شهدت الساحة العراقية هذا الأسبوع تحولاً لافتاً في ملف الجماعات المسلحة، حيث أعلن فصيلان بارزان تسليم إدارة ألويتهما العسكرية ضمن هيئة الحشد الشعبي إلى سلطة الدولة مباشرة. وتأتي هذه الخطوة استجابة لضغوط متزايدة تمارسها الولايات المتحدة على الحكومة العراقية لضبط السلاح المنفلت وتقليص نفوذ المجموعات المقربة من طهران.
رحب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، توم براك، بهذه المبادرة واصفاً إياها بالخطوة التي ستسهم في تعزيز بناء النظام المؤسسي في البلاد. كما أثنى على توجهات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي جعل من قضية حصر السلاح بيد الدولة أولوية قصوى منذ توليه منصبه الشهر الماضي.
تأتي هذه التطورات في سياق جيوسياسي معقد، حيث استطاعت واشنطن تحقيق نقاط سياسية واقتصادية هامة داخل العراق، تزامناً مع تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني. وقد تأثرت موازين القوى بشكل ملحوظ عقب سلسلة الحروب التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023، وصولاً إلى التدخلات العسكرية المباشرة في مطلع العام الجاري.
أكد الإطار التنسيقي، الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية، دعمه الرسمي لعملية فك الارتباط بين هيئة الحشد الشعبي وكافة الأطر الحزبية والسياسية. ويهدف هذا التوجه إلى تحويل الحشد إلى مؤسسة عسكرية مهنية تخضع بالكامل لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، بعيداً عن التجاذبات الإقليمية.
تعد حركة عصائب أهل الحق، بقيادة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي من أبرز المجموعات التي أعلنت انخراطها في هذا المسار الجديد. ويمثل هذا التحول تغييراً استراتيجياً لعصائب أهل الحق التي تمتلك ثقلاً سياسياً كبيراً في البرلمان العراقي بسبعة وعشرين مقعداً، مما يعكس رغبتها في تعزيز حضورها السياسي على حساب العمل المسلح.
في المقابل، لا تزال هناك فصائل توصف بأنها الأكثر نفوذاً وقرباً من طهران تبدي تمسكاً شديداً بسلاحها وترفض الانصياع لهذه التوجهات. وتتصدر كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء جبهة الرفض، مؤكدة استمرارها في الاحتفاظ بقدراتها العسكرية طالما استمر الوجود الأجنبي في البلاد.
أبدت كتائب حزب الله موقفاً مثيراً للجدل بإعلان استعدادها لشراء الأسلحة من المجموعات التي تقرر تسليمها للدولة بدلاً من نقلها للمخازن الحكومية. ويعكس هذا الموقف حجم الانقسام الداخلي بين الفصائل حول مستقبل العمل المسلح في العراق وعلاقته بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.
إن واشنطن تريد أن تسلّم الفصائل المسيّرات والصواريخ البالستية خصوصاً نظراً لقدرتها على الوصول إلى حليفتها إسرائيل.
من جانبه، دخل زعيم التيار الشيعي الوطني مقتدى الصدر على خط الأزمة بإعلان التحاق فصيل سرايا السلام التابع له بمؤسسات الدولة. وتضيف هذه الخطوة ضغطاً إضافياً على بقية الفصائل المسلحة، حيث يسعى الصدر دائماً لتقديم نفسه كداعم لسيادة الدولة وحصر السلاح في إطارها القانوني.
أفادت مصادر أمنية عراقية بأن الآليات التنفيذية لحصر السلاح لا تزال قيد الدراسة ولم تتضح معالمها النهائية بعد. وقد شكلت عصائب أهل الحق لجاناً فنية وإدارية للإشراف على عمليات جرد الأسلحة والمعدات والمنتسبين، تمهيداً لدمجهم الكامل في الهياكل الحكومية تحت إشراف رئيس الوزراء.
يرى محللون سياسيون أن جدية هذه المبادرة تتوقف على وجود تدقيق حكومي صارم ومستقل يشرف على عمليات التسليم. وبدون رقابة حقيقية، قد تظل هذه الخطوات مجرد إجراءات شكلية تهدف لامتصاص الغضب الأمريكي وتخفيف القيود المالية المفروضة على المصارف العراقية.
تشير مصادر مقربة من الفصائل إلى أن عصائب أهل الحق باتت تعطي الأولوية للعمل السياسي والمشاركة في الحكومة الحالية. ويسعى قادة الفصيل من خلال هذه التنازلات الأمنية إلى تقديم تطمينات للجانب الأمريكي، خاصة مع وجود حقائب وزارية سيادية لا تزال شاغرة وتنتظر التوافق السياسي.
تربط الفصائل الرافضة لتسليم السلاح موقفها بإنهاء مهام التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة. ومن المقرر أن تنتهي مهمة هذا التحالف في سبتمبر المقبل، وهو الموعد الذي تترقبه القوى السياسية لتحديد شكل العلاقة الأمنية المستقبلية مع واشنطن.
تعاني الحكومة العراقية من ضغوط اقتصادية خانقة بعد تعليق واشنطن للمدفوعات النقدية من عائدات النفط العراقي. وتشترط الإدارة الأمريكية رؤية إجراءات ملموسة لإبعاد الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة قبل استئناف الدعم المالي والمساعدات الأمنية الحيوية لاستقرار الاقتصاد.
تتركز المخاوف الأمريكية بشكل أساسي على ترسانة الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي تمتلكها بعض الفصائل، لقدرتها على استهداف العمق الإسرائيلي. وتؤكد مصادر داخل الفصائل أن واشنطن تضغط لنزع هذا النوع من السلاح تحديداً لضمان أمن حلفائها في المنطقة، وهو ما يمثل جوهر الصراع الحالي.





شارك برأيك
تحولات أمنية في بغداد: فصائل مسلحة تبدأ تسليم أسلحتها للدولة وسط ضغوط أمريكية