أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 2:21 مساءً - بتوقيت القدس

المطران عطاالله حنا: سيبقى الصوت المسيحي في هذه الديار صوتًا مناديًا بالحق والعدالة ونصرة شعبنا المظلوم.

إن الكنيسة في هذه الأرض المقدسة هي كنيسة حيّة، وسوف تبقى صوتًا صارخًا في برية هذا العالم دفاعًا عن الحق والعدالة، ودفاعًا عن الإنسان الفلسطيني المظلوم.

عندما ندافع عن الشعب الفلسطيني وننادي بتحقيق العدالة في هذه الديار، فإننا لا نقحم أنفسنا في شأن سياسي، إذ لا يجوز اختزال القضية الفلسطينية على أنها شأن سياسي فحسب ، بل هي قضية تحمل أبعادًا إنسانية وأخلاقية.

هنالك أصوات نشاز، وبعضها أصوات مشبوهة، تحرّض على كل صوت مسيحي ينحاز لعدالة القضية الفلسطينية، وهم يريدوننا أن نتقوقع وأن ننعزل عن محيطنا الوطني، وأن نكون صامتين متفرجين أمام الكم الهائل من المظالم التي يتعرض لها شعبنا.

عندما ندافع عن الإنسان المظلوم، إنما نقوم بواجب رعوي، وبواجب إنساني وحضاري. وعندما ندافع عن الإنسان المظلوم، إنما نترجم تعاليم الإنجيل المقدس، الذي يحثنا دائمًا لكي نكون صوتًا للمستضعفين والمقهورين والمظلومين.

لن نتخلى عن واجبنا في الدفاع عن هذا الشعب المنكوب مهما اشتدت حدة التحريض والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، فنحن قوم لا نخاف من قول كلمة الحق، ولن نتردد في تأدية هذا الواجب.

ما أكثر المنابر الإعلامية التي يدّعي أصحابها أنهم مبشرون بالمسيحية، فعن أي مسيحية يتحدثون عندما يتجاهلون معاناة الإنسان الفلسطيني في هذه الأرض المقدسة والمباركة، التي عاش فيها المخلص قبل أكثر من 2000 عام، ومنها انطلقت بشارة الخلاص للإنسانية كلها .

فلسطين هي التاريخ والأصالة، وهي الشعب الذي يعشق الحياة والحرية.

واننا ننادي الكنائس المسيحية في العالم بأن تكون صوتًا للمقهورين والمظلومين في هذه الأرض، وننادي كافة الأحرار في عالمنا، ومن كل الأديان والأعراق، مسيحيين ومسلمين ويهودًا وغيرهم، بأن يلتفتوا إلى فلسطين التي تنزف دمًا، ودماء الفلسطيني ليست رخيصة، بل هي دماء إنسان خلقه الله لكي يعيش بحرية وكرامة، وليس لكي يكون غارقًا في المظالم والاستبداد والاحتلال.

سيبقى انحيازنا لشعبنا الفلسطيني، وسيبقى انحيازنا أيضًا لقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، فكفانا حروبًا وموتًا وامتهانًا لحياة الإنسان وكرامته.

نحن ندعو إلى السلام، السلام الذي يحقق العدالة ويصون حرية وكرامة الإنسان.

نحن مسيحيون، وسنبقى كذلك مفتخرين بإيماننا وانتمائنا وحضورنا وتاريخنا العريق في هذه الأرض المقدسة وفي هذا المشرق.

لسنا أقليات في أوطاننا بل نحن أصيلون في انتمائنا لهذا المشرق، ولهويته الوطنية والحضارية والإنسانية والثقافية، وفلسطين هي القلب النابض لهذا المشرق.

نرفع دعاءنا من أجل أن تتوقف الحروب في منطقتنا و في عالمنا ، ولكي تتوقف لغة التهديد والوعيد ونشر الدمار والخراب.

نسألُه تعالى أن تتحقق العدالة في هذه الديار لكي نعيش جميعًا بسلام، ولكي ينعم إنسان هذه الأرض بالسلام الحقيقي الذي يتوق إليه.

سيبقى الصوت المسيحي في هذه الديار صوتًا مسيحيًا بامتياز، والصوت المسيحي هو صوت لا يخاف من أن يعبر عن المواقف السليمة التي تنسجم مع قيم إيماننا وروحانية كنيستنا وإنجيلنا المقدس.

يا رب أعطِ سلامًا لأرض تتوق إلى السلام، وامنح سلامك لهذا المشرق ولهذه البقعة المباركة من العالم التي اخترتها لكي تكون أرض ميلادك وصلبك ودفنك وقيامتك وانتصارك على الموت.

المسيح قام، حقًا قام.


اقتصاد

السّبت 25 أبريل 2026 2:20 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الطاقة تهدد موسم السياحة الأوروبي وانكماش مرتقب في قطاع الطيران

دخلت شركات الطيران العالمية مرحلة حرجة من الحفاظ على الذات مع اقتراب موسم الصيف الذي يمثل ذروة الطلب السنوي. وتشير البيانات الصادرة مؤخراً إلى خفض السعة التشغيلية بنسبة 3% لشهر مايو، وسط مخاوف من تحول التوقعات الاقتصادية من النمو إلى الانكماش.

حذر رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من صعوبات بالغة قد تواجه القارة الأوروبية في تلبية الطلب المتزايد على وقود الطائرات. ويأتي هذا التحذير في ظل استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط، التي كانت تمد أوروبا بنحو 75% من احتياجاتها من هذا الوقود الحيوي.

أوضح بيرول في تصريحات صحفية أن أوروبا تسعى حالياً لتأمين بدائل من الولايات المتحدة ونيجيريا لتعويض النقص الحاد. وأكد أن الفشل في تأمين واردات إضافية فورية سيضع القارة أمام معضلة حقيقية في إدارة حركة الملاحة الجوية خلال الأشهر المقبلة.

وصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الوضع الراهن بأنه أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ المعاصر، مشيراً إلى فقدان الأسواق لـ 13 مليون برميل نفط يومياً. ولفت إلى أن هذه الاضطرابات في السلع الأساسية قد تجبر الحكومات الأوروبية على اتخاذ قرارات صعبة للحد من حركة الطيران.

تعتمد العديد من الدول الأوروبية بشكل أساسي على الانتعاش الاقتصادي الناتج عن حركة السفر الصيفية لدعم ميزانياتها. ففي شهر أغسطس، يرتفع الطلب على وقود الطائرات بنسبة 40% مقارنة بشهر مارس، مما يضع ضغوطاً هائلة على سلاسل الإمداد المنهكة أصلاً.

يمثل قطاع النقل الجوي ركيزة أساسية للاقتصاد القاري، حيث يساهم بنحو 851 مليار يورو في الناتج المحلي الإجمالي. كما يدعم هذا القطاع الحيوي ما يقارب 14 مليون وظيفة، وفقاً لإحصائيات المجلس الدولي للمطارات في أوروبا، مما يجعل تعثره أزمة اقتصادية شاملة.

شهدت أسعار وقود الطائرات قفزة جنونية بنسبة 103% بنهاية شهر مارس مقارنة بالشهر الذي سبقه، بحسب بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي. وتكافح الشركات للتعامل مع هذه الزيادة، خاصة وأن تكلفة الوقود تلتهم ما بين 20% إلى 40% من إجمالي إيراداتها.

أكد خبراء في أبحاث الأسهم الأوروبية أن رفع أسعار التذاكر أصبح ضرورة حتمية لضمان استمرارية الشركات وتجنب الخسائر الباهظة. ومع ذلك، يخشى المحللون من أن تؤدي هذه الزيادات إلى نفور المسافرين وتراجع معدلات الحجز في وقت تحتاج فيه الشركات للسيولة.

بدأت شركات كبرى بالفعل في تنفيذ خطط تقشفية قاسية، حيث أعلنت شركة لوفتهانزا الألمانية عن إلغاء 20 ألف رحلة قصيرة المدى حتى أكتوبر المقبل. تهدف هذه الخطوة إلى توفير 40 ألف طن متري من الوقود وتقليل الاعتماد على المسارات غير المربحة في ظل الأزمة.

لم تكن الشركات الأخرى بمنأى عن هذه الإجراءات، حيث ألغت شركة الطيران الإسكندنافية 'SAS' نحو 1000 رحلة جوية بسبب تكاليف التشغيل المرتفعة. كما خفضت شركة 'KLM' الهولندية سعتها بمقدار 80 رحلة، مرجعة ذلك إلى الارتفاع الحاد في أسعار الكيروسين.

سجلت شركة 'إيزي جيت' للطيران الاقتصادي خسائر إجمالية وصلت إلى 560 مليون جنيه إسترليني خلال النصف الأخير من العام المالي. وأشارت الشركة إلى أن تكاليف الوقود الإضافية في شهر مارس وحده بلغت 25 مليون جنيه إسترليني، مما أثر بعمق على نتائجها المالية.

أبدت الشركات مخاوفها من ضعف الحجوزات لبقية العام، حيث يميل العملاء حالياً إلى تأجيل شراء التذاكر ترقباً لاستقرار الأسعار. ورغم قيام بعض الشركات بتثبيت أسعار جزء من احتياجاتها من الوقود، إلا أن الجزء المتبقي يظل رهينة لتقلبات السوق الفورية العنيفة.

حذر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورجنسن، من أن أزمة الأسعار الحالية قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات. وأشار إلى أن عطلات المواطنين ستتأثر بشكل مباشر سواء بإلغاء الرحلات أو بالاضطرار لدفع مبالغ باهظة مقابل تذاكر السفر نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا.

زاد من تعقيد المشهد تقرير أفاد بأن العمليات العسكرية لحلف الناتو أثرت على إمدادات الوقود المدنية في وسط أوروبا. فقد أدى ضخ كميات إضافية من الوقود العسكري عبر خطوط الأنابيب الرئيسية إلى تقليص الحصص الموجهة للمطارات التجارية الكبرى، مما فاقم من أزمة النقص.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 2:20 مساءً - بتوقيت القدس

بعد 23 عاماً من الأسر.. المحرر حاتم الجمل يمارس حقه الانتخابي في الخليل

شهدت مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة حدثاً لافتاً مع انطلاق الانتخابات المحلية، حيث توجه الأسير المحرر حاتم الجمل إلى مراكز الاقتراع لممارسة حقه الانتخابي لأول مرة منذ أكثر من عقدين. وتأتي هذه المشاركة بعد أن قضى الجمل نحو 23 عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث نال حريته في فبراير من العام الماضي ضمن صفقة تبادل للأسرى، ليعود من جديد منخرطاً في الحياة السياسية والمدنية الفلسطينية.

ووصل الجمل إلى مركز التصويت متشحاً بالكوفية الفلسطينية، وسط استقبال حافل من المواطنين الذين اعتبروا حضوره تجسيداً لإرادة الصمود والحرية. وأفادت مصادر ميدانية بأن المحرر الجمل استكمل كافة الإجراءات القانونية للإدلاء بصوته، معبراً عن اعتزازه بهذه الخطوة التي تنهي سنوات من الحرمان القسري من ممارسة أبسط الحقوق الديمقراطية والوطنية داخل وطنه.

ولا تقتصر أهمية مشاركة الجمل على كونه ناخباً فحسب، بل يخوض غمار هذه الانتخابات بصفته مرشحاً لعضوية المجلس البلدي، في تجربة هي الأولى له منذ اعتقاله في عام 2002. وتعكس هذه الخطوة إصرار الأسرى المحررين على المساهمة الفاعلة في بناء المؤسسات المحلية وخدمة مجتمعاتهم، متجاوزين آثار سنوات الاعتقال الطويلة التي غيبتهم عن المشهد العام.

وفي سياق متصل، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية عن فتح صناديق الاقتراع رسمياً لانتخابات الهيئات المحلية لعام 2026 في مختلف محافظات الضفة الغربية، بالإضافة إلى مدينة دير البلح في قطاع غزة. وأكدت اللجنة في بيانها أن العملية الانتخابية تسير بانتظام في مئات المراكز المخصصة لاستقبال الناخبين، وسط إجراءات تهدف لضمان نزاهة وشفافية التصويت في هذا الاستحقاق الاستثنائي.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن اللجنة، فإن نحو مليون و30 ألف ناخب وناخبة يحق لهم التصويت في هذه الدورة الانتخابية، موزعين على 491 مركز اقتراع تضم أكثر من 1900 محطة انتخابية. ويسعى الفلسطينيون من خلال هذه الانتخابات إلى تجديد الدماء في المجالس المحلية وتعزيز صمود الهيئات البلدية في ظل التحديات السياسية والميدانية الراهنة التي تواجه القضية الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 2:05 مساءً - بتوقيت القدس

أسلاك شائكة لحماية الأحلام.. قصة فلسطيني حول منزله في نابلس إلى حصن لمواجهة إرهاب المستوطنين

في قرية بيت إمرين الواقعة شمال مدينة نابلس، تحول حلم المواطن الفلسطيني صادق فقيه بالاستقرار في منزل هادئ إلى مواجهة يومية مع الخوف. فمنذ عام 2020، أقام فقيه منزله في منطقة استراتيجية تمتاز بهوائها الطلق، لكن التوسع الاستيطاني الأخير حول هذا الحلم إلى واقع مرير يهدد أمن عائلته وأطفاله بشكل مباشر.

اضطر فقيه مؤخراً إلى إحاطة منزله بسياج كثيف من الأسلاك الشائكة، في خطوة وصفها بأنها محاولة لتحويل البيت إلى حصن منيع يحمي سكانه من هجمات المستوطنين المتكررة. وأوضح أن هذه الإجراءات القاسية جاءت بعد سلسلة من التهديدات التي يمارسها المستوطنون الذين أقاموا بؤرة استيطانية رعوية على أراضي القرية، مما حول حياتهم إلى جحيم مستمر.

وروى فقيه تفاصيل اعتداء وقع قبل يومين، حيث حاولت مجموعة من المستوطنين اقتحام المنزل من بابه الرئيسي، وعندما فشلوا في ذلك حاولوا التسلل من جهات أخرى. وأكدت مصادر أن المهاجمين قاموا بتخريب وحرق بعض الممتلكات الخارجية، مما دفع العائلة لاتخاذ تدابير احترازية مشددة لمنع تكرار أي مأساة إنسانية جديدة.

ويستحضر فقيه في حديثه ذكرى عائلة دوابشة التي أحرقت داخل منزلها عام 2015، مشيراً إلى أن ما يواجهه اليوم هو تكرار لذات النهج الإرهابي الذي يستهدف الوجود الفلسطيني. وشدد على أن وضع الأسلاك الشائكة ليس خياراً جمالياً، بل هو ضرورة قصوى لحماية الأطفال من 'الوحوش' التي تتربص بهم في ساعات الليل والنهار.

على الصعيد الميداني، كشف تقرير حديث لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن وتيرة الاستيطان شهدت تصاعداً غير مسبوق خلال العام الحالي. وأشار التقرير الصادر بمناسبة يوم الأرض إلى أن المستوطنين حاولوا إقامة نحو 20 بؤرة استعمارية جديدة منذ مطلع شهر مارس الماضي، تركزت معظمها في المناطق الزراعية والرعوية لفرض سيطرة كاملة على الأرض.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد البؤر الاستيطانية التي أقيمت منذ أكتوبر 2023 تجاوز 165 بؤرة، منها 89 بؤرة تم إنشاؤها خلال عام 2025 وحده. هذا التسارع يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وتضييق الخناق على القرى والبلدات في الضفة الغربية المحتلة، وسط دعم وحماية من قوات الاحتلال.

وأكدت التقارير أن هذه التحركات الميدانية للمستوطنين تتم بتعليمات واضحة من المستوى السياسي الإسرائيلي، الذي يسعى لفرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلاً. وتعتمد هذه الاستراتيجية على قيام المستوطنين بالخطوة الأولى في التغيير الجغرافي، ليقوم المستوى الرسمي لاحقاً بشرعنة هذه المواقع وتزويدها بالخدمات الأساسية.

ورغم كل هذه الضغوط والاعتداءات، يؤكد صادق فقيه تمسكه بمنزله وأرضه، معتبراً أن البقاء في هذه المنطقة هو جزء من الهوية الوطنية والدفاع عن العرض. ويختم حديثه بالتأكيد على الصمود والثبات في وجه محاولات التهجير، مشدداً على أن الفلسطينيين لن يتركوا أحلامهم التي بنوها بجهدهم وعرقهم لقمة سائغة للمستوطنين.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 1:50 مساءً - بتوقيت القدس

كاتبة إسرائيلية سابقة: منكروا الإبادة في غزة يتجاوزون في سوئهم منكري 'الهولوكوست'

شنت الكاتبة الإسرائيلية فيرونيكا شيرمان هجوماً حاداً على الأيديولوجيا الصهيونية، معتبرة أن الذين ينكرون حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة يرتكبون جرماً يفوق في سوئه إنكار 'الهولوكوست'. وأوضحت شيرمان، التي تحمل الجنسية السويدية وتستقر في أستراليا أن الوقوف في منطقة الصمت تجاه المجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين لا يمكن تفسيره إلا كدعم مباشر لهذه الجرائم.

واستعرضت شيرمان مسيرتها الشخصية التي بدأت بهجرتها إلى تل أبيب في سن العاشرة، حيث انخرطت في المجتمع الإسرائيلي وخدمت في صفوف جيش الاحتلال خلال سنوات شبابها. ووصفت تلك المرحلة بأنها كانت نتاج عملية 'غسل دماغ' ممنهجة، حيث تبنت حينها السردية الصهيونية المزدوجة التي تدمج بين القومية الإسرائيلية والدعم المطلق للاستيطان.

وأفادت مصادر بأن التحول الفكري لشيرمان لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات بدأت بتغيير نظرتها للمصطلحات السياسية، حيث أدركت أن من تطلق عليهم إسرائيل 'العرب الإسرائيليين' هم في الحقيقة فلسطينيون أصحاب أرض. هذا الإدراك دفعها للابتعاد تدريجياً عن الأيديولوجيا التي نشأت عليها، لتبدأ نشاطاً مناهضاً للصهيونية من مقر إقامتها في أستراليا.

وفي حديثها عن تجربتها العسكرية، وصفت شيرمان نفسها بأنها كانت جزءاً من 'آلة قتل' ومنظومة تقدس الموت، مشيرة إلى أن القرارات التي اتخذتها في ذلك الوقت كانت تحت تأثير التوجيه الأيديولوجي المكثف. وكشفت عن وجود محاولات سابقة لاستقطابها للعمل ضمن جهاز 'الموساد'، وهو ما اعتبرته دليلاً على عمق انخراطها في المنظومة قبل تحولها الجذري.

وحددت الكاتبة عام 2014 كنقطة تحول حاسمة في حياتها، وتحديداً خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في ذلك العام، حين صدمتها صورة طفل فلسطيني استشهد بين الأنقاض. وقالت إن مشهد جسد الطفل الممزق كان بمثابة 'صفعة' أيقظتها من أوهامها، وجعلتها تدرك المأساة الإنسانية بعيداً عن منطق 'نحن وهم' الذي تروجه الماكينة الإعلامية الإسرائيلية.

وبناءً على هذا التحول، كرست شيرمان جهودها منذ عقد من الزمن لفهم وتفكيك الفكر الصهيوني، مؤكدة أن هذه الأيديولوجيا تمثل الخطر الأكبر على اليهود أنفسهم قبل غيرهم. وشددت على أن الادعاء بأن إسرائيل هي المكان الأكثر أماناً لليهود هو ادعاء باطل، بل إن سياساتها العدوانية تضعهم في مواجهة دائمة مع القيم الإنسانية وتعرض حياتهم للخطر.

وفي خطوة احتجاجية رمزية، أقدمت شيرمان على حرق جواز سفرها الإسرائيلي خلال تظاهرة في العاصمة الأسترالية كانبيرا في تموز/ يوليو 2025. ووصفت هذه اللحظة بأنها كانت مؤلمة للغاية نظراً لارتباطها العاطفي بمدينة القدس، لكنها اعتبرتها ضرورة أخلاقية لرفض صفة 'المستوطنة' التي كانت تحملها بغير وجه حق على أرض لا تملكها.

وأشارت الكاتبة إلى أن الارتباط الفلسطيني بالأرض حقيقي ومتجذر، وهو ما لمسته من خلال متابعتها لمعاناة العائلات التي هُجرت قسراً من منازلها. وتساءلت باستنكار عن كيفية استمرار العالم في مشاهدة إبادة عائلات بأكملها دون تحرك فعلي، مؤكدة أن حرق جواز سفرها كان تعبيراً عن إنسانيتها قبل أن يكون موقفاً سياسياً.

وتطرقت شيرمان إلى الإحصائيات المروعة لعدوان عام 2014، الذي استمر 50 يوماً وأسفر عن استشهاد أكثر من 2300 فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء. وأوضحت أن تلك الأرقام كانت كافية لإثبات النوايا الإجرامية للاحتلال، إلا أن ما يحدث في الحرب الحالية التي بدأت في أكتوبر 2023 تجاوز كل الحدود المتصورة للوحشية.

وبحسب المعطيات التي استعرضتها، فإن الحرب المستمرة منذ عامين خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 172 ألف جريح، في كارثة إنسانية غير مسبوقة. وأكدت أن تدمير 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة يثبت أن الهدف ليس عسكرياً، بل هو محو الوجود الفلسطيني بالكامل وتحويل القطاع إلى مكان غير قابل للحياة.

وانتقدت شيرمان بشدة حالة الإنكار الدولي والمحلي لهذه الإبادة، معتبرة أن توفر التوثيق البصري المباشر يجعل من ينكر هذه الجرائم أكثر سوءاً من أي منكر لجرائم تاريخية سابقة. وقالت إن العالم يشاهد القتل بالبث المباشر، ومع ذلك تصر قوى عديدة على تبرير الجريمة أو الصمت عنها، وهو ما يعد مشاركة فعلية في سفك الدماء.

ودعت الكاتبة المجتمع الدولي إلى ضرورة فهم جذور الصراع التي تعود إلى عام 1948، والاعتراف بحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها. واعتبرت أن المقاومة الفلسطينية هي رد فعل طبيعي وإنساني على الظلم والاحتلال، مؤكدة أن أي إنسان يوضع في ظروف أهل غزة سيختار المقاومة للدفاع عن أهله وأرضه.

كما حذرت من خطورة 'الصهيونية المسيحية' التي رأت أنها قد تكون في بعض جوانبها أكثر تطرفاً ودعماً للاستيطان من الصهيونية الإسرائيلية التقليدية. ووصفت عملية التخلص من هذه الأفكار بأنها 'مخاض معقد' يتطلب شجاعة لمواجهة الذات والاعتراف بالخطأ التاريخي الذي ارتكبته الحركة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني.

وفي ختام حديثها، أكدت شيرمان أنها ستواصل نشاطها المناهض للاحتلال، معتبرة أن صوتها كإسرائيلية سابقة يحمل مسؤولية خاصة في كشف زيف الادعاءات الصهيونية. وشددت على أن العدالة لفلسطين هي السبيل الوحيد لتحقيق سلام حقيقي، وأن التستر على الإبادة الجماعية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والخراب في المنطقة.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 1:20 مساءً - بتوقيت القدس

بعد سنوات من الانتظار.. اعتقال المتهم الأول في مجزرة التضامن يثير موجة ارتياح بدمشق

سادت حالة من الارتياح الشعبي الواسع في حي التضامن بالعاصمة السورية دمشق، إثر الإعلان الرسمي عن إلقاء القبض على المتهم الأول في ارتكاب المجزرة الشهيرة التي وقعت في الحي، المدعو أمجد يوسف. واحتشد العشرات من ذوي الضحايا والمدنيين في موقع الجريمة، حيث عبروا عن فرحتهم بتوزيع الحلويات والهتافات التي تطالب بمحاسبة كافة المتورطين، في مشهد يعكس حجم الجرح الذي تركته تلك الحادثة في نفوس السوريين.

وأكدت وزارة الداخلية السورية أن عملية الاعتقال لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتاج عملية أمنية دقيقة ومحكمة استمرت لعدة أشهر من المتابعة والتقصي. وأوضحت مصادر رسمية أن الجاني بات الآن في قبضة العدالة، مشيرة إلى أن التحقيقات ستأخذ مجراها القانوني الكامل للكشف عن كافة ملابسات الجرائم التي ارتكبها بحق المدنيين العزل خلال السنوات الماضية.

ورصدت مصادر ميدانية مشاعر أهالي الضحايا الذين توافدوا من مناطق مختلفة، ومن بينهم السيدة 'أم جمعة' التي قدمت من مدينة حلب خصيصاً للمشاركة في هذا التجمع. وأعربت والدة الشاب 'هاني'، الذي ظهر في التسجيلات المسربة للمجزرة، عن امتنانها لهذه الخطوة، معتبرة أن رؤية القاتل خلف القضبان تمنح عائلات الضحايا بصيصاً من الأمل في استعادة حقوق أبنائهم المغدورين.

من جانبها، علقت هيئة العدالة الانتقالية في سوريا على هذا التطور، واصفة إياه بالخطوة المفصلية والتاريخية في مسار المحاسبة على جرائم الحرب. وشددت الهيئة في بيان لها على أن مثل هذه الجرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما طال الزمن، مؤكدة أن ملاحقة الجناة تمثل ركيزة أساسية لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب السوري.

ويطالب الحاضرون في حي التضامن بضرورة أن تكون هذه الخطوة بداية لسلسلة من الإجراءات القانونية الشفافة التي تضمن إنصاف جميع المتضررين. ويرى مراقبون أن قضية 'سفاح التضامن' أصبحت رمزاً للمطالبة بالعدالة الدولية والمحلية، حيث يترقب الشارع السوري والمجتمع الحقوقي نتائج المحاكمات المقبلة لضمان نيل الجناة جزاءهم العادل وفق القوانين المرعية.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

زمن الحرب في السودان.. كتاب جديد يستشرف آفاق بناء الدولة عبر 'المساومة الوطنية'

صدر حديثاً في العاصمة المصرية القاهرة كتاب جديد بعنوان 'زمن الحرب ـ مقاربات وتغطيات وقصاصات عن السودان' للصحافي والباحث السوداني خالد سعد عثمان سعد. يقدم الكتاب أطروحة فكرية تنطلق من تحليل الاقتصاد السياسي، مقترحاً مساومة وطنية تؤسس لمشروع تنموي شامل بدلاً من الصيغ التقليدية لتقاسم السلطة والثروة التي أثبتت فشلها.

يرى المؤلف في كتابه الصادر عن دار العالمية للنشر والتوزيع أن مفهوم الاتصال التنموي الحديث يمثل المدخل الأساسي لحل الخلاف السياسي وإنهاء الحرب بشكل دائم. ويقع الكتاب في 290 صفحة، متناولاً الحرب المستمرة منذ عام 2023 بوصفها صراعاً بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الدولة السودانية وهويتها المؤسسية.

يصنف الكتاب الحرب الحالية بأنها مواجهة بين تيار يدعو لاستكمال مشروع الحداثة عبر الحفاظ على مؤسسات الدولة وإصلاحها، وتيار آخر يوصف بـ 'ما بعد الحداثي' يسعى للتفكيك المجرد. ويؤكد الباحث أن هذه الحرب ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج إرث طويل من النزاعات التي صاحبت تشكل الدولة القطرية في السودان.

اعتمد خالد سعد في مؤلفه منهجاً صحفياً توثيقياً يتقاطع مع أساليب البحث الميداني، ملتزماً بالسياق التاريخي والمصادر الموثوقة دون الانغلاق في إطار أكاديمي جامد. ويهدف هذا الأسلوب إلى مخاطبة الجمهور العام مع الحفاظ على الرصانة في معالجة ظواهر معقدة مثل خطاب الكراهية وتأثيرات الذكاء الاصطناعي.

يتضمن الكتاب أرشيفاً إلكترونياً غنياً يوثق مشاهدات المؤلف من قلب العاصمة الخرطوم ومناطق اللجوء المختلفة خلال أشهر الحرب القاسية. كما يضم مجموعة من المقالات والتحليلات الاقتصادية والمقابلات الصحفية التي أجراها الكاتب مع شخصيات متباينة في الرؤى والتوجهات السياسية.

يفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل العلاقة المعقدة بين السياسة والمؤسسة العسكرية في السودان، معتبراً أن الموقف الشعبي المساند للجيش حالياً هو موقف أمني وجودي. ويوضح أن هذا الدعم ينبع من الرغبة في الحفاظ على كيان الدولة، وليس بالضرورة تأييداً للنهج العسكري في الحكم أو 'العسكرتاريا'.

ينتقد المؤلف مواقف بعض القوى السياسية التي اتسمت بالانتهازية تجاه الجيش، سواء في حالة التحالف معه أو معارضته، سعياً لتحقيق مكاسب سلطوية. ويرى أن غالبية هذه القوى استغلت الجيش تاريخياً كأداة للسيطرة، مستفيدة من رمزيته الوطنية واحتكاره الشرعي لأدوات العنف في البلاد.

يدعو الكتاب الأحزاب السياسية إلى التخلي نهائياً عن 'البندقية' كوسيلة للضغط، وفي المقابل يطالب الجيش بالتوقف عن البحث عن غطاء سياسي لتبرير تدخلاته. ويقترح المؤلف صياغة ميثاق وطني يصنع التوازن المطلوب ويمنح السودان فرصة حقيقية لبناء دولة مدنية مدعومة بجيش وطني موحد.

يشير التحليل الوارد في الكتاب إلى أن الحرب كشفت عن هشاشة البنية الوطنية التي فشلت في حسم القضايا التنموية الكبرى منذ عقود طويلة. وأظهرت الأحداث أن المشهد السياسي تحول إلى ساحة لتبادل الاصطفافات بدلاً من أن يكون منطلقاً لإنتاج مشروع وطني جامع يستوعب الجميع.

على الصعيد الاقتصادي، يوضح الكتاب أن الأزمة الحالية كشفت عن تآكل عميق في المؤسسات قبل أن تكون مجرد نقص في الموارد أو أزمة عابرة. فالاقتصاد السوداني كان يعاني من اختلالات هيكلية بنيوية جعلته ينهار سريعاً أمام ضغوط الحرب والنزوح الواسع للسكان.

يتطرق المؤلف إلى المجال الإعلامي، واصفاً إياه بـ 'المختل' في إدارة السردية العامة، حيث تحول إلى فضاء للاستقطاب الحاد والتعبئة المتبادلة. وقد أدى هذا الاختلال إلى تعميق التصدعات في الذاكرة الجمعية السودانية، مما أثر بشكل مباشر على أنماط العيش المشترك بين المكونات الاجتماعية.

رغم التصدع الوطني العام، يشيد الكتاب بتماسك المجتمعات المحلية في حدودها الضيقة، حيث نجحت الروابط القبلية والعائلية في القيام بأدوار مؤسسات الدولة الغائبة. ومع ذلك، يحذر المؤلف من الانتشار غير المسبوق لخطاب الكراهية الذي بات يهدد النسيج الاجتماعي الكلي للدولة السودانية في المستقبل.

يؤكد الكتاب أن زمن البناء يجب أن يبدأ بسؤال 'كيف نبني' وليس فقط 'من يحكم'، مشدداً على أن إعادة ترتيب القوى لا تعني تأسيس المجال الوطني. فالمراجعة الشاملة لطبيعة الدولة ووظيفتها وحدودها هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار دورات العنف والخراب التي شهدتها البلاد.

يختتم الباحث أطروحته بالتأكيد على أن المشروع التنموي الوطني ليس مجرد وثيقة تقنية تعدها الحكومات المؤقتة في مكاتب مغلقة بعيداً عن الناس. بل هو اتفاق تاريخي يتطلب مشاركة شعبية واسعة وتبادلاً للأفكار بين النخب وصناع القرار والمجتمعات المحلية للوصول إلى صيغة مستدامة للحكم.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

الرحلة 655: الجرح الإيراني المفتوح وصاروخ 'فينسينس' الذي لم يعتذر

في صبيحة الثالث من يوليو عام 1988، أقلعت رحلة الخطوط الجوية الإيرانية رقم 655 من مطار بندر عباس في طريقها إلى دبي، حاملة على متنها 290 مسافراً كانوا يتطلعون لرحلة قصيرة لا تتجاوز نصف الساعة. لم تكن الطائرة تعلم أن طراد الصواريخ الموجهة التابع للبحرية الأمريكية 'يو إس إس فينسينس' يتربص في مياه الخليج، ليطلق صواريخه التي حولت الرحلة المدنية إلى حطام في قاع البحر.

وصفت واشنطن الحادثة حينها بأنها 'مأساة مؤسفة' نتجت عن خطأ في تحديد هوية الطائرة، حيث زعم الطاقم الأمريكي اعتقاده بأنها مقاتلة إيرانية من طراز 'إف-14'. ورغم هذا التبرير، إلا أن طهران رفضت الرواية جملة وتفصيلاً، معتبرة أن استهداف طائرة ركاب في ممر جوي مدني معروف هو جريمة متعمدة لا يمكن اختزالها في سوء تقدير عسكري.

وقعت الحادثة في ذروة التوتر بـ 'حرب الناقلات' خلال المراحل الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية، حيث كانت المنطقة تشهد استنفاراً عسكرياً أمريكياً غير مسبوق. وقد ساهمت حوادث سابقة، مثل إصابة الفرقاطة 'يو إس إس ستارك' بصواريخ عراقية، في رفع حساسية القوات الأمريكية وتعديل قواعد الاشتباك لتصبح أكثر عدوانية تجاه أي تهديد محتمل.

تشير الوثائق التاريخية إلى أن الطراد 'فينسينس' كان منخرطاً في مناوشات مع زوارق إيرانية قبل لحظات من إقلاع الرحلة 655 التي تأخرت عن موعدها بنحو 30 دقيقة. وبحسب ملف القضية أمام محكمة العدل الدولية، فإن الطائرة كانت تصعد في مسارها الطبيعي وتبث إشارات مدنية واضحة، مما يدحض الرواية الأمريكية حول سلوكها الهجومي.

على متن تلك الرحلة المنكوبة، كان هناك 65 طفلاً وعائلات كانت تقصد دبي للتسوق وقضاء العطلات، مما أضفى طابعاً إنسانياً مأساوياً على الكارثة. ورغم أن السفينة الأمريكية أرسلت تحذيرات لاسلكية، إلا أن الطائرة المدنية لم تستجب، وهو ما برره الخبراء لاحقاً باختلاف الترددات بين الطيران المدني والعسكري وضيق الوقت المتاح للرد.

أصدر القبطان ويليام روجرز أمره بإطلاق صاروخين أرض-جو، مما أدى إلى تدمير الطائرة فوراً ومقتل جميع من كان على متنها دون ناجٍ واحد. دافع القادة العسكريون في واشنطن عن القرار، مؤكدين أن القبطان كان يحمي سفينته وطاقمه من خطر وشيك، وهو ما أيده رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك الأميرال ويليام كرو.

الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وصف الحادثة بأنها 'مأساة إنسانية مروعة'، لكنه أصر على أن السفينة تصرفت في إطار الدفاع عن النفس. هذا الموقف المتصلب زاد من حنق طهران، التي رأت في التقنيات المتطورة للطراد الأمريكي دليلاً على استحالة وقوع مثل هذا الخطأ التقني الفادح في تمييز حجم الطائرة ومسارها.

وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت، علي أكبر ولايتي، وصف إسقاط الطائرة بأنه 'جريمة كبرى' تتحمل مسؤوليتها القوات الأمريكية بشكل كامل. واعتبرت طهران أن دخول الطراد للمياه الإقليمية الإيرانية واستهداف طائرة مدنية هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية لا يمكن التغاضي عنه تحت ذريعة ضغوط القتال.

ساهمت هذه الفاجعة بشكل غير مباشر في تسريع نهاية الحرب الإيرانية العراقية، حيث تعززت القناعة لدى القيادة الإيرانية بأن التدخل الأمريكي المباشر أصبح حتمياً. وخشيت طهران من أن استمرار النزاع سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية في ظل الانحياز الأمريكي الواضح، مما دفعها للموافقة على وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة.

في عام 1989، نقلت إيران المعركة إلى الساحة القانونية برفع دعوى ضد الولايات المتحدة أمام محكمة العدل الدولية، مطالبة بالعدالة والتعويض. وبعد سنوات من المداولات الشاقة، انتهت القضية بتسوية مالية عام 1996، دفعت بموجبها واشنطن 61.8 مليون دولار لعائلات الضحايا، لكنها رفضت تقديم اعتذار رسمي أو الاعتراف بالمسؤولية القانونية.

بالنسبة للإيرانيين، لم تكن التعويضات المالية كافية لمحو أثر الجريمة، وظلت الرحلة 655 رمزاً لغياب العدالة الدولية وانحياز القوى الكبرى. وتحول الرقم 290 إلى أيقونة وطنية تذكر العالم بضحايا 'الإرهاب الأمريكي' كما تصفه الأدبيات السياسية في طهران، وبقيت الحادثة حاضرة في المناهج والخطابات الرسمية.

عاد صدى الحادثة بقوة في يناير 2020، عندما هدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بضرب 52 موقعاً إيرانياً رداً على مقتل قاسم سليماني. حينها، رد الرئيس الإيراني حسن روحاني بتغريدة شهيرة قال فيها: 'على من يشير إلى الرقم 52 أن يتذكر أيضاً الرقم 290'، في إشارة واضحة لضحايا الطائرة المنكوبة.

هذا الاستحضار السياسي للرقم 290 يؤكد أن قضية الرحلة 655 لم تغلق بانتهاء المداولات القانونية أو دفع الأموال، بل أصبحت جزءاً من الهوية السياسية الإيرانية. وتستخدم طهران هذه الذكرى في كل مواجهة دبلوماسية للتذكير بما تصفه بـ 'السجل الدموي' للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي.

في الختام، تظل قصة الرحلة 655 شاهداً على مآسي الحروب التي يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء نتيجة قرارات عسكرية متسرعة أو حسابات سياسية معقدة. إنها ليست مجرد حادثة جوية في أرشيف الثمانينيات، بل هي جرح سياسي ورمزي مفتوح يستعاد كلما وصلت العلاقات بين طهران وواشنطن إلى حافة الانفجار.

أحدث الأخبار

السّبت 25 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد جوي عنيف: قتلى وجرحى في هجمات متبادلة بالمسيرات بين موسكو وكييف

شهدت مدينة دنيبرو الواقعة جنوب شرق أوكرانيا ليلة دامية إثر هجوم جوي روسي واسع النطاق، أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف الروسي لم يقتصر على دنيبرو بل طال مناطق عدة، في واحدة من أعنف موجات التصعيد الجوي التي تشهدها البلاد منذ أشهر طويلة.

واستخدمت القوات الروسية في هجومها الليلي ترسانة ضخمة ضمت نحو 660 وسيلة هجومية، تنوعت بين الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية والمجنحة. وأكدت السلطات الأوكرانية أن هذا الهجوم المكثف استهدف بشكل مباشر الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، مما أدى إلى دمار واسع في الممتلكات الخاصة والعامة.

من جانبه، أوضح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القصف الروسي تواصل دون انقطاع تقريباً طوال ساعات الليل، مستهدفاً مدناً وبلدات مأهولة بالسكان. وشدد زيلينسكي على أن طبيعة الأهداف المختارة تؤكد تعمد استهداف البنى التحتية المدنية، داعياً المجتمع الدولي والحلفاء إلى اتخاذ إجراءات فورية لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية.

وفي تفاصيل العمليات الدفاعية، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها واجهت هجوماً شمل 619 طائرة مسيرة و47 صاروخاً أُطلقت من منصات مختلفة. ونجحت وحدات الدفاع الجوي في اعتراض وإسقاط 580 طائرة مسيرة و30 صاروخاً، وهو ما حال دون وقوع كارثة إنسانية أكبر في المناطق المستهدفة التي تركزت حول إقليم دنيبرو.

وعلى الأرض، كشف أولكسندر غانيا، رئيس الإدارة العسكرية في دنيبروبيتروفسك، عن تفاصيل مأساوية لعمليات الإنقاذ، حيث تم انتشال جثتين من تحت ركام مبنى سكني انهار جراء الغارات. وأشار غانيا إلى أن فرق الطوارئ لا تزال تواصل البحث عن مفقودين محتملين تحت الأنقاض، في حين تعمل الطواقم الطبية على تقديم الرعاية العاجلة لعشرات المصابين.

في المقابل، لم يتوقف الرد الأوكراني عند الدفاع، حيث طالت الهجمات بالمسيرات العمق الروسي، مستهدفة مدينة يكاترينبورغ بشكل مباشر. وأظهرت توثيقات مصورة دماراً كبيراً لحق ببرج سكني في وسط المدينة الروسية، بعدما نجحت طائرة مسيرة أوكرانية في اختراق الأجواء والارتطام بالمبنى، مما أثار حالة من الذعر بين السكان المحليين.

وأدت الضربة الأوكرانية في يكاترينبورغ إلى إصابة ستة أشخاص على الأقل، وتناثر حطام الطائرة والواجهات الزجاجية على مساحة واسعة بلغت نحو 200 متر من موقع الانفجار. وأعلن حاكم منطقة سفردلوفسك الروسية عن إخلاء المبنى المتضرر بالكامل وتأمين قاطنيه، مع استمرار فرق التحقيق في معاينة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالشقق السكنية في الطوابق العليا.

ويأتي هذا التبادل العنيف للهجمات الجوية ليشير إلى مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل بين موسكو وكييف، حيث باتت المسيرات سلاحاً أساسياً في استهداف العمق. وبينما تطالب أوكرانيا برد دولي أكثر صرامة لوقف استهداف مدنييها، تواصل روسيا عملياتها الجوية المكثفة رداً على ما تصفه بالهجمات الأوكرانية على أراضيها.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

أسطول "الصمود" يصل صقلية في طريقه لغزة: ناشطون يؤكدون الاستمرار حتى كسر الحصار

وصلت سفن "أسطول الصمود العالمي" مساء الخميس إلى ميناء سيراكوز في جزيرة صقلية الإيطالية، محققة بذلك نجاح المرحلة الأولى من رحلتها البحرية المتجهة إلى قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة ضمن مبادرة إنسانية واسعة انطلقت من مدينة برشلونة الإسبانية في الثاني عشر من أبريل الجاري، بمشاركة ناشطين ومتطوعين من مختلف أنحاء العالم.

وأكد القائمون على المهمة التي تحمل اسم "ربيع 2026" أن الهدف الأساسي هو كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ سنوات طويلة، وتأمين وصول المساعدات الإغاثية للفلسطينيين. وتعد هذه المحاولة هي الثانية للأسطول بعد تجربة سابقة في عام 2025 تعرضت لهجوم عسكري إسرائيلي في المياه الدولية أدى لاعتقال مئات المشاركين.

وكشف سيف، عضو مجلس إدارة أسطول الصمود، عن تفاصيل ميدانية واجهت الرحلة، مشيراً إلى أنهم تمكنوا من إجبار إحدى كبريات سفن الشحن العالمية المتجهة إلى إسرائيل على تغيير مسارها. وأوضح أن التعبئة مستمرة في البحر وعلى البر، مع توقعات بانضمام سفن إضافية للقافلة في عرض البحر خلال الأيام المقبلة.

وشدد الناشطون على أن خطتهم تعتمد على تقييم مستمر للأوضاع الميدانية، مؤكدين أن الوصول إلى شواطئ غزة هو الغاية النهائية التي لن يتنازلوا عنها. وقال سيف في تصريحات صحفية إن العزيمة لا تزال قوية لدى جميع المشاركين، وأن الفشل في الوصول سابقاً لم يزد المتطوعين إلا إصراراً على تكرار المحاولة.

من جانبه، أوضح الناشط البرازيلي تياغو أفيلا، الذي يشارك للمرة الثالثة في هذه القوافل أن المهمة الحالية تختلف عن سابقاتها بزيادة عدد المراكب وتدريب المشاركين بشكل أفضل. وأشار أفيلا إلى أن الوعي العالمي بحقيقة ما يجري في غزة من إبادة جماعية قد تضاعف، مما خلق زخماً دولياً غير مسبوق لدعم هذه المبادرة الشعبية.

وأضاف أفيلا أن أحرار العالم لا يخشون التهديدات السياسية أو العسكرية، معتبراً أن زمن الهيمنة المطلقة لنتنياهو والإدارة الأمريكية على مصير الشعوب قد انتهى. وأكد أن الهدف لا يقتصر على كسر الحصار المادي فحسب، بل يمتد لكسر حالة التواطؤ الدولي التي سمحت باستمرار معاناة الفلسطينيين لعقود.

وفي سياق متصل، اعتبر الناشط الإيطالي أنطونيو لا بيتشيريللا أن الأوضاع الراهنة في المنطقة تفرض تحركاً شعبياً عاجلاً يتجاوز عجز المؤسسات الدولية الرسمية. وأشار إلى أن العدوان الإسرائيلي لم يعد محصوراً في غزة بل امتد ليشمل لبنان والضفة الغربية، مما يجعل الصمت والمراقبة خياراً غير مقبول أخلاقياً.

وأوضح لا بيتشيريللا أن الاعتماد على الحكومات لم يعد مجدياً بعد أن أثبتت فشلها في وقف الانتهاكات، بل إن بعضها متورط بشكل مباشر في دعم الاحتلال. وأكد أن التحرك الشعبي هو الرد الوحيد المتبقي لمواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة، مشدداً على أن "أكبر خطر هو عدم فعل شيء".

بدورها، لفتت المتحدثة باسم الأسطول في إيطاليا، ماريا إيلينا ديليا، إلى أن استمرار القتل في غزة رغم إعلان وقف إطلاق النار هو المحرك الأساسي لهذه الرحلة. وذكرت ديليا أن نحو 800 فلسطيني استشهدوا منذ أكتوبر الماضي، واصفة ما يحدث بأنه "إبادة جماعية منخفضة الشدة" تستوجب تدخلاً إنسانياً فورياً.

وحذرت المتحدثة من انتقال نموذج القمع والدمار الذي طبقته إسرائيل في غزة إلى الأراضي اللبنانية، مؤكدة أن الصمت الحالي سيؤدي إلى كوارث إنسانية أوسع. وقالت إن الأسطول يسعى لفتح ممر إنساني دائم ومستقر يعوض إغلاق المعابر البرية التي يتحكم فيها الاحتلال ويمنع من خلالها دخول الضروريات.

وعن حجم القافلة، كشفت ديليا أن عدد السفن المشاركة قد يصل إلى 100 سفينة، حيث ترسو حالياً نحو 75 سفينة في الموانئ الإيطالية بانتظار الانطلاق. ومن المتوقع أن تلتقي هذه السفن مع وحدات بحرية أخرى قادمة من اليونان وتركيا لتشكيل أكبر تجمع بحري تضامني يتجه نحو سواحل قطاع غزة.

وأكدت ديليا أن الرسالة السياسية والإنسانية للأسطول تفوق أهمية عدد السفن، فهي تعبير عن رفض الشعوب لتجاهل الحكومات للقانون الدولي وحقوق الإنسان. وشددت على أن المبادرة تمثل صرخة عالمية ضد الإبادة، ومحاولة عملية لكسر العزلة المفروضة على أكثر من مليوني إنسان في القطاع المحاصر.

ويعاني قطاع غزة من حصار خانق منذ عام 2007، أدى إلى تدمير البنية التحتية وانهيار المنظومة الصحية والخدماتية بشكل شبه كامل. وتسببت حرب الإبادة الأخيرة في تشريد نحو 1.5 مليون فلسطيني، باتوا بلا مأوى نتيجة القصف الممنهج للمناطق السكنية والمرافق العامة والمستشفيات.

وتشير الإحصائيات إلى أن العدوان الإسرائيلي خلف حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 72 ألف شهيد، في ظل نقص حاد في الوقود والمستلزمات الطبية والأدوية. وتأتي تحركات أسطول الصمود في وقت حرج لمحاولة تخفيف هذه الأزمة الإنسانية غير المسبوقة التي يصفها مراقبون دوليون بأنها الأسوأ في التاريخ الحديث.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

اختراق المجتمعات: سلاح الاحتلال البديل حين تعجز القوة العسكرية

لم تكن الحروب عبر التاريخ الإنساني تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة بالسلاح والعتاد فقط، بل رافقتها دائماً أدوات خفية تهدف إلى تفكيك المجتمعات من الداخل. يسعى الاحتلال من خلال هذه الوسائل إلى إضعاف الروابط الوطنية وبث الشك والخوف بين أبناء الشعب الواحد، مستهدفاً الحاضنة الشعبية التي تشكل الدرع الحامي للمقاومة.

تبرز ظاهرة المتعاونين كإحدى أخطر الاستراتيجيات التي اعتمدتها القوى الاستعمارية عبر العصور للسيطرة على الشعوب المستعصية على الإخضاع. فحين يعجز المحتل عن تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية الغاشمة، يبدأ بالبحث عن ثغرات داخلية ينفذ منها لضرب الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع المقاوم.

يدرك الاحتلال تماماً أن تماسك الشعوب هو العقبة الكبرى أمام مشروعات الهيمنة والسيطرة، ولذلك يعمل على تحويل بعض الأفراد إلى أدوات تخدم أهدافه الأمنية والسياسية. هذه السياسة ليست حالة معزولة، بل هي جزء من تاريخ طويل طبقه الاستعمار القديم في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتقليل كلفة المواجهة.

في الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الظاهرة حساسية مفرطة وتعقيداً كبيراً نظراً لطول أمد الصراع وطبيعة الاحتلال الإحلالي. لقد اعتمدت مصادر أمنية تابعة للاحتلال على شبكات تجنيد تحاول استغلال الأزمات الاقتصادية والاحتياجات الإنسانية الملحة للمواطنين تحت الحصار.

الهدف من وراء هذه الاختراقات ليس أمنياً محضاً لجمع المعلومات، بل يمتد ليكون هدفاً نفسياً وسياسياً يسعى لزعزعة الاستقرار الاجتماعي. يحاول الاحتلال تحويل بيئة المقاومة إلى ساحة قلقة ومتوترة يطغى عليها التوجس، مما يعيق قدرة المجتمع على الصمود الطويل.

رغم هذه المحاولات المستمرة لعقود، إلا أن المجتمع الفلسطيني طوّر وعياً جمعياً صلباً تجاه أساليب الاختراق والابتزاز الأمني. أصبحت ظاهرة العمالة تمثل عبئاً أخلاقياً واجتماعياً منبوذاً، حيث تصطدم دائماً بحقيقة الانتماء الوطني المتجذر والذاكرة الجماعية الرافضة للتنازل.

خلال العامين الأخيرين، شن الاحتلال حرباً تدميرية شاملة استخدم فيها التجويع والحصار المنهجي كأدوات للضغط على الحاضنة الشعبية. كانت هذه الحرب محاولة لإرهاق الشعب الفلسطيني نفسياً ودفعه نحو الانكسار أو القبول بالأمر الواقع تحت وطأة المعاناة غير المسبوقة.

بالرغم من حجم المأساة والدمار، لم تنجح استراتيجية تفكيك الهوية الجمعية أو تحويل المعاناة إلى استسلام سياسي. بل على العكس، كشفت سنوات الحرب القاسية عن قدرة فائقة للمجتمع على إعادة إنتاج التضامن الداخلي والتمسك بحق البقاء رغم الكلفة الباهظة.

إن لجوء الاحتلال لأساليب الاختراق الاجتماعي يعكس في جوهره أزمة عميقة يواجهها النظام الاستعماري في فرض إرادته. فالمحتل الذي يحتاج للتجسس على أدق تفاصيل حياة الناس يدرك ضمنياً أنه يواجه شعباً لا يمكن كسر إرادته بالوسائل التقليدية.

التاريخ يؤكد أن الإمبراطوريات التي راهنت على الانقسام الداخلي للشعوب لم تنجح في ضمان بقائها واستمراريتها على المدى البعيد. الشعوب قد تمر بمراحل من التعب والألم، لكنها لا تنسى حقوقها التاريخية ولا تتخلى عن تطلعها الفطري نحو الحرية والانعتاق.

في فلسطين، لا تخرج القاعدة عن سياقها التاريخي المعروف، حيث أثبت المجتمع قدرته على مواجهة محاولات التفكيك الداخلي. الهوية الوطنية الفلسطينية، المتجذرة في الوعي والذاكرة، تظل دائماً أقوى من المكاسب التكتيكية المحدودة التي قد يحققها الاحتلال عبر عملائه.

الانتصار الحقيقي لا يتحقق عبر التجسس أو تمزيق النسيج المجتمعي، بل يرتبط بالعدالة والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة. وما دام الشعب متمسكاً بأرضه، فإن كل أدوات الاختراق ستظل عاجزة عن هزيمة إرادة البقاء التي تتجاوز حدود القوة العسكرية.

يعتقد بعض المراهنين أن حجم الدمار في فلسطين ولبنان قد يدفع نحو القبول بـ 'الواقعية السياسية' كخيار وحيد متاح. لكن هذا التصور يغفل دروس التاريخ التي تؤكد أن المحتل، مهما بلغت قوته، يبقى الأضعف أخلاقياً وسياسياً أمام صاحب الحق.

يواجه قادة الاحتلال اليوم اتهامات دولية خطيرة تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية، وهي تهم تلاحق شرعيتهم أمام العالم أجمع. إن قوة السلاح قد تؤخر لحظة الحقيقة، لكنها لن تلغي حتمية انتصار الشعوب التي تؤمن بأن التاريخ ينصف المدافعين عن وجودهم في النهاية.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

باكستان لاعباً محورياً: كيف تحولت إسلام أباد إلى وسيط في الصراع الأمريكي الإيراني؟

شهد العقد الأخير تحولات دراماتيكية في نفوذ باكستان الإقليمي، حيث عانت إسلام أباد من تراجع حاد في منطقة الخليج العربي نتيجة الاستقطابات الأيديولوجية الحادة. وقد ساهمت حاجة القوى الغربية لتقديم الهند كقوة موازنة للصين في تعزيز مكانة نيودلهي على حساب الدور الباكستاني التقليدي.

تجلت هذه الضغوط من خلال تبني قوى إقليمية للموقف الهندي، وصولاً إلى طرح الممر الاقتصادي الهندي الأوروبي الذي يمر عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل. هذه المؤشرات، مضافاً إليها الأزمات الاقتصادية الداخلية في باكستان، كانت توحي بأن دورها التاريخي في المنطقة قد شارف على الانتهاء.

إلا أن المشهد بدأ يتبدل جذرياً مع تبني المملكة العربية السعودية لسياسة خارجية جديدة اتسمت بالاستقلالية والابتعاد عن المحور الهندي الإسرائيلي. وقد عززت الحرب الباكستانية الهندية الخاطفة من هذه التحولات، حيث أظهرت إسلام أباد قدرات عسكرية أعادت صياغة موازين القوى في ذهن صناع القرار الإقليمي.

في عام 2025، وعقب الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف دولة قطر، اتخذت الرياض خطوة استراتيجية برفع مستوى التحالف مع باكستان. وتوج هذا التقارب بتوقيع اتفاقية دفاعية ملزمة تقضي بتدخل القوات الباكستانية في حال تعرض الأمن السعودي لأي تهديد خارجي مباشر.

بالتوازي مع ذلك، كان التنسيق التركي الباكستاني يكتسب زخماً متصاعداً بفضل جهود أنقرة لدمج إسلام أباد في المعادلات الإقليمية المتعددة. شمل هذا التعاون مسارات ثلاثية مع أذربيجان وأوكرانيا، بالإضافة إلى تنسيق وثيق في الملفات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة.

مع اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، برز اسم باكستان كلاعب غير متوقع. حيث تحولت إسلام أباد إلى قناة اتصال رئيسية ووسيط بين واشنطن وطهران، متجاوزة بذلك أدواراً كانت محصورة تاريخياً في سلطنة عمان وسويسرا.

يعود هذا البروز المفاجئ إلى عدة عوامل، أبرزها الوضع الاقتصادي الحرج لباكستان الذي تأثر بشدة بإغلاق مضيق هرمز. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وجدت إسلام أباد نفسها أمام ضرورة ملحة لوقف الحرب لتفادي انهيار مالي واجتماعي داخلي نتيجة التضخم المفرط.

لعبت المساعدات المالية الخليجية دوراً في تثبيت الموقف الباكستاني، حيث تدخلت قطر والسعودية لتأمين 5 مليار دولار لسد العجز المالي. جاء ذلك في وقت طالبت فيه الإمارات إسلام أباد بسداد ديون مستحقة بقيمة 3 مليار دولار، مما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

على الصعيد العسكري، وضعت الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي باكستان أمام اختبار حقيقي لالتزاماتها الدفاعية. وأرسلت إسلام أباد رسائل حازمة إلى طهران مفادها أن أي استهداف للمملكة العربية السعودية سيفعل تلقائياً بنود الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين البلدين.

سعت باكستان من خلال تحركاتها الدبلوماسية إلى تجنب سيناريو المواجهة المباشرة مع جارتها إيران، مفضلة الانخراط في مسار وقف إطلاق النار. وترى القيادة الباكستانية أن جر البلاد إلى حرب إقليمية سيفاقم من أزماتها الداخلية ويقوض جهود التنمية الهشة.

تتخوف إسلام أباد بشكل عميق من تداعيات احتمال سقوط النظام الإيراني أو تحول إيران إلى دولة فاشلة نتيجة الحرب. وتستحضر الذاكرة السياسية الباكستانية التجربة المريرة مع أفغانستان، حيث لا تزال تعاني من الأعباء الأمنية والاجتماعية لعدم الاستقرار على حدودها الغربية.

تمتلك باكستان ميزة فريدة تتمثل في علاقاتها المتوازنة مع الأقطاب المتنافسة، فهي حليف استراتيجي للصين وتمتلك إرثاً طويلاً من التعاون مع واشنطن. هذا التوازن، بالإضافة إلى علاقاتها المتنامية مع دول الخليج وإيران، جعل منها وسيطاً مقبولاً لدى كافة الأطراف المتصارعة.

تراقب إسلام أباد بحذر الجهود الغربية لدعم الصعود الدولي للهند، وتعتبر أن نجاح التحالفات الهندية الإسرائيلية الخليجية يمثل تهديداً وجودياً لنفوذها. لذا، فإن انخراطها في الوساطة يهدف أيضاً إلى احتواء الطموحات الهندية وضمان مقعد دائم لها في صياغة مستقبل المنطقة.

في نهاية المطاف، تظل جهود الوساطة الباكستانية مرهونة بتطورات الميدان العسكري ومدى رغبة الأطراف الدولية في الوصول إلى تسوية. ومع ذلك، فإن تحول باكستان من دولة تعاني من تراجع النفوذ إلى وسيط إقليمي لا غنى عنه يمثل نقطة تحول جوهرية في جيوسياسية الشرق الأوسط.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

ملف المعتقلين في مصر: من منطق التفاوض إلى واقع 'الافتداء' والرهائن

تكتسب التحركات الحقوقية والإنسانية المتعلقة بملف المعتقلين السياسيين في مصر أهمية استثنائية في الوقت الراهن، ليس لكونها مؤشراً على انفراجة سياسية مرتقبة، بل لأنها تعري البنية التي تدار بها الدولة. إن المسألة لم تعد تتعلق بسلطة يمكن دفعها لتصحيح مسارها القانوني، بل بمنظومة استفادت من استمرار الأزمة وحولت الاعتقال إلى أداة حكم دائمة.

يرى مراقبون أن هذه المبادرات تعمل كمرآة تعكس حجم المأساة الإنسانية وتمنع محاولات السلطة لتطبيع الوضع الاستثنائي الحالي. إن القيمة الحقيقية لهذه التحركات تكمن في إبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، ومواجهة سياسات التعتيم التي تهدف إلى تغييب آلاف الوجوه خلف قضبان السجون.

إن النظام الحالي لم يكتفِ بجعل الاعتقال قاعدة بدلاً من الاستثناء، بل حول الحبس الاحتياطي والتدوير إلى استراتيجية لإخضاع المجتمع وكسر إرادته السياسية. هذه الأدوات لم تعد تُستخدم لتحقيق العدالة، بل أصبحت ركيزة أساسية لبقاء السلطة وتجريم أي صوت معارض أو رأي مغاير.

تؤكد الوقائع أن السلطة في مصر لا تتحرك بمنطق الضمير أو الالتزام بالقانون، بل تخضع فقط للحسابات المصلحية الباردة أو الضغوط الداخلية والخارجية المكثفة. ومن هنا، فإن جدوى المبادرات الحقوقية تكمن في توثيق الجرائم ومنع السلطة من تسويق الإفراجات المحدودة كإصلاحات سياسية حقيقية.

الإفراج عن بضع عشرات من المعتقلين لا يغير من الواقع السياسي والأخلاقي شيئاً ما دامت آلة القمع مستمرة في إنتاج ضحايا جدد يومياً. إن النظام يسعى لاستخدام هذه الإفراجات كمناورات دعائية، بينما يظل المفرج عنهم تحت تهديد الملاحقة والترهيب المستمر في دائرة مغلقة من الاستهداف.

في ظل انسداد الأفق السياسي، برزت أفكار وصفت بالمأساوية مثل فكرة 'المال مقابل الإفراج'، وهي تعبير عن حالة اليأس التي وصل إليها المجتمع الحقوقي. هذه الطروحات لا تهدف لشرعنة الجريمة، بل هي محاولة اضطرارية لانتزاع الأبرياء من براثن سلطة تتعامل مع مواطنيها بمنطق الخاطف والمخطوف.

إن مجرد طرح فكرة 'الافتداء' يمثل إدانة تاريخية للنظام المصري، حيث انحدرت الدولة إلى مستوى التعامل مع البشر كأرقام في معادلة مالية أو سياسية. هذا الواقع يهدم المعنى الأخلاقي للدولة ويحولها من مصدر للحماية والأمان إلى مصدر أول للخوف والتهديد لمواطنيها.

قد تدفع الأزمات المالية الطاحنة وتراكم الديون النظام إلى النظر في مقترحات ذات طابع مالي مقابل إغلاق بعض الملفات الحقوقية. لكن هذا الاحتمال إن تحقق، لن يكون انفراجاً بل تأكيداً على تحول الظلم السياسي إلى تجارة بالألم الوطني واستثمار في الجريمة المستمرة.

لا يمكن الحديث عن مخرج حقيقي للأزمة إلا بقرار سياسي شامل ينهي الحقبة الحالية عبر تبييض السجون من كافة معتقلي الرأي. إن إنهاء سياسة التدوير وإساءة استخدام الحبس الاحتياطي هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة الحد الأدنى من الثقة في مفهوم الدولة والعدالة.

المأساة الحقيقية في مصر اليوم لا تكمن فقط في أعداد السجناء، بل في اعتياد المشهد والتعامل معه كملف إداري قابل للتفاوض البارد. إن هذا الجرح الوطني النازف يتطلب مواجهة صريحة مع السلطة التي ترى في الحرية تهديداً وجودياً لها وفي السجن أداة وحيدة للإدارة.

أفادت مصادر بأن الحالة الحقوقية في مصر وصلت إلى مرحلة من التوحش دفعت أصحاب الضمير للبحث عن أي وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا الانهيار القيمي يعكس مدى الفجوة بين السلطة والمجتمع، حيث غابت لغة القانون وحلت محلها لغة القهر المجرد والابتزاز السياسي.

إن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس عن مدى نجاح المبادرات الفردية، بل عن كيفية وصول الدولة إلى هذه المرحلة من التردي الأخلاقي والقانوني. كيف أصبح إنقاذ الأبرياء يشبه عمليات تحرير الأسرى من يد عصابات لا تعترف بالحقوق الأساسية للإنسان؟

يبقى الرهان على استمرار الرفض الشعبي والحقوقي لسياسات الاستسلام، والإصرار على أن الحق في الحرية ليس موضوعاً للمساومة أو الفدية. إن توثيق هذه المرحلة السوداء يعد خطوة ضرورية للمحاسبة التاريخية والسياسية التي لا تسقط بالتقادم مهما طال أمد القمع.

في الختام، يظل ملف المعتقلين في مصر اختباراً يومياً لما تبقى من إنسانية في هذا العالم، وتذكيراً دائماً بأن الوطن لا يمكن أن يستقر على ركام من الظلم. إن الحرية حق أصيل وليست منحة من سلطة، والاعتراف بهذا الحق هو البداية الوحيدة لأي إصلاح حقيقي.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع مستوى التمثيل الأمريكي في مفاوضات إسلام آباد وغياب فانس عن المشهد

تستعد العاصمة الباكستانية إسلام آباد لاستضافة جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران نهاية هذا الأسبوع. وتأتي هذه الجولة في ظل غياب لافت لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي كان قد قاد الوفد المفاوض في وقت سابق من هذا الشهر.

أعلن البيت الأبيض أن المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوليان قيادة الوفد الأمريكي في هذه المرحلة. وقد غادر المبعوثان بالفعل متوجهين إلى باكستان للمشاركة في المباحثات التي تهدف إلى إيجاد مخرج للأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران.

أفادت مصادر صحفية بأن قرار استبعاد فانس من هذه الجولة يعكس تراجعاً في مستوى التوقعات الدبلوماسية. ويرى مسؤولون أمريكيون أن فشل الزيارة السابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي دفع الإدارة إلى خفض مستوى التمثيل في الوقت الراهن.

على الجانب الإيراني، تقرر عدم إرسال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى المفاوضات الحالية. ويُعد قاليباف أرفع مسؤول إيراني شارك في جولات سابقة، وكان يُنظر إليه كنظير مباشر لنائب الرئيس الأمريكي في البروتوكول الدبلوماسي المعمول به.

أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت أن فانس سيبقى على أهبة الاستعداد للتدخل إذا لزم الأمر. وأشارت إلى أن نائب الرئيس قد يتوجه إلى باكستان في حال رأى المسؤولون أن وجوده سيشكل إضافة ضرورية وحاسمة لمسار التفاوض.

يرى مراقبون أن غياب فانس يهدف إلى حماية صورته السياسية وتجنب أي إحراج دبلوماسي في حال تعثرت المحادثات مجدداً. كما أن تقليص المتطلبات الأمنية واللوجستية المرافقة لنائب الرئيس يقلل من سقف التوقعات الشعبية والدولية تجاه نتائج هذه الجولة.

وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد في زيارة رسمية، حيث التقى بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير. ورغم تأكيد طهران أن الزيارة لا تشمل لقاءات مع الجانب الأمريكي، إلا أن التوقيت يشير إلى دور باكستاني محوري كوسيط.

تشير التقارير إلى أن كوشنر وويتكوف يحملان أجندة أكثر تشدداً فيما يتعلق بالمطالب الإقليمية. ويسعى الوفد الأمريكي للضغط على إيران لوقف دعمها لحلفائها في المنطقة، بما يشمل حزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة.

تتضمن المطالب الأمريكية أيضاً ضرورة وقف هجمات الحوثيين في اليمن وتأمين ممرات التجارة العالمية. وتواجه هذه الاشتراطات رفضاً إيرانياً قاطعاً، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات وزيادة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن إغلاق ممرات الطاقة.

أكدت الإدارة الأمريكية أنها رصدت بعض التقدم في المواقف الإيرانية خلال الأيام القليلة الماضية. ورغم عدم الكشف عن تفاصيل هذا التقدم، إلا أن البيت الأبيض يأمل في أن تسفر لقاءات إسلام آباد عن نتائج إيجابية ملموسة تنهي حالة التصعيد.

لا يزال الرئيس دونالد ترامب يلوح بخيار القوة العسكرية والضغط الأقصى ضد طهران. وهدد ترامب باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم تذعن الحكومة لشروطه المتعلقة بالبرنامج النووي والنشاط الإقليمي المزعزع للاستقرار.

يعتبر فانس ركيزة أساسية في فريق ترامب التفاوضي رغم غيابه الميداني عن هذه الجولة. وكان نائب الرئيس قد أعرب سابقاً عن مخاوفه من إطالة أمد الصراع، مؤكداً رغبته في التوصل إلى تسوية تضمن المصالح الأمريكية دون الانزلاق لحرب شاملة.

تراقب الأسواق العالمية نتائج هذه المحادثات بحذر شديد نظراً لتأثيرها المباشر على إمدادات النفط والغاز. ويؤدي استمرار التوتر إلى تعطيل نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية في مختلف دول العالم.

يبقى الباب مفتوحاً أمام إمكانية تدخل مباشر من ترامب أو فانس في حال إحراز خرق حقيقي في جدار الأزمة. وتؤكد واشنطن أنها مستعدة لإعطاء الدبلوماسية فرصة كاملة، شريطة أن تقدم طهران عرضاً يلبي التطلعات الأمريكية للأمن الإقليمي.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تحت النار: استمرار الغارات الإسرائيلية يرفع حصيلة الشهداء وسط انهيار إنساني

يعيش سكان قطاع غزة واقعاً مأساوياً متجدداً، حيث لم يعرف الأهالي طعماً للهدنة المزعومة في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وتصاعد المعاناة الإنسانية بشكل غير مسبوق. وتصف شهادات من الميدان أن الوجع يتجدد بلا توقف، إذ لا يكاد الألم يهدأ حتى يعود من جديد مخلفاً مزيداً من الضحايا والدمار في مختلف المحافظات.

وأفادت مصادر ميدانية باستشهاد 13 فلسطينياً منذ يوم أمس الجمعة جراء سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع متفرقة ومنازل للمواطنين في القطاع. ووثقت مقاطع فيديو متداولة إصابات عديدة في صفوف المدنيين بنيران آليات الجيش الإسرائيلي التي استهدفت التجمعات السكنية بشكل مباشر ومكثف.

وأثار استمرار هذه الغارات وتصاعد وتيرة الاستهداف اليومي، تزامناً مع الحصار الخانق المفروض على المعابر، موجة غضب عارمة في أوساط الأهالي. وانعكس هذا السخط عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الفلسطينيون عن يأسهم من تدهور الأوضاع المعيشية وتواصل فصول المعاناة دون رادع دولي.

وأكد ناشطون ميدانيون أن الحقيقة الماثلة على الأرض تشير إلى غياب أي التزام حقيقي بالاتفاقات، واصفين ما يحدث بأنه خضوع لـ 'مزاج إسرائيلي للقتل'. وأشاروا إلى أن الساعات الماضية شهدت ارتكاب ثلاث مجازر مروعة، مما يعزز القناعة بأن آلة الحرب لم تتوقف عن حصد الأرواح.

ويمر قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، بأوضاع إنسانية بالغة الصعوبة في ظل ارتفاع أعداد الشهداء يومياً وغياب التغطية الإعلامية الكافية لبعض المناطق المنكوبة. ويتزامن ذلك مع غلاء خانق في أسعار السلع الأساسية واستمرار إغلاق المعابر الحيوية التي تربط القطاع بالعالم الخارجي.

وتعاني المنظومة الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، مما يجعل التعامل مع الإصابات اليومية أمراً في غاية التعقيد. وأوضح مراقبون أن ما يحدث في غزة حالياً يفوق الوصف، مع تدهور متسارع يطال كافة مناحي الحياة اليومية والخدمات الأساسية المتهالكة.

وتفاقمت الأزمة المعيشية بشكل غير مسبوق نتيجة تراجع القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل لغالبية الأسر الفلسطينية. وباتت العائلات تكافح بمرارة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، وسط انهيار شبه كامل في شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.

وأشار ناشطون إلى استمرار ما وصفوه بـ 'الإبادة الممنهجة'، مستشهدين بمقتل الطفلة ناية خالد الطناني التي ارتقت مع أفراد من عائلتها في شمال غزة. وشملت قائمة ضحايا تلك الغارة والدة الطفلة وشقيقها، في جريمة تضاف إلى سلسلة الجرائم التي تستهدف الطفولة في القطاع.

ويرى مدونون أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتوقف لحظة واحدة عن استهداف المدنيين ومواصلة سياسة الخنق الممنهج على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي. واتهم النشطاء القوى الدولية بالتواطؤ المستمر منذ عامين، وهو ما سمح باستمرار حرب الإبادة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف.

وتأتي هذه التطورات الدامية ضمن سلسلة الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ العاشر من أكتوبر لعام 2025. ورغم الاتفاق، إلا أن الميدان يشهد تصعيداً مستمراً أعاد للأذهان أهوال الحرب الشاملة التي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح.

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أصدر بياناً أكد فيه ارتكاب الاحتلال لأكثر من 2400 خرق للاتفاق حتى منتصف أبريل الجاري. وشملت هذه الخروق عمليات قتل مباشر، واعتقالات تعسفية، وتشديداً لسياسات التجويع والحصار التي تستهدف كسر إرادة السكان.

ووفقاً لبيانات وزارة الصحة، فقد أسفرت هذه الخروق المتواصلة عن استشهاد 972 فلسطينياً وإصابة 2235 آخرين منذ بدء سريان التهدئة المفترضة. وتؤكد هذه الأرقام أن نزيف الدم لم يتوقف، وأن الموت لا يزال يطارد سكان غزة في كل زاوية وفي كل وقت.

عربي ودولي

السّبت 25 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترامب تطلق حملة واسعة لسحب الجنسية من مئات الأمريكيين المجنسين

بدأت وزارة العدل الأمريكية تحركات قانونية واسعة النطاق تهدف إلى تجريد مئات المواطنين الأمريكيين المولودين في الخارج من جنسياتهم. وأفادت مصادر مطلعة بأن المدعين الفدراليين في مختلف المكاتب الميدانية عبر الولايات المتحدة تلقوا تعليمات بمباشرة العمل على تنفيذ هذا المسعى بشكل فوري. تأتي هذه الخطوة في سياق تشديد الإجراءات القانونية ضد المهاجرين الذين حصلوا على المواطنة في سنوات سابقة.

وتشير التحقيقات الجارية إلى استهداف ما لا يقل عن 300 مواطن من أصول أجنبية كمرحلة أولى، مع توقعات بارتفاع هذا العدد ليصل إلى المئات خلال الأشهر المقبلة. وتعمل الإدارة الحالية على تكثيف عمليات إلغاء التجنيس عبر مراجعة دقيقة للملفات القديمة والحديثة. ووفقاً لمسؤولين في الوزارة، فإن هذه الجهود تندرج ضمن خطة استراتيجية لتعزيز الرقابة على نزاهة نظام الهجرة الوطني.

وفي إطار التنسيق اللوجستي، قامت دائرة خدمات المواطنة والهجرة التابعة لوزارة الأمن الداخلي بإعادة تكليف مجموعة من الخبراء والموظفين للبحث عن ثغرات قانونية في ملفات التجنس. وقد تم توزيع هؤلاء الخبراء على مكاتب الهجرة في أنحاء البلاد لتحديد الحالات التي يمكن الطعن في قانونيتها. ويهدف هذا التنسيق إلى تزويد الادعاء العام بقائمة دورية تضم ما بين 100 إلى 200 حالة شهرياً للملاحقة القضائية.

من جانبه، صرح متحدث باسم وزارة العدل بأن التركيز ينصب بشكل أساسي على من وصفهم بـ 'الأجانب المجرمين' الذين لجأوا إلى الاحتيال للحصول على الصفة القانونية. وأكد المتحدث أن الوزارة تضع هذا الملف على رأس أولوياتها لضمان عدم استغلال القوانين الأمريكية من قبل أفراد غير مستحقين. وتعد هذه الحملة هي الأضخم من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة من حيث عدد الحالات المستهدفة وسرعة التنفيذ.

وتثير هذه الإجراءات مخاوف واسعة بين أوساط الجاليات المهاجرة والمنظمات الحقوقية التي ترى فيها استهدافاً سياسياً يتجاوز مجرد مكافحة الاحتيال. ومع ذلك، تصر السلطات الفدرالية على أن التحرك يجري بسرعة كبيرة لضمان محاسبة المتورطين في تزوير بياناتهم الشخصية أثناء مراحل الهجرة. ومن المتوقع أن تشهد المحاكم الفدرالية موجة غير مسبوقة من قضايا إلغاء التجنيس خلال الفترة القادمة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 11:05 صباحًا - بتوقيت القدس

انطلاق انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية ودير البلح بقطاع غزة

فتحت مراكز الاقتراع أبوابها صباح السبت أمام الناخبين الفلسطينيين في الضفة الغربية ومدينة دير البلح بقطاع غزة، لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية والقروية. وتأتي هذه العملية الانتخابية في توقيت حساس، حيث تعد الأولى من نوعها التي تشمل منطقة في قطاع غزة منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة، وسط ترقب محلي ودولي لنتائجها.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة مدعوون للمشاركة في هذا الاقتراع، وهو ما يمثل حوالي 67% من إجمالي المسجلين في السجل الانتخابي. وقد تم تجهيز 491 مركز اقتراع في مختلف المناطق المستهدفة، يشرف عليها أكثر من عشرة آلاف موظف لضمان سير العملية الانتخابية بسلاسة.

وتشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة حدثاً استثنائياً، حيث تُجرى فيها الانتخابات المحلية لأول مرة منذ نحو 22 عاماً. وقد وقع الاختيار على هذه المدينة لكونها المنطقة الأقل تضرراً نسبياً في القطاع بعد عامين من الحرب، مما سمح بتهيئة الظروف اللوجستية والأمنية اللازمة لفتح 12 مركز اقتراع فيها.

وعلى صعيد المنافسة، تتصدر القوائم المستقلة المشهد بنسبة وصلت إلى 88% من إجمالي القوائم المترشحة، مقابل 12% فقط للقوائم الحزبية. وتتنافس هذه القوائم المدعومة من حركة فتح وفصائل أخرى كالجبهة الشعبية، في حين يغيب التمثيل الرسمي لحركة حماس عن هذه الدورة الانتخابية.

وفي العديد من الهيئات المحلية الكبرى مثل رام الله ونابلس، حُسمت النتائج مسبقاً من خلال نظام التزكية، حيث لم تتقدم سوى قائمة واحدة للترشح. وبحسب بيانات اللجنة، فقد تم حسم 197 هيئة محلية بالتزكية، منها 42 بلدية و155 مجلساً قروياً، مما قلص دائرة التنافس المباشر في تلك المناطق.

وتطبق لجنة الانتخابات نظام التمثيل النسبي (القائمة المفتوحة) للمجالس البلدية، بينما يُعتمد نظام الأغلبية للمجالس القروية وفقاً للقانون المقر في نوفمبر 2025. كما يتم توزيع المقاعد بناءً على نظام 'سانت لوجي' العالمي، مع تحديد نسبة حسم تبلغ 5% للقوائم المتنافسة لضمان تمثيل عادل.

ورغم الأجواء الديمقراطية، عبر بعض المواطنين عن إحباطهم من جدوى هذه الانتخابات في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وقال محمود بدر، وهو رجل أعمال من طولكرم إن النتائج قد لا تلمس الواقع المعيشي بشكل جذري، معتبراً أن السيطرة الميدانية للاحتلال تظل العائق الأكبر أمام أي إدارة محلية منتخبة.

من جانبه، وصف منسق الأمم المتحدة رامز الأكبروف هذه الخطوة بأنها فرصة هامة للفلسطينيين لممارسة حقوقهم السياسية. وأكد الأكبروف أن إجراء الانتخابات في ظل هذه الظروف الاستثنائية يعكس إصراراً على العمل المؤسسي، رغم التحديات الجسيمة التي تواجه البنية التحتية والوضع السياسي العام.

وفيما يخص الترتيبات الفنية، أوضحت مصادر مطلعة أن صناديق الاقتراع في دير البلح قد تُغلق في وقت مبكر مقارنة بالضفة الغربية. ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل عملية الفرز في وضح النهار وتجنب المعوقات الناتجة عن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والدمار الذي طال شبكات الطاقة في القطاع.

ويرى مراقبون سياسيون أن تنظيم الانتخابات في دير البلح يمثل تجربة لاختبار قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة الحكم المحلي في غزة مستقبلاً. وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم منذ عام 2007، ومحاولات متكررة لتوحيد المؤسسات الفلسطينية عبر بوابة الخدمات البلدية والقروية.

تحليل

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

من نهاية التاريخ إلى صدام الحضارات: كيف تآكلت الوعود الليبرالية في السياسة الأمريكية؟

شهدت الساحة الفكرية الأمريكية سجالاً متجدداً حول جدوى النموذج الليبرالي، خاصة بعد صدور كتاب فرانسيس فوكوياما 'الليبرالية ومنتقدوها الساخطون'. حاول فوكوياما في أطروحته الأخيرة الدفاع عن الليبرالية باعتبارها أفقاً إنسانياً لا غنى عنه، رغم الاعتراف بالتشوهات التي طالت تطبيقها العملي في العقود الأخيرة.

يرى فوكوياما أن الأزمات الراهنة تنبع من سوء التأويل والممارسة، وليس من جوهر الفكرة الليبرالية نفسها. وقد استند في دفاعه إلى مفهوم 'الثيموس' أو الرغبة في الاعتراف، معتبراً أن النظام الليبرالي هو الوحيد القادر على إشباع تطلعات الفرد وتحقيق كرامته الإنسانية بعيداً عن الاستبداد.

على النقيض من ذلك، تبرز الخصوصية الأمريكية في تعريف الليبرالية، حيث تتماهى مع التوجهات اليسارية التي تنادي بتدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا المفهوم يصطدم تاريخياً مع الأطروحة المحافظة التي تقدس حرية الفرد المطلقة وترفض أي قيود حكومية على النشاط الاقتصادي والمبادرة الحرة.

قبل صعود الظاهرة الترامبية، كان النقاش السياسي في واشنطن يتأرجح بين قطبي العدالة الاجتماعية والحرية الاقتصادية. وقد سعت النخب الديمقراطية لتعزيز نفوذها عبر المؤسسات القضائية لحماية الأقليات، بينما ركز الجمهوريون على المؤسسات المنتخبة لضمان تدفق الرأسمال وتقليص دور الدولة.

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، لم تتغير العناوين العريضة للمشروع المحافظ المتمثلة في خفض الضرائب ومواجهة العولمة. إلا أن المتغير الأبرز كان الخطاب الشعبوي الذي أحدث انقساماً مجتمعياً غير مسبوق، وربط الهوية الثقافية للرجل الأبيض بالسياسات الاقتصادية الحمائية.

غالباً ما تنظر النخب العربية إلى السياسة الأمريكية من زاوية الهيمنة الخارجية فقط، متجاهلة الديناميات الداخلية المعقدة. والحقيقة أن السياسة الخارجية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، تهدف في النهاية إلى تأمين 'فائض قيمة' يخفف من حدة التوترات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

تختلف الأدوات بين الحزبين؛ فبينما يفضل الديمقراطيون استخدام 'القوة الناعمة' وشعارات حقوق الإنسان لتأمين المصالح، يميل الجمهوريون في عهد ترامب إلى القوة الخشنة. وتتجلى هذه القوة في فرض الحصار الاقتصادي والضغوط الدبلوماسية المباشرة لتحقيق المكاسب القومية الأمريكية.

أثيرت تساؤلات جدية حول مدى خدمة الحروب الخارجية للمصالح الأمريكية العليا، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني. وأشارت مصادر إعلامية رصينة إلى أن واشنطن قد تنجر إلى صراعات بضغط إسرائيلي مباشر، مما يضع 'فائض القيمة' الأمريكي في كفة والمصالح الإسرائيلية في كفة أخرى.

يبدو أن أطروحة فوكوياما حول 'نهاية التاريخ' قد فقدت قدرتها التفسيرية أمام الواقع المتغير. فقد اعترف فوكوياما نفسه في مراجعاته بأن صعود 'الليبرالية الجديدة' المتطرفة وسياسات الهوية قد شوه المبادئ الكلاسيكية التي بنى عليها نظريته المتفائلة.

في المقابل، تكتسب رؤية صمويل هنتنغتون حول 'صدام الحضارات' صموداً أكبر في تفسير مسارات السياسة الخارجية الأمريكية. هنتنغتون لم يهتم بالفروق الثقافية بقدر اهتمامه بتحديد 'العدو' القادم، موجهاً البوصلة نحو مواجهة الحضارة الإسلامية ثم الصين كأولويات استراتيجية.

لقد نجح هنتنغتون في إقناع صانع القرار الأمريكي بضرورة تغيير الأولويات وتبريد الجبهة مع روسيا مؤقتاً للتفرغ للصراع القيمي والثقافي. هذا التوجه هو ما مهد الطريق فعلياً لحروب أفغانستان والعراق، وصولاً إلى التوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

يبرز عامل جديد وحاسم في المشهد الأمريكي المعاصر وهو تأثير 'الصهيونية الدينية' على مراكز القرار. هذا التأثير لم يعد يقتصر على السياسة الخارجية، بل امتد ليشمل الديناميات الداخلية عبر دعم النزعات العنصرية ومعاداة التعددية الثقافية داخل المجتمع الأمريكي.

تتجلى خطورة هذا التأثير في السياسات المتطرفة الموجهة ضد الناشطين الداعمين للحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة. إن التماهي بين اليمين الترامبي والصهيونية الدينية بات يهدد الأسس الديمقراطية التي قامت عليها أمريكا، ويقوض صورتها كنموذج ليبرالي عالمي.

في الختام، لا يمكن فهم التحولات الأمريكية بمعزل عن تداخل المصالح الاقتصادية مع الأيديولوجيات الدينية المتطرفة. إن ارتهان القرار الأمريكي لأجندات الصهيونية الدينية قد يؤدي في النهاية إلى نشوء نظام عالمي جديد ينهي حقبة الهيمنة الأمريكية المنفردة.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب ومقاييس الأهلية: قراءة في السلوك السياسي والاضطرابات الشخصية

تثير الحالة الذهنية والمسلكية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تساؤلات عميقة تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى أروقة الطب النفسي والقانون الدولي. يرى مراقبون أن مسار ترامب يتسم بـ'عجز البصيرة' والتخبط في اتخاذ القرارات، مما يجعله في نظر البعض غير مؤاخذ بمقاييس العقل الرشيد، رغم فداحة الجرائم المنسوبة إليه من إبادة وفساد.

تتجلى ملامح عدم الاستقرار في إدارة ترامب من خلال اعتماده المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي لإعلان قرارات مصيرية وكارثية في ساعات متأخرة من الليل. هذا السلوك يعكس نمطاً صبيانياً في التعامل مع شؤون الدولة، حيث غالباً ما يناقض نفسه بين عشية وضحاها، متبعاً نهج 'كلام الليل يمحوه النهار'.

شهدت الفترة الماضية تصعيداً في لهجة ترامب تجاه القوى الدولية، حيث أعلن مراراً الانتصار على إيران مهدداً بمحو حضارتها من الوجود في تصريحات وُصفت بالهوجاء. كما لم يسلم الرموز الدينيون من هجومه، حيث وصف بابا الفاتيكان بالضعف في مواجهة الجريمة، مما يعكس حدة في الخطاب تفتقر للدبلوماسية.

في الداخل الأمريكي، لم تكن المعارضة الديمقراطية وحدها من تحركت لعزله، بل وجد هذا المسعى دعماً من جنرالات متقاعدين في الجيش الأمريكي. وقد أقدم ترامب على إقالة 11 جنرالاً رفيع المستوى لمجرد انتقادهم لطريقة إدارته للملفات العسكرية، مما عمق الفجوة بينه وبين المؤسسة العسكرية.

حتى داخل معسكره اليميني، بدأت أصوات كانت تعتبره 'المسيح المخلص' تنقلب ضده وتطالب بإزاحته من السلطة بأسرع وقت ممكن. مارجوري تيلر غرين، التي كانت من أشد مؤيديه، باتت تصفه في الأسابيع الأخيرة بأنه 'مجنون رسمياً'، وهو تحول دراماتيكي في الولاءات السياسية.

من جهتها، وصفت الناشطة اليمينية كانديس أوينز ترامب بأنه شخص 'مخبول ومجبول على إبادة البشر'، وذلك عبر منصاتها التي يتابعها الملايين. هذه الانتقادات الحادة من قلب التيار المحافظ تشير إلى تآكل الثقة في قدرة ترامب على قيادة البلاد بشكل متزن.

أكد تاي كوب، كبير المحامين السابق في البيت الأبيض أن تدهور الحالة العقلية لترامب لم يعد بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباته. وفي سياق متصل، استخدمت سيتفاني غريشام، السكرتيرة الصحفية السابقة، لغة مهذبة للإشارة إلى أن الرئيس السابق 'ليس على ما يرام' من الناحية الذهنية.

قبل عقد من الزمان، حذر فريق من علماء الطب النفسي في كتاب 'حالة ترامب الخطرة' من معاناته من 'نرجسية خبيثة'. هذا الاضطراب يجمع بين الشعور المبالغ فيه بالأهمية، والحاجة الماسة للإعجاب، مع افتقار تام للتعاطف مع الآخرين أو الشعور بآلامهم.

تتسم النرجسية الخبيثة بكونها مزيجاً ساماً من السادية والسلوك المعادي للمجتمع وجنون الارتياب، مما يدفع المصاب بها لتدمير المحيطين به. ويبدو أن هذا التشخيص الطبي بدأ يجد صدى لدى الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 63% من المواطنين يشككون في أهليته العقلية.

المثير للدهشة أن ترامب نفسه لا يجد حرجاً في الظهور بمظهر 'المجنون' إذا كان ذلك يخدم أهدافه التفاوضية، كما كشفت نيكي هالي. فقد طلب منها إعطاء انطباع لخصومه الدوليين بأنه غير متزن، وهو تكتيك يراه النائب العام السابق وليام بار جزءاً من 'الكمية الصحيحة من الجنون'.

يعاني خطاب ترامب من انفصال واضح عن الواقع، حيث يكرر أكاذيب حول أصول عائلته، مدعياً أن والده ولد في ألمانيا رغم ثبوت ولادته في نيويورك. كما يظهر تشتتاً غريباً في أحاديثه الرسمية، حيث ينتقل من الحديث عن الحروب إلى مناقشة أقمشة الستائر أو أنواع الأفاعي في دول بعيدة.

بلغ التجاوز ذروته عندما نشر ترامب صورة لنفسه في هيئة 'المسيح' وهو يشفي المرضى، محاطاً بطائرات مقاتلة وملائكة عسكريين. هذا التصرف أثار غضب الملايين من المسيحيين الذين اعتبروه تجديفاً، مما اضطره لسحب الصورة لاحقاً تحت ضغط الانتقادات الواسعة.

إن محاولة ترامب تبرير الصورة بأنه قصد دور 'الطبيب' لم تكن مقنعة، خاصة وأن الرموز المستخدمة كانت ذات دلالات دينية عميقة لا تخطئها العين. هذا التخبط يعزز فرضية فقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية في آن واحد، مما يجعله شخصية استثنائية في تاريخ الرئاسة الأمريكية.

في نهاية المطاف، يبقى الجدل حول أهلية ترامب قائماً بين من يراه عبقرياً يتلاعب بالخصوم ومن يراه مريضاً يحتاج للعلاج. لكن الحقائق الميدانية والشهادات من أقرب المقربين إليه ترسم صورة لرجل يقود أقوى دولة في العالم بعقلية مضطربة تفتقر لأدنى معايير الرشد السياسي.

أحدث الأخبار

السّبت 25 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الدفاع الإيرانية: ننتج ألف نوع من الأسلحة محلياً بالتعاون مع 9 آلاف شركة

أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية عن تحقيق طفرة في قطاع التصنيع العسكري، حيث أكد المتحدث باسم الوزارة، رضا طلائي أن طهران باتت تنتج ما يزيد عن 1000 نوع من الأسلحة والمعدات العسكرية بجهود محلية كاملة. وأوضح طلائي أن هذه الصناعات تغطي مجالات استراتيجية تشمل الصواريخ البالستية، والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى المنظومات الدفاعية والتجهيزات اللوجستية المتطورة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن هذه القدرات الإنتاجية هي نتاج استراتيجية استثمارية طويلة الأمد تجاوزت 25 عاماً، حيث تضافرت جهود المؤسسات العسكرية الرسمية مع القطاع الخاص والشركات القائمة على المعرفة. وأشار المتحدث إلى أن شبكة التصنيع العسكري الإيراني باتت تضم اليوم نحو 9 آلاف شركة تعمل بالتنسيق مع وزارة الدفاع لتأمين احتياجات القوات المسلحة.

وفي سياق متصل، شدد طلائي على أن البنية التحتية للصناعات الدفاعية في البلاد صُممت لتكون مقاومة للهجمات العسكرية، مؤكداً أن توزع مراكز الإنتاج على رقعة جغرافية واسعة ومتنوعة يضمن استمرارية العمليات وتطوير المنظومات حتى في ظروف الاستهداف المباشر لبعض المنشآت، مما يمنح الصناعة العسكرية مرونة استراتيجية عالية.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

سلاح الطائفية: كيف يحاول الاحتلال تفكيك النسيج اللبناني لفرض هيمنته؟

سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على ممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث أثارت صورة جندي يدنس تمثالاً للسيد المسيح في إحدى القرى المسيحية غضباً واسعاً. ورغم اعتذار قادة الاحتلال عن هذا الفعل الرمزي، إلا أنهم لم يبدوا أي أسف تجاه تدمير المساجد والمدارس الحكومية والبنية التحتية التي طالها القصف العنيف خلال الأسابيع الماضية.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن الاحتلال يتبع سياسة 'العقاب الجماعي' التي طبقها سابقاً في قطاع غزة، مستهدفاً هذه المرة الحاضنة الشعبية للمقاومة في لبنان. وقد تجلى ذلك في تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي توعد بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نسخة مدمرة تشبه مدينة خان يونس الفلسطينية.

وفي إطار استغلال التباينات الداخلية، يمارس مسؤولو الاحتلال ضغوطاً علنية وسرية على الزعماء الدروز والمسيحيين لإخراج النازحين الشيعة من مناطقهم. تهدف هذه التحركات إلى خلق شرخ اجتماعي وأهلي داخل لبنان، وتحويل التنوع الديني الذي يميز البلاد إلى فتيل للاقتتال الداخلي الذي يخدم مصالح 'تل أبيب'.

لقد أسفر العدوان الأخير عن حصيلة دموية ثقيلة، حيث قُتل أكثر من 2300 شخص ونزح ما يزيد عن مليون لبناني من قراهم ومدنهم. ومن بين المجازر المروعة، برزت الغارة الجوية على بيروت في الثامن من نيسان، والتي أدت لمقتل 350 شخصاً في غضون عشر دقائق فقط، رغم الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.

ويرى الدكتور أسامة مقدسي أن هذا التكتيك لا يستهدف حزب الله كقوة عسكرية فحسب، بل يشن حرباً شاملة على طبيعة المجتمع اللبناني التعددي. فالاحتلال يسعى لتقويض نموذج التعايش الذي يمثله لبنان، واستبداله ببيئة ممزقة طائفياً يسهل التحكم بها وفرض الإرادة السياسية عليها.

تاريخياً، لم تكن الأطماع الإسرائيلية في لبنان وليدة اللحظة، بل تعود إلى عهد ديفيد بن غوريون الذي وضع عينه على نهر الليطاني كحدود طبيعية للتوسع. ومنذ اجتياح عام 1982، حاول الاحتلال مراراً تنصيب سلطة تابعة له في بيروت عبر التدخل في التوازنات الطائفية الحساسة للبلاد.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الهش، إلا أن قوات الاحتلال لا تزال تحتفظ بوجود عسكري في مساحات واسعة من الحدود الجنوبية. ويمنح الاتفاق الحالي 'تل أبيب' ذريعة 'الدفاع عن النفس' للقيام بعمليات عسكرية في أي وقت، بينما يفتقر الجانب اللبناني لضمانات مماثلة تحمي سيادته.

إن استهداف المدنيين من الطائفة الشيعية بشكل مركز يهدف إلى عزلهم سياسياً واجتماعياً عن بقية المكونات اللبنانية. ويحاول المتحدثون باسم جيش الاحتلال تبرير قصف المناطق المختلطة بادعاءات غير مدعومة بأدلة حول انتقال عناصر المقاومة إليها، مما يضع حياة جميع اللبنانيين في خطر دائم.

ويواجه الجيش اللبناني تحديات جسيمة في الحفاظ على السلم الأهلي ومنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية جديدة يخطط لها الاحتلال. فرئيس أركان الجيش يدرك أن محاولة نزع سلاح المقاومة بالقوة في ظل التهديد الإسرائيلي المستمر قد تؤدي إلى انفجار داخلي لا تحمد عقباه.

يمثل لبنان بنظامه الدستوري وتعدديته الدينية نقيضاً للأيديولوجية التي يقوم عليها كيان الاحتلال كدولة يهودية تسعى لإخضاع محيطها. وهذا التناقض الجوهري هو ما يدفع الاحتلال لمحاولة تدمير النموذج اللبناني الذي يثبت إمكانية العيش المشترك بين مختلف الأديان والطوائف.

وفي خضم الدمار، تبرز قصص التكاتف الإنساني كدليل على صمود النسيج الاجتماعي اللبناني، مثل قصة المسعف يوسف عساف الذي استشهد أثناء أداء واجبه. وقد تحولت جنازته في مدينة صور إلى تظاهرة وطنية جمعت رجال دين مسلمين ومسيحيين في رسالة تحدٍ واضحة لسياسات التقسيم.

إن الصراع الحالي يتجاوز الحدود العسكرية ليصل إلى جوهر البقاء الوطني، حيث يرفض اللبنانيون في كثير من المناطق الانجرار خلف التحريض الإسرائيلي. وتستمر محاولات الاحتلال لابتزاز الحكومة اللبنانية سياسياً عبر التهديد بمزيد من التدمير إذا لم تنصع لمطالبه الأمنية.

ويبقى مستقبل المنطقة معلقاً بين خيارين؛ إما القبول بالهيمنة الإسرائيلية التي تقوم على تفتيت الدول المجاورة، أو التمسك بالتعددية والكرامة الوطنية. إن صمود لبنان في وجه هذه الضغوط الطائفية يمثل حائط صد أمام مشاريع التوسع التي تستهدف الجغرافيا والإنسان على حد سواء.

ختاماً، يظل الوعي اللبناني بمخاطر اللعب على الوتر الطائفي هو الضمانة الوحيدة لإفشال مخططات الاحتلال. فبينما تهدم الآلة العسكرية القرى والمدن، يحاول المجتمع اللبناني ترميم ما أفسدته الحرب عبر التمسك بهويته الوطنية الجامعة ورفض الانقسام الذي يمهد الطريق للاحتلال.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب كستار للفشل: قراءة في استراتيجية الهروب من الهزيمة السياسية

في القراءات التاريخية للنزاعات السياسية والعسكرية، تبرز ظاهرة لجوء القوى العاجزة عن تحقيق غاياتها إلى إعادة تعريف الواقع بدلاً من الاعتراف بالهزيمة. هذا النمط يتجلى بوضوح في السياسات التي تتبنى صناعة صراعات جديدة لإبقاء صورة القوة قائمة، حتى وإن كان ذلك على أنقاض الحقيقة والواقع الميداني.

تبدو المقاربة الإسرائيلية منذ عقود قائمة على استبدال الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى بتوسيع رقعة العمليات العسكرية. إن هذا التكثيف في ساحات الاشتباك المتجددة يهدف بالأساس إلى إخفاء العجز عن فرض نتائج نهائية ومستقرة على الأرض، رغم امتلاك ترسانة تكنولوجية وعسكرية متفوقة.

لقد أثبتت التجربة الطويلة أن القوة العسكرية، مهما بلغت سطوتها، لا تملك القدرة وحدها على حسم معارك تتعلق بالهوية والوجود والحق التاريخي. فالحروب المتكررة وسياسات العقاب الجماعي لم تنتج واقعاً سياسياً يضمن الأمن الدائم، بل كشفت عن عمق الأزمة البنيوية في منطق الاحتلال.

يقف القانون الدولي اليوم في حالة من العجز المشهود أمام تكرار استخدام القوة دون رادع حقيقي أو محاسبة دولية. المبادئ التي تأسست لحماية المدنيين ومنع الإبادة تواجه اختباراً قاسياً، حيث تُعلق فعاليتها أمام اعتبارات النفوذ السياسي وموازين القوى التي تفرضها الدول الكبرى.

يبرز الدعم الأمريكي المستمر للاحتلال كأحد أهم مظاهر الاختلال في النظام العالمي الحديث. فواشنطن، التي تقدم نفسها كراعية للقانون الدولي، تنحاز في كثير من الأحيان لمقاربة القوة، مما يحول المؤسسات الدولية إلى كيانات محدودة التأثير تكتفي بإصدار بيانات الإدانة الورقية.

إن الاعتماد المفرط على التفوق العسكري لا يؤدي إلى الاستقرار المنشود، بل يفتح الأبواب أمام دورات متنفذة ومتكررة من العنف. التاريخ يعلمنا أن إرادة الشعوب غالباً ما تكون أكثر صلابة من الحسابات العسكرية، لأنها تنبع من شعور عميق بالانتماء والحق الأصيل في الأرض.

في المشهد الفلسطيني، تبرز دلالات إنسانية وسياسية بالغة الأهمية تتجاوز حدود الجغرافيا. فرغم عقود من التهجير والحصار، بقي الفلسطينيون حاضرين في مدنهم ومخيماتهم، يعيدون ترميم ما هدمته الحرب، في رسالة واضحة بأن الشعوب لا تُقاس بما تملكه من سلاح بل بقدرتها على الصمود.

يتكرر هذا المشهد في لبنان بصيغ مختلفة، حيث يرفض المجتمع اللبناني الخضوع الكامل لمنطق العدوان رغم الأزمات الداخلية العميقة. الاعتداءات المتكررة لم تنجح في فرض حالة استسلام جماعي، بل عززت القناعة بأن الكرامة الوطنية لا يمكن مقايضتها بالخوف أو الإذعان للتهديدات العسكرية.

على صعيد إقليمي أوسع، تكشف المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران عن تعقيدات تستنزف الجميع دون تحقيق حسم نهائي. هذا الصراع المفتوح يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ويدفع العالم ثمن غياب الحلول السياسية العادلة والجذرية.

إن أخطر تداعيات استمرار هذه الحروب هو التآكل التدريجي لفكرة العدالة الدولية ومصداقية المنظومة العالمية. عندما يشعر العالم بأن القوانين تُطبق بانتقائية بحسب هوية الضحية أو الجاني، فإن الثقة في التعايش العالمي تبدأ بالانهيار، مما يهدد الاستقرار في مناطق بعيدة عن الصراع.

السؤال الجوهري الذي يطرحه الواقع الراهن ليس عن حجم القوة العسكرية، بل عن القدرة على بناء سلام مستدام وعادل. الاحتلال قد يفرض واقعاً مؤقتاً بقوة السلاح، لكنه يعجز تماماً عن محو الذاكرة الجمعية للشعوب أو إنهاء فكرة المقاومة المتجذرة في الوجدان.

في البعد القيمي، يبرز مفهوم الشهادة في الوعي الديني كعنصر محوري يغير النظرة التقليدية للخسائر البشرية. هذا المفهوم يعيد تعريف العلاقة بين الحياة والموت، حيث يُنظر إلى التضحية كجزء من سردية صمود طويلة ترى في العدالة الإلهية تعويضاً عن غياب العدالة الأرضية.

إن استخدام القوة المفرطة لا يحقق الحسم السياسي، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً عبر تعميق منطق المقاومة وإعادة إنتاج أسبابها. الموت في سبيل الكرامة يصبح في هذا السياق وسيلة لرفض الظلم، مما يجعل الحسابات العسكرية التقليدية غير قادرة على فهم دوافع الصمود.

في المحصلة، يبقى المسار الدموي مفتوحاً على تساؤلات حول إمكانية تحويله إلى أفق سياسي يعالج جذور الصراع. إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون نتيجة للقوة، بل يجب أن يكون مؤسساً على العدالة التي تعيد الحقوق لأصحابها وتنهي دورات العنف المتكررة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع حاد في مساعدات غزة عقب التصعيد الإقليمي والاحتلال يواصل خرق اتفاق التهدئة

أفادت مصادر صحفية دولية بأن إمدادات الغذاء والبضائع التجارية الموجهة إلى قطاع غزة شهدت تراجعاً حاداً في الآونة الأخيرة، وذلك في أعقاب اندلاع المواجهة العسكرية بين الاحتلال وإيران. وأوضحت التقارير أن القيود الإضافية التي فرضتها السلطات الإسرائيلية على المعابر البرية تسببت في إبطاء تدفق المساعدات وعرقلة حركة الشاحنات بشكل كامل في عدة مناسبات.

وتشير بيانات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن متوسط عدد شاحنات المساعدات التي تدخل القطاع يومياً لا يتجاوز حالياً 60 شاحنة، وهو انخفاض ملموس مقارنة بنحو 95 شاحنة كانت تدخل قبل التصعيد الإقليمي الأخير. وذكرت مصادر أن نسبة الانخفاض في تدفق الإغاثة وصلت في بعض الفترات إلى 80%، مما جعل الوضع الإنساني رهينة للتصعيد العسكري في المنطقة.

ولا تزال سلطات الاحتلال تمنع إدخال قائمة طويلة من المواد الأساسية الضرورية للحياة اليومية، وعلى رأسها مواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام، بالإضافة إلى مستلزمات طبية حيوية. وأعرب مسؤولون دوليون عن إحباطهم الشديد من تعطل المسارات الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى توسيع نطاق المساعدات، مؤكدين أن الاحتلال يتنصل من التزاماته بفتح المعابر.

وعلى الصعيد الميداني، يواصل الجيش الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ تنفيذه في العاشر من أكتوبر 2025 استناداً إلى خطة أمريكية لإنهاء الحرب. وحسب بيانات وزارة الصحة، فقد أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد 972 فلسطينياً وإصابة أكثر من ألفين آخرين، مما يهدد بانهيار التهدئة الهشة التي جاءت بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن حجم الدمار في قطاع غزة طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، في وقت يعاني فيه نحو 1.9 مليون نازح من ظروف معيشية كارثية. ورغم دخول الاتفاق حيز التنفيذ، إلا أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال الكميات المتفق عليها من مواد الإيواء والمساعدات الغذائية، مما فاقم معاناة السكان الذين يتجاوز عددهم 2.4 مليون نسمة.

وفي سياق المسار السياسي، كان الرئيس الأمريكي قد أعلن في منتصف يناير الماضي عن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تتضمن بنوداً تتعلق بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتشكيل هياكل إدارة انتقالية. ومع ذلك، برزت أصوات يمينية داخل الحكومة الإسرائيلية تطالب باستئناف العمليات العسكرية الشاملة، مدعية رفض حركة حماس للالتزامات المتعلقة بنزع السلاح.

من جهتها، أكدت حركة حماس أنها تتعامل بجدية مع المقترحات المقدمة لتطبيق التزامات المرحلة الأولى والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية. ويأتي هذا التجاذب السياسي في وقت تزداد فيه الصعوبات اللوجيستية وتأثر مسارات الشحن في المنطقة بفعل التوترات العسكرية، مما يزيد من تعقيد وصول الإمدادات الإغاثية إلى القطاع المحاصر.

السّبت 25 أبريل 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية تُنجز مهامها الرقابية على الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة

أنجزت جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية، اليوم السبت، مهامها الرقابية على مجريات الانتخابات المحلية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة – دير البلح، وذلك بمشاركة 90 مراقباً ومراقبة مدرَّبين على أسس الرقابة المهنية وفق أعلى المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال. وقد شمل نطاق العمل الرقابي زيارة 95 مركز اقتراع في مختلف المناطق المستهدفة، وهو ما يمثّل حضوراً ميدانياً واسعاً يعكس جدية الجمعية في أداء مهمتها الرقابية. وتجدر الإشارة إلى أن الجمعية كانت قد سجّلت في مرحلة التحضير 130 مراقباً ومراقبة، بعد أن نالت اعتمادها رسمياً بوصفها هيئةً رقابيةً محليةً من قِبل لجنة الانتخابات المركزية، وخضع جميع المراقبين والمراقبات لبرامج تدريبية متخصصة أهّلتهم/نّ للاضطلاع بهذه المهمة بكفاءة واحترافية عالية.

أبدى فريق الرقابة تقديره للجهود الملموسة التي بذلتها لجنة الانتخابات المركزية في إدارة العملية الانتخابية، مُسجِّلاً جملةً من الملاحظات الإيجابية التي انعكست على مستوى التنظيم والإجراءات المتبعة داخل مراكز الاقتراع. وفي الوقت ذاته، رصد الفريق الميداني عدة مخالفات وإشكاليات تستوجب الإشارة إليها في هذا البيان.

على صعيد المخالفات الميدانية، وثّقت الجمعية 31 مخالفة (حتى وقت صدور البيان) على نظام الشكاوى الإلكتروني التابع للجنة الانتخابات المركزية، وذلك استناداً إلى ما رصده مراقبوها ومراقباتها على امتداد يوم الاقتراع. وتتوزع هذه المخالفات على عدة محاور؛ ففيما يتعلق بالدعاية الانتخابية، سُجِّلت محاولات ضغط وتوجيه من بعض المرشحين ووكلائهم/نّ على الناخبين في المحيط المباشر لمراكز الاقتراع، وهو ما يُشكّل استمراراً محظوراً للدعاية الانتخابية خلال يوم الاقتراع. وعلى صعيد إمكانية الوصول، تبيّن وجود قصور واضح في تهيئة عدد من مراكز الاقتراع لاستيعاب الأشخاص ذوي الإعاقة، مما أفضى إلى صعوبات فعلية في الوصول وخلق بعض مظاهر الفوضى في محيط تلك المراكز. وفيما يتعلق بالناخبين الأميين، رصد المراقبون والمراقبات خروقات من بعض مرافقيهم، تمثّلت في محاولة التأثير على توجهاتهم/نّ التصويتية بدلاً من الاقتصار على تقديم المساعدة الإجرائية المسموح بها قانوناً. كما سُجِّلت حالة انتحال هوية لإحدى الناخبات، تسبّبت في توتر داخل أحد مراكز الاقتراع وأربكت سير العملية لفترة من الوقت. وعلى صعيد الازدحام، أدى تكدّس الحشود أمام عدد من المراكز إلى صعوبات جدية في الوصول، لا سيما بالنسبة للنساء اللواتي واجهن عقبات إضافية في الوصول بيسر وأمان إلى مراكز الاقتراع.

وقد تولّت لجنة الانتخابات المركزية معالجة غالبية هذه المخالفات بصورة فورية عند الإبلاغ عنها، فيما واصلت فرق الرقابة متابعة الحالات المتبقية وتوثيقها وفق الإجراءات والآليات المعتمدة.

في سياق موازٍ لمهمتها الرقابية، تضطلع الجمعية بدور محوري ومتكامل في دعم مشاركة المرأة السياسية على المستوى المحلي، انطلاقاً من قناعتها الراسخة بأن التمثيل العادل للمرأة في الهيئات المنتخبة ركيزةٌ أساسية لأي مسار ديمقراطي حقيقي. وفي هذا الإطار، ترشّحت 113 امرأة من عضوات مجالس الظل النسوية والناشطات والمتطوعات في الجمعية للانتخابات المحلية الحالية، موزّعات على مختلف محافظات الضفة الغربية، وتتراوح أعمار غالبيتهن بين 23 و49 عاماً، فيما يعكس تنوعاً جيلياً في قاعدة المرشحات المدعومات. وتُمثّل عضوات مجالس الظل، البالغ عددهن 64 عضوة، نحو 57% من إجمالي المرشحات المدعومات، فيما تُمثّل الناشطات والمتطوعات، البالغ عددهن 49، نحو 43% من هذا الإجمالي. وقد خاضت 50 امرأة منهن الانتخابات في المجالس القروية بالنظام الفردي، مقابل 63 امرأة ضمن القوائم الانتخابية في المجالس البلدية.

والأكثر دلالةً في هذا السياق أن 69 امرأة من بين المرشحات يخضن تجربة الترشح للمرة الأولى في حياتهن، في حين سبق لـ 44 منهن المشاركة في انتخابات سابقة. وتُجسّد هذه الأرقام الأثر التراكمي لبرامج الجمعية في تعزيز الحضور السياسي للمرأة، وتوسيع قاعدة النساء الراغبات في الانخراط الفاعل في الشأن العام. وقد سبق ذلك تنفيذ سلسلة من اللقاءات التوعوية والتدريبات المتخصصة في القيادة وإدارة الحملات الانتخابية ومهارات التفاوض والتواصل وقانون الانتخابات المحلية، إلى جانب توثيق قصص عدد من المرشحات لتعريف المجتمع المحلي بهن وتعزيز فرص انتخابهن.

وفي إطار الدعم المؤسسي المستدام، أطلقت الجمعية عبر منتدى النوع الاجتماعي في الحكم المحلي "حاضنة دعم" للمرشحات، توفيراً للإسناد المهني والسياسي في مراحل ما قبل الانتخابات وخلالها وبعد الفوز، بما يُسهم في استدامة مشاركتهن وتحسين أدائهن داخل المجالس المحلية. كما دعت الجمعية المواطنين والمواطنات إلى التواصل عبر الرقم المجاني 1800606060 للإبلاغ عن أي خروقات أو انتهاكات تطال المرشحات أو تمسّ نزاهة العملية الانتخابية.

تُعدّ جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية من الجهات المؤسِّسة لائتلاف الرقابة الأهلية على الانتخابات منذ عام 2004-2005، وقد شاركت بانتظام بوصفها هيئةً رقابيةً محليةً في مختلف الدورات الانتخابية المتعاقبة، مما يُجسّد خبرتها المتراكمة ودورها الفاعل والمستمر في دعم المسار الديمقراطي الفلسطيني. كما شكّلت الجمعية خلال السنوات الماضية 109 مجالس ظل نسوية منتشرة في مختلف محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، لتكون منصات مجتمعية فاعلة في الرقابة على أداء الهيئات المحلية من منظور النوع الاجتماعي.

وتؤكد الجمعية التزامها الراسخ بمواصلة دورها بوصفها فاعلاً رئيسياً في تعزيز الديمقراطية التشاركية في فلسطين، من خلال تمكين المرأة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتوسيع قاعدة المشاركة المدنية أمام جميع فئات المجتمع ولا سيما الشباب، والتأثير في السياسات العامة بما يكفل المساواة وعدالة التمثيل في مواقع صنع القرار المحلي، وبما يعكس إرادة الناخبين ويُعزّز ثقتهم/نّ بمؤسساتهم/نّ الوطنية.


تحليل

السّبت 25 أبريل 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي لا يخطط للقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد والمحادثات في مهبّ الريح


واشنطن – سعيد عريقات – 25/4/2026

أعلنت الإدارة الأميركية أن المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات مباشرة مع مفاوضين إيرانيين بوساطة إسلام آباد، غير أن طهران سارعت إلى نفي وجود أي لقاء مقرر، مؤكدة أن ملاحظاتها ستُنقل عبر المسؤولين الباكستانيين. وبين الروايتين، يتكشف مجددًا حجم الفجوة بين الطرفين، ليس فقط حول شكل التفاوض، بل حول جوهره وإمكان نجاحه أصلًا.

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الإيرانيين هم من طلبوا هذا اللقاء المباشر، وإن الرئيس دونالد ترمب أوفد ويتكوف وكوشنر "لسماع ما لديهم"، معربة عن أملها في أن يفضي الاجتماع إلى تحريك المسار نحو اتفاق. لكن الخارجية الإيرانية نسفت هذا الانطباع سريعًا، حين أكدت أنه لا توجد خطط لاجتماع مع الوفد الأميركي، وأن ما لدى طهران سيُنقل إلى الوسطاء الباكستانيين فقط.

هذا التناقض لا يبدو مجرد سوء تنسيق إعلامي، بل يعكس أزمة أعمق في الثقة السياسية. ففي طهران، لا يُنظر إلى كوشنر وويتكوف بوصفهما موفدين محايدين أو قادرين على إدارة تفاوض جدي، بل باعتبارهما شخصيتين تفتقران إلى المعرفة الدقيقة بالملفات النووية والأمنية والإقليمية المعقدة. كما أن الإيرانيين لا ينسون أن الرجلين شاركا في مسارات سابقة، بينما كانا، وفق تقديرات واسعة في طهران، على اطلاع بالنوايا الإسرائيلية والأميركية لشن حرب على إيران في شهر حزيران الماضي، وكذلك في نهاية شباط الذي سبقه. ومن هنا ترى القيادة الإيرانية أن التفاوض مع من عرفوا بالتصعيد قبل وقوعه ينسف أي قاعدة للثقة.

وقد وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد في زيارة قصيرة، قبل انتقاله إلى عُمان وروسيا لإجراء مشاورات أوسع. وتشير مصادر مطلعة إلى أن هدف الزيارة يتمثل في تمرير أفكار إيرانية عبر القناة الباكستانية، واختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلًا لتغيير نهجها، أم أنها تكرر سياسة الجمع بين الضغط والتفاوض في آن واحد.

وفي موازاة ذلك، أفادت تقارير بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يقف على أهبة الاستعداد للتوجه إلى إسلام آباد في أي لحظة، إذا خلص الرئيس ترمب إلى أن الاتصالات بلغت مرحلة حاسمة وأن المسار التفاوضي بات مثمرًا. ويعكس هذا الترتيب رغبة البيت الأبيض في إبقاء خيار التدخل السياسي الرفيع جاهزًا، إذا ظهرت فرصة لاختراق سريع أو إعلان تفاهم أول.

وكانت الجولة السابقة من المحادثات قد تعثرت بعدما أعلنت إيران أنها غير جاهزة للمشاركة، فيما لم يغادر الوفد الأميركي واشنطن أصلًا. وبعد ذلك أعلن ترمب تمديد وقف إطلاق النار أسبوعين إضافيين في اللحظة الأخيرة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لمنح المسار الدبلوماسي فرصة أخيرة، من دون التخلي عن أدوات الضغط.

غير أن المؤشر الأكثر دلالة تمثل في تقارير تحدثت عن إعداد الجيش الأميركي خططًا جديدة لاستهداف قدرات إيرانية مرتبطة بمضيق هرمز، تشمل زوارق سريعة وأصولًا بحرية للحرس الثوري. كما لوّح ترمب علنًا بأن البحرية الأميركية “ستطلق النار وتقتل” أي زورق يزرع ألغامًا في المضيق. وبذلك تبدو الرسالة الأميركية مزدوجة: تفاوض على الطاولة، وتهديد في البحر.

هذا التناقض يفسر إلى حد بعيد الحذر الإيراني. فمن الصعب إقناع طهران بأن واشنطن تسعى إلى تسوية مستقرة، بينما تستمر في تطوير سيناريوهات المواجهة العسكرية. لذلك قد تنظر إيران إلى أي حوار جارٍ باعتباره أداة لشراء الوقت أو جمع المعلومات، لا مدخلًا لاتفاق دائم. وفي المقابل، يبدو أن إدارة ترمب تراهن على أن مزيج العقوبات والتهديد العسكري سيدفع الإيرانيين إلى تقديم تنازلات جوهرية.

كما أن اختيار باكستان وسيطًا يعكس حاجة الطرفين إلى قناة لا تثير حساسية مباشرة، لكن قدرة إسلام آباد تبقى محدودة إذا استمرت الهوة السياسية على حالها. فالوسيط يستطيع نقل الرسائل وتهدئة الأجواء، لكنه لا يستطيع صناعة الثقة المفقودة أو فرض تسوية على خصمين يتبادلان الشكوك.

أما اعتماد ترمب على شخصيات من دائرته الضيقة، مثل كوشنر وويتكوف، فيؤكد أن الملف الإيراني ما يزال يُدار بمنطق الولاء الشخصي أكثر من الخبرة التفاوضية المتخصصة. وهذا ما تلتقطه طهران جيدًا، فتتعامل مع القناة الحالية بوصفها امتدادًا مباشرًا لمزاج البيت الأبيض، لا مسارًا مؤسساتيًا مستقرًا يمكن البناء عليه.

وبحسب الخبراء، لا يتعلق رفض إيران لقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد بالأسماء وحدها، بل برسالة سياسية أوسع مفادها أن طهران لن تمنح واشنطن صورة تفاوضية مجانية، ما لم تقترن الأقوال بتغيير حقيقي في السلوك. وحتى يحدث ذلك، ستبقى المحادثات معلقة بين التهديد والتكذيب، وبين الرغبة في الاتفاق واستحالة الوثوق بالطرف الآخر.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الحملات الانتخابية في زمن الذكاء الاصطناعي

تمر فلسطين بفترة استثنائية في موضوع الاستحقاقات الانتخابية المتتالية، مما أسفر عن تفاعل مزدحم على منصات التواصل الاجتماعي في الترويج للقوائم والأشخاص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها، وهو أمر صحي يدلل على اهتمام شعبنا، وتحديداً شبابنا، بهذه التقنيات وتوجيهها بالطريقة الأمثل نحو تحقيق أفضل الممارسات لهذه التطبيقات والأدوات في خدمة المجتمع الفلسطيني، وتعزيز المشاركة الديمقراطية، ورفع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي.

لكن، وللأسف، ظهرت أيضاً مشاهدات استخدمت فيها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة سلبية، قائمة على تزييف المشاهد، واختلاق قصص بعيدة عن الواقع، بهدف الضرب بسمعة قائمة انتخابية أو أشخاص فيها، أو خلق حالة من البلبلة والتشويش بين الناس، خاصة في الفترات الانتخابية الحساسة التي يكون فيها الرأي العام سريع التأثر وسريع التفاعل وهو ما يميز مجتمعاتنا وتحديداً الريفية منها، حينها تتحول التكنولوجيا من أداة بناء إلى وسيلة هدم، ومن منصة للوعي إلى ساحة مفتوحة للتضليل والتشويه.

الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي قد يُساء استخدامه في صناعة المحتوى المزيف، يمكن أن يكون إحدى أهم الأدوات في كشف هذا التزييف والحد من انتشاره، فهناك تطبيقات متقدمة قادرة على تحليل الصور والفيديوهات واكتشاف التعديلات غير الطبيعية فيها، مثل تقنيات كشف الـ Deepfake التي تستطيع رصد التلاعب في تعابير الوجه، أو عدم التناسق في حركة الشفاه، أو اختلاف الظلال والإضاءة، وهي تفاصيل قد لا يلاحظها الإنسان العادي.

من بين هذه الأدوات تطبيقات مثل Hive Moderation وReality Defender وDeepware Scanner، وهي منصات متخصصة في فحص الفيديوهات والصور وكشف المحتوى المفبرك، كما تعتمد بعض المؤسسات الإعلامية على أدوات مثل InVID للتحقق من صحة الفيديوهات المنتشرة على منصات التواصل، عبر تحليل الإطارات الأصلية ومصدر النشر الأول، بينما تساعد أدوات مثل Google Fact Check Explorer وTinEye في تتبع الصور ومعرفة إن كانت قديمة أو مأخوذة من سياق مختلف تماماً.

كما توجد أدوات تعتمد على تحليل النصوص، تستطيع مقارنة الأخبار المتداولة بالمصادر الأصلية والموثوقة، واكتشاف الأخبار المفبركة أو العناوين المضللة التي يتم تصميمها لجذب الانتباه وإثارة الرأي العام، فمثلاً، قد يتم تداول تصريح مزيف على لسان شخصية عامة أو مرشح انتخابي، وهنا يمكن للأنظمة الذكية أن تقارن بين الأسلوب اللغوي المعتاد للشخص وبين النص المنشور، وتحدد احتمالية التلاعب أو الانتحال.

وقد شهد العالم عدة تجارب بارزة في هذا المجال، ففي الانتخابات الأمريكية الأخيرة، استخدمت مؤسسات إعلامية كبرى وشركات تقنية أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لرصد المقاطع المفبركة والتصريحات المزيفة التي انتشرت حول المرشحين، خاصة عبر منصات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك. كما أن الاتحاد الأوروبي عمل على تطوير أنظمة رقابة رقمية لمتابعة المحتوى السياسي المضلل خلال الانتخابات البرلمانية، مع تعاون مباشر بين شركات التكنولوجيا وفرق التحقق الصحفي.

وفي الهند، أيضا، واجهت الانتخابات العامة تحدياً كبيراً بسبب انتشار المقاطع المزيفة، ما دفع السلطات والمؤسسات الإعلامية إلى استخدام تقنيات تحقق مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المفبرك بسرعة قبل وصوله إلى ملايين المستخدمين. كما ظهرت مبادرات مستقلة من مؤسسات صحفية ومنظمات مجتمع مدني لمراقبة الحملات الرقمية المشبوهة.

وفي السياق الفلسطيني، يمكن لهذه الأدوات أن تساعد المؤسسات الإعلامية، والجامعات، والهيئات الرقابية، وحتى المواطنين أنفسهم، في التحقق من صحة المواد المتداولة قبل إعادة نشرها، كما يمكن للمنصات الرقمية المحلية أن تطور آليات إنذار مبكر ترصد الحملات المنظمة التي تستهدف التضليل السياسي أو الاجتماعي، خاصة في الفترات الحساسة المرتبطة بالانتخابات.

ولعل المثال الأوضح هو انتشار مقاطع فيديو مفبركة خلال الحملات الانتخابية، تُظهر أشخاصاً في مواقف لم تحدث أصلاً، أو تصريحات لم تصدر عنهم، أو صوراً قديمة يعاد تدويرها على أنها أحداث جديدة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل خط دفاع أول عن الحقيقة، وعن حق المواطن في الوصول إلى معلومة صحيحة غير مشوهة.

غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فمهما تطورت أدوات الكشف والتحليل، يبقى الإنسان هو الحلقة الأهم في مواجهة التضليل. إن الدوافع الاجتماعية والوطنية والدينية تشكل وازعاً أساسياً ومهماً في الحد من هذه الظاهرة؛ فالمسؤولية الأخلاقية، والانتماء الوطني، والخوف من ظلم الآخرين، كلها عناصر يجب أن تسبق ضغطة زر “المشاركة” أو “النشر”. فليس كل ما يُرى يُصدق، وليس كل ما يُتداول حقيقة.

إن حماية المجتمع الفلسطيني من المعلومات المزيفة ليست مهمة تقنية فقط، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الضمير، وتعززها المعرفة، وتحميها التكنولوجيا حين تُستخدم في الاتجاه الصحيح. وبين الوعي والأخلاق والذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نبني فضاءً رقمياً أكثر صدقاً وعدالة ومسؤولية، وأن نجعل من الحملات الانتخابية مساحة للتنافس الشريف لا ساحة للتضليل والتشويه.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

هل ما زال الإعلان الانتخابي يقنع الناخب.. أم أن الواقع المعيشي سبق الخطاب الرقمي؟

في الضفة الغربية لم يعد السؤال فقط عن مدى حضور الحملات الانتخابية على المنصات الرقمية، بل عن مدى قدرتها على لمس واقع الناخب الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي يومي ومسؤوليات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي. في هذا السياق، يصبح التمييز بين الإعلان الممول والمنشور العادي مسألة أقل أهمية مما يعتقده القائمون على الحملات، لأن الناخب لم يعد يقيم الرسالة بناءً على شكلها، بل على قدرتها على التعبير عن واقعه الفعلي.

الناخب اليوم لا يسأل إن كان هذا الإعلان ممولًا أم لا، بل يسأل بشكل غير مباشر: هل هذا المرشح يفهم ما أعيشه؟ هل يتحدث بلغتي أم بلغة بعيدة عن تفاصيل حياتي اليومية؟ هنا يتحول الإعلان من أداة تأثير إلى اختبار مصداقية، لأن كثافة الإعلانات لم تعد تعني قوة الحملة، بل قد تعكس أحيانًا انفصالها عن الواقع؛ عندما يشعر الناخب أن الرسائل مكررة أو عامة أو مستوردة من نماذج تسويقية لا تشبه البيئة المحلية.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية يتراجع تأثير الشكل لصالح المضمون، الناخب الذي يواجه تحديات تتعلق بالعمل والدخل والخدمات لا يتفاعل مع خطاب إنشائي، حتى لو كان مصوغًا باحترافية عالية، بل يبحث عن إشارات حقيقية تدل على فهم المرشح لهذه التحديات، وهذا ما يجعل كثيرًا من الحملات الرقمية تبدو كأنها تدور في فراغ، لأنها تركز على الظهور أكثر من التركيز على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور.

المشكلة ليست في استخدام الإعلانات الممولة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها، كثير من المرشحين ما زالوا يتعاملون مع المنصات الرقمية كلوحات إعلانية تقليدية يتم فيها عرض الشعارات والوعود، دون إدراك أن هذه المنصات تقوم على التفاعل والحوار وبناء الثقة على المديين القصير والطويل، هذا الاستخدام السطحي يجعل الناخب لا يشعر بقرب المرشح منه، بل على العكس قد يعزز شعوره بأن الخطاب موجه له بشكل اصطناعي، وليس نابعًا من فهم حقيقي.

في المقابل، عندما ينجح مرشح في استخدام المنصات بطريقة تعكس فهمًا للسياق المحلي، ويقدم محتوى يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر تفاعله مع الناس بشكل مباشر، يصبح الفرق واضحًا حتى لو لم يكن حجم إنفاقه الإعلاني كبيرًا، هنا لا يعود الإعلان هو العنصر الحاسم، بل طريقة بناء العلاقة الرقمية التي تتجاوز فكرة البيع السياسي إلى خلق شعور بالتمثيل.

ما يحدث فعليًا أن جزءًا من الناخبين في الضفة الغربية أصبح أقل حساسية تجاه الإعلانات الممولة بحد ذاتها، وأكثر حساسية تجاه مصداقية المحتوى، هذا التحول يعكس نضجًا نسبيًا في سلوك المستخدم الرقمي، لكنه في الوقت ذاته يكشف فجوة لدى كثير من المرشحين الذين لم يطوروا بعد استراتيجيات رقمية تتناسب مع هذا الوعي الجديد.

في النهاية، يمكن القول إن الإعلانات لم تفقد تأثيرها، لكنها فقدت قدرتها على الإقناع السريع الناخب، لم يعد يتأثر بمجرد الظهور، بل بطريقة الحضور، هل يشعر أن المرشح قريب منه فعليًا، أم مجرد صورة رقمية تحاول الوصول إليه؟ التحدي الحقيقي أمام المرشحين في الضفة الغربية ليس في زيادة الإنفاق الإعلاني، بل في إعادة تعريف كيفية استخدام المنصات الرقمية، بحيث تتحول من وسيلة عرض إلى مساحة تفاعل تعكس فهمًا حقيقيًا للناس، وليس فقط محاولة الوصول إليهم.

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (٥) المغيّر: اكتبوا ما شئتم.. الحقيقة ليست في محاضركم

قبسات


في المغير، لا تُدوَّن الوقائع كما يُراد لها أن تُفهم. تُختزل في لغةٍ إدارية صمّاء: اقتحام، اشتباك، إصابات. لكن ما لا يدخل في هذه اللغة هو البنية الأعمق للفعل: لحظة تحوّل الإنسان إلى شرطٍ لوجود المكان، لا مجرد ساكن فيه. هنا لا تكون الأحداث منفصلة، بل متصلة بخيطٍ واحد اسمه: معنى البقاء تحت ضغط الاقتلاع.

هجوم المستوطنين على مدرسة ذكور المغير لم يكن واقعة على مبنى، بل محاولة لاختبار إمكانية استمرار الحياة في طورها الأول. المدرسة ليست جدرانًا، بل زمنًا لم يُسمح له أن يكتمل. وحين هبّ الأهالي للتصدي، لم يكن ذلك فعل مواجهة فحسب، بل انكشافًا لمعنى الوجود حين يُختزل إلى جسدٍ يقف في مواجهة محوٍ محتمل.

في هذا الامتداد، ارتقى الطفل أوس نعسان، طالب الصف التاسع. في السرد الرسمي سيُختصر إلى رقمٍ في حدث، لكن في البنية الأعمق هو تكرار لمعنى لم ينقطع: ابن الشهيد حمدي، الذي ارتقى قبل سنوات في المشهد ذاته تقريبًا. هنا لا يعمل الزمن كخطٍّ متقدم، بل كبنية تكرار تُعيد اختبار الفكرة نفسها بأجساد مختلفة: هل يمكن للمعنى أن يستمر حين يُعاد إنتاج الفقد؟

أوس لا يطويه الموت. ما بعد الجسد ليس صمتًا مكتملًا، بل أثرًا معلّقًا. الدم الذي خضّب كوفيته لا يعمل كعلامة نهاية، بل كامتدادٍ لمعنى لم يُختتم. كأنّ الجسد، حين يتوقف، يترك خلفه طبقة من الوجود لا تنتمي إلى الحياة ولا إلى العدم، بل إلى ما بينهما.

وهنا، يقف شقيق أوس، كطفل يواجه سؤالًا يفوق عمره: كيف يُفهم الغياب حين يأتي دفعةً واحدة؟ في عينيه ارتباكٌ لا يجد لغة، ومحاولة أولى لالتقاط معنى الفقد قبل أن يكتمل وعيه به. هنا، لا يكون الحزن دموعًا فقط، بل بداية تشكّل وعيٍ قاسٍ بأن ما كان ثابتًا يمكن أن يختفي فجأة.

وبالتوازي، ارتقى الشاب جهاد مرزوق أبو نعيم. خروجه مع الأهالي لم يكن فعل قرار فردي، بل انخراطًا في لحظة يتداخل فيها الخاص مع العام حتى التلاشي. كان ينتظر طفلة، حياةً تتكوّن في مسارها الهادئ داخل بيته، لكنه في لحظة المواجهة انحاز إلى الحياة بوصفها معنى مهددًا، لا تجربة شخصية فقط. هنا يتحول الفعل من "اختيار" إلى ما يشبه الضرورة الوجودية: أن يكون الإنسان في موقعه حين يُختبر معنى وجوده.

رحل جهاد، وترك زوجته في شهرها الثامن. وما بين اكتمال الحياة داخليًا وانقطاعها خارجيًا، لا تنغلق الدلالة. الطفل القادم لا يبدأ من فراغ، إنما من اسمٍ محمّل بغيابٍ سابق، كأنّ الوجود لا يُولد من الصفر، بل من تراكم أثرٍ لم يُغلق.

وجهاد ليس معزولًا عن سياقه. هو ابن الفدائي أبو وحيد، الأسير المحرر، حيث سيرة لم تنته عند لحظة الخروج من القيد، بل استمرار لفكرة الحرية حين تتحول من حدثٍ فردي إلى ذاكرةٍ ممتدة داخل العائلة والمكان. هنا لا تنفصل التجربة عن أثرها، بل تتحول إلى بنية وعيٍ جماعيّ لا يُختصر في زمن الاعتقال أو التحرر.

في مقابل هذه اللغة التي تُغلق الوقائع داخل صيغٍ مكتملة، يخرج صوت الأب من خارج كل نظامٍ للتدوين. لا يقول شيئًا قابلًا للأرشفة، بل شيئًا يتشظى منها:

"تعجّلت الرحيل… بقي شهرٌ واحد لترى ابنتك التي انتظرتها خمسة عشر عامًا… لعلّك قلت إنك تراها في الجنة.

وجعنا كبير وأليم، لكنّنا صابرون لأنّنا ندرك أنك كنت تحمي أبناء قريتك وأنّ الهدف يستحق الشهادة.

ماذا أقول؟ هل أبكيك أم أزفّك؟ أنت من تقرر.

تركت فينا جرحًا عميقًا… ليتنا نحن من رحل.

من يقول لنا صباح الخير؟ من يمازح أمّه؟ من يأخذ الأطفال نزهة؟ لم تعد أختك تطل من شباكها، ولم يعد في السهرة من يخفف ثقلها.

هل نجلس على الرصيف أنا وأمك ننتظرك… أم لم يعد للانتظار جدوى؟".

هنا لا يعود الفقد فكرة، بل فجوة زمنية ملموسة بين حياةٍ كانت على وشك الاكتمال وانقطاعٍ مباغت. يتردّد الصوت بين البكاء والفخر،  كحالةٍ لا تستقر، يتكشّف ما تعجز اللغة الإدارية عن التقاطه: أنّ الغياب لا يُقاس فقط بمن رحل، بل بما تركه معلّقًا—تفاصيل صغيرة انطفأت فجأة، وأدوار يومية لم يعد من يحملها، وذاكرةٌ بدأت تفقد توازنها.

في مستشفى رام الله، تتبدّل اللغة بينما يبقى المعنى نفسه خارجها. جثمانان في الثلاجة، في حالة سكونٍ يشبه تعليق الزمن. في السجلات تُكتب كلمات مغلقة: نقل، حفظ، توثيق. لكن ما لا يُكتب هو أنّ المكان نفسه يتحول إلى منطقة تماس بين طبقتين من الوجود، حيث لا يكتمل الغياب ولا تستقر الحياة.

هناك، عند لمس الجدران الباردة، لا تعود الذاكرة فردية. تعود ذاكرة أقدم: أخي مناضل الذي استُشهد منذ عشرين عامًا، ووداعي له الذي لم يكتمل، بقي كجملةٍ مفتوحة في الداخل، لا تُغلقها السنوات. ليست استعادة، بل استمرار لبنية فقدٍ تتكرر كلما أعاد الواقع إنتاج صورته الأولى.

وفي مشهدٍ لا يُكتب في المحاضر، يجلس أبٌ واضعًا رأس ابنه بين يديه، كأنّ الموت لم يكتمل بعد. لا صراخ، فقط صمتٌ تحمله يدان ترفضان الفقد. هنا، تسقط اللغة مرةً أخرى؛ فلا " الاستشهاد" يُغلق المعنى، ولا الغياب يكتمل.

في المغير، لا تُفهم الوقائع كأحداث منفصلة، بل كاختبار متكرر لعلاقة الإنسان بمكانه. الاقتحام ليس بداية، والاستشهاد ليس نهاية، بل نقاط داخل حركة أوسع: حركة إعادة تعريف الوجود نفسه تحت ضغط الإلغاء.

وفي محاضر الجنود، تُغلق الجمل بسرعة.

أما هنا، فلا شيء يُغلق.

كل اسم يُكتب لا يختتم المعنى، بل يفتحه من جديد،

كأنّ الأرض نفسها ترفض أن تُختصر في روايةٍ واحدة.

فلسطين

السّبت 25 أبريل 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

صوت من الجنة: رحيل الشيخ ناجي القزاز.. قيثارة السماء

الشيخ عزام الخطيب: رحيل الشيخ القزاز بعد 45 عاماً في خدمة المسجد يعد خسارةً كبيرةً ليس فقط للمسجد الأقصى بل لكل المسلمين

الشيخ عكرمة صبري: نشأ في أسرة توارثت شرف الأذان في المسجد الأقصى أباً عن جد، فكان امتداداً لصوت مبارك عُرف بالإخلاص والعذوبة

الشيخ محمد حسين: العمل في المسجد الأقصى ليس مجرد وظيفة، بل هو تكريم واصطفاء من الله، لما يمثِّله هذا المسجد من مكانة عظيمة في الإسلام

الشيخ يوسف أبو سنينة: عُرف بالهمة العالية والالتزام وتلقى العلوم الشرعية في قبة الصخرة المشرفة ودرس الفقه والأحكام حتى أصبح من أبرز مؤذني المسجد

العيساوي: ابتُلي الشيخ ناجي القزاز في أواخر حياته بالمرض ورغم ذلك كان حاضرًا لتلبية الواجب حتى في أصعب الظروف

الشيخ الدكتور محمد سليم: نال لقب شيخ المؤذنين الذي ورثه عن أجداده وله عظيم الأجر والرحمة من الله حسب ما بشرنا رسول الله

د. خالد أبو جمعة: حظي بمكانة خاصة لدى أهالي القدس وفلسطين بوصفه أحد الأصوات التي شكّلت جزءًا من الهوية الدينية للمسجد الأقصى



خاص بـ "القدس"-

ودَّعَت مدينة القدس ومآذن المسجد الأقصى المبارك، شيخ المؤذنين، الشيخ ناجي القزاز بعد مسيرة امتدت لأكثر من 45 عاماً، حافلة بالعلم العطاء والثبات، مسيرة يشهد لها بالخير كل من عرفه وسمع صوته.

بقلوب يملؤها الحزن والثقة برحمة الله، يستذكر من عايش الشيخ القزاز لحظات جمعتهم وإياه حفرت عميقاً في ذاكرتهم، يستحضرون تاريخ عائلة تولت مَهمة رفع نداء "الله أكبر" من مآذن مسرى رسول الله التي تأن تحت سيطرة الاحتلال.


مهمة شرَّفَهُ الله بها


يُؤكد الشيخ عزام الخطيب، رئيس مجلس أوقاف القدس ومدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية وشؤون المسجد الأقصى المبارك، أن الشيخ ناجي القزاز كان من المُخلِصين للمسجد الأقصى المبارك، ومن حَفَظَة القرآن الكريم، ومن أصحاب الأصوات الندية، حيث أمضى أكثر من 45 عاماً في خدمة المسجد، في مهمة شرفية شرَّفَهُ الله سبحانه وتعالى بها.

ويوضح الخطيب أن دائرة الأوقاف الإسلامية عبَّرَت عن حُزنها العميق لفقدانه؛ لما عُرِفَ عنه من أخلاق حميدة وهدوء وسعة صدر، إضافة إلى التزامه الكامل في أداء مهامه داخل هذا الموقع الحساس، الذي يُعد من أهم مقدسات المسلمين.

ودعا الشيخ الخطيب أن يتغمد الله الفقيد القزاز بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم للمسجد الأقصى المبارك، وأن يجعله من المقربين في جناته.

وأعرب الخطيب عن أمله في أن يواصل نجله الشيخ فراس القزاز المسيرة، مشيراً إلى أنه من حَفَظَة القرآن الكريم ومن أصحاب الأصوات الندية أيضاً، ويتمتع بأخلاق حميدة، وقد نهل من سيرة والده وقيمه.

ويختتم الخطيب حديثه بالتأكيد على أن رحيل الشيخ ناجي القزاز يعد خسارةً كبيرةً، ليس فقط للمسجد الأقصى، بل لكل المسلمين.



أسرة توارثت الأذان في "الأقصى" أباً عن جد


يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك، رئيس الهيئة الإسلامية العليا، الدكتور الشيخ عكرمة صبري: إن الفلسطينيين يستحضرون سيرة الفقيد الحاج ناجي القزاز، الذي ارتبط صوته ارتباطاً وثيقاً بالمسجد الأقصى المبارك.

ويوضح الشيخ صبري أن علاقته بالفقيد تعود إلى عام 1978، حين كان يشغل منصب مدير الوعظ والإرشاد، وأن جد الفقيد، الحاج ناجي الكبير، الذي كان من الوجوه المعروفة في مدينة القدس آنذاك، اصطحب حفيده الشاب ناجي وطلب أن يخلفه في مهمة الأذان في المسجد الأقصى، حيث تقدم للاختبار وكان أهلاً لهذه المهمة، ليُعيَّن مُؤذِناً في المسجد الأقصى، ومذ ذلك الحين ظل صوته الندي يصدح بنداء "الله أكبر" في رحاب الأقصى وسماء القدس.

ويُشير الشيخ صبري إلى أن الحاج ناجي القزاز نشأ في أسرة توارثت شرف الأذان في المسجد الأقصى أباً عن جد، فكان امتدادا لصوت مبارك عُرف بالإخلاص والعذوبة.

ويوضح أن نجله الشاب الشيخ فراس القزاز يواصل اليوم هذه المسيرة، ويعرب عن أمله بأن يَمُد الله في عمره وأن تبقى هذه العائلة محافظة على هذا الإرث المبارك في خدمة المسجد الأقصى.

ويدعو الشيخ صبري إلى الترحم على الفقيد، سائلا الله أن يتغمَّدَه بواسع رحمته، وأن يبارك في من يخلفه، ويؤكد أن نداء "الله أكبر" سيبقى مجلجلًا في سماء القدس وفلسطين والمسجد الأقصى المبارك.



العزاء في استمرارية الرسالة


بدوره، يقول مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، إن المرحوم ناجي القزاز خدم المسجد الأقصى المبارك لأكثر من 45 عاماً، حيث ظل يرفع الأذان ويُصدح بذكر الله من رحاب الأقصى في مختلف الظروف، سواءً في أوقات الرخاء أو الشدة، مُجسداً نموذجاً للمؤذن المُلتزم والمُقرِئ المُخلِص.

ويشير الشيخ حسين إلى أن فقدانه يشكل خسارة حقيقية للمسجد الأقصى ومدينة القدس، ويؤكد أن الأقصى سيفتقد صوته وحضوره، لكنه سيبقى دائما قبلة لقلوب المسلمين ومحطّ اهتمام كل المخلصين للدين الإسلامي.

ويضيف أن العزاء يتمثّل في استمرار الرسالة، ويُعرب عن ثقته بأن نجله فراس سيكون خير خَلفٍ لخير سَلف، لما يتمتع به من التزام وأخلاق حميدة وصوت مميز في رفع الأذان وتلاوة القرآن الكريم داخل المسجد الأقصى المبارك.

ويدعو مفتي القدس إلى الترحم على الفقيد، سائلا الله أن يتغمَّدَه بواسع رحمته، وأن يعوض المسجد الأقصى ومدينة القدس خيرًا بفقدانه.

وفيما يتعلق بالجنازة، يوضح الشيخ حسين أنها كانت مهيبة وتعكس حجم الوفاء من أهالي القدس لكل من يخدم المسجد الأقصى، لا سيما في الوظائف الدينية كالأذان والتلاوة والإمامة والخطابة.

ويشدد على أن العمل في المسجد الأقصى ليس مجرد وظيفة، بل هو تكريم واصطفاء من الله، لما يمثله هذا المسجد من مكانة عظيمة في الإسلام، كونه القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين، ويؤكد أن الانتساب إليه هو شرف عظيم ورسالة إيمانية لخدمة الدين والمقدسات.


جنازته شهادة على حب الناس له


يقول إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ يوسف أبو سنينة إن الحاج ناجي القزاز كان من رجالات المسجد الأقصى الذين أفنوا حياتهم في خدمته، ويشير إلى أن علاقته به تعود إلى الطفولة، حيث درسا معاً في المدرسة العمرية منذ الصفوف الابتدائية الأولى.

ويوضح أبو سنينة أن الفقيد التحق بالعمل مؤذناً في المسجد الأقصى المبارك عام 1978، ثم زامله في العمل بعد ذلك بسنوات، واستمرت هذه الزمالة حتى وفاته، ويؤكد أنه كان مثالاً للرجل صاحب الأخلاق الحسنة، واللسان الطيب، بعيداً عن الغيبة أو الإساءة للآخرين، ومواظباً على أداء واجباته دون تقصير.

ويضيف أبو سنينة أن الحاج ناجي القزاز عُرف بالهمة العالية والالتزام، وكان قد تلقى علوماً شرعية في قبة الصخرة المشرفة على يد الشيخ أبو إسماعيل، حيث درس الفقه والأحكام، واستمر في تطوير نفسه إلى جانب عمله في الأذان، حتى أصبح من أبرز مؤذني المسجد الأقصى.

ويشير إلى أن الفقيد ربَّى نجله فراس على هذا النهج، حيث بدأ بالأذان منذ صغره، ولا يزال يواصل اليوم هذه المهمة في المسجد الأقصى، في امتداد لمسيرة والده.

ويوضح الشيخ أبو سنينة أن الحاج ناجي كان محبوباً بين أهل القدس، وهو ما ظهر جلياً في الجنازة المهيبة التي خرجت من المسجد الأقصى، ويؤكد أن هذا الحب يعكس مكانته في قلوب الناس وتقديرهم لما قدّمه.

ويختتم أبو سنينة بالدعاء للفقيد بالرحمة والمغفرة، وأن يُسكِنَه الله فسيح جناته، وأن يجمعه مع الصالحين، ويؤكد أن الموت حقّ على كل إنسان، وأن سيرة الراحل ستبقى حاضرة في وجدان كل من عرفه.



ابتُلي في أواخر حياته بالمرض


يؤكد مساعد مدير المسجد الأقصى، مدير الوعظ والإرشاد، الشيخ خالد العيساوي ******** أن الشيخ الراحل ناجي القزاز كان كبير مؤذني المسجد الأقصى وشيخهم، وأنه عرف بتقواه وورعه وإخلاصه في أداء رسالته الدينية على مدار سنوات طويلة من الخدمة.

ويوضح العيساوي أنه عمل معه قرابة تسع سنوات، ولم يسجّل عليه خلالها أي تقصير أو تأخر في أداء واجباته، بل كان مثالاً للالتزام والانضباط، وحرص دائما على خدمة المسجد الأقصى وإقامة الشعائر الدينية فيه، إلى جانب تعامله الطيب وسهولة تعامله مع الناس.

ويضيف العيساوي أن الفقيد كان حاضرًا لتلبية الواجب حتى في أصعب الظروف، بما في ذلك فترات مرضه، حيث كان يستجيب لأي طارئ دون تردد، ما ترك أثراً طيباً وبصمة واضحة في قلوب كل من عرفه وعمل معه.

ويشير إلى أن الشيخ القزاز أُبتُلي في أواخر حياته بالمرض، داعيا الله أن يتغمَّده بواسع رحمته، ويلفت إلى أن الصلاة عليه في المسجد الأقصى مرتين تعكس مكانته ومحبة الناس له، وتعد دلالة على الرحمة التي حظي بها بإذن الله.

ويوضح العيساوي أن نجله الشيخ فراس القزاز سيواصل المسيرة، حيث كان سنداً لوالده خلال فترة مرضه، وتولّى جزءًا من مهامه، ويؤكد أن العائلة تمتلك إرثاً عريقاً في خدمة الأذان في المسجد الأقصى يمتد لأكثر من 700 عام.

ويشدد على أن الشيخ ناجي القزاز تميز بالتواضع والقرب من الناس، وكان مثالاً للنزاهة والعِفة، حيث عاش حياة كريمة شريفة، ولم يُعرف عنه إلا كل خير، ما جعله محل احترام ومحبة الجميع.

ويختتم العيساوي بالتأكيد على أن المسجد الأقصى سيفتقد هذا الصوت العذب وهذه القامة الدينية، كما سيفتقده المؤذنون ورواد المسجد ومحبو الأقصى، إلا أن أثره سيبقى حاضراً، سائلاً الله أن يكون من الناجين وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم طوال أكثر من أربعة عقود في رفع الأذان وخدمة المسجد الأقصى المبارك.


صوته جزء من الهوية الدينية لـ"الأقصى"


يقول خطيب ومدرِّس المسجد الأقصى المبارك، د. خالد أبو جمعة: شيَّعَ المقدسيون شيخ مؤذني المسجد الأقصى المبارك الشيخ ناجي القزاز، الذي كان قلبه وروحه وجوارحه معلَّقة بالمسجد الأَقصى المبارك، رحل بعد مسيرة دينية حافلة امتدت أكثر من 45 عامًا قضاها في رفع الأذان وتلاوة القرآن الكريم في المسجد الأَقصى المبارك.

ويضيف أبو جمعة أنه لا يمكن لمن أكرمه الله بسكن المدينة المقدس إلا وأن تكون أذناه قد تعودتا على سماع ترتيل كتاب الله وصوت مؤذن المسجد الأَقصى المبارك الشيخ ناجي القزاز- رحمه الله.

ويؤكد أبو جمعة أنه برحيل القزاز يفقد المسجد الأقصى أحد وجوهه الصوتية المألوفة حيث ارتبط صوته النَّدي بوجدان المقدسيين والذي صدح به لعقود طويلة، وسيبقى حاضراً في ذاكرة المكان ورواده، وحاضراً في محرابه ومنابره، ناشراً روح الطمأنينة والإيمان بين المصلين، وشاهداً على مرحلة طويلة من العطاء والارتباط الوثيق بأحد أهم المعالم الدينية في العالم الإسلامي.

ويشير أبو جمعة إلى أن الشيخ القزاز حظي بمكانة خاصة لدى أهالي القدس خاصة وأَهل فلسطين عامَّة، بوصفه أحد الأصوات التي شكّلت جزءًا من الهوية الدينية للمسجد الأقصى.

ويضيف، ولا ننسى أَنَّه رحمه الله تعالى صاحب طريقة وأَداء خاصٍّ ومُميَّز في تلاوة القرآن، فعند سماعه بصوته الملائكيّ الذي يشنّف آذان المستمعين، نجد أَثر قراءته على وجوه أهل الإِيمان في المسجد الأَقصى، فلا نجدُ كلمات تصف الشيخ وتصف ما نشعر به عند سماع آيات الله تتلى بصوته.

ويرى أبو جمعة أن الشيخ رحل بعد رحلة إِيمانية روحية ومن الرباط والتواجد في جنبات المسجد الأقصى المبارك، قبلة المسلمين الأُولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويقول أبو جمعة: رحم الله شيخاً مقدسياً يرجو تجارة رابحة لن تبور، ونسأل الله عزوجل أن يكون له من اسمه نصيب، ونحن نعلم أن فضل قراءة القرآن والأدلة عليه ظاهرة بيَّنة في السنة النبوية الشريفة، فقد وردت الكثير من الأحاديث التي تُبين عظم فضل قراءة القرآن الكريم، ونيل مرتبة السَّفرة الكرام البَرَرة ما ورد عن أمّ المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- عن رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: "الْماهِرُ بالقُرْآنِ مع السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وهو عليه شاقٌّ، له أجْرانِ". رحمك الله يا شيخنا الفاضل وتعازينا لكل أسرتك ومحبيك ولعموم أَهل بيت المقدس".


نال ما لم ينله غيره


يقول خطيب المسجد الأقصى المبارك الدكتور الشيخ محمد سليم: الشيخ ناجي القزاز نال لقب شيخ المؤذنين، الذي ورثه عن أجداده، والذي وَرَّثَهُ لابنه من بعده. ونال ما لم ينله غيره بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا الخير والشرف الذي ناله: السؤدد والشرف يوم القيامة، النجاة من الغرق بالعرق يوم يغرق الناس بعرقهم في المحشر، كثرة الثواب وعظيم الرحمة التي ينالها من الله سبحانه، يُغفر له بعدد من سمعه من الإنس والجن، وكذلك يشهدون له، يستغفر له كل رطب ويابس، الأجر والثواب على الإقامة.

ويضيف الشيخ سليم: وإذا علمنا مضاعفة الأجور في المسجد الأقصى إلى ألف ضعف، فإننا حينئذ نغبط أخانا ناجي القزاز على عظيم ما يناله من الثواب والأجر والرحمة من الله تعالى، وحسبه من البشرى ذلك، حزن الناس على موته، والثناء والترحم عليه، فعليه رحمه الله وبركاته.

أقلام وأراء

السّبت 25 أبريل 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بين رغبة واشنطن في التهدئة ورهان نتنياهو على استمرار الحرب/ مصطفى إبراهيم



تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة مع إيران عن مفارقة سياسية عميقة: إدارة أميركية تميل إلى إنهاء الحرب، مقابل قيادة إسرائيلية تحتاج إلى استمرارها. هذه ليست مجرد فجوة في التقدير، بل اختلاف في وظيفة الحرب ذاتها داخل كل نظام. بالنسبة لـ دونالد ترامب لم تعد الحرب أداة مريحة. صحيح أنه لا يتردد في التهديد بتدمير شامل، ولا يتخلى عن سياسة “الضغط الأقصى”، لكن المؤشرات تتزايد على أنه يسعى إلى مخرج سياسي، ولو كان مؤقتاً. فالحرب التي طالت أكثر مما ينبغي بدأت تتحول إلى عبء داخلي: تراجع في الشعبية، تشققات في الخطاب المحافظ، ومخاوف من التورط في سيناريو مفتوح لا يمكن ضبطه.


لكن هذا  "التعب" لا ينبغي تفسيره بوصفه نزعة سلمية. ما يريده ترامب، على الأرجح، ليس إنهاء الصراع بقدر ما هو إعادة تعريف أدواته: تقليص الكلفة المباشرة، تكثيف الضغط الاقتصادي، والإبقاء على التهديد العسكري كخيار جاهز. إنها محاولة للانتقال من حرب مكلفة إلى إدارة صراع منخفضة الكلفة وعالية التأثير.


في المقابل، يقف بنيامين نتنياهو في موقع مختلف تماماً. فالحرب، بالنسبة له، ليست عبئاً بل ضرورة سياسية. هي الإطار الذي يُعيد ترتيب أولويات الداخل، ويؤجل الأسئلة الصعبة، ويمنحه القدرة على التحكم في الإيقاع السياسي. لذلك، فإن أي تهدئة إقليمية – سواء في إيران أو لبنان – لا تُقرأ في إسرائيل بوصفها إنجازاً، بل كتهديد محتمل لتماسك الحكومة.


لكن هذه المفارقة لا تعني تعارضاً كاملاً بقدر ما تعكس إختلافاً في مستوى إدارة الصراع. فالهدنة التي يدفع بها دونالد ترامب لا تُعبّر عن رغبة في إنهاء الحرب، بل عن محاولة لإعادة ضبط إيقاعها وتقليل كلفتها، مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة. في المقابل، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى استمرار هذا الإيقاع أو نقله إلى ساحات أخرى، لأن توقفه الكامل يفتح الباب أمام استحقاقات داخلية مؤجلة. وهكذا، لا يدور الخلاف حول الحرب ذاتها، بل حول توقيتها ووظيفتها وحدودها.


في الجبهة اللبنانية، تتضح الفجوة بين الخطاب والواقع. فخلافاً للصورة التي تُقدَّم للجمهور الإسرائيلي، لا يدور الحديث عن حرب واسعة النطاق، بل عن عمليات محدودة، بقوات أقل، وأهداف تكتيكية ضيقة. الانخراط البري محدود، الاعتماد الأكبر على النيران عن بُعد، والجيش يتجنب توسيع المواجهة إلى مستوى لا يستطيع تحمّله.


هذا النمط يعكس قيداً مزدوجاً: استنزاف واضح في القوات، وإدراك بأن أي تصعيد واسع قد يفتح مواجهة لا يمكن احتواؤها. ومع ذلك، تستمر السردية الرسمية في تضخيم حجم العمليات للحفاظ على صورة الردع. النتيجة هي حالة من الحرب المُدارة: لا حسم، ولا انسحاب، بل توازن هشّ يسمح باستمرار الاشتباك دون انفجار شامل. لكن هذا النوع من الحروب لا ينتج “نصراً” يمكن تسويقه داخليًا.


ويكتسب هذا التوصيف مصداقية إضافية حين يأتي من داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه، حيث يجري الاعتراف بأن القتال الفعلي في لبنان يدور في نطاق محدود، “بمئات المقاتلين، لا آلاف أو عشرات الآلاف كما قد يعتقد الجمهور”، مع الإقرار بأن الوحدات القتالية “مرهقة، ولا يمكن تكليفها بمهام طموحة أكثر من اللازم”. والأهم أن هذا التقييم نفسه يشير إلى أنه رغم التفوق العسكري، “لا تظهر على حزب الله علامات انكسار”، ما يكشف مأزقاً مركباً: قوة نارية كبيرة بلا قدرة على الحسم.


هنا تحديداً تعود غزة إلى مركز المشهد. ليس لأن المعادلة العسكرية تغيّرت، بل لأن الحاجة السياسية للحرب ما زالت قائمة. فالحكومة الإسرائيلية، التي لم تستطع تحقيق أهدافها المعلنة، تجد نفسها أمام معضلة: كيف تبرر استمرار الحرب دون نتائج حاسمة، وكيف تنهيها دون أن تبدو مهزومة الحل، كما يبدو، هو إبقاء غزة في حالة “قابلية دائمة للاشتعال”. تسريبات عن تعاظم قوة حماس، ضربات تتجاوز خطوط التهدئة، واستعدادات عسكرية متواصلة – كلها مؤشرات على أن البيئة تُهيّأ لجولة جديدة.


في هذا السياق، ومع تصاعد الحديث عن تحركات نيكولاي ميلادينوف ولقاءاته مع حركة حماس في إطار نقاشات تتعلق بملف نزع السلاح، يلاحظ تزايد تركيز وسائل الإعلام الإسرائيلية على ما تصفه بـ“تعاظم قدرات حماس” وضرورة تفكيك بنيتها العسكرية.

ويبدو أن هذا التركيز المتجدد على ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن الاعتبارات السياسية المحيطة، وقد يعكس – في جزء منه – تمهيداً لمرحلة ضغط جديدة على القطاع.


هذا التوازي بين المسار السياسي والخطاب الإعلامي لا يبدو عفوياً، بل يعكس محاولة لتهيئة بيئة ضغط مزدوجة: تفاوضية من جهة، وتحريضية من جهة أخرى، بما يعزز سردية مفادها أن أي تهدئة مستقبلية يجب أن تمر عبر شروط صارمة، في مقدمتها نزع السلاح.


لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه السياسة لا تنفصل عن الواقع الإنساني الكارثي في القطاع. فاستمرار القصف، وسقوط المدنيين، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، لم يعد مجرد “أثر جانبي” للحرب، بل جزء من معادلتها. بمعنى آخر: الضغط على المجتمع المدني يتحول إلى أداة ضمن إدارة الصراع.


وهنا تتقاطع السياسة مع ما يمكن وصفه بوضوح بأنه استخدام ممنهج للتجويع والتدمير كوسيلة ضغط، فالحرب على غزة لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل بنية متكاملة من السيطرة والإخضاع تُدار تحت غطاء أمني، لكنها تحمل أبعادًا أعمق بكثير.


في هذا السياق، لا تبدو الحرب حدثاً طارئاً، بل جزءاً من نمط حكم يعتمد على الأزمات المستمرة. قد تنجح واشنطن في فرض تهدئة مؤقتة هنا أو هناك، وقد تُفتح قنوات تفاوض مع إيران، وقد تستمر الجبهة اللبنانية ضمن حدودها الحالية. لكن ذلك كله لا يغيّر الحقيقة الأساسية: هناك من لا يستطيع تحمّل نهاية الحرب.


بالنسبة لنتنياهو، نهاية الحرب تعني العودة إلى الداخل: إلى الأسئلة المؤجلة، والإخفاقات غير المحسومة، والتوازنات السياسية الهشة. لذلك، فإن استمرار الحرب – بأي شكل، وفي أي جبهة – يصبح خياراً مفضلاً.

من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستتجدد، بل: أين، ومتى، وبأي ذريعة؟ وفي ظل هذا المنطق، تبدو غزة المرشحة الدائمة لدفع الثمن. بهذا المعنى، لا تكون الهدنة نقيض الحرب، بل أحد أشكالها المؤقتة.