للنظام الإيراني تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بوصفه دافعًا رئيسيًا للمواجهة، كما انتقدوا قرار القادة الإسرائيليين والأمريكيين اللجوء إلى الحرب دون استنفاد الخيارات الدبلوماسية أو تحديد أهداف سياسية واضحة. وكانت رسالتهم بسيطة: إن الحروب التي تُبرَّر بادعاءات وجود تهديدات وشيكة غالبًا ما تعمّق عدم الاستقرار بدلًا من حلّه، وأن التحول السياسي داخل إيران لا يمكن فرضه من الخارج بل يجب أن يأتي من المجتمع الإيراني نفسه. وقد دعوا إلى إنهاء فوري للأعمال العدائية وإلى تجديد الالتزام بالدبلوماسية والقانون الدولي والحلول السياسية.

تمتلك الولايات المتحدة والدول العربية الرئيسية نفوذًا كبيرًا في تشكيل الخيارات الاستراتيجية لإسرائيل. فوجود ضمانات أمنية، وتكامل دفاعي إقليمي، واتفاقيات تطبيع، ومبادرات تعاون اقتصادي واسعة النطاق يمكن أن يعيد تشكيل موقع إسرائيل الإقليمي بشكل جذري. ويمكن لإسرائيل أن تصبح ركيزة أساسية في بنية أمنية واقتصادية جديدة في الشرق الأوسط. لكن هذه الحوافز لن تتحقق دون التزام سياسي موثوق فيما يتعلق بمستقبل فلسطين. وهذا أمر ينبغي على الأحزاب السياسية الإسرائيلية في المعارضة أن تنتبه إليه: فإسرائيل ليست مطالبة بالتوصل فورًا إلى اتفاق نهائي. لكنها مطالبة بإرساء أفق سياسي واضح — مسار موثوق ومدعوم دوليًا نحو قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعيش بسلام إلى جانب إسرائيل. وسيتطلب مثل هذا الإطار ترتيبات أمنية قوية، وتنفيذًا تدريجيًا، وضمانات دولية. كما سيتطلب إصلاحات جدية داخل المؤسسات السياسية الفلسطينية وجهدًا حازمًا لضمان ألا تسيطر الجماعات المسلحة الملتزمة بالعنف على الحكم الفلسطيني.

لن يكون أي من هذا سهلًا. لكن البديل أسوأ بكثير.

لقد شهد الشرق الأوسط عددًا كبيرًا من الحروب التي بدأت دون تفكير جاد في النظام السياسي الذي يجب أن يتبعها. فالحرب الأهلية في لبنان، وحرب العراق، والكارثة السورية، والحروب المتكررة في غزة كلها تُظهر الدرس المؤلم نفسه: الانتصارات العسكرية دون أطر سياسية نادرًا ما تنتج استقرارًا دائمًا.

ينبغي ألا تتبع مواجهة إسرائيل مع إيران وحزب الله هذا النمط. بل يمكن أن تصبح محفزًا لتحول إقليمي أوسع — تحول يشمل تعاونًا دفاعيًا جماعيًا، وتوسيعًا للتطبيع بين إسرائيل والدول العربية، وعملية سياسية حقيقية تقود نحو السلام الإسرائيلي-الفلسطيني.

خلال العقود التي جلست فيها في غرف هادئة مع فلسطينيين وإسرائيليين وآخرين من المنطقة نناقش كيف يمكن أن ينتهي هذا الصراع أخيرًا، رأيت أن حتى الأعداء المريرين يفهمون غالبًا ملامح الحل قبل وقت طويل من استعداد قادتهم للتحرك. إن معالم السلام الإسرائيلي-الفلسطيني معروفة منذ سنوات عديدة. ولم يكن السؤال الحقيقي يومًا كيف يبدو الحل. بل كان دائمًا ما إذا كان لدى القادة الشجاعة للتحرك نحوه.

لا ينبغي أن تبدأ الحروب أبدًا دون رؤية للسلام الذي يجب أن يتبعها.

وهذه الرؤية طال انتظارها.


أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

أفكار حول الحروب في إيران ولبنان وغزة


الحرب في إيران

إن التراجع المفاجئ للرئيس ترامب عن تهديده بتدمير البنية التحتية للطاقة في إيران إذا لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، لم يكن ينبغي أن يفاجئ أحدًا. فترامب هو أكثر القادة تقلبًا في العالم. صورته الذاتية كصانع صفقات مهيمن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوة والمال. وعندما بدأت الحرب في إيران تؤثر على أسعار النفط وتُربك وول ستريت، اتضح أن للتصعيد حدودًا. يمكن لترامب دائمًا أن يبرر التراجع من خلال تقديم نفسه بوصفه المفاوض الأمثل. في نظره، الصفقات هي نتاج القوة. و"السلام من خلال القوة" ليس مجرد شعار، بل هو أسلوب عمله.

هل تشعر إسرائيل بالرضا عن قيام الولايات المتحدة بالتفاوض لإنهاء الحرب مع إيران؟ من الواضح أن الإجابة هي لا. لكن عندما يحدد ترامب توجهه، لا يملك نتنياهو سوى هامش ضيق للمناورة. وحتى في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، تبقى القنوات الدبلوماسية الأمريكية مفتوحة—كما يتضح من الطائرة الإيرانية التي غادرت إلى باكستان لمواصلة المفاوضات دون أن يتم اعتراضها.

يجب أن نطرح بعض الأسئلة الأساسية. هل كانت هذه حربًا ضرورية؟ أعتقد أنها لم تكن كذلك. هل تشكل إيران تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل والمنطقة؟ بالتأكيد. هل يشكل النظام الإيراني خطرًا على شعبه؟ أعتقد ذلك. هل سيستفيد العالم من إيران ديمقراطية؟ بلا شك. لكن هل ستؤدي هذه الحرب إلى تغيير النظام؟ من غير المرجح.

هل يمكن للحرب أن تزيل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب؟ ربما، ولكن فقط إذا حافظت الولايات المتحدة على الضغط. هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تضمن مرور النفط بأمان عبر مضيق هرمز؟ لا، فهذا يتطلب موافقة إيران. وفي النهاية، سيقرر ترامب متى تم تحقيق ما يكفي وسيعلن النصر.

بالنسبة لإسرائيل، قد يعني "النصر" إزالة اليورانيوم عالي التخصيب وفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني. لكن النظام سيبقى على الأرجح، وربما يصبح أكثر تطرفًا. وسيُعدّ ذلك فشلًا استراتيجيًا لإسرائيل، وكذلك للولايات المتحدة، وللشعب الإيراني.

هل هناك نهاية دبلوماسية؟ كان هناك بالتأكيد مسار دبلوماسي لمنع الحرب. أما إنهاؤها دبلوماسيًا فهو أكثر تعقيدًا، لكنه ضروري. وربما يكون ترامب وحده القادر على تحقيق ذلك. ما الذي أثر على قراره؟ أسواق النفط، وول ستريت، ودور الفاعلين الإقليميين: السعودية، والإمارات، وقطر—الذين ساهم تأثيرهم أيضًا في إنهاء الحرب في غزة.

الحرب مع حزب الله

هناك مسار دبلوماسي واضح لإنهاء الحرب مع حزب الله، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت حتى الآن السير فيه. يتمثل هذا المسار في المبادرة الفرنسية، التي تتطور تدريجيًا لتصبح مبادرة مشتركة أمريكية–فرنسية—وربما تُعرف في النهاية بمبادرة ترامب.

تبدأ الخطة بوقف فوري لإطلاق النار، انطلاقًا من أن أي عملية سياسية لا يمكن أن تتقدم في ظل القتال. وترى فرنسا، عن حق، أن نزع سلاح حزب الله غير ممكن بينما يتعرض لبنان للهجوم.

تقترح المبادرة عملية تدريجية: مفاوضات بين إسرائيل ولبنان، ربما في باريس أو في الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء وتطبيق معزّز لقرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006. ومن العناصر الأساسية نشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان ليحل محل حزب الله. ويُفترض أن يتم ذلك بدعم دولي بقيادة الولايات المتحدة لتعزيز الحكومة اللبنانية برئاسة جوزيف عون ورئاسة الوزراء لنواف سلام، وهما يُنظر إليهما كخصمين لحزب الله. كما تفترض الخطة انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من جنوب لبنان.

وخلال فترة زمنية محددة، يُتوقع أن يتخلى حزب الله عن سلاحه مع تعزز مؤسسات الدولة اللبنانية، وخاصة الجيش. كما تفتح المبادرة الباب أمام إمكانية تطبيع العلاقات بين إسرائيل ولبنان بعد التوصل إلى اتفاق أمني–عسكري.

يشكل هذا اختبارًا حاسمًا لترامب. فإذا تبنى هذا الإطار، يمكنه دفع إسرائيل إلى إنهاء عملياتها العسكرية وقبول تسوية حدودية. لكن التحديات كبيرة: رفض إسرائيل، وعدم استعداد حزب الله لنزع سلاحه، وضعف الدولة اللبنانية. ومع ذلك، توفر الخطة بديلًا منظمًا للحرب المستمرة، وتؤكد حقيقة أساسية: الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا من خلال اتفاق سياسي.

نتنياهو ومساعي ترامب للسلام

تظل حكومة نتنياهو مقتنعة بأن القوة العسكرية يمكن أن تحقق نصرًا حاسمًا على إيران وحزب الله وحماس. وقد شكّل هذا الاعتقاد الاستراتيجية الإسرائيلية على جميع الجبهات. ومع ذلك، لم يستسلم أي من هذه الأطراف. فقد تعرضت إيران وحزب الله وحماس لضربات قاسية، لكنها تواصل القتال.

كما أن هناك أصواتًا في المنطقة تدعو ترامب إلى عدم الاكتفاء بنتائج جزئية. فقد دعا أنور قرقاش، المستشار البارز لرئيس دولة الإمارات، إلى أن تنتهي الحرب ليس بوقف إطلاق النار فقط، بل باحتواء البرنامج النووي الإيراني وقدراته الصاروخية ونفوذه الإقليمي. وإذا تمكن ترامب من تحقيق ذلك، فسيحظى بدعم إقليمي واسع—ربما باستثناء نتنياهو. لكن نتنياهو في النهاية لا يستطيع تحدي قرارات ترامب.

غزة

على الرغم من الانطباعات السائدة، تظل غزة محورًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمريكية. تسعى واشنطن إلى المضي قدمًا في المرحلة الثانية من خطتها، بما في ذلك ترتيبات نزع سلاح حماس. وقد قُدّم مؤخرًا مقترح بهذا الشأن إلى قيادة حماس في القاهرة من قبل المندوب الدولي نيكولاي ملادينوف. ورغم أن المسؤولين الأمريكيين لم يلتقوا حماس مباشرة، فقد تواصلوا مع وسطاء من قطر ومصر وتركيا.

لكن الوقت ينفد. غزة لا يمكنها الانتظار. فقد ملأت حماس فراغ السلطة رغم السخط الشعبي الواسع. وأصبحت القيادة الخارجية أقل تأثيرًا، بينما تنتقل مراكز القرار إلى الداخل. على الولايات المتحدة أن تنخرط مباشرة مع القيادة داخل غزة، ومن الواضح أنها مستعدة لذلك.

وإذا لم يتحسن الوضع قريبًا، فقد تستغل إسرائيل الفرصة للعودة إلى حرب شاملة. وإذا انتهت جبهتا إيران ولبنان تحت ضغط أمريكي، فقد تحصل إسرائيل على ضوء أخضر من ترامب لتصعيد العمليات في غزة.

حدود القوة العسكرية

في إيران ولبنان وغزة، تتضح حدود القوة العسكرية بشكل متزايد. فالقوة قد تُضعف الخصوم، لكنها لا تقضي عليهم ولا تحل جذور الصراع. تبقى الحلول السياسية هي الطريق الوحيد لتحقيق استقرار دائم.

قد ينجح نهج ترامب، القائم على القوة والصفقات، في تحقيق نتائج دبلوماسية. لكن ذلك يعتمد على قدرته على تحويل النفوذ العسكري إلى اتفاقات سياسية مستدامة. البديل واضح: دورات متواصلة من الحروب دون نهاية حاسمة.

يريد ترامب أن يُذكر كرئيس صانع للسلام—ولديه القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى دبلوماسية فعّالة.


أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

هل تتقاسم الولايات المتحدة وإيران النفوذ في مضيق هرمز؟

https://www.youtube.com/watch?v=1zHw6Bnh3kk

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. علي الجرباوي أن الحرب الدائرة الآن، هي صراع على مستقبل النظام الدولي تتفاعل فيه القوى الكبرى، كلٌّ بطريقته. ويقول ان الحرب ستستمر وان السقف العالي للشروط المتبادلة تكون عادة في بداية أي عملية تفاوض إذ إن كلّ طرف يدعي أنه هو الطرف المنتصر.

https://youtu.be/1zHw6Bnh3kk



عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس الاستخبارات البريطانية السابق: طهران تتفوق استراتيجياً وواشنطن فقدت المبادرة

أدلى أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، بتصريحات لافتة أكد فيها أن إيران باتت تمتلك 'اليد العليا' في المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأشار يونغر إلى أن الإدارة الأمريكية قللت بشكل كبير من حجم التحدي الذي تمثله طهران، مما أدى إلى فقدان واشنطن لزمام المبادرة الميدانية والسياسية خلال الأسبوعين الماضيين لصالح النظام الإيراني.

واعتبر المسؤول الاستخباراتي السابق أن النظام في طهران أظهر قدرة غير متوقعة على الصمود وتجاوز التقديرات الغربية، موضحاً أن القيادة الإيرانية اتخذت قرارات استراتيجية ذكية منذ الصيف الماضي. وشملت هذه القرارات توزيع القدرات العسكرية وتفويض صلاحيات ميدانية واسعة لاستخدام الأسلحة، مما منح القوات الإيرانية مرونة فائقة في مواجهة الحملات الجوية المكثفة التي استهدفتها.

وفي تحليل لطبيعة الصراع، رأى يونغر أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ساهمت في تعزيز العقيدة القتالية لدى الإيرانيين، حيث باتوا ينظرون إلى المواجهة كحرب وجودية وحضارية لا تقبل القسمة على اثنين. وفي المقابل، تظهر الولايات المتحدة وكأنها تخوض 'حرباً اختيارية'، وهو تباين في الدوافع يمنح طهران نفساً أطول وقدرة أكبر على الاستمرار في القتال مقارنة بخصومها.

وتطرق يونغر إلى استراتيجية 'التصعيد الأفقي' التي اتبعتها طهران، عبر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مصالح حيوية في دول الخليج التي تحتضن قواعد عسكرية أمريكية. وذكر أن هذه التحركات تهدف إلى ممارسة ضغوط غير مباشرة على واشنطن وتدويل الصراع، خاصة مع إدراك طهران المبكر لأهمية سلاح الطاقة في التأثير على القرار الدولي.

وشدد الخبير البريطاني على أن السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، الذي يتدفق عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، منحت طهران أفضلية واضحة في مسار الحرب الدائرة. ووصف يونغر الأداء الإيراني بأنه اتسم بمهارة عالية في إدارة 'أوراق ضعيفة' وتحويلها إلى نقاط قوة استراتيجية أربكت حسابات المخططين العسكريين في تل أبيب وواشنطن.

وتأتي هذه القراءة التحليلية في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية منذ أواخر فبراير الماضي، والتي أسفرت عن اغتيال شخصيات قيادية بارزة. ورغم هذه الضربات، تواصل طهران الرد باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، مع الحفاظ على نفوذها البحري والسياسي في الممرات المائية الحيوية.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي في واشنطن، نقلت مصادر عن أعضاء في مجلس الشيوخ انتقادات حادة لإدارة ترامب بسبب غياب رؤية واضحة لما بعد العمليات العسكرية. وأكد المشرعون أن أهداف الحرب لا تزال ضبابية، خاصة وأن تقارير استخباراتية أشارت إلى أن طهران لم تكن قريبة من تطوير سلاح نووي قبيل اندلاع المواجهة، مما يضعف المبررات التي سيقت لبدء القتال.

وفي ختام تقييمه، ربط يونغر بين التخبط الحالي وفشل استخباراتي سابق تمثل في أحداث السابع من أكتوبر 2023، مؤكداً أن حكومة بنيامين نتنياهو ارتكبت خطأً فادحاً بتجاهل التحذيرات المسبقة. وأوضح أن العقلية الاستخباراتية التي استهانت بقدرات المقاومة الفلسطينية هي ذاتها التي تقود اليوم تقييمات قاصرة تجاه القدرات الإيرانية وتماسك جبهتها الداخلية.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

70 منزلًا في حي البستان تواجه خطر هدم وشيك و1000 مقدسي مهددون بالتهجير... تهجير 65 فرداً من 11 شقة في بطن الهوى لصالح المستوطنين

القدس-  محمد أبو خضير- "القدس" دوت كوم - تشهد بلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى المبارك، تصعيدًا خطيرًا في عمليات التهجير القسري التي تنفذها سلطات الاحتلال والجماعات الاستيطانية. تأتي هذه العمليات في إطار مخطط شامل ومُقَر رسميًا من حكومة الاحتلال يهدف إلى تفريغ تلك المنطقة الحساسة والاستراتيجية والاثرية من المواطنين وإحلال المستوطنين مكانهم، مستغلًا الظروف الإقليمية والدولية.  
ففي عملية وصفت بالمنسقة والممنهجة، تحدث المواطن المقدسي يعقوب الرجبي واصفًا ما جرى أمس قائلاً إن قوات الاحتلال اقتحمت منزله في حي بطن الهوى وبدأت بتفريغ محتوياته تمهيدًا لاستيلاء المستوطنين عليه.
 وأضاف أن قوات الاحتلال أخلت 11 منزلًا لعائلة الرجبي تضم نحو 65 فردًا، بينها 4 شقق له ولأشقائه، بهدف السيطرة عليها وطردهم منها بالقوة.
وأشار الرجبي إلى أن عائلته تخوض معارك قانونية في محاكم الاحتلال منذ 11 عامًا، عقب تلقيها أوامر بالإخلاء بادعاء كاذب ملكية الأراضي ليهود من أصول يمنية منذ عام 1881.
 وتابع قائلاً: "حاولنا خلال السنوات الماضية تقديم الوثائق الرسمية وأوراق الملكية، إلا أن المحاكم الإسرائيلية واصلت إصدار قرارات لصالح الجمعيات الاستيطانية دون أي دليل أو إثبات".

  "نحن لسنا ضيوفًا في مدينتنا"
وفي تصريحات لـ"القدس"، قال زهير الرجبي، رئيس لجنة حي بطن الهوى: " إن هذه القرارات سياسية بامتياز وليست قضائية كما يحاول الاحتلال تصويرها. الهدف هو السيطرة على الحي واستبدال سكانه الأصليين بمستوطنين. نحن هنا منذ مئات السنين ولسنا غرباء أو ضيوفًا، هذه أرضنا وبيوتنا".
وأعرب الرجبي عن وجود حالة من القلق الكبير لدى السكان، لكن في المقابل هناك إصرار أكبر على الصمود.
 وأضاف: "يعيش السكان تحت ضغط نفسي هائل، لكن الجميع متفق على أننا لن نرحل مهما كلف الأمر" .
وأكد الرجبي "أن المحاكم الإسرائيلية منحازة بالكامل لصالح المستوطنين، لكننا نلجأ إليها لتأكيد حقوقنا ولإبقاء قضيتنا حية أمام الرأي العام".
 وقال: "قضيتنا عادلة، وحتى لو لم تصدر هذه المحاكم قرارًا لصالحنا، فإن التاريخ والقانون الدولي في صفنا".
عائلة بصبوص: النزوح بعد 63 عامًا
أما عائلة بصبوص، فقد تعرضت لعمليات استيلاء متتالية. ففي يوم الأحد 22 آذار 2026، استولى المستوطنون على شقتين تعودان للمواطنين رائد ومحمد بصبوص . ثم في 25 آذار 2026، أعقبت ذلك عملية استيلاء على شقتين إضافيتين تعودان لمواطن ووالده، حيث تم إخلاء العائلة قسرًا واعتقال الشاب أنس رأفت بصبوص بعد الإخلاء .
وفي شهادة مؤثرة، تحدث المسن يوسف بصبوص، الذي قضى في منزله 63 عامًا، قائلاً: "أسكن بهذا المنزل منذ عام 1963، واليوم أُطرد منه كي يسكنه المستوطنون، ولا نعلم أين سنذهب، بعد أن بتنا بدون مأوى. هذا البيت بنيته حجر حجر، وضعتُ فيه كل ما أملك، فيه ذكرياتنا وحياتنا، كيف يتم طردنا منه وتهجيرنا للسماح للمستوطنين بالعيش فيه؟".
وأكد بصبوص أن عائلته اشترت الأرض عام 1963 وتمتلك كافة الوثائق والمستندات التي تثبت ملكيتها، إلا أن المحاكم رفضت هذه الوثائق، وقالت إن الأرض تُصنّفها المحاكم كأملاك تعود ليهود من أصول يمنية "دون أي دليل".
 
  80 شقة تحت قرارات الإخلاء
في بيان صادر عن مركز معلومات وادي حلوة وبحسب جمعية "عير عميم"، أوضح المركز أن عدد الشقق السكنية التي تم الاستيلاء عليها أو صدرت بحقها قرارات إخلاء في حي بطن الهوى وحده تجاوز 80 شقة، تعود لعشرات العائلات المقدسية . وأشار المركز إلى أن هذه السياسات أدت إلى تهجير عشرات العائلات الفلسطينية من منازلها في سلوان، بدعم مباشر من سلطات الاحتلال التي توفر حماية أمنية للمنظمات الاستيطانية أثناء عمليات الاستيلاء.

 عير عميم: هذا جزء من مخطط لتكريس السيطرة الاستيطانية حول البلدة القديمة
في بيان لها، قالت مؤسسة "عير عميم": "إن الاستيطان في بطن الهوى الذي تعمل على تطويره جمعية عطارت كوهنيم هو جزء لا يتجزأ من جهود المنظمات الاستيطانية والسلطات الإسرائيلية لتوطيد السيطرة اليهودية على البلدة القديمة والأحياء الفلسطينية المحيطة بها، وخلق واقع لا رجعة فيه في الحوض المقدس حول البلدة القديمة، الأمر الذي يقوض عمدًا جهود التوصل إلى تسوية سياسية متفق عليها بشأن القدس".
وأضافت المنظمة في بيان آخر: "تعمل المنظمات الاستيطانية، تحت رعاية نظام تمييزي، على تجريد المجتمع الفلسطيني من منازله واقتلاعه منها، وتجريد إسرائيل من أي فرصة لحل دبلوماسي في المستقبل" .

أكثر من 2200 مقدسي مهددون بالنزوح
من جانبها، حذرت مؤسسة "بتسليم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان من أن سكان سلوان يواجهون "خطرًا حقيقيًا" من التهجير والاستيلاء على الأراضي . وقالت المؤسسة في بيان لها إن عمليات الإخلاء في بطن الهوى ووادي حلوة، إلى جانب هدم المنازل في البستان، أدت إلى تهجير مئات الأشخاص خلال العامين الماضيين.
وأوضحت "بتسليم" أن أكثر من 2200 شخص (نحو 90 عائلة) في بطن الهوى مهددون بالتهجير ، بمن فيهم نحو 200 طفل، بالإضافة إلى حوالي 1500 من سكان 150 عائلة في حي البستان . وكشفت المنظمة أن أكثر من 30 عائلة فلسطينية تم تهجيرها من بطن الهوى منذ عام 2015، حيث استولى المستوطنون على منازلها . وأضافت أن المحاكم رفضت استئنافات متعددة قبل أن تأمر 157 مقيمًا بمغادرة منازلهم في أحكام صدرت في أواخر عام 2025.

آلية التهجير: جعل الحياة لا تُحتمل
وأشارت "بتسليم" إلى أن المستوطنين في الحي، بدعم من حراس أمن خاصين تمولهم وزارة الإسكان الإسرائيلية، يضايقون المواطنين ويحرضون على مواجهات عنيفة، ويقودون بشكل متكرر إلى اعتقال فلسطينيين من قبل الشرطة بحجج مختلفة . وأضافت أنه مع انتقال المستوطنين إلى الحي، زاد وجود شرطة إسرائيل وحرس الحدود بشكل كبير. ويستخدم الضباط أيضًا العنف ضد الفلسطينيين، ويصدرون التهديدات، ويحتجزون القاصرين، ويعطلون الحياة اليومية.
واختتمت "بتسليم" قائلة: "هكذا، حتى قبل أن يتم طردهم جسديًا من منازلهم، يعاني سكان بطن الهوى من إساءة لا هوادة فيها، مدعومة بالكامل من مؤسسات الدولة الإسرائيلية وقوات الأمن، مما يجعل حياتهم لا تُحتمل ويهدف إلى دفعهم إلى المغادرة 'طواعية'".

تصنيف استيطاني جديد يقسم سلوان إلى قسمين
في إطار المخطط الإسرائيلي الشامل، قال فريق مركز التخطيط البديل (Alternative Planning Center) إن تغييرات تقنية وميدانية وصفها بـ"المقلقة" على الخرائط الرسمية لبلدية الاحتلال في القدس المحتلة. وأوضح المركز أن هذه التغييرات تُظهر تقليصًا متعمدًا للحدود البلدية لبلدة سلوان، مع إعادة ضم مناطق حيوية إلى ما يسمى مستوطنة "مدينة داود".
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في شؤون الخرائط والاستيطان خليل التفكجي أن هذا التغيير يقسم بلدة سلوان فعليًا إلى قسمين؛ قسم عربي وآخر يهودي - استيطاني. وأشار التفكجي إلى أن بلدية الاحتلال تعتبر الآن الأجزاء المضمومة من حي وادي حلوة جزءًا من (الحي اليهودي) الذي يتم توسيع حدوده باستمرار نحو الغرب والشرق .

أهداف المخطط: تغيير ديمغرافي شامل
وقالت مرجعيات وطنية ودينية ومحافظة القدس إن هذه الإجراءات باطلة وغير شرعية، وتهدف في المقام الأول إلى إعادة هيكلة المشهد المكاني والسياسي للمدينة المقدسة. وأضافت أن هذه الخطوة تهدف إلى تقطيع أوصال الأحياء الفلسطينية والقرى المجاورة للبلدة القديمة وربط الأحياء الفلسطينية بإطار تراثي مزيف يخدم الرواية الصهيونية في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة.
ومن خلال هذا الترسيم، تسعى سلطات الاحتلال إلى تحويل أحياء البستان ووادي الربابة ووادي حلوة إلى مناطق ذات طابع يهودي كامل. وتتمتع هذه المناطق المضمومة بامتيازات وخدمات متنوعة تهدف إلى تعزيز الوجود الاستيطاني على حساب السكان الأصليين الفلسطينيين الذين يواجهون خطر التهجير.

مساحة الحي اليهودي المخطط في قلب سلوان
يقدر خبراء مقدسيون مساحة الحي اليهودي المخطط في قلب سلوان بنحو كيلومترين مربعين، تقع جميعها ضمن ما يسمى "الحوض المقدس" (Holy Basin). ويهدف هذا المخطط إلى تعزيز السيطرة على القدس الشرقية المحتلة وربطها بالجزء الغربي من المدينة ضمن رؤية تهويد شاملة تلغي خط الهدنة لعام – ١٩٦٧- 1948.
ويرى التفكجي  أن إعادة رسم الحدود هذه تنبع هذه المرة من دوافع دينية – توراتية تخدم أهدافًا سياسية توسعية، حيث تدعي سلطات الاحتلال أن أجزاء من سلوان تمثل "مدينة الملك داود" التاريخية . وتُستخدم هذه الروايات الدينية كغطاء قانوني لمصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديمغرافي في المنطقة الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك.

 مشروع "حديقة الملك"– أخطر المشاريع
يبرز مشروع "حديقة الملك" كواحد من أخطر المشاريع التي تهدد بترحيل أكثر من 1000 فلسطيني من حي البستان في سلوان. وفي هذا السياق، أوضحت مؤسسة "عير عميم" (Ir Amim) الإسرائيلية الحقوقية أن هذا المخطط يهدف إلى إنشاء حديقة سياحية وأثرية (الخطة 18000) تمتد من "مدينة داود" جنوبًا لتشمل حي البستان بأكمله وصولاً إلى البؤرة الاستيطانية في بطن الهوى حيث تنشط جمعية "عطارت كوهنيم" الاستيطانية.
وتقول جمعية "عير عميم" الحقوقية أن هذا المخطط يمثل تمددًا سلسًا للمعالم السياحية في "مدينة داود"، ما يؤدي إلى تآكل شخصية الحي ونسيجه المعيشي، وصولاً إلى التهجير القسري لمجتمع بأكمله . وكانت بلدية الاحتلال قدمت هذا المخطط في عام 2010، لكنها عادت لتفعيله في السنوات الأخيرة(٢٠٢٥-٢٠٣٠) بعد أن شعرت بالجرأة إثر السياسات الأمريكية الداعمة بعد نقل السفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس المحتلة ) وبعد عودة الرئيس الأمريكي ترامب للبيت الأبيض.
وفي تطور ميداني خطير، أفادت مؤسسة "بتسليم" (B'Tselem) الإسرائيلية لحقوق الإنسان أنه في أوائل شباط 2026، دخلت أربع جرافات تابعة لبلدية الاحتلال إلى حي البستان وشرعت بهدم جدران وأسوار وهياكل تخزين وبوابات وممتلكات تجارية تعود لسكان الحي من المواطنين الفلسطينيين، دون سابق إنذار . وتم تبرير هذا الهدم من خلال الاستخدام المتلاعب بلائحة بلدية الإسرائيلية الداعمة للاستيطان والمستوطنين تهدف ظاهريًا إلى "إزالة عوائق من الشارع"، على الرغم من أن الهياكل المستهدفة كانت قائمة لسنوات على أراضٍ لم تُخصص أبدًا كشارع.

التهجير الجماعي
وحذرت "بتسليم" من أن نحو 70 منزلًا في حي البستان تواجه خطر هدم وشيك، مما يهدد أكثر من 1000 فرد من مجتمع واحد بخطر التهجير الجماعي . وأشارت المنظمة إلى أن بلدية الاحتلال قدمت في أواخر شباط 2026 اعتراضًا للمحكمة على طلب السكان تمديد تجميد الهدم، مما يشير إلى نيتها إحياء المخطط بشكل كامل وطرد جماعي للمواطنين الفلسطينيين من منازلهم.
  مشروع "نفق الحجاج" (Pilgrims' Path) والمشاريع التراثية
ترتبط هذه التحركات بمشاريع تهويد كبرى تم تنفيذها سابقًا، مثل الجسر المعلق الذي جرى تجميده مؤقتًا، ومشروع "كيدم" الاستيطاني، بالإضافة إلى نفق "طريق الحجاج" (Pilgrims' Path) . وهذه المشاريع جميعها تهدف إلى خلق شريط استيطاني يقطع تواصل الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية المحتلة ويفصلها عن باقي الضفة الغربية .
مشروع "وادي حلوة" وتوسيع "مدينة داود"
في حي وادي حلوة، يعمل المستوطنون من خلال جمعية "إلعاد" (Elad) التي تدير موقع الاستيطاني "مدينة داود" الأثري منذ التسعينيات، بهدف تهويد الحي وطرد سكانه الفلسطينيين . وكشفت "بتسليم" أن هذه الجمعيات الاستيطانية تعمل بالتعاون الوثيق مع سلطات الاحتلال، حيث تتلقى حراسًا أمنيين خاصين تمولهم وزارة الإسكان الإسرائيلية بمئات الملايين من الشواقل سنويًا.
  خطة توسيع "المنتزه الوطني" على حساب الأراضي الفلسطينية
ويهدف المخطط الجديد إلى تحويل 334 دونمًا من أراضي البلدة إلى "منتزه وطني" يُمنع الفلسطينيون من استخدامه أو البناء عليه . ويأتي ذلك ضمن جهود فرض "السيادة التاريخية" المزعومة للاحتلال، وتحويل المنطقة إلى متحف مفتوح يروّج للخرافات التلمودية ويمحو الهوية العربية والإسلامية.
قانون أملاك الغائبين وآلية الوصي العام
توثق "بتسليم" الآليات (القانونية – المزعومة ) التي تستخدمها سلطات الاحتلال لتنفيذ مخطط التهجير، وأبرزها قانون أملاك الغائبين لعام 1950، الذي يطبق على الممتلكات الفلسطينية في القدس المحتلة، وقانون الأمور القانونية والإدارية لعام 1970، الذي يسمح فعليًا لليهود فقط بالمطالبة بملكية الممتلكات المملوكة قبل عام 1948 علماً أن المقدسيين يملكون ٩٧ ٪ من القدس الغربية والشرقية.
وتضيف "بتسليم" أن هناك آلية أخرى تستخدمها المنظمات الاستيطانية للاستيلاء على الممتلكات، تعمل من خلال مكتب "الوصي العام" (Guardian General)، وهو وكالة حكومية تأسست بعد قانون أملاك الغائبين، وتتمتع بسلطة إدارة "الأمانات اليهودية" (hekdesh) في القدس الشرقية المحتلة. وغالبًا ما يسمح الوصي العام للمنظمات اليمينية المتطرفة بشراء الممتلكات التي يديرها ذلك الوصي الاستيطاني والتي تعيش فيها عائلات فلسطينية دون سند او وثائق.
الاستيلاء على أراضي عائلة الرجبي
وفي هذا السياق، أوضحت "بتسليم" أنه في عام 2002، تم نقل الأراضي التي تقع عليها المباني التي تسكنها معظم العائلات المهددة بالتهجير إلى هذه الأمانة من قبل الوصي العام- بحجة انها أملاك غائبين، وتم بيع قطعة أرض إضافية مساحتها ثلاثة دونمات، تضم 10 عائلات فلسطينية أخرى، إلى الأمانة في عام 2005 .
التمييز العنصري في التخطيط والخدمات
وأكدت "بتسليم" أن التمييز الفاضح بين اليهود والفلسطينيين في إطار نظام الفصل العنصري الإسرائيلي لا يقتصر على القوانين التمييزية، بل يتجلى أيضًا في التخطيط والميزانيات وتقديم الخدمات. فبينما يعاني السكان الفلسطينيون في سلوان من الإهمال المتعمد المدعوم بعنف منهجي من الحكومة والشرطة والبلدية الإسرائيلية، يتمتع المستوطنون في البؤر الاستيطانية في الحي بمرافق أمنية على مدار الساعة وخدمات وبنية تحتية حديثة، بما في ذلك طرق معبدة وشوارع أوسع وأفضل إضاءة، تمول جزئيًا من أموال دافعي الضرائب وإعفاء من كل الضرائب.
الأمم المتحدة تؤكد: التهجير القسري ينتهك القانون الدولي
في بيان صحفي، أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة أن وتيرة التهجير القسري للفلسطينيين في القدس الشرقية تتسارع، مع عمليات الهدم والإخلاء في حي سلوان جنوب البلدة القديمة.
وجاء في البيان: "بحسب ما تؤكده محكمة العدل الدولية في تموز 2024، فإن سياسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك عمليات الإخلاء القسري والهدم الواسع للمنازل، تتعارض مع حظر النقل القسري بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. ودعت المحكمة إسرائيل إلى إنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك وقف جميع أنشطة الاستيطان الجديدة فورًا وإخلاء جميع المستوطنين من الأرض".
ويبقى مستقبل حي بطن الهوى وسلوان بشكل عام معلقًا بين إرادة السكان المقدسيين في الصمود على أرضهم، وبين إرادة الاحتلال في إنهاء الوجود الفلسطيني في المنطقة الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك، في سباق مع الزمن لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد في القدس الشرقية المحتلة.



أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

سكان الأرياف يُكابدون توحش المستوطنين!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

خلف ستائر الدخان المتصاعد في المنطقة، يرتكب المستوطنون الإرهابيون جرائم بلا انقطاع، آناء الليل وأطراف النهار، بحق القرى والبلدات والخِرَب والتجمعات البدوية في جميع أنحاء الضفة، يعيدون خلالها إنتاج الفظائع التي ارتكبها أجدادهم من عصابات "الأرغون، وشتيرن، وليحي، والهاغانا" في القرى والبلدات عام ٤٨.
"لم أتوقع  يوماً أن يكون فيه همي الوحيد إنقاذ أطفالي من الحريق الذي حاصرتهم ألسنته داخل البيت، وكادت تفتك بهم جميعاً"، هكذا وصف أبٌ بكلماتٍ مرتجفة، وعيونٍ ذاهلة، ما تعرضت له عائلته في دير الحطب، في ليلةٍ من أشد الليالي وطأةً على أطفاله وهو  يكابد معهم جرائم المستوطنين، قبل أن ينجح بأعجوبةٍ في تصعيدهم إلى سطح المنزل، الذي تحوّل من مكانٍ للسكن إلى "مصيدة" للنيران، بينما كان عشرات المستوطنين يحاصرونه بالنار التي طالت السيارات والأشجار.
في قريوت، كما في دير الحطب، وسنجل، وترمسعيا، والمغير، ومخماس، وبيت فوريك، وكفر قدوم، وبيت إمرين، ونحالين، وتجمعات وقرى المسافر في يطا، والمالح في الأغوار، وغيرها من القرى والبلدات المحاصرة بأحزمة المستوطنات، استحالت الحياة جحيماً لا يطاق، ينام فيها الناس بعيونٍ مفتوحة، تحسّباً من هجماتٍ ليليةٍ مفاجئةٍ تستهدف المنازل، سيما تلك المقامة على الأطراف، حيث يسهل التفرد بها لترهيب سكانها لإجبارهم على الرحيل، بعد إحراق بيوتهم، وسرقة مواشيهم، واقتلاع أشجارهم، ومصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم.
مثيرٌ للسخرية ذلك القرار الذي اتخذه نتنياهو، في محاولةٍ منه لامتصاص الانتقادات الدولية، بما فيها الأمريكية، المنددة بجرائم المستوطنين، بإقرار موازنةٍ خاصةٍ لمعالجة جرائم أولئك الإرهابيين التي يصفها الذئب بـ"عبث أطفال"، رغم أنهم يرتدون زي العصابات القديمة، وأنه سيتم التعامل معهم في إطار المعالجة التربوية، وتعديل السلوك، لمجموعاتٍ من الأشرار يمارسون إرهابهم تحت أعين جنود الاحتلال وبمساعدتهم.
بيانات الإدانة الصادرة عن الممثليات الأجنبية في فلسطين، على أهميتها وتقديرنا لها، لم تعد "المقال الذي يناسب المقام"، فالإرهاب منظم، ترعاه حكومةٌ موغلةٌ بالتطرف، ويدعمه جيشٌ يُشبهها، ولا بد من إجراءاتٍ تلجم شهوة الإبادة التي تستبد بالجناة.
إن قيام رؤساء تلك الممثليات بجولةٍ ميدانيةٍ في المناطق المستهدفة بالإرهاب، والاستماع إلى وجيب القلوب المفجوعة، والاطلاع على ما يكابده سكان تلك المناطق من معاناةٍ يومية، من شأنه أن يبعث برسالة طمأنينة لهم بأن العالم لن يتركهم وحدهم، وأُخرى للاحتلال بالكف عن لعبة التقاسم الوظيفي المكشوفة التي يمارسها جيشه مع رديفه جيش المستوطنين.

فلسطين

الخميس 26 مارس 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

تعذيب الرضيع جواد: منظومة سادية وعنصرية بلا حدود

عبد الله الزغاري: عمليات التعذيب التي طالت آلاف المعتقلين خصوصاً الأطفال تكشف عدم وجود أي حدود لمستوى التوحش والقتل الذي يمارسه الاحتلال
أمين شومان: ما حصل مع الرضيع جواد ووالده يعكس فشل كل المؤسسات الدولية في حماية الأطفال الفلسطينيين ما يتطلب تدخل المؤسسات الحقوقية
خالد قزمار: الجريمة تجاوزت سياق الحرب والإبادة الجماعية التي يُمارس خلالها القتل والتدمير لتصل إلى مستوى "التمتع في تعذيب طفل بهذا العمر"
عصام بكر: ما تعرض له الرضيع أبو نصار يشكل صدمة تُبرز مدى سادية جيش الاحتلال في إطار رؤية أيديولوجية تعتبر الفلسطينيين خارج دائرة الإنسانية
وسام سحويل: تعذيب الرضيع جواد أبو نصار ينسجم مع تعريف المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب وكان وسيلة لكسر معنويات والده وترهيبه
محمد التاج: الهدف من هذا العنف كسر الإنسان الفلسطيني وحين يُعذَّب رضيع لا يكون السؤال عما جرى له فقط بل عمّا جرى للإنسانية جمعاء

رام الله – خاص بـ"القدس" –

تكشف حادثة تعذيب الرضيع جواد أسامة أبو نصار من مخيم المغازي في غزة، الذي لم يتجاوز العامين، مستوى غير مسبوق من الانتهاكات التي مورست بحقه بعد احتجازه مع والده لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويجمع حقوقيون ومختصون ومسؤولون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، على أن تعذيب الرضيع جاء في سياق سياسة ممنهجة تستهدف الفلسطينيين على اختلاف أعمارهم، وتشكل امتداداً لحلقة واسعة من عمليات التنكيل بحق المعتقلين والمواطنين.
ويؤكدون أن ما حدث يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، ويكشف حجم السادية والاستباحة اللتين يمارسهما الاحتلال في ظل صمت دولي مطبق.
ويرون أن الحادثة تقرع جرس الإنذار حول خطورة المرحلة، وتستدعي تحركاً حقوقياً عاجلاً لتوثيق الجريمة وملاحقة مرتكبيها في المحافل الدولية، باعتبار أن استهداف طفل رضيع بهذه الطريقة لا يمثّل مجرد اعتداء، بل يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما تبقى من قيم إنسانية في عالم يقف عاجزاً أمام هذا المستوى من الوحشية.
وبحسب شهادات وتقارير صحفية، فقد تعرض الطفل الرضيع جواد أسامة أبو نصار من مخيم المغازي في غزة لتعذيب جسدي واضح من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد احتجازه مع والده بهدف الضغط عليه للحصول على اعترافات. وأظهر تقرير طبي وجود إصابات، بينها حروق ناجمة عن أعقاب سجائر في ساقي الطفل جواد أبو نصار، ووجود آثار أداة حادة في إحدى ساقيه، بعد تسلمه من اللجنة الدولية للصليب الأحمر مساء الحادي والعشرين من الشهر الجاري، بعد ساعات من الحادثة.
وتقول العائلة إن الطفل جواد كان يحمله والده أسامة عندما أطلق جيش الاحتلال النار عليهما عند الخط الأصفر قبل فصل الرجل عن ابنه واعتقاله، وما زال الأب محتجزاً، بعد إصابته في كتفه.


وحشية بنيوية

يؤكد رئيس نادي الأسير عبد الله الزغاري أن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني لم تعد مفاجِئة في ظل "الوحشية البنيوية" التي تشكل عقيدة جماعية لمنظومة الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة الجماعية.
ويوضح الزغاري أن ما تعرّض له الرضيع جواد أسامة أبو نصار يأتي في سياق سادية منظمة تستهدف كل ما هو فلسطيني، بغض النظر عن العمر أو الجنس، مؤكداً أن هذه الجريمة لا يمكن اعتبارها عملاً فردياً بل جزءاً من منظومة تعذيب ممنهج.
ويشير الزغاري إلى أن عمليات التعذيب التي طالت آلاف المعتقلين، خصوصاً الأطفال، تكشف عدم وجود أي حدود لمستوى التوحش والقتل الذي يمارسه الاحتلال.

ضوء أخضر لممارسة جميع أشكال التعذيب

ويؤكد الزغاري أن عجز المجتمع الدولي وتواطؤه، بعد حرب الإبادة، منح الاحتلال ضوءاً أخضر لممارسة جميع أشكال التعذيب دون خشية من الحساب أو الملاحقة القانونية. ويعتبر أن ما تعرض له الرضيع جواد أبو نصار يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، مشيراً إلى أنه لو حدثت هذه الجريمة في دولة أوروبية أو حتى داخل إسرائيل نفسها "لقام العالم ولم يقعد، وتحركت المؤسسات الحقوقية والأممية فوراً".
ويدعو الزغاري المنظمات الدولية إلى وقف تواطؤها ووضع حد لممارسات الاحتلال وجرائمه.
ويؤكد الزغاري أن الشعب الفلسطيني يواجه منظومة احتلال عنصري صعّدت من عمليات الانتقام اليومية عبر الاعتقالات والسجون والتنكيل، إضافة إلى إرهاب المستوطنين وقرارات الاحتلال العسكرية.
ويشدد الزغاري على أن الفلسطينيين ليس أمامهم سوى أن يواجهوا هذا الواقع عبر الصمود على أرضهم، وتوثيق الجرائم والانتهاكات بشكل مستمر، والعمل على المستوى الدولي الحقوقي والقانوني لخلق ضغط يُجبر المؤسسات الأممية والحقوقية على استعادة دورها في حماية القيم الإنسانية والمبادئ التي قامت عليها، وصولاً إلى محاكمة الاحتلال على جرائمه.

انفلات عن كل الضوابط الإنسانية والقانونية

يؤكد رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، أمين شومان، أن حادثة احتجاز وتعذيب الرضيع جواد أبو نصار واعتقال والده أسامة بعد إصابته، من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة يمثل امتدادًا خطيرًا لانفلات الاحتلال عن كل الضوابط الإنسانية والقانونية.
ويشير شومان إلى أن الطفل الرضيع جواد أبو نصار الذي لم يتجاوز عامين تعرض مع والده لتعذيب جسدي ونفسي على مرأى ومسمع من العالم، ما يعد مخالفًا لكل الأعراف والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، ومؤشرًا على سادية قوات الاحتلال في التعامل مع الفلسطينيين.

ممارسات قاسية تطول الأطفال

ويوضح شومان أن هذه الجريمة النكراء تأتي في سياق استمرار سياسة الاعتقال التعسفي والممارسات القاسية التي تطال الأطفال الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، حيث يوجد حاليًا أكثر من 365 طفلاً معتقلًا يتعرضون للترغيب والترهيب وغياب أي خصوصية أو حماية لهم، وهو ما يشير إلى تجاوز الاحتلال كل الخطوط الحمراء في التعامل مع الطفولة الفلسطينية.
ويؤكد شومان أن هذه الانتهاكات لم تعد مقتصرة على الأطفال الأكبر سنًا، بل وصلت إلى الرضع، في مؤشر خطير على تصاعد التوحش في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وتحديدًا الأطفال وعائلاتهم.
ويشير شومان إلى أن هذا الانتهاك ليس حادثة معزولة، بل يمثل استمرارًا لمنهج يتسم بالعنف والتنكيل، حيث أن مجرد كون الشخص فلسطيني يجعله معرضًا للاعتقال، والاغتيال، والتعذيب، ومختلف أشكال الانتهاكات، دون أي احترام للقوانين الدولية أو المواثيق التي تكفل حقوق الإنسان والأطفال.

فشل المؤسسات الدولية بحماية الأطفال

ويعتبر شومان أن ما حصل مع الرضيع جواد ووالده يعكس فشل كل المؤسسات الدولية في حماية الأطفال الفلسطينيين، مؤكدًا على ضرورة تدخل مؤسسات حقوق الإنسان المحلية والدولية لكشف هذه الانتهاكات وفضحها أمام الرأي العام العالمي.
ويلفت شومان إلى أن القوانين والتشريعات الإسرائيلية الحالية، بالإضافة إلى الانتهاكات المستمرة، تضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات الدولية، بما فيها مواثيق جنيف الثالثة والرابعة الخاصة بحقوق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ما يجعل قضية الطفولة الفلسطينية في أمس الحاجة إلى متابعة دقيقة ورفع الملفات المتعلقة بها أمام محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف.
ويشير شومان إلى أن استمرار الاحتلال في الاعتقال التعسفي والتنكيل بالأطفال والأسرى الفلسطينيين يتزامن مع محاولات الحكومة الإسرائيلية تمرير قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، مؤكدًا أن هذه الخطوة تزيد من خطورة الوضع وتضع الأطفال والأسيرات الفلسطينيين تحت تهديد مباشر، داعيًا كل المؤسسات الحقوقية والدولية إلى عدم البقاء صامتة أمام هذه الانتهاكات، وإلى الضغط على الاحتلال لوقف الممارسات التعسفية بحق الطفولة الفلسطينية.
ويؤكد شومان أن ما يحدث للأطفال الفلسطينيين من اعتقالات وتعذيب وتنكيل، وحرمانهم من حقوقهم بالحياة الكريمة، يمثل جريمة متكاملة تتطلب استجابة عاجلة وفعلية من كل الجهات الحقوقية الدولية.
ويشدد شومان على أن الدفاع عن الأطفال الفلسطينيين مسؤولية مشتركة تتطلب تحركًا فوريًا لوقف الانتهاكات وضمان حقوقهم المشروعة في الحياة والحرية والكرامة.

واحدة من أبشع الجرائم

يؤكد المدير العام للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال– فلسطين، خالد قزمار، أن ما جرى مع الطفل الرضيع جواد أسامة أبو نصار يمثل واحدة من أبشع الجرائم التي اطلع عليها خلال أكثر من 35 عاماً من العمل في مجال حماية الطفولة.
ويشير قزمار إلى أن ما قرأه عن تفاصيل ما تعرض له الرضيع جواد أبو نصار "تقشعر له الأبدان" ولا يصدر عن أشخاص يمتّون للإنسانية بأي صلة.

جريمة تجاوزت سياق الحرب

ويرى قزمار أن الجريمة تجاوزت سياق الحرب والإبادة الجماعية التي يُمارس خلالها القتل والتدمير، لتصل إلى مستوى "التمتع في تعذيب طفل بهذا العمر"، وهو ما يعتبره دليلاً على سادية ونازية واضحة في عقلية مرتكبيها.
ويوضح قزمار أن هذه الجريمة ليست حادثة فردية، بل تعبير صريح عن جوهر العقلية الاستعمارية الاستيطانية التي تحكم سلوك الاحتلال.
ويشير قزمار إلى أن الجيش الإسرائيلي يعلم علم اليقين بما حدث، دون أن يصدر عنه أي إجراء، ما يعكس سياسة ممنهجة قائمة على الإفلات من العقاب وإطلاق اليد للجنود والمستوطنين لارتكاب ما يشاؤون ضد الفلسطينيين بهدف اجتثاث وجودهم.

إخفاق بتطبيق القانون الدولي على إسرائيل

ويؤكد قزمار أن النظام الدولي فشل فشلاً ذريعاً في تطبيق القانون الدولي على دولة الاحتلال، رغم أن القانون وُضع بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الإنسان من الجرائم الكبرى.
ويعتبر قزمار أن هذا الفشل ناتج عن غياب الإرادة السياسية، خصوصاً لدى الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي لم تعد فقط توفر الحماية للاحتلال، بل أصبحت ذراعاً عائقاً أمام أي محاولة لمساءلته، سواء من خلال استهداف المؤسسات الحقوقية الدولية كما جرى بالضغط على محكمة الجنايات الدولية وفرض العقوبات على قضاتها.
ويؤكد قزمار أن مرتكبي جريمة تعذيب الطفل الرضيع جواد أبو نصار خالفوا القانون الدولي وحتى القانون الإسرائيلي، لكنه متأكد أنهم سيفلتون من العقاب في ظل "شريعة الغاب" السائدة، محذراً من أن استمرار الحصانة سيؤدي إلى تكرار الجرائم بحق الأطفال والمدنيين الفلسطينيين في المرحلة المقبلة.

جزء يسير من الاستباحة

يؤكد منسق القوى الوطنية والإسلامية وسكرتير العلاقات الخارجية والإعلام في الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين، عصام بكر، أن ما نُشر حول تعذيب الرضيع جواد أسامة أبو نصار ووالده يمثل جزءاً يسيراً مما يجري منذ 28 شهراً من استباحة الاحتلال لكل القيم الإنسانية داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
ويوضح بكر أن ما تعرض له الرضيع أبو نصار يشكّل صدمة حقيقية تُبرز مدى السادية والعداء العميق الذي يمارسه جيش الاحتلال بحق الأسرى والأسيرات، وانتهاكه لأبسط حقوق الطفل والإنسان، في إطار رؤية أيديولوجية تعتبر الفلسطينيين خارج دائرة الإنسانية.

محاولات منهجية لطمس الهوية

ويؤكد بكر أن هذه الجريمة ليست حالة فردية، بل حلقة ضمن سلسلة من الانتهاكات الممتدة التي يرتكبها المستوطنون وقوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في سياق محاولات منهجية لطمس الهوية وفرض السيطرة عبر ممارسات تندرج ضمن مساعي التطهير العرقي.
ويشير بكر إلى أن شهادات الأسرى وما يُوثّق يومياً يكشف حقائق تتجاوز ما يظهر للإعلام، وتشكل أدلة قانونية دامغة على حجم الانتهاكات الجارية.
ويشدّد بكر على ضرورة تحرك عاجل لإطلاق إجراءات قانونية دولية تضمن مساءلة الاحتلال ومنع إفلاته من العقاب، مؤكداً أهمية توفير حماية فورية للطفولة الفلسطينية، كما تكفلها القوانين والمعاهدات الدولية.
ويدعو بكر إلى تحرك شعبي ورسمي واسع لنقل هذه المأساة إلى المؤسسات والمنابر الدولية، وبناء تحالفات تضغط لمحاسبة دولة الاحتلال، باعتبار أن إنصاف الضحايا وجبر الضرر جزء أصيل من إحقاق العدالة وفرض الالتزام بالقانون الدولي.

كسر معنويات والده وترهيبه

يؤكد مدير دائرة البحث والتوثيق في مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب وسام سحويل أن ما تعرّض له الطفل الرضيع جواد أسامة أبو نصار (عمره عام و10 شهور) بعد اعتقاله برفقة والده في غزة يشكّل "نموذجاً صارخاً لسياسة ممنهجة تمارسها القوات الإسرائيلية تجاه المعتقلين، بمن فيهم الأطفال الرضّع".
وبحسب سحويل، فإن الطفل الرضيع جواد أبو نصار أُعيد إلى عائلته وعليه "كدمات واضحة وندوب تشير إلى تعرضه لأساليب تعذيب، بعضها يشبه آثار حرق أعقاب السجائر".
ويوضح سحويل أن هذا النمط من التعذيب ينسجم مع تعريف المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تشمل الأذى الجسدي والنفسي، سواء وقع على الشخص نفسه أو على طرف ثالث بهدف الضغط أو الترهيب.
ويشير إلى أن تعذيب الطفل الرضيع أبو نصار كان في جزء منه وسيلة لـ"كسر معنويات والده وترهيبه، خصوصاً أن الطفل عاجز تماماً عن الدفاع عن نفسه، ما يجعل الاعتداء عليه وسيلة ضغط مباشرة على الأهل".
ويلفت سحويل إلى أن والد الطفل جواد كان يعاني أصلاً من اضطرابات نفسية بعد فقدان مصدر رزقه إثر قتل الجيش الإسرائيلي حصانه الذي كان يعتمد عليه في إعالة أسرته، وهو ما أدخله في مراحل من الحزن والاكتئاب.
ويرى سحويل أن الصليب الأحمر الدولي يتحمل مسؤولية توضيح الحالة الصحية التي استلم فيها الطفل الرضيع جواد أبو نصار، والتفسير الطبي للآثار الظاهرة عليه، وكذلك سبب عدم نقله مباشرة إلى مركز صحي لتقييم إصاباته.

جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

ويؤكد سحويل أن ما جرى مع جواد "ليس حادثة فردية"، بل يعكس نمطاً واسعاً من الانتهاكات، مشيراً إلى وجود أكثر من 500 طفل معتقلين في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى مئات المفقودين من غزة الذين لا يُعرف مصيرهم.
ويعتبر سحويل أن هذه الممارسات ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خاصة أنها تُنفَّذ على نطاق واسع وبقصد واضح، كما جرى مع اغتيال عائلة بني عودة في بلدة طمون جنوب طوباس قبل نحو أسبوعين.
ويبيّن أن هذه الجرائم "لا تسقط بالتقادم"، داعياً إلى توثيق كل الأدلة الطبية والميدانية المتعلقة بالطفل الرضيع جواد أبو نصار.
ويشير سحويل إلى أن المجتمع الدولي بات يفتح الباب لملاحقة مرتكبي التعذيب في دول موقّعة على الاتفاقيات الدولية، حتى في حال تعذّر تحقيق العدالة داخل دولة الاحتلال، مؤكداً أن "العمل التوثيقي واليومي للمؤسسات الحقوقية سيشكل أساس محاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات مهما طال الزمن".

لحظة صادمة

يؤكد رئيس الهيئة التأسيسية لمؤسسة "شمس" لدعم الأسرى وحقوق الإنسان محمد التاج أن ما تعرض له الرضيع جواد أسامة أبو نصار من غزة بعد خروجه من أماكن الاحتجاز لدى الاحتلال برفقة والده وهو يحمل آثار الألم على جسده قبل أن يعرف العالم، يمثل لحظة صادمة تكشف انهياراً أخلاقياً غير مسبوق.
ويرى التاج أن القضية لا تقف عند حدود حادثة فردية، بل تعكس كيفية تحول العنف، حين يغيب الحساب، إلى سلوك اعتيادي لا يميز بين طفل ومقاتل.
ويشير التاج إلى أن المساس بطفل رضيع بهذه الطريقة يفضح منظومة كاملة تنتج القسوة وتحميها، مستندة إلى عسكرة مفرطة وخطاب ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين، ويعيد تعريف الإنسان في عين الجندي ليصبح مجرد هدف.

غياب المساءلة يفتح المجال أمام ما لا يصدق

ويعتبر التاج أن غياب المساءلة شبه التام يفتح المجال أمام ارتكاب ما لا يصدق، مشدداً على أن ما جرى هو لحظة كاشفة لحدود تم تجاوزها ولعالم يقف صامتاً أمام مشهد لا يحتمل التأويل.
ويؤكد التاج أن مواجهة هذه الجريمة لا يمكن أن تكون انفعالية، بل يجب أن تتحول إلى فعل منظم يبدأ بتحويل الألم إلى دليل عبر توثيق كل جرح وكل واقعة بوسائل قاطعة، لأن الحقيقة الدقيقة أقوى من أي محاولة إنكار.
ويشدد التاج على أن كسر العزلة ونقل الرواية إلى العالم بوصفها قصة إنسانية وليس أرقاماً مجردة، يشكل خطوة أساسية في إحراج الصمت الدولي وإيقاظ الضمير العالمي.
ويؤكد التاج ضرورة الملاحقة القانونية المتواصلة عبر المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لضمان عدم قدرة الجناة على الإفلات من المسؤولية.
ويرى التاج أن الهدف الحقيقي من هذا العنف هو كسر الإنسان الفلسطيني، لكن قوة المجتمع وتماسكه وقدرته على تحويل الألم إلى طاقة مقاومة هو الرد الأعمق على هذه الممارسات، قائلا ً: "حين يُعذَّب رضيع، لا يكون السؤال عما جرى له فقط، بل عمّا جرى للإنسانية جمعاء".

أقلام وأراء

الخميس 26 مارس 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

وقف إطلاق النار بين الرفض والقبول

كل طرف له علاقة  بالصراع والحرب، ومتأثر من الاعتداء الأميركي الإسرائيلي على إيران بدءاً من يوم السبت 28/2/2026، ومن المواجهة والصدام والقصف، ومن الحرب التي ما زالت ظاهرة مشتعلة، له مصلحة بوقفها بشكل أو بآخر ونحن العرب ندفع الثمن والأذى الذي سببه لنا طرفا الصراع: 1- الأميركي مع المستعمرة، 2- الإيراني، عبر الحرب والقصف المتبادل، ولا مصلحة لنا في هذه الحرب، وفكرتها، وسببها، وتداعياتها، والمستفيد الوحيد منها هو المستعمرة الإسرائيلية التي تسعى لتحقيق غرضين: الأول السيطرة الكاملة في احتلالها لكامل خارطة فلسطين، والثاني هيمنتها وتسلطها وفرض نفوذها على المشرق العربي برمته، من نهر الأردن، حتى حدود شرق العراق.
الأطراف مختلفة لها مصالح ورؤى ومواقف:
أولاً الولايات المتحدة ترى أنها حققت ما تريد بتدمير قدرات إيران العسكرية لأسلحتها البرية والجوية والبحرية ومواقعها النووية، ولم يعد لديها ما ترى أن تفعله بعد أن قصفت من خمسة إلى سبعة آلاف موقع إيراني، وها هي إيران تسعى منذ مفاوضات الجولة الثالثة يوم 26/2/2026 في جنيف، للوصول إلى تفاهمات واتفاقات مع الولايات المتحدة، وها هي المفاوضات غير المعلنة تسير بهذا الاتجاه.
ولكن الأذى بدء يأخذ طريقه للمجتمع الأميركي من بوابة رفع أسعار المحروقات، حيث زادت أسعار البنزين للسيارات بمقدار الثلث، مما سبب الإزعاج للمواطن الأميركي الذي لا مصلحة له في هذه الحرب، ولذلك وبسبب هذا الغلاء للمحروقات والسلع الغذائية الأميركية سيدفع ثمنها الحزب الجمهوري الذي يملك الأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ، والاحتمال انه سيفقد هذه الأغلبية في الانتخابات المقبلة يوم 2/11/2026، بسبب الحرب غير المربحة، ولهذا سيعمل الرئيس ترامب على الإسراع في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.
ثانياً إيران التي تعرضت للأذى والقصف والتدمير واغتيال قياداتها الرئيسية: السياسية والعسكرية والأمنية، تمكنت من الصمود رغم ما تعرضت له من خسائر بشرية ومادية، ورغم ذلك ما زالت قادرة على توجيه ضربات موجعة للمستعمرة الإسرائيلية، ولهذا لها مصلحة في وقف إطلاق النار، من موقع الاقتدار.
ثالثاً البلدان العربية الخليجية والتي تعرضت للأذى ومعها: الأردن والعراق ولبنان، والتي لا مصلحة لها أصلاً في هذه الحرب، وتضررت بسببها، لها مصلحة أولى قبل الآخرين في وقف إطلاق النار.
رابعاً الأطراف الدولية الثلاثة: الصين وروسيا وأوروبا، لها مصلحة في وقف إطلاق النار، وتبذل جهوداً ووساطات وتدخلات عبر تركيا ومصر وعُمان والباكستان من أجل وضع أرضية لوقف إطلاق النار، ونجاح التوصل إلى اتفاق، وخاصة من قبل أوروبا مع الصين الأكثر تضرراً.
خامساً أما المستعمرة الإسرائيلية، وهي صاحبة التحريض والتخطيط والدفع باتجاه هذه الحرب، هي الطرف الوحيد الذي يسعى إلى استمرار الحرب، واستكمال تدمير ما تبقى لدى إيران من قدرة.
هناك تماثل إسرائيلي بين قوى الائتلاف الحكومي: السياسي المتطرف والديني اليهودي المتشدد مع قوى المعارضة الحزبية لوجود "عدو مشترك" لهم، ولكنهم سينقسمون حال وقف إطلاق النار، خاصة مع وجود انتخابات مقبلة، ولهذا لا مصلحة لدى نتنياهو بوقف إطلاق حتى يحقق كامل برنامجه وإعلان هزيمة إيران وانتصار خطة المستعمرة، في التخطيط والهجوم على إيران.
وقف إطلاق النار، على الأرجح سيتحقق خلال الأيام القليلة المقبلة لأن أغلبية الأطراف المتضررة لها مصلحة في التوصل إلى مثل هذا القرار.