عربي ودولي

الخميس 26 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

تعديلات دستورية في الجزائر تعزز صلاحيات الرئاسة وتثير جدلاً حول استقلالية المؤسسات

أقر البرلمان الجزائري مؤخراً مشروع تعديل دستوري وُصف بالتقني، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية تهدف إلى تعزيز قبضة السلطة التنفيذية على مفاصل الدولة. وتأتي هذه الخطوة لتمنح الرئيس عبد المجيد تبون صلاحيات أوسع، لا سيما في ملفات التعيينات القضائية الحساسة وإدارة العملية الانتخابية، مما يرسخ موقعه الشخصي في الولاية الرئاسية الثانية.

ويرى مراقبون أن هذه التعديلات تعكس رغبة الرئاسة في إحكام السيطرة على البنية المؤسسية للبلاد، خاصة بعد تجاوز مرحلة الحراك الشعبي الذي اندلع في عام 2019. وقد نجح النظام في استعادة توازنه تدريجياً مستفيداً من استقرار عائدات الطاقة، بالتوازي مع تبني ترسانة قانونية تفرض قيوداً مشددة على العمل السياسي والنقابي.

وتشير تقارير إلى أن العلاقة بين الرئاسة وقيادة الجيش، التي تمثل الركيزة الأساسية للنظام، تشهد تحولات ملحوظة في الآونة الأخيرة. فقد أظهر الرئيس تبون توجهاً نحو توسيع استقلالية القرار الرئاسي، مستغلاً الصلاحيات الدستورية الممنوحة له لتقليص نفوذ مراكز القوى التقليدية التي كانت تعمل من وراء الكواليس.

ومن أبرز ملامح التعديل الجديد ما يخص المجلس الأعلى للقضاء، حيث تم تقليص تمثيلية القضاة وهيئات حقوق الإنسان لصالح أعضاء أقرب إلى السلطة التنفيذية. كما تم إلغاء شرط الحصول على 'رأي ملزم' من المجلس في التعيينات القضائية العليا، مما يحول هذه الهيئة إلى جهة استشارية تصادق على قرارات الرئيس دون قدرة فعلية على الاعتراض.

وفي المجال الانتخابي، تضمنت التعديلات تراجعاً عن المكتسبات التي تحققت بعد الحراك، حيث سُحب التنظيم اللوجستي والمادي للانتخابات من السلطة الوطنية المستقلة وأُعيد إلى الإدارة الحكومية. هذا الإجراء أثار مخاوف واسعة لدى أطياف المعارضة من عودة تدخل وزارة الداخلية في نتائج الاقتراع وتوجيه العملية الانتخابية.

كما منحت النصوص الجديدة رئيس الجمهورية الحق في الدعوة لانتخابات محلية مبكرة في أي وقت يراه مناسباً، وهو ما يمنحه أداة قانونية لحل المجالس المحلية المعارضة. ويهدف هذا الإجراء، بحسب محللين، إلى ضبط المواعيد الانتخابية وفق الأجندة السياسية للرئاسة وضمان انسجام المؤسسات المنتخبة مع توجهات السلطة المركزية.

وعلى صعيد هيكلية الدولة، تم تمديد ولاية رئيس مجلس الأمة من ثلاث سنوات إلى ست سنوات، وهو منصب يتمتع بأهمية استراتيجية كونه يخلف الرئيس في حال شغور المنصب. كما فُرضت شروط تعليمية محددة للترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما قد يقلص من فرص الشخصيات المستقلة أو المرشحين ذوي الخلفيات الشعبية غير الأكاديمية.

وأفادت مصادر بأن السلطة التنفيذية اختارت مساراً سريعاً لإقرار هذه التعديلات عبر البرلمان بغرفتيه، متجاوزة خيار الاستفتاء الشعبي العام. وبررت السلطات هذا التوجه بكون التعديلات ذات طابع 'تقني' تهدف لتعزيز فعالية المؤسسات، بينما يرى قانونيون أن التغييرات تمس التوازنات الأساسية للسلطة وتستوجب نقاشاً مجتمعياً أوسع.

وتتزامن هذه التحركات الدستورية مع سياق إقليمي متوتر، مما دفع النظام لاعتبار هذه المراجعة خطوة استباقية لتأمين الجبهة الداخلية وإحكام السيطرة على المؤسسات. ويرى خبراء أن الجزائر تتجه نحو تكريس نموذج 'الرئاسة القوية' التي تتحكم في كافة مفاصل الدولة مع تقليص أدوات الرقابة والقيود المؤسسية إلى حدها الأدنى.

وفيما يخص الحريات العامة، شهدت السنوات الأخيرة صدور قوانين تقيد النشاط النقابي وتمنع حق الإضراب في قطاعات واسعة، بالإضافة إلى استهداف مزدوجي الجنسية. فقد تم منع هذه الفئة من امتلاك وسائل إعلامية، وصولاً إلى إقرار تشريعات تسمح بسحب الجنسية في حالات تتعلق بالولاء للدولة أو الأمن القومي، مما زاد من تضييق الخناق على المعارضة.

وبدأ البرلمان مؤخراً مناقشة مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية، يتضمن شروطاً تعجيزية لتأسيس الكيانات السياسية الجديدة أو استمرار القائم منها. ويهدف هذا القانون، بحسب منتقديه، إلى هندسة المشهد السياسي بما يضمن بقاء النخبة الحاكمة وتهميش أي أصوات تطالب بالتغيير الجذري أو الإصلاح السياسي الحقيقي.

وتشير مصادر إعلامية إلى أن درجة التحكم في المشهد الإعلامي والجمعوي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما دفع بعض المعارضين للمقارنة بين الحقبة الحالية وفترات سابقة. ويرى هؤلاء أن هامش الحرية الذي كان متاحاً في الماضي قد تآكل لصالح سلطة مركزية لا تقبل التعددية السياسية أو النقد الإعلامي للسياسات العامة.

من جانبها، تدافع الأوساط الموالية للرئيس عن هذه الإجراءات، معتبرة إياها ضرورية لتحقيق الاستقرار السياسي وتنفيذ البرامج الاقتصادية والتنموية الطموحة. وتؤكد هذه الأوساط أن الرئيس تبون يفي بوعوده الانتخابية في بناء 'جزائر جديدة' قوية ومستقرة بعيداً عن التجاذبات التي أضعفت الدولة في سنوات سابقة.

ختاماً، يبقى المشهد السياسي الجزائري أمام مرحلة مفصلية، حيث تضع هذه التعديلات الدستورية قواعد جديدة للعبة السياسية لسنوات قادمة. وبينما ترى السلطة فيها وسيلة للنجاعة والفعالية، تظل التساؤلات قائمة حول مستقبل الديمقراطية والتعددية في ظل تركيز كافة الصلاحيات في يد مؤسسة الرئاسة.

دلالات

شارك برأيك

تعديلات دستورية في الجزائر تعزز صلاحيات الرئاسة وتثير جدلاً حول استقلالية المؤسسات

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.