فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

التراث الإنساني في مرمى النيران: غارات إسرائيلية تهدد المواقع الأثرية في لبنان

تصاعدت المخاوف الدولية والمحلية على مصير التراث الإنساني في لبنان، عقب سلسلة من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت محيط المعالم الأثرية في مدينة صور. وتعد هذه المدينة من أقدم الحواضر المأهولة في العالم، وهي مدرجة رسمياً على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن إحدى الضربات العنيفة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منازل تقع ضمن مناطق تاريخية محمية، مما ألحق أضراراً مباشرة وغير مباشرة بالبنية الأثرية. وتأتي هذه الاعتداءات في وقت يفترض فيه أن تتمتع هذه المواقع بحماية قانونية دولية مشددة تحظر المساس بها تحت أي ظرف عسكري.

وكانت منظمة اليونسكو قد أعلنت في وقت سابق عن منح 39 موقعاً ثقافياً في لبنان صفة 'الحماية المعززة المؤقتة' استجابة لطلبات رسمية عاجلة. وتشمل هذه القائمة معالم بارزة في بعلبك وصور، بالإضافة إلى المتحف الوطني في بيروت وموقع جبيل الأثري الذي يعود تاريخه لنحو 8 آلاف عام.

وفي تفاصيل الاعتداءات، شهد موقع 'البص' الأثري في صور دماراً طال قطعاً أثرية مستخرجة حديثاً نتيجة استهداف منزل مجاور، كما تضررت منشآت تعود للحقبة البيزنطية. ونددت وزارة الثقافة اللبنانية بهذا السلوك، واصفة إياه بالعدوان الممنهج على الموروث الثقافي والحضاري الذي يمثل ذاكرة الشعوب.

وتحتضن مدينة صور معالم فريدة مثل ميدان سباق الخيل الروماني 'الهيبودروم'، الذي يعد من بين الأكبر والأفضل حالاً في العالم الروماني القديم. كما تضم 'قوس النصر' الشهير الذي يمثل مدخلاً احتفالياً للمدينة يعود لفترة الإمبراطور هادريان، مما يجعل استهدافها خسارة لا تعوض للتاريخ البشري.

من جانبه، أكد علوان شرف الدين، نائب رئيس بلدية صور أن المدينة تعرضت لاعتداءات متكررة منذ احتلال عام 1982، مشيراً إلى أن الاحتلال لا يكتفي بالتدمير بل يمتد نشاطه للسرقة. وأوضح أن هناك شواهد تاريخية على نقل توابيت حجرية وكنوز ذهبية من المنطقة إلى داخل الأراضي المحتلة خلال فترات سابقة.

وأشار شرف الدين إلى وجود محاولات إسرائيلية لطمس الهوية اللبنانية عبر ادعاءات باطلة حول تبعية بعض المواقع التاريخية، مثل قلعة شمع. وتعرضت هذه القلعة التي تعود للعصور الوسطى لاستهداف مباشر أدى لتضرر أجزاء واسعة منها، في إطار سياسة تدمير المعالم الدفاعية والتاريخية.

وتخضع هذه المواقع لاتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تلزم الأطراف المتنازعة بحماية الممتلكات الثقافية وعدم استخدامها لأغراض عسكرية. ومع ذلك، تشير الوقائع الميدانية إلى تجاهل تام لهذه القوانين، حيث تسقط القذائف والصواريخ على مسافات قريبة جداً من الأعمدة الرومانية والأسوار التاريخية.

وعلى الصعيد الإنساني، تسببت الهجمات في موجة نزوح واسعة، حيث استقبلت مدينة صور آلاف النازحين قبل أن تصبح هي نفسها هدفاً للغارات المكثفة. وفي إحدى المجازر الأخيرة، استهدف الاحتلال حياً سكنياً قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النار، مما أدى لاستشهاد 23 شخصاً تحت الأنقاض.

وتستمر عمليات البحث والإنقاذ في المناطق المستهدفة وسط صعوبات بالغة، بينما يواصل المسؤولون اللبنانيون توجيه نداءات استغاثة للمنظمات الدولية. ويرى مراقبون أن الصمت الدولي تجاه تدمير الآثار يشجع الاحتلال على الاستمرار في سياسة 'الأرض المحروقة' التي لا تستثني البشر ولا الحجر.

إن المواقع الأثرية في صور ليست مجرد مزارات سياحية، بل هي رموز حضارية تعاقبت عليها شعوب فينيقية وهلنستية ورومانية وإسلامية. وتدمير هذه المعالم يعني محو طبقات من التاريخ الإنساني الذي ساهم في تشكيل وعي المنطقة والعالم على مر العصور.

وفي بعلبك، يواجه مجمع المعابد الرومانية الضخم خطراً مماثلاً، حيث تهتز الأرض تحت وطأة الانفجارات القريبة، مما يهدد بانهيار الهياكل الحجرية الحساسة. وتعتبر هذه المعابد من أرقى نماذج العمارة الإمبراطورية الرومانية التي بقيت صامدة لآلاف السنين قبل هذا التصعيد.

المتحف الوطني في بيروت، الذي يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، وضع هو الآخر تحت الحماية المعززة خشية تعرضه لأي اعتداء مباشر أو غير مباشر. وتوثق مقتنيات هذا المتحف تاريخ المنطقة منذ العصر الحجري وصولاً إلى العصور المملوكية، مما يجعله كنزاً وطنياً وعالمياً.

ختاماً، يبقى التراث اللبناني رهينة للتطورات الميدانية، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاقات وقف إطلاق النار. وتظل المطالبات قائمة بضرورة وجود آليات دولية فاعلة لمحاسبة المسؤولين عن تدمير الإرث الثقافي العالمي وضمان عدم تكرار هذه الجرائم الحضارية.

عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي في سانت بطرسبرغ: دبلوماسية 'ميناب 168' تبحث في روسيا مقترحات التهدئة

حطت طائرة وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، فجر اليوم الإثنين في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، وهي المحطة الأخيرة في جولة دبلوماسية مكثفة. وقد أظهرت الصور الرسمية وصول الوزير على متن الرحلة التي حملت الرمز 'ميناب 168'، في خطوة تحمل دلالات سياسية وإنسانية مرتبطة بالتصعيد العسكري الأخير في المنطقة. وكان في استقبال الوفد الإيراني عدد من المسؤولين الروس، تمهيداً لسلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى.

تأتي تسمية الرحلة بـ 'ميناب 168' كإجراء تكريمي لذكرى 168 طالبة سقطن ضحية هجوم استهدف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب التابعة لمحافظة هرمزغان. ووقع هذا الهجوم في اليوم الأول من العمليات العسكرية التي انطلقت في أواخر فبراير الماضي، مما جعل من هذا الرقم رمزاً وطنياً في الخطاب الدبلوماسي الإيراني الحالي. وسبق لوفود إيرانية أن حملت مقتنيات رمزية للضحايا خلال زيارات دولية سابقة للتأكيد على حجم الخسائر البشرية.

من المقرر أن يجتمع رئيس الدبلوماسية الإيرانية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما أكدته مصادر رسمية وإعلامية في طهران وموسكو. وأوضح المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف أن بوتين يعتزم إجراء محادثات مباشرة مع عراقجي تتناول الملفات الساخنة. وتهدف هذه المباحثات إلى تنسيق المواقف بين الحليفين في ظل الضغوط الدولية المتزايدة والتحركات العسكرية في الممرات المائية الحيوية.

تأتي هذه الزيارة في وقت حساس تسعى فيه أطراف دولية وإقليمية لإنعاش قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن لتجنب انفجار شامل. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن إيران قد طرحت مقترحاً جديداً يتضمن استعدادها لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وإنهاء العمليات القتالية. ويشترط المقترح الإيراني في المقابل تأجيل المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي، وهو ما يمثل مقاربة جديدة في إدارة الأزمة.

قبل وصوله إلى الأراضي الروسية، أجرى عراقجي زيارة ثانية إلى العاصمة الباكستانية إسلام أباد خلال عطلة نهاية الأسبوع. وتلعب باكستان دوراً محورياً في قيادة جهود الوساطة بين الجانبين الإيراني والأمريكي، حيث تسعى لتقريب وجهات النظر ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة كبرى. وقد عرض الوزير الإيراني على المسؤولين الباكستانيين آخر مستجدات الرؤية الإيرانية للحل السياسي.

شملت الجولة الدبلوماسية أيضاً سلطنة عُمان، التي تُعرف تاريخياً بدورها كقناة خلفية موثوقة للمفاوضات بين طهران والغرب. وبحث عراقجي في مسقط آفاق التهدئة وفرص نجاح المقترحات الأخيرة التي تهدف إلى خفض التصعيد الميداني. وتعكس هذه التحركات رغبة إيرانية في حشد دعم إقليمي ودولي للمبادرة الجديدة قبل طرحها بشكل نهائي على طاولة القرار الدولي.

على الصعيد الأمريكي، تزامنت تحركات عراقجي مع تطورات لافتة في واشنطن، حيث أُلغيت زيارة كانت مقررة لمبعوثي الرئيس دونالد ترمب إلى المنطقة. وكان من المتوقع أن يجري ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر جولة استطلاعية لبحث ملفات الصراع، إلا أن إلغاء الزيارة أثار تساؤلات حول طبيعة الموقف الأمريكي الحالي. ويرى مراقبون أن هذا الإلغاء قد يعكس تعقيداً في مسار التفاوض غير المباشر.

صرح عراقجي لوسائل إعلام رسمية بأن محادثاته في روسيا لن تقتصر على الجوانب الثنائية فحسب، بل ستعمق النقاش في القضايا الإقليمية المعقدة. وأكد أن الصراع مع الولايات المتحدة وتداعياته على أمن الطاقة والملاحة الدولية سيكون حاضراً بقوة على طاولة البحث مع القيادة الروسية. وتسعى طهران للحصول على ضمانات أو دعم سياسي من موسكو لتعزيز موقفها التفاوضي في المرحلة المقبلة.

تراقب العواصم الكبرى نتائج هذه الجولة الدبلوماسية، خاصة مع اقتراب مواعيد نهائية تتعلق بملفات الأمن الإقليمي. ويمثل التنسيق الإيراني الروسي في سانت بطرسبرغ حلقة هامة في صياغة المشهد القادم، سواء باتجاه التهدئة أو الاستمرار في سياسة حافة الهاوية. وتبقى الرموز التي حملتها رحلة 'ميناب 168' رسالة سياسية واضحة من طهران للعالم حول تكلفتها البشرية في هذا الصراع.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي في لبنان: شهيد في القليلة ومسيرات تخترق أجواء الجبل

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، حيث شنت طائراتها المسيرة غارة صباح اليوم الإثنين استهدفت بلدة القليلة في القطاع الغربي للجنوب. وأفادت مصادر طبية وميدانية بأن الغارة أسفرت عن ارتقاء شهيد ووقوع عدد من الإصابات بين المواطنين، في تصعيد جديد يهدد استقرار الهدنة الهشة.

وفي تطور لافت، تجاوزت الخروقات الجوية مناطق العمليات العسكرية المباشرة لتصل إلى عمق جبل لبنان، حيث رُصد تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية على علو منخفض. وشمل التحليق أجواء مناطق عرمون وبشامون والشويفات، مما أثار حالة من القلق بين السكان في تلك المناطق التي بقيت بعيدة نسبياً عن الاستهداف المباشر خلال الأيام الماضية.

ميدانياً في الجنوب، شنت طائرات الاحتلال غارة فجر اليوم استهدفت مدخل بلدة كفرا الواقعة في قضاء بنت جبيل، مما أدى إلى تدمير جزئي في البنية التحتية وقطع الطريق الرئيسي المؤدي إليها. وتزامن هذا القصف مع تحليق جوي مكثف لم ينقطع فوق قرى القضاء، في محاولة لفرض واقع أمني جديد ومنع التحركات المدنية.

وتأتي هذه التطورات بعد يوم دامي وصف بأنه الأعنف منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن استشهاد 14 شخصاً وإصابة 37 آخرين جراء الغارات الإسرائيلية يوم الأحد. وشملت الاستهدافات مناطق متفرقة في الجنوب، مما رفع منسوب التوتر الميداني إلى مستويات غير مسبوقة منذ عشرة أيام.

وأفادت مصادر ميدانية بأن وتيرة التصعيد شهدت تراجعاً نسبياً في ساعات الصباح الأولى من اليوم الإثنين مقارنة بيوم أمس، إلا أن الحذر الشديد لا يزال يخيم على المنطقة. وكان يوم الأحد قد شهد ذروة التوتر الميداني، حيث كثف الاحتلال من غاراته وقصفه المدفعي على طول الخط الحدودي.

وعلى صعيد حركة النزوح، سجلت المصادر أكبر موجة نزوح عكسي يوم أمس الأحد، حيث اضطر آلاف المواطنين الذين عادوا مؤخراً إلى قراهم لمغادرتها مجدداً. وشهدت الطرقات المؤدية من النبطية وصور والقطاع الأوسط باتجاه صيدا ازدحاماً خانقاً امتد لعدة كيلومترات نتيجة الخوف من تجدد القصف الواسع.

وفي المقابل، عادت الحركة المرورية إلى طبيعتها تدريجياً اليوم الإثنين، مع وجود توازن نسبي بين حركة الدخول والخروج من القرى الجنوبية. ويحاول السكان استغلال فترات الهدوء الحذر لتفقد ممتلكاتهم، رغم المخاطر المحدقة جراء استمرار التحليق الجوي الإسرائيلي والتهديدات المتواصلة.

من جانبه، نفذ حزب الله يوم أمس خمس عمليات عسكرية استهدفت مواقع وتجمعات لقوات الاحتلال، رداً على الخروقات المستمرة. وشملت العمليات هجوماً مزدوجاً في بلدة الطيبة، بالإضافة إلى تدمير دبابة ميركافا باستخدام المسيرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة في أحد أكثر المحاور سخونة.

وتشير التقارير إلى أن جيش الاحتلال يتبع سياسة تدمير ممنهج في القرى الحدودية، حيث يقوم بتفجير مربعات سكنية كاملة في عدة بلدات. وتهدف هذه العمليات إلى مسح معالم القرى القريبة من الخط الأزرق وتحويلها إلى مناطق عازلة غير قابلة للحياة، وهو ما يمثل خرقاً فاضحاً للتفاهمات الدولية.

وفي الجانب الآخر من الحدود، دوت صفارات الإنذار مرتين في مناطق واسعة من الجليل الغربي اليوم الإثنين، نتيجة الاشتباه بتسلل طائرات مسيرة من لبنان. وشملت الإنذارات في المرة الثانية تسع مناطق استيطانية، بعضها يبعد أكثر من 8 كيلومترات عن الحدود، مما استدعى استنفاراً في منظومات الدفاع الجوي.

ويفرض الجيش الإسرائيلي قيوداً مشددة على حركة المستوطنين في بلدات الشمال ضمن ما يسمى بـ 'خط المواجهة'، تحسباً لأي ردود فعل ميدانية. وتعيش هذه المناطق حالة من التأهب الدائم في ظل عدم وضوح الرؤية السياسية بشأن استمرارية اتفاق وقف إطلاق النار الحالي.

ويرى مراقبون أن هناك قواعد اشتباك جديدة وغير معلنة بدأت تتبلور على الأرض بين الطرفين خلال هذه الفترة الانتقالية. فبينما يحاول الاحتلال فرض شروط أمنية جديدة عبر القوة، ترد المقاومة بعمليات موضعية للحفاظ على توازن الردع ومنع التوغل البري الإضافي.

وتبقى الطائرات المسيرة التحدي الأكبر الذي يواجه منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، رغم الإعلانات المتكررة عن اعتراض بعضها. وتكشف الهجمات المستمرة على القوات المتوغلة في الجنوب اللبناني عن ثغرات واضحة في قدرة الاحتلال على حماية جنوده وآلياته من سلاح الجو المسير التابع للمقاومة.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

الماكينات تموت بصمت.. كيف يشل نقص الزيوت وقطع الغيار عصب الحياة في غزة؟

في زوايا مستشفيات قطاع غزة المظلمة، تصارع المولدات الكهربائية المتهالكة للبقاء على قيد الحياة، حيث لم يعد صوت ضجيجها مجرد إزعاج ميكانيكي، بل بات يمثل نبض الإنعاش لآلاف المرضى. هذه الماكينات التي تعمل كأجهزة تنفس صناعي للمنظومة الصحية، تواجه اليوم خطر التوقف النهائي نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الزيوت المعدنية وقطع الغيار الأساسية.

تتجاوز الأزمة حدود الميكانيكا لتتحول إلى 'إبادة تقنية' صامتة، حيث يتسلل الموت عبر تروس مكسورة لا تجد بديلاً، أو لترات زيت مغشوشة أهلكت ما تبقى من محركات. لم تعد هذه المواد مجرد سلع تجارية عادية، بل تحولت إلى محددات رئيسية للبقاء في ظل حصار يطبق خناقه على كافة أوردة الحياة والإنتاج في القطاع.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن المولدات الكهربائية تحولت بفعل انقطاع التيار الشامل إلى العمود الفقري للاقتصاد الغزي المنهار. إن أي نقص في هذه المستلزمات يعني شللاً فورياً يصيب المخابز، ومحطات تحلية المياه، وشبكات الاتصالات، مما يحول قطعة غيار صغيرة إلى مفتاح لأزمة اقتصاد كلي تضرب القطاع المنهك أصلاً.

ويواجه الاقتصاد في غزة موتاً بطيئاً مع تآكل القدرة الإنتاجية وسلاسل التوريد، وهو ما يكبد القطاع خسائر يومية تقدر بملايين الدولارات. هذا التدهور أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، حيث توقفت عجلة الإنتاج في المصانع التي كانت تغطي جزءاً من احتياجات السوق المحلي قبل الأزمة.

على الصعيد الطبي، يصف المسؤولون الصحيون المولدات بأنها الشريان الرئيسي الذي يغذي أقسام العناية المكثفة وحضانات الأطفال ووحدات غسيل الكلى. وقد كشفت مصادر طبية أن الاحتلال دمر أكثر من نصف المولدات الرئيسية، بينما تعمل المولدات المتبقية منذ ثلاث سنوات دون صيانة حقيقية، مما يجعلها قنابل موقوتة قد تتوقف في أي لحظة.

واضطرت المستشفيات لاعتماد إجراءات تقشفية قاسية، شملت إطفاء الكهرباء عن أقسام غير حيوية لضمان استمرار العمل في غرف العمليات والعناية المركزة. هذا العجز التقني امتد ليشمل الأجهزة التشخيصية، حيث تفتقر غزة اليوم لجهاز رنين مغناطيسي واحد يعمل، بينما تعاني أجهزة الأشعة من تهالك شديد وغياب لقطع الغيار.

وتؤكد مصادر مسؤولة في وزارة الصحة أن المشكلة ليست تمويلية بل هي سياسية بحتة يفرضها الاحتلال كأداة ضغط. هناك قطع غيار تم شراؤها بتمويل دولي وهي محتجزة في مخازن بالقدس والضفة الغربية منذ أكثر من عامين، حيث يرفض الاحتلال السماح بدخولها دون إبداء أسباب قانونية واضحة.

وحذرت الجهات الهندسية من أن المنظومة التقنية دخلت مرحلة الخطر الشديد، خاصة وأن كميات الزيوت التي سُمح بدخولها مؤخراً تحت الضغط الدولي لا تكفي لسد الاحتياج لأكثر من شهر. كما أن استمرار منع دخول 'الفلاتر' يمنع إجراء أي صيانة حقيقية للمحركات، مما يسرع من وتيرة تلفها النهائي.

وفي الشوارع، يروي السائقون قصصاً مأساوية عن البحث عن 'سولار صناعي' أو زيوت مستخدمة ومعاد تدويرها للحفاظ على مركباتهم. لقد تسبب استخدام الزيوت المغشوشة والمحروقة في تدمير مئات المحركات، في وقت تجاوز فيه سعر لتر الزيت الجديد حاجز الألف شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة السائقين الشرائية.

ويلجأ السائقون إلى حلول بدائية وخطيرة لتشغيل مركباتهم، مثل 'التعشيق' اليدوي بسبب تلف البطاريات، أو خلط أنواع رديئة من الوقود. هذه الحلول وإن كانت تضمن استمرار العمل ليوم واحد، إلا أنها تؤدي إلى تهالك متسارع في المركبات، مما يعني فقدان السائقين لوسيلة رزقهم الوحيدة في نهاية المطاف.

الحصار التكنولوجي يهدف بوضوح إلى تدمير ديمومة الحياة واستهداف القطاع الصناعي بشكل مباشر عبر تعطيل سلاسل الإمداد. البدائل المحلية مثل الطاقة الشمسية تظل حلولاً ترقيعية، فهي غير قادرة على تشغيل الماكينات الثقيلة أو المصانع الكبرى، مما يجعل غزة منطقة غير صالحة للإنتاج الصناعي.

ولا تتوقف آثار نقص قطع الغيار عند الماكينات، بل تمتد لتخلق بيئة موبوءة تهدد حياة النازحين في الخيام. توقف مضخات الصرف الصحي ومعدات نقل النفايات الصلبة أدى إلى انتشار المياه العادمة وتراكم الأطنان من القمامة، مما حول مراكز الإيواء إلى بؤر خصبة للأوبئة والأمراض المعدية.

إن ما يحدث في غزة هو حصار ميكانيكي مدروس يهدف لتجريد الإنسان من أدوات إنتاجه وسبل بقائه الأساسية. قطعة الغيار التي يمنعها الاحتلال ليست مجرد قطعة حديد صماء، بل هي حق في الحياة والعلاج والعمل، وغيابها يعني حكماً بالإعدام على قطاعات حيوية كاملة تعتمد عليها حياة الملايين.

بينما يحاول العالم تجاهل أنين الماكينات في غزة، تظل الأزمة مرشحة للانفجار الشامل مع توقف آخر المولدات عن العمل. إن غزة لا تحتاج فقط للمساعدات الإغاثية، بل تحتاج إلى إطلاق سراح معداتها وزيوتها لتستعيد قدرتها على التنفس، قبل أن يطبق صدأ الحصار على ما تبقى من أوردة الحياة فيها.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

السفير عرفة يطلع المفوض الفدرالي لحقوق الإنسان على التصعيد الخطير في فلسطين

أطلع سفير دولة فلسطين ليث عرفة، المفوض الفدرالي لحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية في وزارة الخارجية الألمانية، النائب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لارس كاستيلوشي، على التطورات الخطيرة في فلسطين، في ظل تصعيد العدوان الاسرائيلي على شعبنا واستمرار الكارثة الإنسانية.

واستعرض عرفة خلال اللقاء الذي عقد في وزارة الخارجية الالمانية عمليات القتل المستمرة والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.

 كما تناول اللقاء التصعيد في إرهاب المستوطنين، وسياسات الضم والتوسع الاستيطاني، إضافة إلى التعديات الخطيرة على الأماكن المقدسة في القدس، وقانون إعدام الأسرى، والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى، بما في ذلك القتل والتعذيب والظروف اللاإنسانية داخل السجون.

وأعرب عرفة عن تقديره لمواقف كاستيلوتشي العلنية والواضحة تجاه هذه القضايا، ومواقف الحكومة الالمانية ازاء الاستيطان والضم وجرائم المستوطنين، مؤكدًا ضرورة ترجمة هذه المواقف الى خطوات عملية وملموسة لوقف هذا العدوان الخطير، وبما يعكس تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته تجاه ما يرتكبه الاحتلال الاسرائيلي من جرائم في فلسطين.

أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

ذلك العشاء.. تلك الأمسية!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

انفض العشاء قبل أن يبدأ، على وقع  طلقاتٍ بجوار القاعة المعدة للمناسبة السنوية، تلك التي قاطعها ترمب في ولايته الأولى، بينما فوجئ الصحفيون المعتمدون في البيت الأبيض بقرار حضوره المفاجئ لهذه المناسبة، التي دأبت جمعية مراسلي البيت الأبيض على تنظيمها منذ عقود.
ما يميز هذه المناسبة أنها توفر فرصةً نادرةً للصحفيين للقاء الرؤساء الأمريكيين، في أجواءٍ بعيدةٍ عن رتابة البروتوكول، وتُقرّبهم منهم إلى "المسافة صفر"، في مناخٍ تتخلله القفشات والتعليقات الساخرة والرسائل السياسية المبطّنة.
ففي تلك المسافة يصبح كلم "القفشات" أنكى من كلم المقالات.
وبعيداً عن ملابسات الواقعة التي تثار حولها "نظرية المؤامرة"، لجهة إعفاء ترمب من حرج الاشتباك مع ألسنة الصحفيين  وتعليقاتهم الساخرة، شهدت ولاية أوباما انفتاحاً على الصحافة، حتى أن أحد الكوميديين قال له ساخراً: "وعملتها يا زنجي"، فيما أبدى أوباما سخريةً علنيةً من قطب العقارات وصاحب الصفقات آنذاك المليونير المعروف دونالد ترمب قائلاً: "سمعت نكتة؛ بأن دونالد ترمب يعتزم الترشح  للرئاسة". أما بوش الابن، فقد كان ذا شخصيةٍ مرحة، إذ طفق يبحث تحت موائد الصحفيين عن أسلحة الدمار الشامل التي تذرّع بها لغزو العراق.
ولئن أفقدت واقعة "الطلقات" الصحفيين والمشاهير شهية الطعام في تلك الأمسية، لكنها لن تفقدهم شهية السخرية من الرئيس "المتقلب" و"صاحب الذات المتضخمة"، الذي هبط بالدولة العظمى ومؤسساتها العريقة إلى مستوى أداء دول العالم الثالث.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات المحلية 2026.. اتساع حضور العائلية وتراجع الأحزاب السياسية

د. طالب عوض: استعادة الحياة الديمقراطية الكاملة تتطلب انتخابات عامة تشمل الضفة والقدس والقطاع باعتبارها حقاً سياسياً لا يجوز استمرار تعطيله
عارف جفال: النتائج كشفت تنامي الحضور العائلي داخل المنافسة الانتخابية على حساب العمل الحزبي المنظم إذ تدنت المشاركة الحزبية إلى 12 بالمائة
د. أحمد رفيق عوض: مجرد تنظيم الانتخابات في ظروف سياسية معقدة يعد مؤشراً مهماً على تمسك الفلسطينيين بالمسار الديمقراطي رغم التحديات
خليل شاهين: اشتراط الالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها أدى لإعادة تعريف من يحق له الانخراط بالمجال العام وهذا النهج قد يمتد إلى الانتخابات العامة
د. عمر رحال: نسبة المشاركة لا تعكس بالضرورة حيوية ديمقراطية كاملة في ظل اتساع ظاهرة التزكية التي أفقدت الانتخابات جوهرها
جهاد حرب: 47% من الهيئات كانت بالتزكية ما أدى لغياب التنافس الانتخابي ومنح النخب السياسية والعائلية دوراً بمصادرة حق المواطنين بانتخاب ممثليهم


رام الله - خاص "القدس"-

تشكل الانتخابات المحلية التي جرت في الضفة الغربية وفي دير البلح بقطاع غزة محطة مهمة في المسار الديمقراطي الفلسطيني، إذ عكست إصراراً شعبياً على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة، وسط آمال أن تشكل مدخلاً لإجراء الانتخابات العامة.
 ويوضح خبراء في الانتخابات وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذه الانتخابات جرت في سياق قانون جديد يطبق لأول مرة حمل تعديلات جوهرية على نظام الاقتراع، حيث تم الانتقال إلى نظامين انتخابيين مختلفين بين المجالس البلدية والقروية، في محاولة لإعادة تشكيل آليات التمثيل المحلي وتعزيز المشاركة.
ويشيرون إلى أنه في المقابل، أظهرت النتائج اتساع حضور البعد الاجتماعي والعائلي في تشكيل القوائم الانتخابية، مقابل تراجع واضح في دور الأحزاب السياسية المنظمة، حيث لم تتجاوز القوائم الحزبية نسبة محدودة من مجمل المشاركات. وبحسب الخبراء والكتاب، فقد برزت ظاهرة التزكية في عدد كبير من الهيئات المحلية، ما حدّ من حجم التنافس الانتخابي الفعلي، إلى جانب تفاوت نسب المشاركة بين المدن والمناطق الريفية، حيث ارتفعت في بعض القرى مقابل تراجعها في مدن رئيسية.
ويلفتون إلى أن إجراء الانتخابات المحلية، رغم أهميته، لا يزال غير كافٍ، في ظل استمرار غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية وتعطل المسار الديمقراطي العام، ويطرح ذلك مجدداً الحاجة إلى استحقاق وطني شامل يضم الضفة الغربي، بما فيها القدس، وقطاع غزة، بما يضمن إعادة تجديد الشرعيات السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية على أسس أكثر شمولاً وتنافسية.


محطة مهمة في الحياة السياسية

يعتبر رئيس مجلس إدارة مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات والخبير الإقليمي في شؤون الانتخابات د.طالب عوض أن الانتخابات المحلية للعام 2026 في الضفة الغربية ودير البلح في قطاع غزة شكلت محطة مهمة في الحياة السياسية الفلسطينية، مؤكداً أنها أعادت التأكيد على أهمية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي أحاطت بإجرائها.
وبحسب عوض، فإن إجراء الانتخابات المحلية يأتي ضمن مسار شبه دوري شهدته الأراضي الفلسطينية منذ عام 2005، حين أجريت أول انتخابات محلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، تلتها جولات أخرى في أعوام 2012 و2017 و2021-2022 في الضفة الغربية فقط، وصولاً إلى الانتخابات التي جرت السبت، والتي تميزت هذه المرة بصدور قانون جديد للانتخابات المحلية حمل تعديلات جوهرية على النظام الانتخابي.

القانون الجديد والتحول في آلية الاقتراع


ويوضح عوض أن القانون رقم 23 لسنة 2025 أحدث تغييراً واضحاً في آلية الاقتراع، إذ انتقل من نظام التمثيل النسبي بالقائمة المغلقة إلى نظامين مختلفين؛ أحدهما للمجالس القروية وفق نظام الأغلبية، والآخر للمجالس البلدية وفق نظام التمثيل النسبي بالقائمة المفتوحة، بحيث يمنح الناخب في البلديات حق اختيار قائمة انتخابية ثم اختيار خمسة مرشحين من داخلها، فيما يختار في المجالس القروية خمسة مرشحين أو أقل.
ويشير عوض إلى أن الفترة الزمنية القصيرة بين إقرار القانون وتنفيذ الانتخابات أثارت نقاشات واسعة، خصوصاً بشأن ما عرف بـ"الشرط السياسي" الوارد في المادتين 16 و19، الذي ألزم المرشحين بالإقرار بالالتزام بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، مبيناً أن هذا الشرط كان محل تحفظ لدى بعض القوى، إلا أنه لم تصدر دعوات رسمية لمقاطعة الانتخابات، ما سمح بمشاركة غالبية القوى بصورة مباشرة أو غير معلنة.

نسب تصويت مكررة للسنوات السابقة

وفي تقييمه لسير العملية، يؤكد عوض أن نسبة المشاركة جاءت قريبة من نسب الانتخابات السابقة، رغم التراجع النسبي في بعض المدن، مثل البيرة والخليل، إلى جانب غياب الانتخابات في رام الله ونابلس، وعدم تقدم أي قائمة انتخابية في قلقيلية.
ويلفت عوض إلى وجود بعض التجاوزات المرتبطة باستمرار الدعاية الانتخابية عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى يوم الاقتراع، إضافة إلى بعض مظاهر التجمع أمام مراكز التصويت، لكنه يشدد على أن هذه الخروقات لم تمس جوهر النتائج النهائية.

تمسك الفلسطينيين بحقهم الديمقراطي

ويرى عوض أن المشاركة الواسعة في الانتخابات المحلية تمثل رسالة واضحة بتمسك الفلسطينيين بحقهم الديمقراطي، داعياً إلى البناء على هذه التجربة للدفع نحو إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية المؤجلة منذ عامي 2005 و2006.
ويعتبر عوض أن استعادة الحياة الديمقراطية الكاملة تتطلب انتخابات عامة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، باعتبارها حقاً سياسياً لا يجوز استمرار تعطيله.

إرباك لدى العاملين بإدارة العملية الانتخابية

يرى مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات عارف جفال أن إجراء الانتخابات المحلية شكّل خطوة مهمة في مسار الحياة الديمقراطية الفلسطينية، مشيداً بنجاح العملية الانتخابية من الناحية التنظيمية، وبجهود طواقم لجنة الانتخابات المركزية وجميع الجهات التي ساهمت في إنجازها بصورة سلمية، رغم ما رافقها من تحديات قانونية وإجرائية أثرت على سيرها منذ البداية.
ويوضح جفال أن الفترة الزمنية التي أُتيحت بين إقرار التعديلات القانونية الخاصة بالانتخابات وبين موعد الاقتراع كانت قصيرة، ما خلق حالة من الإرباك لدى العاملين في إدارة العملية الانتخابية.
ويعتبر جفال أن التعديلات التي أُدخلت على القانون لم تحقق النتائج التي كانت تتوقعها الأطراف التي دفعت باتجاهها، بل أفرزت تعقيدات كان يمكن تجنبها لو أُعطي وقت أطول للتحضير، مشيراً إلى وجود قناعة متزايدة بضرورة مراجعة هذه التعديلات بعد انتهاء الانتخابات.

تنامي الحضور العائلي وتراجع الأحزاب

ويرى جفال أن أبرز ما كشفت عنه النتائج هو تنامي الحضور العائلي داخل المنافسة الانتخابية على حساب العمل الحزبي المنظم، مبيناً أن نظام التمثيل النسبي الذي صُمم أساساً لتعزيز حضور الأحزاب، استثمرته العائلات بصورة أكبر من القوى السياسية نفسها، حتى إن بعض القوائم التي حملت طابعاً سياسياً ظهرت في جوهرها باعتبارها امتداداً لتحالفات عائلية أكثر من كونها برامج حزبية واضحة.
ويشير إلى أن مظاهر الدعاية الانتخابية عكست هذا التحول، إذ انتقلت الأنشطة الانتخابية من الفضاءات المدنية إلى الدواوين العائلية، وهو يعد مؤشراً على تراجع الأحزاب عن دورها الطبيعي كمرجعية سياسية للمجتمع، مقابل ازدياد تأثير العشائر في تشكيل القوائم واختيار المرشحين، وهو أمر بات أكثر وضوحاً في البلديات، وليس فقط في المجالس القروية كما كان سائداً في السابق.
ويبيّن جفال أن نسبة القوائم ذات الطابع الحزبي شهدت تراجعاً مستمراً خلال السنوات الماضية، موضحاً أنها انخفضت من نحو 70% في انتخابات عام 2005، إلى نحو 12% فقط في العام 2026، وهو مؤشر خطير على تراجع الثقافة السياسية لصالح الحسابات الاجتماعية الضيقة.

خروقات ضمن النسب الاعتيادية

وفيما يتعلق بسير يوم الاقتراع، يؤكد جفال أن الخروقات التي رُصدت لم تصل إلى مستوى التأثير المباشر في نتائج مراكز الاقتراع، لكنها شملت استمرار الدعاية الانتخابية في محيط المراكز وحتى داخل بعضها، إلى جانب تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على الناخبين، فضلاً عن تزايد "ادعاء الأمية السياسية" للحصول على مرافقة داخل القاعات، داعياً إلى تطوير آليات أكثر صرامة لضبط هذه الظواهر مستقبلاً.
ويؤكد جفال أن نسبة المشاركة التي فاقت التوقعات حملت دلالة واضحة على استمرار رغبة الفلسطينيين في ممارسة حقهم الديمقراطي، معتبراً أن الانتخابات المحلية يجب أن تكون مدخلاً طبيعياً للانتقال نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية، لأن الانتخابات العامة تبقى الأساس الحقيقي لبناء نظام ديمقراطي متكامل على المستوى الوطني.

حلقة ضمن مسار سياسي أطول

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن إجراء الانتخابات المحلية يمثل استحقاقاً وطنياً وشعبياً وقانونياً، إلى جانب كونه جزءاً من متطلبات أوسع تتعلق بإعادة تنشيط النظام السياسي الفلسطيني وترميم بنيته الداخلية، في ظل حالة الجمود التي طالت المؤسسات السياسية خلال السنوات الماضية.
ويؤكد عوض أن انتخابات الهيئات المحلية لا يمكن النظر إليها باعتبارها حدثاً منفصلاً، بل هي حلقة ضمن مسار سياسي أطول يفترض أن يقود إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، بما يفتح المجال أمام تجديد المؤسسات الرسمية، وإدخال وجوه جديدة، ومنح الأجيال الشابة فرصة أكبر للمشاركة في صناعة القرار الفلسطيني، حيث إن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى عملية سياسية متجددة تدفع النظام إلى الأمام وتعيد إليه الحيوية التي فقدها خلال السنوات الأخيرة.

تعزيز المشاركة الشعبية بإدارة الحياة العامة

ويوضح عوض أن الانتخابات المحلية تحمل أهمية مباشرة للمواطنين، لأنها تسهم في تحسين مستوى المساءلة داخل الهيئات المحلية، وتمنح الناخبين فرصة تقييم الأداء واختيار ممثلين جدد قادرين على إدارة الشأن العام، مؤكداً أن هذا النوع من الاستحقاقات يشكل جزءاً أساسياً من الحراك السياسي والمجتمعي، ويعزز من مفهوم المشاركة الشعبية في إدارة الحياة العامة.
ويشير إلى أن نجاح العملية الانتخابية من حيث أنها أجريت بهدوء ومن دون أزمات كبيرة أو اتهامات تمس نزاهتها، يعكس مستوى من النضج السياسي لدى المجتمع الفلسطيني، ويؤكد قدرة المواطنين على الاحتكام إلى صناديق الاقتراع واحترام قواعد الديمقراطية، معتبراً أن مجرد تنظيم الانتخابات في ظل الظروف السياسية المعقدة يعد مؤشراً مهماً على تمسك الفلسطينيين بالمسار الديمقراطي رغم التحديات.

العشائر والقوائم المحلية صاحبة الحضور الأقوى

وفي قراءته للنتائج، يرى عوض أن الطابع العائلي كان السمة الأبرز في الانتخابات الأخيرة، موضحاً أن العشائر والقوائم المحلية كانت صاحبة الحضور الأقوى، بينما فضلت الأحزاب والفصائل السياسية البقاء في الخلفية أو الظهور بشكل غير مباشر من خلال قوائم مهنية أو عائلية.
ويعتقد عوض أن القراءة الدقيقة للنتائج يجب أن تنطلق من هذا الواقع، لأن القوى العشائرية كانت الأكثر تأثيراً في تشكيل المشهد الانتخابي، وليس الأحزاب كما قد يذهب البعض.

عوامل مهمة لإجراء الانتخابات العامة

وحول إمكانية أن تمهد الانتخابات المحلية لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، يؤكد عوض أن ذلك مرتبط بجملة من العوامل السياسية الداخلية والخارجية، إضافة إلى طبيعة المناخ العام السائد، لكنه يشير إلى وجود رغبة شعبية واضحة في استكمال هذا المسار، إلى جانب اهتمام إقليمي ودولي بدفع العملية السياسية الفلسطينية نحو مزيد من التجديد.
ويشدد عوض على أن الإقبال الشعبي على الانتخابات المحلية يعكس تعطشاً فلسطينياً للمشاركة السياسية، ورغبة حقيقية في إعادة بناء النظام السياسي على أسس أكثر تمثيلاً، بما يسمح بإشراك فئات جديدة، خصوصاً الشباب، في المؤسسات الوطنية خلال المرحلة المقبلة.

مشهد جديد.. انتخابات بالتزكية

يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن الانتخابات المحلية، التي جرت السبت، أظهرت مشهداً مغايراً، معتبراً أن ما سبق يوم الاقتراع في بعض المدن الفلسطينية عكس صورة مغايرة تماماً لما جرى تقديمه باعتباره ممارسة ديمقراطية طبيعية، ولا سيما في مدينة رام الله التي شهدت، قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع، تداول تهانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأعضاء القائمة الوحيدة التي ترشحت لبلدية المدينة، في مؤشر مبكر على فوزها بالتزكية وحرمان آلاف المواطنين من المشاركة في عملية انتخابية فعلية.
ويوضح شاهين أن هذا المشهد لم يقتصر على رام الله فقط، بل تكرر في مدن ومناطق أخرى شهدت ترشح قائمة واحدة مثل نابلس، ما أدى إلى تغييب شرائح واسعة من المجتمع، وخاصة فئة الشباب، عن المشاركة السياسية، مشيراً إلى أن التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخابات أسهمت بصورة مباشرة في تقليص مساحة التنافس، بعدما فرضت شروطاً سياسية ذات طابع إقصائي، حدّت من مشاركة قوى سياسية ومستقلين وشخصيات مجتمعية.

إعادة تعريف من يحق له الانخراط بالمجال العام

ويشير شاهين إلى أن اشتراط الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، والالتزام ببرنامجها السياسي، أدى عملياً إلى إعادة تعريف من يحق له الانخراط في المجال العام، بما في ذلك البلديات والهيئات المحلية، معتبراً أن هذا النهج لا يقتصر أثره على الانتخابات المحلية، بل قد يمتد إلى أي انتخابات تشريعية أو رئاسية أو حتى انتخابات المجلس الوطني إذا جرى تنظيمها مستقبلاً.
ويرى شاهين أن هذا الإقصاء السياسي انعكس على نسب المشاركة، موضحاً أن نسبة الاقتراع العامة التي أعلنتها لجنة الانتخابات وبلغت 56% جاءت أقل من الانتخابات السابقة، إلا أن التراجع الأوضح كان في المدن الكبرى، في وقت لم تشهد فيه مدناً أخرى اقتراعاً من الأصل بسبب التزكية، فيما سجلت 197 هيئة محلية فوز قوائم بالتزكية، في سابقة غير معهودة في التجارب الانتخابية الفلسطينية السابقة.
ويشير شاهين إلى أن ارتفاع نسب المشاركة في بعض القرى والبلدات لا يعكس بالضرورة حيوية سياسية، بل يرتبط في كثير من الحالات بتصاعد النزعة العائلية، إذ برزت تحالفات بين العائلات وأصحاب المصالح المحلية ورجال الأعمال، على حساب العمل السياسي المنظم، ما أدى إلى تراجع واضح في حضور الفصائل التي لجأ بعضها إلى الاختباء خلف القوائم العائلية بدلاً من خوض الانتخابات ببرامج سياسية واضحة.
ويبيّن شاهين أن هذا التحول يعكس فجوة متسعة بين المواطن والمؤسسات المحلية، في ظل تراجع الخدمات العامة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، واتساع الاستيطان، الأمر الذي جعل كثيراً من المواطنين يشعرون بأن الهيئات المحلية لم تعد قادرة على الاستجابة لاحتياجاتهم اليومية أو التعبير عن تطلعاتهم الوطنية.
وفي حديثه عن قطاع غزة، يعتبر شاهين أن إجراء الانتخابات في بلدية دير البلح فقط جاء في سياق منفصل عن الواقع الميداني الكارثي، لافتاً إلى أن المواطنين هناك يعيشون أزمات معيشية خانقة تجعل البحث عن الغذاء والماء والوقود أولوية تتقدم على أي استحقاق انتخابي، وهو ما انعكس على تدني نسبة المشاركة، رغم التبريرات الرسمية المرتبطة بالنزوح والظروف الميدانية.

شرعية النظام السياسي الفلسطيني

ويؤكد شاهين أن الانتخابات المحلية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعوض غياب الشرعية السياسية للمؤسسات الوطنية العليا، مشدداً على أن شرعية النظام السياسي الفلسطيني لا تُستعاد عبر انتخابات بلدية محدودة أو عبر الفوز بالتزكية، بل من خلال انتخابات عامة حرة تشمل المجلس التشريعي والرئاسة وتُجرى بمشاركة الجميع دون شروط إقصائية.
ويشدد شاهين على أن المطلوب تنظيم انتخابات حقيقية تستند إلى توافق وطني شامل، يسبقها إنهاء الانقسام الداخلي ومعالجة أزمة الثقة المتفاقمة بين الجمهور، وخاصة الشباب، وبين القيادة السياسية، بما يعيد للعملية الديمقراطية معناها الحقيقي في الحياة الفلسطينية.

حضور طاغٍ للقوائم المستقلة

يوضح الخبير في شؤون الانتخابات والكاتب والمحلل السياسي د.عمر رحال أن نتائج الانتخابات المحلية لم تحمل مفاجآت كبيرة على صعيد نسب الفوز أو التمثيل، مشيراً إلى أن القوائم المستقلة شكّلت النسبة الأكبر بواقع 88% مقابل 12% فقط للقوائم الحزبية، ما يعكس طبيعة اجتماعية وعائلية وعشائرية طاغية على المشهد الانتخابي المحلي أكثر من كونه تنافساً سياسياً بالمعنى الحزبي التقليدي.
ويلفت رحال إلى أن نسبة المشاركة التي بلغت نحو 56% تُعد مقبولة وأعلى من بعض الدورات السابقة، لكنها لا تعكس بالضرورة حيوية ديمقراطية كاملة، في ظل اتساع ظاهرة التزكية التي شملت عدداً كبيراً من الهيئات المحلية، حيث جرى حسم 42 بلدية و155 مجلساً قروياً بالتزكية، إلى جانب 4 بلديات بينها قلقيلية لم يتقدم لها أي مرشح، و36 مجلساً قروياً أيضاً لم يترشح لها أحد.

العملية الانتخابية تجربة ممتازة

ويؤكد رحال أن العملية الانتخابية جرت في أجواء هادئة ومنظمة وشفافة بإشراف لجنة الانتخابات المركزية، وهي تجربة ممتازة مقارنة بما يحدث في دول أخرى من عنف أو تزوير أو تعطيل للعملية الانتخابية، مشيراً إلى أن الناخب الفلسطيني عبّر عن إرادته بحرية نسبية ورسالة واضحة بتمسكه بالانتخابات كخيار ديمقراطي.
لكن رحال يعتبر أن الإشكالية الجوهرية تكمن في اتساع نطاق التزكية ما أفقد عملية الانتخابات جوهرها الديمقراطي، موضحاً أن 421 هيئة محلية في الضفة الغربية توزعت بين 137 مجلساً بلدياً و284 مجلساً قروياً، حيث جرت الانتخابات في 90 بلدية و93 مجلساً قروياً فقط، مقابل 197 هيئة حُسمت بالتزكية أو غابت عنها المنافسة، وهو ما يصفه بأنه "مصادرة فعلية لحق المواطنين في الاختيار".

غياب التنافس وفقدان المضمون التعددي

ويشير رحال إلى أن غياب التنافس شمل حتى مدناً مركزية مثل رام الله ونابلس، حيث تحولت العملية الانتخابية إلى تفاهمات وصفقات بين قوى سياسية ومجتمعية وفصائل مختلفة، ما أفقد الانتخابات مضمونها التعددي، لافتاً إلى أن بعض القوائم التوافقية جاءت نتيجة تفاهمات داخلية حالت دون خوض منافسة حقيقية.
وانتقد رحال غياب تنظيم واضح لمسألة ترشح الأقارب داخل القوائم، ما أدى إلى إعادة إنتاج النفوذ العائلي داخل المجالس المحلية، معتبراً ذلك "إشكالية بنيوية خطيرة،" في النظام الانتخابي الحالي، لافتاً إلى أن نسبة ترشح النساء بلغت 32% في المجالس البلدية، و23% في المجالس القروية، مع ترؤس 8 قوائم نسائية، لكنه يعتبر أن هذه النسب ما زالت دون الطموح المطلوب.
ويرى رحال أن الانتخابات المحلية يمكن أن تشكل "بروفة" للانتخابات التشريعية والرئاسية، لكنها لا تغني عنها، مؤكداً أن هذه الانتخابات هي الاستحقاق الأهم دستورياً، استناداً إلى المادة الثانية من القانون الأساسي التي تنص على أن الشعب مصدر السلطات.

إرادة شعبية للمشاركة

ويشدد رحال على أن إجراء انتخابات عامة يبقى مرهوناً بتوافر وحدة وطنية فلسطينية واتفاق سياسي داخلي، إضافة إلى تذليل عقبات تتعلق بقطاع غزة والقدس، فضلاً عن الدعم الدولي، مشيراً إلى أن غياب هذا التوافق يجعل الانتخابات العامة مؤجلة عملياً.
ويشير رحال إلى أن الانتخابات المحلية كشفت إرادة شعبية للمشاركة، لكنها في الوقت نفسه أبرزت حدود النظام السياسي الحالي، حيث تبقى التزكية الواسعة والاعتبارات العائلية والسياسية عائقاً أمام ترسيخ ديمقراطية تنافسية حقيقية.

رمزية إجراء الانتخابات لمدينة دير البلح

يرى مدير مركز ثبات للبحوث واستطلاعات الرأي والباحث في قضايا الحكم والسياسة جهاد حرب أن إجراء الانتخابات المحلية جاء في سياقين أساسيين، يتمثل الأول في تكريس حق المواطنين في اختيار ممثليهم في المجالس المحلية بعد انتهاء ولايتها المنتخبة خلال الفترة 2021–2022، باعتبار ذلك حقاً دستورياً أصيلاً، فيما يتمثل السياق الثاني في تعزيز مكانة الحكومة الفلسطينية كحكومة لجميع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويشير حرب إلى أن إجراء انتخابات في مدينة دير البلح حمل دلالة رمزية على هذا التوجه بدعم من مؤسسات المجتمع المدني والحكومة.

إجراء الانتخابات بسلاسة ومهنية ونزاهة

ويوضح حرب أن العملية الانتخابية جرت بسلاسة من الناحية الإجرائية، وبإشراف مهني من لجنة الانتخابات المركزية، ما عزز مستوى النزاهة التنظيمية، إلا أنه يشير إلى وجود إشكالات بنيوية في القانون الانتخابي الجديد رقم 23 لسنة 2025، الذي تضمن شروطاً سياسية حدّت من مشاركة قوى وفصائل سياسية، إلى جانب اشتراطات تنظيمية/ إجرائية مثل إلزام القوائم بعدد مرشحين يوازي عدد مقاعد الهيئة المحلية، وهو ما قلّص فرص تشكيل تحالفات لقوى اجتماعية ناشئة.
ويبيّن حرب أن أبرز الإشكالات تمثلت في انتشار القوائم التوافقية في نحو 197 هيئة محلية، أي ما يقارب 47% من الهيئات كانت بالتزكية، ما أدى إلى غياب التنافس الانتخابي وإقصاء المواطنين من ممارسة حقهم في الاختيار، مشيراً إلى أن ذلك منح النخب السياسية والعائلية دوراً في مصادرة حق المواطنين بالانتخاب ممثليهم، بحيث خاض بعض المواطنين تجربة الاقتراع للمرة الأولى أو حُرموا منها بالكامل.
ويلفت حرب إلى أن هذا الواقع طال حتى مدناً ذات ثقل سياسي وتنوع اجتماعي مثل رام الله ونابلس، حيث غابت المنافسة الانتخابية لصالح قوائم توافقية.

إحباط مرتبط بالشروط السياسية والظروف

وفي قراءته لنتائج المشاركة، يوضح حرب أن هناك تبايناً واضحاً، إذ سجلت القرى والبلدات الصغيرة نسب اقتراع مرتفعة تجاوزت 80% في بعض الحالات، مقابل انخفاضها في المدن الكبرى مثل الخليل والبيرة إلى أقل من 30%، وهو ما يعكس حالة إحباط مرتبطة بالشروط السياسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
ويشير حرب إلى أن 88% من القوائم كانت مستقلة مقابل 12% فقط حزبية، ما يجعل من الصعب استخلاص قراءة دقيقة للخريطة السياسية، في انتظار النتائج النهائية لتحديد توازنات القوى بين القوائم المستقلة والحزبية.
ويرى حرب أن إمكانية إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تبقى قائمة في حال توفر إرادة سياسية وتذليل العقبات المتعلقة بالقدس وقطاع غزة، مؤكداً أن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية التي تجاوزت 50% تعكس رغبة شعبية في ممارسة الحق الانتخابي، لكنها تبقى مرهونة بقرارات سياسية وشروطاً تنظيمية قد تعيق توسيع المشاركة في الاستحقاقات الوطنية المقبلة.

أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

ثقب في الجدار


في صباح يوم بارد من شهر يناير عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين، وقف العالم الهندي سوغاتا ميترا أمام جدار يفصل بين مقر عمله الأنيق في شركة تكنولوجيا بنيودلهي، وبين حي "كالكاجي" الفقير المكتظ بالأكواخ الصفيحية. لم يكن ميترا يحمل في يده كتباً مدرسية أو طباشير، بل كان يحمل فكرة مجنونة ستغير وجه التعليم إلى الأبد. أمر فريقه بحفر ثقب في ذلك الجدار الإسمنتي، ووضع فيه جهاز حاسوب متصل بالإنترنت، بحيث تكون شاشته ولوحة مفاتيحه في متناول أطفال الحي الفقير، ثم راقب ما سيحدث من بعيد. هؤلاء الأطفال، الذين لم يسبق لهم أن رأوا حاسوباً في حياتهم، والذين لا يتحدثون الإنجليزية ولا يقرؤون، تجمعوا حول الشاشة المضيئة بفضول طفولي فطري. لم يكن هناك معلم يلقنهم الخطوات، ولا منهج دراسي يفرض عليهم الحفظ، ولا جرس مدرسة يحدد لهم وقت التعلم. ومع ذلك، حدثت المعجزة. في غضون أيام قليلة، علم الأطفال أنفسهم كيفية تصفح الإنترنت، ولعب الألعاب، بل وبدأوا في تعلم كلمات إنجليزية أساسية. لكن الاكتشاف الأهم الذي توصل إليه ميترا لم يكن في قدرتهم على استخدام التكنولوجيا، بل في التحول العميق الذي طرأ على سلوكهم. لقد تعلموا كيف يتعاونون، كيف يتبادلون الأدوار، وكيف يحترمون بعضهم البعض أمام تلك الشاشة الصغيرة. لقد تحولوا من مجرد أطفال يتنافسون على البقاء في حي فقير، إلى مجتمع تعليمي صغير تحكمه قيم المشاركة والاحترام المتبادل.
هذه التجربة المذهلة، التي عُرفت لاحقاً باسم "الثقب في الجدار"، تضعنا أمام تساؤل جوهري يمس صميم واقعنا التربوي اليوم: هل نحن حقاً نربي أبناءنا، أم أننا نكتفي بحشو عقولهم بالمعلومات؟ لسنوات طويلة، سيطرت ثقافة "التعليم البنكي" على فصولنا الدراسية، حيث يُنظر إلى عقل الطالب كخزنة فارغة يجب أن يودع فيها المعلم أكبر قدر ممكن من المعلومات، ليقوم الطالب باستردادها يوم الامتحان، ثم ينساها في اليوم التالي. هذا النمط من التعليم، الذي يعتمد على التلقين والحفظ الأصم، قد ينجح في تخريج طلاب يحصلون على درجات عالية، لكنه يفشل فشلاً ذريعاً في بناء إنسان متوازن، قادر على مواجهة تحديات الحياة الحقيقية. الحياة لا تختبرنا في قدرتنا على تذكر تواريخ المعارك التاريخية أو المعادلات الرياضية المعقدة، بل تختبرنا في قدرتنا على التعاطف، على الصمود أمام الأزمات، وعلى اتخاذ قرارات أخلاقية في لحظات الضعف.
هنا يبرز الدور المحوري للإدارة التربوية الحديثة، التي يجب أن تقود سفينة التحول من "تعليم الحفظ" إلى "تربية القيم". الإدارة التربوية يتعدى دورها  جداول حصص، ودفاتر حضور وانصراف، ولوائح عقوبات. إنها في جوهرها صناعة للإنسان، وهندسة للبيئة التي ينمو فيها هذا الإنسان. عندما تدرك إدارة المدرسة أن دورها الحقيقي هو بناء شخصية الطالب قبل بناء حصيلته المعرفية، فإن كل شيء في المدرسة يتغير. يتحول فناء المدرسة من مجرد مساحة للركض والصراخ، إلى ساحة لتعلم قيم التسامح وقبول الآخر. وتتحول الفصول الدراسية من قاعات صامتة يستمع فيها الطلاب بخشوع لمعلم يلقي محاضرته، إلى ورش عمل تضج بالحوار والنقاش والاختلاف البناء.
إن التحول نحو التربية القائمة على القيم يتطلب شجاعة إدارية استثنائية. يتطلب من مدير المدرسة أن يقف أمام المعلمين وأولياء الأمور ليقول لهم: "نحن هنا لسنا مصنعاً للدرجات، نحن هنا لنصنع بشراً". هذا التحول يعني التخلي عن هوس الامتحانات المعيارية التي تقيس قدرة الطالب على الحفظ، والتوجه نحو تقييمات شاملة تقيس قدرته على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي. في فنلندا، التي تمتلك واحداً من أنجح أنظمة التعليم في العالم، أدركت الإدارة التربوية العليا هذه الحقيقة مبكراً. لقد ألغوا نظام التفتيش المدرسي الصارم، وقلصوا الواجبات المنزلية إلى الحد الأدنى، وتخلوا عن الامتحانات الوطنية الموحدة. بدلاً من ذلك، ركزوا على بناء بيئة مدرسية تسودها الثقة، والمساواة، والرفاه العاطفي للطلاب. النتيجة لم تكن تراجعاً في المستوى الأكاديمي كما قد يتوقع البعض، بل على العكس، تصدر الطلاب الفنلنديون التصنيفات العالمية، لأنهم كانوا يتعلمون بحب وشغف، وليس بخوف وإكراه.
ولكن كيف يمكن للإدارة التربوية في مجتمعاتنا أن تبدأ هذا التحول؟ البداية تكون دائماً من المعلم. الفيلسوفة والمربية الأمريكية نيل نودينجز، في كتابها الرائد "الرعاية: نهج علائقي للأخلاق والتربية الأخلاقية"، تؤكد أن التعليم الحقيقي لا يمكن أن يحدث إلا في ظل علاقة رعاية حقيقية بين المعلم والطالب. الطالب لا يتعلم القيم من خلال قراءة نصوص عنها في كتاب التربية الوطنية، بل يتعلمها عندما يراها متجسدة في سلوك معلمه. عندما يرى طالباً يمر بظروف عائلية صعبة، فيجد معلمه يربت على كتفه ويسأله عن حاله باهتمام حقيقي، فإنه يتعلم قيمة التعاطف. وعندما يخطئ طالب فيعترف بخطئه، فيجد معلمه يتقبل اعتذاره ويمنحه فرصة ثانية، فإنه يتعلم قيمة التسامح والمسؤولية. دور الإدارة التربوية هنا هو توفير البيئة التي تسمح بنمو هذه العلاقات الإنسانية. هذا يعني تخفيف الأعباء الإدارية والورقية عن كاهل المعلمين، ليتفرغوا لمهمتهم الأسمى: بناء الإنسان.
علاوة على ذلك، يجب أن تفتح الإدارة التربوية أبواب المدرسة للمجتمع المحلي. التربية ليست جزيرة معزولة، بل هي امتداد لواقع الحياة اليومية. عندما تشرك المدرسة أولياء الأمور، ومؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات الملهمة في العملية التربوية، فإنها تكسر الجدران الوهمية بين "المدرسة" و"الحياة". يمكن للطلاب أن يتعلموا قيمة العمل التطوعي من خلال المشاركة في حملات تنظيف الحي، ويمكنهم أن يتعلموا قيمة احترام كبار السن من خلال زيارة دور الرعاية. هذه التجارب الحية تترك في نفوسهم أثراً أعمق بكثير من أي درس نظري.

في نهاية المطاف، يجب أن نتذكر دائماً أن الطفل الذي يدخل من بوابة المدرسة كل صباح، ليس  وعاء فارغ نملؤه بالمعلومات، بل هو روح تنبض بالحياة، وعقل يتوق للاكتشاف، وقلب يبحث عن الانتماء. الإدارة التربوية الناجحة هي التي تدرك هذه الحقيقة العميقة، وتعمل جاهدة لتحويل المدرسة من مؤسسة تلقين، إلى حاضنة للقيم الإنسانية النبيلة. عندما ننجح في هذا التحول، فإننا لا نضمن فقط مستقبلاً مشرقاً لأبنائنا، بل نضمن مستقبلاً أكثر إنسانية ورحمة لعالمنا بأسره. إنها رحلة طويلة وشاقة، لكنها الرحلة الوحيدة التي تستحق العناء، لأنها رحلة العودة إلى جوهر إنسانيتنا.

أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان بين النار والطاولة: استنزاف الدولة بين الداخل والخارج


لم يعد ما يجري في لبنان مجرد امتداد لحرب على جبهة حدودية، بل بات يعكس تحولاً في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية، من استهداف عسكري مباشر إلى محاولة إعادة هندسة المجتمع نفسه، فالمشهد الحالي، بما يحمله من قصف واسع، وتهجير جماعي، وضغوط سياسية موازية، يكشف عن تبنٍّ واضح لسياسة "العقاب الجماعي"، تلك التي طُبّقت سابقاً في قطاع غزة، وها هي تُستنسخ اليوم في الساحة اللبنانية، مع فارق السياق وتركيبة المجتمع.
تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لم تكن مجرد تهديد عابر، بل تعبير صريح عن عقلية ترى في تدمير البيئة الحاضنة للمقاومة مدخلاً لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية معاً، حين يُلوّح بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى نسخة من خان يونس، فإن الرسالة لا تُوجّه فقط إلى حزب الله، بل إلى مجتمع بأكمله، يُراد إخضاعه عبر الألم والدمار وفقدان الأمان.
هذا التحول في الاستهداف يتجلى ميدانياً في حجم الدمار والخسائر البشرية، أكثر من 2400 شهيد، وما يزيد عن مليون نازح، أرقام تعكس اتساع دائرة الضربات لتشمل المدنيين والبنية الاجتماعية، لا المواقع العسكرية فقط، أما الغارة التي استهدفت بيروت في الثامن من نيسان، وأسفرت عن استشهاد 350 شخصاً خلال دقائق، فتُجسد بوضوح طبيعة هذه الحرب التي لا تعترف بخطوط فاصلة بين جبهة ومدينة، ولا بين مقاتل ومدني، حتى في ظل الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.
لكن الأخطر من القصف ذاته، هو ما يجري بالتوازي معه على المستوى السياسي والاجتماعي، إذ تشير المعطيات إلى ضغوط تُمارس، علناً وسراً، على مكونات لبنانية مختلفة، خصوصاً في البيئتين الدرزية والمسيحية، بهدف دفعها إلى رفض استقبال النازحين الشيعة أو الضغط لإخراجهم، هذه السياسة لا تهدف فقط إلى خلق أزمة إنسانية، بل تسعى إلى تفجير التناقضات الداخلية، وتحويل التعددية اللبنانية إلى عبء أمني، بدل أن تبقى ركيزة استقرار.
بهذا المعنى، لا تستهدف إسرائيل حزب الله كقوة عسكرية فحسب، بل تضرب في عمق النموذج اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة والتعايش بين الطوائف، فإضعاف هذا النموذج، أو تفكيكه، يفتح الباب أمام واقع جديد يسهل التحكم به، حيث تتحول الانقسامات إلى أدوات ضغط دائمة، ويُعاد رسم المشهد السياسي بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.
وليس هذا التوجه جديداً في جوهره، فالأطماع الإسرائيلية في لبنان تعود إلى عقود، منذ طرح ديفيد بن غوريون فكرة التوسع نحو نهر الليطاني، مروراً باجتياح عام 1982، ومحاولات فرض سلطة موالية عبر استغلال التوازنات الطائفية، اليوم وإن اختلفت الأدوات، يبقى الهدف ذاته: لبنان ضعيف، منقسم، ومكشوف أمام التدخلات.
في ظل ذلك، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار، هشاً إلى حد كبير، فاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، ومنح "تل أبيب" حق التحرك تحت ذريعة "الدفاع عن النفس"، يكرّس اختلالاً واضحاً في موازين السيادة، ويجعل أي تهدئة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة، دون ضمانات حقيقية للطرف اللبناني.
ومع ذلك، فإن العامل الحاسم لا يكمن فقط في موازين القوة العسكرية، بل في وعي المجتمع اللبناني نفسه، فالتجربة التاريخية لهذا البلد، بكل ما شهدته من حروب أهلية وتدخلات خارجية، أظهرت أن الانزلاق إلى الفتنة كان دائماً المدخل الأخطر لتفكيكه. اليوم، يعاد اختبار هذا الوعي، في ظل محاولات حثيثة لدفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم البعض، بدل مواجهة التهديد الخارجي.
إن ما يُراد للبنان ليس مجرد هزيمة عسكرية لمقاومة، بل إعادة تشكيل لوعيه الجمعي، بحيث يرى في شريكه في الوطن خصماً، وفي اختلافه خطراً، غير أن إفشال هذا المشروع يبدأ من إدراك حقيقته، ورفض الانجرار خلفه، فبين ركام القرى، وضجيج الخطاب الطائفي، تبقى الوحدة الوطنية، رغم هشاشتها، السد الأخير في وجه مشروع لا يستهدف الأرض فقط، بل الإنسان ومعناه.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، وفي ظل وجود مفاوضات مباشرة تُعقد بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل في الولايات المتحدة، وهو تطور يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، فهذه المفاوضات، التي تُطرح تحت عناوين التهدئة وترسيم قواعد الاشتباك، تفتح الباب أمام انقسام داخلي جديد، إذ ينظر إليها جزء من اللبنانيين كضرورة لوقف النزيف و الدمار، بينما يراها آخرون انزلاقاً نحو تطبيع مرفوض وتكريساً لاختلال موازين القوة.
في هذا السياق، يبرز موقف حزب الله الرافض بشكل قاطع لأي شكل من أشكال التفاوض المباشر، معتبراً أن ما يجري هو محاولة لفرض وقائع سياسية تحت ضغط النار، وأن التفاوض في ظل العدوان يفقد لبنان أوراق قوته بدل أن يعززها، هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف عن تصدّع أعمق في الرؤية الوطنية لكيفية إدارة الصراع، بين من يراهن على المسار الدبلوماسي مهما كانت شروطه، ومن يرى في ذلك مساراً محفوفاً بالمخاطر قد يُستخدم لتفكيك عناصر القوة الداخلية.
وعليه، لا تبدو هذه المفاوضات منفصلة عن سياق الحرب، بل جزءاً مكملاً لها، تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل لبنان بقدر ما تُستخدم لضبط إيقاع المواجهة مع إسرائيل، فبين ضغط الميدان وضغط الطاولة، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد لوحدته الداخلية، حيث لا يقل خطر الانقسام السياسي عن خطر القصف، ولا تقل تداعياته عمقاً على مستقبل البلاد، وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الأهم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل أي لبنان سيخرج منها: بلد موحّد رغم الجراح، أم ساحة مفتوحة لتنازع الإرادات الداخلية والخارجية.

أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

السلام ومعالجة جذور الصراع

تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يتطلب الانتقال سريعاً إلى مسار سياسي شامل يقود إلى سلام مستدام، وفي الوقت ذاته أن التصعيد المتواصل في الضفة الغربية يهدد بشكل مباشر فرص تطبيق حل الدولتين، ويكمن التحدي الأساسي في تحويل وقف إطلاق النار الهش والضعيف إلى تقدم لا رجعة فيه نحو السلام، كون الأمن والحل السياسي مسارين مترابطين لا يمكن فصلهما.
أن أي استقرار لا يستند إلى أفق سياسي موثوق سيظل مؤقتاً وغير قابل للاستدامة، ولذلك ومن الضروري إطلاق عملية سياسية متكاملة تعالج جذور الصراع، وأهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2803)، إلى جانب الخطة الشاملة ودعم جهود مجلس السلام، بما يتيح مواءمة مسارات وقف إطلاق النار والإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار ضمن إطار واحد متكامل، وضرورة ضمان إيصال المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق، مع الدفع قدماً بجهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار بطريقة منظمة تمنع الازدواجية وتعزز الاستقرار.
بالمقابل يبقى نجاح الحكومة الفلسطينية في تحقيق تقدم ملموس على صعيد البرنامج الإصلاحي في غاية الأهمية كون أن ذلك سوف يمهد الطريق نحو عودتها إلى قطاع غزة وتوحيد المؤسسات الفلسطينية مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وأن الاستقرار لا يمكن أن يكون بديلاً عن السيادة، ويجب العمل على تمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه ضمن إطار دولته المستقلة الموحدة.
يجب استمرار جهود بناء المؤسسات الفلسطينية القادرة على الصمود أمام تحديات الاحتلال وأهمية العمل على تعزز سيادة القانون وبناء القدرات الفلسطينية، بما في ذلك قطاعي الشرطة والعدالة، مع التشديد على أن أي ترتيبات أمنية لن تكون مستدامة دون احترام القانون الدولي ورفض السياسات التي ترسخ الاحتلال، وأن أي دور لقوة استقرار دولية يجب أن يكون مؤقتاً ومسانداً للمؤسسات الفلسطينية، وليس بديلاً عنها، كون أن الأمن الإقليمي لا ينفصل عن الأمن الفلسطيني، وأن تحقيق السلام يتطلب معالجة شاملة للهواجس الأمنية لجميع الأطراف.
 لا بد من معالجة كل الإشكاليات القائمة ضمن إطار سياسي ومؤسسي أوسع يستند إلى الشرعية، ويهدف في النهاية إلى تجسيد الدولة الفلسطينية، وليس كإجراء منفصل عن الحل الشامل، وأهمية الوقف لممارسات الاحتلال التصعيدية القائمة في الضفة الغربية المحتلة كونها تشهد تصعيداً خطيراً قد يقوض فرص تحقيق حل الدولتين، وأن حماية المدنيين الفلسطينيين يمثل عنصراً أساسياً في أي جهد دولي لتحقيق الاستقرار بالمنطقة ووقف الحروب.
ويمثل إعلان نيويورك مرجعية مهمة لربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسي موثوق، في إطار الالتزام الدولي والعمل مع جميع الإطراف لتحقيق سلام عادل وشامل، يقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
========================
لا بد من معالجة كل الإشكاليات القائمة ضمن إطار سياسي ومؤسسي أوسع يستند إلى الشرعية، ويهدف في النهاية إلى تجسيد الدولة الفلسطينية، وليس كإجراء منفصل عن الحل الشامل، وأهمية الوقف لممارسات الاحتلال التصعيدية القائمة في الضفة الغربية المحتلة كونها تشهد تصعيداً خطيراً قد يقوض فرص تحقيق حل الدولتين،


أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

المـرأة الفلسطينيـة تخـوض الانتخـابات!


    بسم الله، وبعد الاتكال على الله، قررت المرأة الفلسطينية أن تخوض الانتخابات البلدية والمجالس المحلية بكل همة ونشاط وثقة واقتدار؛ لتكون مع الرجل جنبا إلى جنب في خدمة الوطن وصنع القرار، تؤازره ويؤازرها، وتشاوره ويشاورها، وتشاطره الرأي ويشاطرها، وتستمد منه القوة ويستمد منها. صحيح أن المرأة الفلسطينية سبق وأن خاضت الانتخابات سنة 1996م، إلا أنها في هذه المرة نراها تخوض التجربة بثقة أكبر، وعدد أكبر، وهمة أعلى، وتصميم أشد، وخبرة أنضج، وبصيرة أكثر نفاذا ورؤية للأمور، وهي بهذا القرار الانتخابي تحاول أن تعمل على تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة التي ظلت تسيطر عليه قرونا طويلة والمتعلقة بهيمنة الرجل على القرارات الإدارية حتى بتلك الأمور المتعلقة بالمرأة. وما ترشحها للانتخابات هذه إلا لتردّ المجتمع إلى وضعه الطبيعي الذي فطره الله عليه، الوضع الذي يتكامل فيه الذكر والأنثى ولا يتفاضلان، ويتعاونان ولا يتمايزان، ويكملان بعضهما البعض ولا يفترقان، ليكونا مجتمعا طبيعيا سويا متكاملا كما أراده الله منذ بدء الخليقة، ووفق ما جاء في كتاب الله:  " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ".
      والمرأة الفلسطينية بهذا القرار الانتخابي نراها تحطم الأسطورة البالية التي ظلت تعشعش في عقول الجهلة والمتأخرين، بأن المرأة ما خلقت إلا للبيت والأولاد فقط؛ لتقول لهم بكل ثقة واطمئنان أن المرأة عقل قبل أن تكون جسما وروحا، وأنها إنسان قبل أن تكون مربية أولاد وأجيال، وهي كالرجل حباها الله من الذكاء والاستعدادات والقدرات والكفاءات ما يؤهلها لأن تكون إلى جانب الرجل في مكان صنع القرار، تدرس وتحلل، وتقرر وتشاور، وتدافع عن قضايا بلدها ووطنها كما يدافع، متسلحة بعلمها وشهاداتها ونضالها وإيمانها بنفسها وقضيتها.
      إن المرأة الفلسطينية اليوم بخوضها انتخابات البلديات والمجالس المحلية تقول للمجتمع العربي بخاصة، والعالم بعامة، إن الذي يحكم تطور المجتمع وبقاءه هو العلم والكفاءات، والقوة العقلية والذكاء لا الجندر والقوة العضلية؛ وأن الذي يعمل على مساواة الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات هو النظام الديمقراطي واحترام الإنسان لا النظام الديكتاتوري والهيمنة.  وبعد أن نجحت المرأة عبر التاريخ أن تكون محامية وطبيبة وباحثة وعالمة وشاعرة وأديبة وفيزيائية وكيمائية وغيرها من مجالات العلم وخاصة في فلسطين، فهي بلا شك ستنجح في أن تكون رئيسة بلدية وعضو مجلس بلدي، وصاحبة قرار سياسي، إذ أن التجربة بينت أن المرأة في كل مكان قادرة على تحسّس قضايا مجتمعها، وقادرة على دراستها وتحليلها، وقادرة على إفرازها والمدافعة عنها كإخوانها من الرجال؛ ولهذا فقد رأيناها تصل إلى أعلى المراكز والمرتبات من وزيرة ومديرة وباحثة وعالمة وطبيبة ومحامية وبروفيسورة، إلى آخره من التسميات، وهي دون أدنى شك قادرة أن تكون عضوا فاعلا ومؤثرا في أي موقع تكون فيه تضيف إلى الرجل ولا تنقص منه، وتدعمه ولا تقلل من شأنه، وتكمله ولا تضعفه، و تدافع عن بلدها ومجتمعها وقضيتها ووطنها ولا تقف منه موقف المتفرج أو المتألم فقط عندما تفقد الأخ، أو الابن، أو الزوج، أو الأب، أو القريب، أو الصديق، وكما يقول علماء الاجتماع أن اشتراك رأيين أفضل من رأي واحد، وهذا ما يكون عندما تأخذ المرأة الفلسطينية مكانها في المراكز الإدارية إلى جانب أخيها الرجل.
    إن نظرة الأمل والتفاؤل التي رأيناها في صور المرشحات في قائمة الانتخابات تقول لنا بأن المرأة الفلسطينية مصممة على العمل، ومصممة على النجاح، ومصممة على احتلال دورها الريادي في المجتمع بدرجة لا تقل عن تصميم الرجل؛ وذلك بما تملكه من علم وكفاءة، وذكاء وفطنة، وخبرة وثقة بالله وبالنفس عالية.
     فهنيئا للمرأة الفلسطينية خوضها الانتخابات، وهنيئا فوز البعض لرئيسة البلديات، وهنيئا لك ثقتك بنفسك، وهنيئا لك إيمانك بقدراتك، وهنيئا لك إصرارك على إثبات نفسك وخدمة مجتمعك، ومباركا لك سعيك في الوصول إلى جسم الهرم الإداري وصنع القرار مساندة للرجل في كل موقع ومكان، وهنيئا للمجتمع الفلسطيني بك أمّا وأختا وزوجة ومناضلة ورئيسة بلدية وقائدة...الخ من المراكز التي حكرا على الرجال، وذلك لتكوني مثلا أعلى لكل الفتيات العربيات منهم والأجنبيات.  فسيري وعين الله ترعاك، وإلى الأمام، مع تمنياتنا لك ولجميع الفائزين كل التوفيق والنجاح، ومزيدا من التقدم والازدهار في خدمة بلدك وشعبك ومجتمعك وقضيتك على طريق النصر والتحرير والاستقلال.

أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

العرب في مواجهة التغيير


ثلاث حروب عدوانية أشعلتها المستعمرة الإسرائيلية وقامت بها منذ نهاية عام 2023 بهدف تغيير "الشرق الأوسط"، كما يقول ويعمل ويسعى نتنياهو: حرب ضد فلسطين في غزة، حرب ضد إيران في أقسى الشرق، حرب لبنان في جنوبه، هذا إذا بقيت عمليات القصف على اليمن، صامتة متقطعة.  
حروب المستعمرة ضد العرب والمسلمين تهدف عملياً وسياسياً إلى تحقيق:
1- احتلال كامل خارطة فلسطين، وإن كانت غزة يمكن المساومة عليها، والتخلي عنها لصالح إقامة دولة فلسطينية، محدودة السيادة والجغرافيا، من أجل التخلص من الديموغرافيا الفلسطينية، وضم الضفة الفلسطينية عملياً وواقعياً، أسوة بما فعلت مع الريف الذي يوازي 62% من مساحة الضفة، حيث تم ضمه لخارطة المستعمرة باعتبارها: يهودا والسامرة.
2- الاستفراد بالتفوق والقدرة والهيمنة والسيطرة على الشرق العربي سياساً، من حدود فلسطين حتى حدود العراق الشرقية، لتكون هي الطرف الوحيد المتنفذ.
وهذا ما يجعل الاستفزاز الإسرائيلي والتوسع والاحتلال والجرائم البشعة، مصدر قلق، مصدر يقظة، مصدر إدراك أن الذرائع والحجج الإسرائيلية نحو الاندفاع للقصف والاجتياح والتجريف والتطهير والقتل، عناوين تعكس مضامين وجوهر المستعمرة وتنفذها القوات العسكرية والأمنية، بحماية أميركية، وصمت دولي، وتواطؤ أوروبي خجول، كما تقول مفوضة أوروبا للشؤون الخارجية أن الصواريخ والتخصيب النووي الإيرانية هو مصدر القلق في المنطقة، أما بشأن امتلاك المستعمرة الإسرائيلية للقدرات النووية، فلا يذكرونها ولا يتحدثون عنها، ولا يطالبون أن تشملها المراقبة والتدقيق من قبل الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة بالطاقة النووية، لتكون المستعمرة مع إيران في منطقتنا خالية من الأسلحة النووية، سواء من قبل المستعمرة أو من قبل إيران.
المستعمرة الإسرائيلية هي سبب الحروب في عالمنا العربي وهي مصدرها، وتحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية، وتمارس القتل المتعمد للفلسطينيين واللبنانيين، بشكل متواصل يومياً، وعمليات التجريف للقرى والأحياء بهدف توسيع ومد خارطة المستعمرة لتصل إلى نهر الليطاني، وجنوب سوريا مع الجولان والقنيطرة إلى محافظة درعا، وتحجيم مساحة قطاع غزة إلى أقل من نصفها، وعصابات المستوطنين المستعمرين يعملون للسيطرة على الضفة الفلسطينية من خلال مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان، و"تطهير يهودا والسامرا وتحريرها" من شعبها وأهلها، وتغيير معالمها، وتمزيق جغرافيتها وتبديد ديموغرافيتها بزرع الاستيطان والتهجير.
بلدان الشرق العربي، مطالبة بالتوقف والإمعان لتحديد المخاطر وكيفية مواجهتها، وخاصة من الأردن وبلدان الخليج العربي، عبر صياغة علاقة وبرنامج تحمي أمنها الوطني والقومي معاً.
لا أحد محمي من أطماع ومؤامرات وأهداف المستعمرة، مهما بدا واقعياً، ويتوهم أن الأميركيين والأوروبيين يمكن أن يحموه، فقد سبق وتطاول على أمن قطر والإمارات والأردن في محاولات الاغتيال لقيادات فلسطينية في الشرق العربي.
اليقظة العربية مطلوبة وضرورية لمواجهة المستعمرة، حتى يبقى الصراع على أرض فلسطين، وتشكل البلدان العربية رافعة لدعم نضالها، ولا خيار آخر أمام الجميع.



أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل بعد 78 عاماً: تحولات الهوية والمصير


بعد ثمانية وسبعين عاماً على قيامها، تبدو إسرائيل، في نظر الفلسطيني، ككيانٍ لم يستقر بعد على تعريفٍ نهائي لنفسه. ليست المسألة مجرد دولةٍ نجحت في تثبيت وجودها، بل مشروع ما زال يتقلب بين صيغٍ متناقضة، ويتحوّل من طورٍ إلى آخر دون أن يبلغ لحظة التوازن. من هنا، فإن النظر إليها اليوم لا ينفصل عن قراءة هذا التحول العميق في بنيتها الفكرية والسياسية والاجتماعية.
يمكن القول إن إسرائيل انتقلت، عبر هذه العقود، من صهيونيةٍ اشتراكية ذات طابعٍ جماعي، إلى صهيونية توراتية دينية تميل إلى التطرف والانغلاق. تلك الصهيونية الأولى، رغم عدائها، كانت تُغلّف نفسها بخطابٍ حداثي، وتقدّم مشروعها كجزءٍ من العالم الغربي وقيمه. أما اليوم، فنحن أمام خطابٍ مختلف، أكثر انكفاءً على ذاته، وأكثر استناداً إلى نصوصٍ دينية وتأويلاتٍ تاريخية تمنح الصراع طابعاً مطلقاً لا يقبل التسويات.
هذا التحول لم يكن شكلياً. فقد انتقلت إسرائيل من فكرة الانفتاح النسبي إلى حالة من الانغلاق المتزايد، ومن القبول بفكرة التسوية – ولو تكتيكياً – إلى تبنّي سياسات تقوم على التوسع والرفض. لم تعد التسوية خياراً مركزياً، بل باتت تُستبدل برؤيةٍ تقوم على فرض الوقائع بالقوة، وعلى إعادة تعريف الصراع باعتباره صراعاً وجودياً لا سياسياً فقط.
وفي السياق نفسه، تراجعت صورة إسرائيل بوصفها "الضحية الاستثنائية" التي لا تُمسّ، لتدخل تدريجياً في دائرة النقد والمساءلة، بل وحتى المحاكمة في بعض الأوساط الدولية. لم تعد تلك الهالة الأخلاقية التي أحاطت بها في بداياتها قادرة على حمايتها بالكامل، خاصة مع تصاعد مشاهد العنف والتوسع، ومع انكشاف التناقض بين خطابها وممارساتها.
أما على مستوى الشخصية اليهودية داخل هذا الكيان، فقد حدث انتقال لافت من "اليهودي التلمودي" المنغلق على ذاته، والمكتفي بإدارة شؤونه الخاصة، إلى "اليهودي التوراتي" الذي يرى نفسه فاعلاً في التاريخ، ومكلّفاً بالسيطرة والتوسع والقتال. هذا التحول يعكس انتقالاً من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، ومن الانكفاء إلى المبادرة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام مزيد من الصدامات.
سياسياً، لم تعد إسرائيل كما كانت. فبدلاً من المؤسسات التي كانت تضبط الإيقاع العام، نشهد اليوم صعوداً لدور الفرد والزعيم، وتراجعاً تدريجياً في ثقل المؤسسة. الديمقراطية التي طالما قُدّمت كميزةٍ أساسية، تتعرض لاختباراتٍ قاسية، مع تنامي النزعات السلطوية، وصعود قوى شعبوية تميل إلى الحسم بدلاً من التوافق.
وعلى مستوى الأداء، لم تعد الانتصارات العسكرية الكاسحة هي السمة الغالبة. باتت إسرائيل تخوض جولاتٍ معقدة، تنتهي غالباً بتسوياتٍ أو بمحاولات لتسويق "رواية نصر"، أكثر مما هي انتصارات حاسمة في الميدان. كما أن مفهوم السيطرة الأمنية المطلقة تآكل، ليحلّ مكانه واقع تعدد الجبهات، وتشابك التهديدات، بما يجعل التفوق العسكري أقل قدرة على حسم الصراع.
اجتماعياً، انتقلت إسرائيل من مجتمعٍ يطمح إلى التجانس، إلى مجتمعٍ متعدد الطوائف والهويات، يعاني من انقساماتٍ داخلية متزايدة. من الجماعية التي كانت تميّز البدايات، إلى الفردانية التي تطغى اليوم، ومن مناعةٍ وطنية صلبة إلى حالة من التصدع الداخلي، تعكس فشل مشروع الاندماج الكامل.
الأكثر دلالة أن الجماعات التي كانت تُعتبر هامشية أو متطرفة، أصبحت اليوم في قلب المشهد، بل هي التي ترسم السياسات وتحدد الاتجاهات. هذا التحول يعيد تشكيل إسرائيل من الداخل، ويدفع بها نحو مزيد من التشدد، ويجعل "إسرائيل الثالثة" في الضفة الغربية المحتلة تعبيراً عن هذا المسار الجديد، حيث الاستيطان ليس مجرد سياسة، بل عقيدة.
ورغم كل ما حققته إسرائيل من نجاحات في الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية، إلا أنها ما زالت تعاني من أزمة هوية عميقة. لم تستطع حتى الآن أن تحسم سؤال: ماذا تريد أن تكون؟ دولة طبيعية في المنطقة، أم مشروعاً استثنائياً فوقها؟ هذه الحيرة تنعكس في سياساتها، وفي علاقتها بجوارها، وفي تعاملها مع الفلسطينيين.
وفي جوهر الأمر، يبدو أن فشلها في الوصول إلى تسوية مع الفلسطينيين ليس مجرد تفصيل، بل هو العقدة التي تعيق استقرارها. فبدلاً من أن يؤدي هذا الفشل إلى مراجعة، يدفعها نحو مزيد من التطرف والعنف، وكأنها تحاول الهروب إلى الأمام.
هكذا، تقف إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. استمرارها في هذا المسار قد يفضي إلى نتائج غير مريحة، ليس فقط للفلسطينيين، بل لها أيضاً. فالدول، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تعيش طويلاً في حالة صراعٍ مفتوح، ولا أن تؤسس استقرارها على إنكار الآخر.
من هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف يراها الفلسطينيون؟ بل: إلى أين تمضي إسرائيل نفسها، وهي تتبدل على هذا النحو المتسارع، دون أن تجد نقطة ارتكازٍ نهائية؟

* مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية


أقلام وأراء

الإثنين 27 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات المحلية : بين رمزية الصندوق واستحقاق تجديد المشروع الوطني


لم تكن الانتخابات المحلية التي جرت أول أمس في فلسطين مجرد استحقاق إداري لاختيار مجالس بلدية وقروية، بل كانت حدثًا سياسياً يحمل دلالات أعمق من حدود الخدمات اليومية، لأنها أعادت طرح سؤال الشرعية والتمثيل والمشاركة في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحرب على غزة، والتصعيد في الضفة، والأزمة المالية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، مع الحاجة الملحة إلى إعادة ترتيب البيت الوطني من الداخل.
في هذا السياق، يصبح صندوق الاقتراع أكثر من مجرد وسيلة لاختيار مجلس بلدي ، يصبح اختبارًا لمدى قدرة النظام السياسي الفلسطيني على الحفاظ على الحد الأدنى من الحيوية الديمقراطية، ورسالة بأن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والانقسام والإنهاك العام، ما زال متمسكًا بحقه في الاختيار، وبأن الشرعية لا تُصان إلا عبر الناس.
نجاح إجراء الانتخابات بحد ذاته يحمل قيمة مهمة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة، كما أن مشاركة دير البلح في قطاع غزة تحمل رمزية سياسية واضحة، لأنها تؤكد أن غزة ليست خارج المعادلة الوطنية، وأن وحدة الجغرافيا السياسية الفلسطينية يجب أن تبقى قاعدة لا استثناء، مهما حاول الاحتلال تكريس واقع الفصل والانقسام.
لكن الاكتفاء بالاحتفاء برمزية الانتخابات وحدها لا يكفي، لأن السؤال الأهم ليس فقط أن الانتخابات جرت، بل ماذا بعد؟
هل تتحول الانتخابات المحلية إلى خطوة أولى في مسار وطني أوسع يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم تبقى مجرد محطة جزئية تُستخدم لتخفيف ضغط الغياب الطويل للانتخابات العامة؟
هنا تبرز أهمية موقف  الرئيس محمود عباس، الذي أكد بشكل واضح أن الانتخابات المحلية ليست نهاية المسار، بل جزء من رؤية أوسع، حين قال حرفيا:
"نحن سعداء بإجراء الانتخابات، فقد جرت أولاً انتخابات الشبيبة ، ثم انتخابات الهيئات المحلية، ثم بعد شهر انتخابات حركة فتح، ثم المجلس الوطني الفلسطيني، حيث ستجري كلها خلال هذا العام".
هذا التصريح يحمل بعدًا سياسيًا مهمًا، لأنه يربط بين المحلي والوطني، وبين الخدمة والتمثيل، ويضع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في قلب النقاش، لا على هامشه. وهذا أمر جوهري، لأن أزمة النظام السياسي الفلسطيني اليوم ليست فقط أزمة إدارة محلية، بل أزمة تمثيل وشرعية وطنية شاملة.
لكن الحديث عن انتخابات المجلس الوطني لا يجب أن يبقى في إطار الأمنيات السياسية فقط، بل يحتاج إلى مواجهة الأسئلة الصعبة بصراحة: كيف يمكن إنجاز ذلك في ظل الانقسام القائم؟ كيف ستُعالج معضلة غزة؟ وكيف سيتم ضمان تمثيل فلسطينيي الشتات؟ وما هي الآليات التي تضمن أن تكون الانتخابات مدخلًا للوحدة لا ساحة جديدة للصراع؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلًا إجرائياً، بل جوهر المسألة كلها. لأن تجديد الشرعية لا يتحقق بإعلان النوايا وحده، بل ببناء توافق وطني حقيقي قادر على حماية هذا المسار.
من جهة أخرى، أظهرت الانتخابات المحلية نفسها بعض المؤشرات التي تستحق التوقف. ارتفاع عدد الهيئات التي حُسمت بالتزكية في عدد من المناطق يعكس تراجعًا في مستوى التنافس الديمقراطي، ويطرح تساؤلات حول قدرة الأحزاب والقوى السياسية على إنتاج حياة سياسية حقيقية قائمة على البرامج لا الترتيبات المسبقة.
كما أن الحضور القوي للعامل العائلي والعشائري في بعض المواقع يكشف أن السياسة المحلية ما زالت في كثير من الأحيان محكومة بمنطق التوازن الاجتماعي أكثر من منطق الكفاءة والبرنامج. وهذا ليس أمرًا جديدًا، لكنه يصبح أكثر حساسية حين تتحول الانتخابات من فرصة لبناء إدارة محلية حديثة إلى مجرد إعادة إنتاج للنفوذ التقليدي.
ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الملاحظات يجب أن يكون بعقل إصلاحي لا بعقل الإدانة. فبعد سنوات طويلة من تعطّل الحياة الديمقراطية، من الطبيعي أن تظهر اختلالات تحتاج إلى تصحيح تدريجي، لا إلى أحكام نهائية. الأهم هو الاعتراف بها والعمل على معالجتها، لا تجاهلها أو تضخيمها.
الانتخابات المحلية، إذاً، ليست دليلًا على اكتمال التعافي السياسي، لكنها أيضًا ليست مجرد مشهد رمزي فارغ. هي مساحة اختبار حقيقية، تكشف مستوى الثقة، وحدود المشاركة، وقدرة النظام السياسي على استعادة العلاقة مع الناس.
الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول هذه الانتخابات إلى بديل مريح عن الاستحقاق الوطني الأكبر، بحيث يصبح الحديث عن البلديات تعويضًا عن غياب المجلس التشريعي، و وتعطّل تجديد منظمة التحرير. أما الفرصة الحقيقية، فهي أن تُقرأ هذه الانتخابات كبداية لمسار أوسع لا كبديل عنه.
الفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن خدمات أفضل، بل عن شراكة سياسية حقيقية، وعن مؤسسات يشعر أنها تمثله، وعن نظام سياسي يملك الشجاعة الكافية للإصلاح لا مجرد إدارة الأزمة.
ولهذا، فإن نجاح الانتخابات المحلية يجب أن يُقاس بقدرتها على فتح الطريق نحو ما بعدها، لا فقط بسلامة يوم الاقتراع نفسه.
صندوق الاقتراع لا يصنع المعجزة وحده، لكنه يكشف اتجاه البوصلة.
وإذا كانت الرسالة الأهم من انتخابات الأمس أن الفلسطيني ما زال متمسكًا بالديمقراطية، فإن التحدي الحقيقي يبدأ اليوم:
هل نمتلك الإرادة لتحويل هذا التمسك الشعبي إلى مشروع وطني متكامل يعيد بناء الثقة والمؤسسات والشرعية؟
هذا هو السؤال الذي لا يجوز تأجيله.

عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 8:51 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي في موسكو: تحركات إيرانية مكثفة لكسر الحصار البحري وفتح قنوات مع واشنطن

وصل وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى العاصمة الروسية موسكو في زيارة رسمية تهدف إلى إجراء مباحثات رفيعة المستوى مع الرئيس فلاديمير بوتين. وتأتي هذه الخطوة في سياق حراك دبلوماسي إيراني واسع يهدف إلى التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية الملحة، خاصة في ظل تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وأكد رئيس الدبلوماسية الإيرانية أن اللقاء مع القيادة الروسية يمثل فرصة جوهرية لبحث تطورات الحرب الدائرة في المنطقة، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك بين طهران وموسكو. وأشار عراقجي إلى أن هذه التحركات تأتي لاستكمال مسارات سابقة، من بينها زيارته الأخيرة إلى سلطنة عمان التي شهدت توافقاً كبيراً في الرؤى بين الجانبين.

وفيما يتعلق بملف الملاحة الدولية، أوضح عراقجي أن المشاورات على مستوى الخبراء لا تزال مستمرة بشأن وضع مضيق هرمز، مؤكداً على الدور المحوري الذي تلعبه مسقط في الوساطة الإقليمية. وتهدف هذه النقاشات إلى ضمان مصالح إيران واستيفاء حقوق شعبها، خاصة بعد أسابيع من التصعيد الميداني الذي أثر على استقرار الممرات المائية.

وعلى صعيد الوساطة مع الجانب الأمريكي، كشف الوزير الإيراني أن زيارته الأخيرة إلى باكستان تضمنت نقاشات معمقة حول شروط استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. ووصف عراقجي تلك المحادثات بأنها كانت 'مهمة جداً'، حيث ركزت على إيجاد سبل فعالة لاستمرار الحوار الدبلوماسي وتجاوز حالة الانسداد الراهنة بين طهران وواشنطن.

في غضون ذلك، كشفت تقارير صحفية نقلاً عن مصادر مطلعة أن طهران قدمت مقترحاً جديداً للإدارة الأمريكية عبر وسطاء باكستانيين. ويتضمن المقترح الإيراني إبداء مرونة في ملف مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري كأولوية قصوى في المرحلة الحالية، مقابل تأجيل النقاشات المتعلقة بالبرنامج النووي إلى وقت لاحق.

من جانبها، تتابع الدوائر السياسية في واشنطن هذه التحركات بحذر، حيث أفادت مصادر إعلامية بأن الولايات المتحدة لا تمانع المسارات الدبلوماسية من حيث المبدأ. وتسعى واشنطن من خلال هذا الانفتاح إلى تجنب أي اتهامات قد تطالها بشأن تقويض أمن الطاقة العالمي، خاصة مع الحساسية المفرطة لأسعار النفط تجاه أي توتر في الخليج.

وتضع الإدارة الأمريكية استقرار مضيق هرمز كأولوية استراتيجية، نظراً لانعكاساته المباشرة على الاقتصاد العالمي والداخلي في الولايات المتحدة. ورغم الانفتاح الدبلوماسي، إلا أن واشنطن تراقب عن كثب أي تحركات ميدانية قد تهدد حرية الملاحة أو تؤدي إلى قفزات غير مسيطر عليها في تكاليف الطاقة.

وفي سياق متصل، تبرز المخاوف الأمريكية من تنامي الدور الروسي والصيني في دعم إيران، حيث تضع واشنطن خطوطاً حمراء تتعلق بالتعاون العسكري والاستخباراتي. وتخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي هذا التحالف إلى تزويد طهران بتقنيات متقدمة أو معلومات حساسة قد تغير موازين القوى في المنطقة بشكل دراماتيكي.

وتستند هذه المخاوف الأمريكية إلى تقديرات تشير إلى أن موسكو وبكين قد قدمتا في وقت سابق دعماً فنياً ساهم في زيادة دقة الهجمات التي استهدفت منشآت لوجستية وعسكرية تابعة للولايات المتحدة. ويرى مراقبون أن واشنطن ستحاول الموازنة بين دعم الوساطات السياسية وبين تشديد الرقابة على أي تعاون تقني قد يهدد مصالحها الحيوية.

اسرائيليات

الإثنين 27 أبريل 2026 7:36 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاض الحكومة العراقية: بغداد تترقب «دخان إسلام آباد» الأبيض لحسم هوية رئيس الوزراء

تعيش الساحة السياسية في بغداد حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث لم تعد عملية تشكيل الحكومة العراقية شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بظلال التأثيرات الدولية والإقليمية. ويظهر المشهد الحالي أن مسار اختيار رئيس الوزراء الجديد بات جزءاً من حسابات حرب مفتوحة تتقاطع فيها المصالح بين طهران وواشنطن، وصولاً إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد.

تنتظر القوى السياسية، وتحديداً داخل الإطار التنسيقي، ما سيسفر عنه «الدخان الأبيض» من المحادثات الإيرانية الأمريكية برعاية باكستانية. هذا الانتظار يعكس إدراكاً عميقاً بأن نتائج هذا التفاوض ستعيد تعريف موازين النفوذ في المنطقة، وتحدد بالتبعية مواصفات الشخصية المطلوبة لقيادة المرحلة المقبلة في العراق، سواء كان رجل تسوية أو رئيساً يخضع للتوازنات الإقليمية.

على الرغم من كسر حلقة الانسداد السياسي بانتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في الحادي عشر من نيسان الجاري، إلا أن الكرة لا تزال في ملعب القوى الشيعية. فقد نجح المكون الكردي في إنتاج تسوية اللحظة الأخيرة بين أربيل والسليمانية، مما وضع الإطار التنسيقي أمام استحقاق تسمية مرشح الكتلة الأكبر دون مزيد من الذرائع الإجرائية.

تتأرجح الخيارات داخل الإطار التنسيقي بين ثلاثة مسارات رئيسية، أولها التجديد لمحمد شياع السوداني الذي يقود حالياً حكومة تصريف أعمال، وثانيها عودة نوري المالكي إلى المشهد، وثالثها الدفع باسم توافقي مثل باسم البدري. هذا الصراع لا يدور حول برامج سياسية، بل هو صراع تموضعات بانتظار إشارات خارجية تضمن استقرار الحكومة العتيدة.

تواجه طموحات العودة لبعض الشخصيات فيتو أمريكياً واضحاً، حيث بعثت واشنطن بإشارات رفض صريحة لعودة المالكي. وفي المقابل، يبدو أن الجانب الإيراني، المنشغل بملفات وجودية في المنطقة، يفضل رئيساً غير صدامي يحافظ على استقرار الساحة العراقية ولا يربك الحسابات المعقدة في مواجهة الضغوط الدولية.

في غضون ذلك، يحاول السوداني تبني سياسة «العراق أولاً» والنأي بالبلاد عن صراعات الوكالة، إلا أن هذه السياسة تصطدم بواقع «الدولة المزدوجة». فبينما تسعى الحكومة للحياد، تواصل فصائل مسلحة تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف قواعد أمريكية وأهدافاً إقليمية، مما يضع السيادة العراقية في اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي.

لقد كشفت الحرب الإقليمية هشاشة مفهوم السيادة في العراق، حيث تجد الحكومة نفسها في موقع المساءلة عن أفعال قوى مسلحة لا تخضع لسيطرتها الكاملة. هذا التداخل بين منطق الدولة واللادولة جعل بعض التحليلات تصف السياسة الحالية في بغداد بأنها مجرد «احتواء للعجز» بدلاً من كونها سياسة حياد فاعلة ومؤثرة.

تعتبر واشنطن أن أي حكومة عراقية قادمة يجب ألا تكون مجرد امتداد لشبكات النفوذ الإيرانية، بينما ترى طهران في منصب رئاسة الوزراء خط دفاع متقدماً لمصالحها. هذا التضارب يحول الاستحقاق الدستوري العراقي إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، مما يفسر حالة الجمود السياسي التي تزامنت مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد.

على الصعيد الداخلي، يفاقم هذا الانتظار من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية على المواطن العراقي، حيث تشهد صادرات النفط تراجعاً كبيراً وسط مخاوف من اضطراب الممرات المائية. الفراغ السياسي الحالي ليس مجرد تأخير إداري، بل هو خسارة مركبة تضع استقرار البلاد الاقتصادي على المحك في ظل غياب موازنات وخطط تنموية واضحة.

في نهاية المطاف، تظل المعضلة العراقية متمثلة في الصراع بين منطقين: منطق يريد انتزاع العراق من محاور الحرب وجعله دولة ذات سيادة، ومنطق يراه ساحة تابعة للصراعات الكبرى. وحتى يحسم الخارج تفاهماته، ستبقى بغداد تراقب دخان إسلام آباد، في مفارقة قاسية تعكس ارتهان القرار الوطني للتوازنات العابرة للحدود.

عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 7:36 صباحًا - بتوقيت القدس

تهديدات إيرانية مبطنة باستهداف كابلات الإنترنت في مضيق هرمز

أفادت مصادر إعلامية إيرانية ببروز توجهات استراتيجية جديدة تضع كابلات الإنترنت البحرية المارة عبر مياه الخليج ضمن دائرة الاستهداف المحتمل. وأشارت التقارير إلى أن هذه الخطوة قد تمثل ورقة تصعيد أخيرة في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية التي تمارسها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ضد طهران. ويأتي هذا التلميح في وقت حساس يشهد فيه الإقليم توترات غير مسبوقة تتجاوز الأطر التقليدية للمواجهة العسكرية.

وتتجه الأنظار حالياً إلى مضيق هرمز، الذي لا يكتسب أهميته فقط كونه شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، بل لكونه نقطة ارتكاز للبنية التحتية الرقمية الدولية. وبحسب خبراء في أمن المعلومات، فإن الكابلات التي تعبر قاع الخليج تمثل العمود الفقري للاتصالات بين الشرق والغرب، مما يجعل أي مساس بها تهديداً مباشراً للاقتصاد الرقمي العالمي واستقرار شبكات المعلومات في دول عديدة.

في سياق متصل، تزامنت هذه التهديدات مع قراءات سياسية إقليمية تشير إلى صمود إيران في معارك التفاوض والمواجهة الميدانية، مدفوعة بإدراكها لوزنها التاريخي في المنطقة. وفي الوقت الذي تزداد فيه حدة الصراع، حذر مسؤولون أتراك من تغلغل النفوذ الصهيوني في مفاصل القرار السياسي الأمريكي، متوقعين أن تسعى إسرائيل لتوسيع دائرة خصومها لتشمل قوى إقليمية أخرى بعد تحييد أو استنزاف الجبهة الإيرانية.

وعلى الصعيد الدولي، بدأت ملامح التفكك تظهر في الموقف الغربي الموحد تجاه أزمات المنطقة، حيث أبدت دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا رغبة في النأي بنفسها عن الانخراط المباشر في الصراع. ويرى مراقبون أن لجوء طهران للتلويح بورقة الكابلات البحرية قد يهدف إلى ممارسة ضغط مضاعف على القوى الدولية التي تخشى من انهيار منظومة الاتصالات العالمية، خاصة في ظل العجز العسكري عن حسم المواجهات في جبهات أخرى.

تحليل

الإثنين 27 أبريل 2026 7:35 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يوقف رحلة إسلام آباد: تعثر المفاوضات مع إيران بين الإكراه وحدود القوة


 

واشنطن – سعيد عريقات – 27/4/2026

تحليل إخباري

بدا قرار الرئيس دونالد ترمب إلغاء رحلة كان من المقرر أن يقوم بها اثنان من كبار مساعديه إلى إسلام آباد لحظة كاشفة لحقيقة المسار المتعثر بين واشنطن وطهران. فالرحلة التي أُعدت لجولة جديدة من المحادثات بشأن اتفاق محتمل لإنهاء الحرب على إيران أُلغيت قبل ساعات من انطلاقها، في رسالة سياسية حملت أكثر مما حملته من دلالة إجرائية، وأكدت أن المفاوضات لا تزال بعيدة عن أي اختراق جدي حتى الآن.

وقال ترمب أنه أبلغ فريقه بعدم القيام "برحلة تستغرق ثماني عشرة ساعة للجلوس والتحدث بلا جدوى"، مضيفاً أن الولايات المتحدة " تمتلك كل الأوراق". هذا الخطاب يلخص فلسفة الرئيس الأميركي في إدارة الأزمات الخارجية، حيث يُنظر إلى التفاوض بوصفه امتداداً للضغط العسكري والاقتصادي، لا باعتباره مساراً مستقلاً لتسوية النزاعات المعقدة. وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه المقاربة أكثر تعقيداً وأقل فاعلية مما تتصوره واشنطن.

الخطوة الأميركية مثلت أيضاً انتكاسة ثانية للوساطة الباكستانية خلال أقل من أسبوع، بعدما ألغيت زيارة كان يُتوقع أن يقوم بها نائب الرئيس جي دي فانس إلى إسلام آباد. وتكشف هذه التطورات أن الإدارة الأميركية لم تمنح القناة الباكستانية الثقل السياسي الكامل، رغم ما تتمتع به باكستان من علاقات مفتوحة مع طهران وواشنطن، وقدرة نظرية على تسهيل الاتصالات بين الطرفين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

في المقابل، عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد بعد مغادرته بساعات، في مؤشر إلى أن طهران لا تزال ترى في الوساطة الباكستانية منفذاً قابلاً للاستثمار، أو على الأقل ساحة مناسبة لتبادل الرسائل السياسية قبل انتقاله إلى موسكو. وتحرص إيران عادة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد، من دون أن تقدم إشارات ضعف أو استعجال.

العقدة الأبرز أمام أي تفاوض تتمثل في استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، وهو إجراء يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة في طهران إلى تقديم تنازلات. غير أن إيران أعلنت مراراً رفضها التفاوض تحت الضغط، معتبرة أن أي اتفاق يُنتزع في ظل الإكراه يفتقر إلى الشرعية السياسية والسيادية. وبين الرغبة الأميركية في فرض شروطها، والإصرار الإيراني على الصمود، يتعثر المسار قبل أن يبدأ.

ولا تنفصل هذه الأزمة عن التوتر المتصاعد في مضيق هرمز، الممر الحيوي لصادرات النفط والغاز من الخليج. فقد واصل الطرفان احتجاز سفن واتهامها بانتهاك القيود المفروضة على الملاحة، ما يجعل البحر ساحة ضغط موازية لطاولة التفاوض. وأي حادث محدود في هذه المنطقة قادر على نسف أشهر من الاتصالات، ودفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع الفوري.

أما الملف النووي، فيظل القضية الأكثر تعقيداً. فالخلاف لا يقتصر على حجم التخصيب أو مستويات الرقابة، بل يشمل مبدأ الحق نفسه. إيران تقول إن معاهدة عدم الانتشار النووي تكفل لها حق تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، بينما تصر واشنطن على منع أي قدرة تضع طهران على مسافة قصيرة من إنتاج سلاح نووي. وهكذا يتحول الخلاف من تقني إلى سيادي واستراتيجي في آن واحد.

المفارقة أن ترمب يفاوض اليوم على أزمة ساهم بنفسه في تعقيدها عندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع عام 2015. صحيح أن الاتفاق السابق لم يكن مثالياً، لكنه فرض قيوداً صارمة وآليات تفتيش واسعة. أما الانسحاب الأميركي الأحادي فقد أضعف التيار البراغماتي داخل إيران، وعزز حجج المتشددين القائلين إن واشنطن لا تلتزم بتعهداتها، ثم دفع طهران إلى تسريع التخصيب وتوسيع مخزونها النووي.

وتكشف هذه الخلفية حدود الاعتقاد الأميركي المزمن بأن العقوبات والقوة العسكرية تكفيان لتغيير سلوك الدول المستهدفة. فالضغوط قد تُضعف الاقتصاد، لكنها لا تنتج تلقائياً استسلاماً سياسياً، بل كثيراً ما تعزز النزعة الدفاعية وتمنح السلطة ذرائع إضافية للتشدد. وفي الحالة الإيرانية، كلما تصاعد التهديد الخارجي، تراجعت فرص التيارات البراغماتية واتسع نفوذ المؤسسات الأمنية.

كما أن أسلوب اتخاذ القرار داخل الإدارة الأميركية يثير تساؤلات إضافية. فحين تُلغى الزيارات والمواعيد في اللحظة الأخيرة، تتآكل ثقة الوسطاء بجدية واشنطن، ويصعب البناء على تعهداتها. الدبلوماسية تحتاج شريكاً مستقراً يمكن توقع سلوكه، لا إدارة تتأرجح بين التصعيد والانكفاء تبعاً للحسابات اليومية أو المزاج السياسي.

في المقابل، تراهن طهران على ما تسميه “النفس الطويل”. فهي تدرك أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى إنجاز سريع يمكن تسويقه داخلياً، بينما تستطيع إيران، رغم الكلفة الباهظة، تحمل جمود أطول أمداً. ومن هنا تنبع إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية: الوقت. فكلما طال أمد الأزمة من دون انفجار شامل، تزداد الضغوط على واشنطن لإظهار نتيجة ما.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيران تمسك بزمام المبادرة كاملة. فهي تواجه اقتصاداً مثقلاً بالعقوبات، وتحديات اجتماعية داخلية، وضغوطاً أمنية متصاعدة. غير أن القيادة الإيرانية تبدو مقتنعة بأن تقديم تنازلات كبرى تحت الحصار سيكون أكثر كلفة من احتمال استمرار الأزمة، خصوصاً في ظل غياب ضمانات أميركية موثوقة بعد تجارب السنوات الماضية.

وإذا استمر منطق الإكراه الحالي، فقد تتحول المفاوضات إلى مجرد غطاء لإدارة الصراع لا لإنهائه. أما إذا أدركت واشنطن أن القوة وحدها لا تكفي، فقد تنشأ فرصة لتسوية تدريجية تقوم على تبادل الخطوات ورفع جزئي للعقوبات مقابل قيود قابلة للتحقق. السؤال الحقيقي لم يعد من يربح جولة التصريحات، بل من يملك تصوراً قابلاً للتنفيذ يحفظ ماء الوجه للطرفين.

حتى الآن، يبدو أن ترمب يريد اتفاقاً سريعاً يعلن من خلاله تفوقه على سلفه باراك أوباما، فيما تريد إيران اتفاقاً يضمن مصالحها ويمنع تكرار الانسحاب الأميركي مستقبلاً. وبين استعجال واشنطن وصبر طهران، تبقى رحلة إسلام آباد الملغاة رمزاً لفجوة واسعة لم تُردم بعد، ولصراع يتجاوز الأشخاص إلى تناقض عميق في فهم معنى القوة وحدودها.

التكهن الأول: تسوية مرحلية محدودة

ويعتقد الخبراء أن الاحتمال الأكثر واقعية بشأن المستقبل ،  يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي لا يعالج كل الملفات، بل يجمّد التصعيد ويمنح الطرفين وقتاً إضافياً. قد يشمل ذلك تخفيفاً جزئياً للعقوبات مقابل وقف بعض أنشطة التخصيب وتوسيع الرقابة الدولية. هذا السيناريو يناسب ترمب لأنه يوفر إنجازاً سريعاً، ويناسب إيران لأنه يمنحها متنفساً اقتصادياً من دون تنازلات استراتيجية كبرى. لكنه سيظل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة سياسية أو أمنية مفاجئة بين الجانبين لاحقاً.

أما السيناريو الثاني هو استمرار الوضع الحالي: اتصالات غير مباشرة، جولات تفاوض متباعدة، وتصعيد مضبوط لا ينزلق إلى حرب شاملة. ستواصل واشنطن الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بينما تواصل طهران المناورة وتوسيع أوراقها الإقليمية والنووية تدريجياً. هذا النمط قد يستمر أشهراً أو سنوات، لأنه يسمح للطرفين بتجنب التنازل الكامل أو المواجهة الكبرى. لكنه يراكم المخاطر ببطء، ويجعل أي حادث بحري أو أمني سبباً لانفجار غير محسوب في أي لحظة لاحقة.

وإذا ما أصر ترمب على شروط قصوى، أو قررت إيران رفع مستوى التخصيب والتحدي الإقليمي، فقد تنهار المفاوضات كلياً وتعود المنطقة إلى حافة الصدام المباشر. حينها قد تلجأ واشنطن إلى ضربات محدودة أو تشديد حصار أشد، بينما ترد طهران عبر مضيق هرمز أو عبر حلفائها في الإقليم. هذا السيناريو لا يضمن نصراً لأي طرف، بل يرفع الكلفة الاقتصادية والأمنية على الجميع، ويجعل العودة إلى الدبلوماسية أكثر صعوبة لاحقاً.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 7:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يقتحم مخيم قلنديا ويشن حملة اعتقالات واسعة شمال القدس

اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الاثنين، مخيم قلنديا الواقع شمال مدينة القدس المحتلة، حيث شرعت في تنفيذ حملة مداهمات واسعة طالت عشرات المنازل. وأفادت مصادر محلية بأن الاقتحام تخلله انتشار مكثف لقوات المشاة في الأزقة الضيقة للمخيم، وسط تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع وتواجد الآليات العسكرية عند المداخل الرئيسية.

ووثقت مقاطع مصورة اعتداءات جنود الاحتلال على ممتلكات المواطنين، حيث أظهرت المشاهد قيام الجنود بركل أبواب البنايات السكنية بعنف واقتياد شبان مكبلي الأيدي إلى جهات مجهولة. وذكرت المصادر أن حملة الاعتقالات طالت عدداً من المواطنين، عُرف منهم الأسير المحرر عرفات يعقوب، الذي جرى اعتقاله بعد مداهمة منزله والعبث بمحتوياته بشكل همجي.

وفي تصعيد ميداني لافت، أقدمت قوات الاحتلال على إخلاء أحد المنازل السكنية في المخيم من قاطنيه قسراً، وحولته إلى ثكنة عسكرية ونقطة مراقبة لجنودها. وتزامن ذلك مع دفع الجيش بتعزيزات عسكرية إضافية من حاجز قلنديا العسكري باتجاه عمق المخيم، لتأمين انسحاب القوات بعد إنهاء عمليات التفتيش والاعتقال التي استمرت لعدة ساعات.

وتأتي هذه التطورات بعد ساعات قليلة من إصابة شاب فلسطيني برصاص الاحتلال الحي بالقرب من الجدار الفاصل شمال مدينة القدس مساء الأحد. وبحسب شهود عيان، فإن جنود الاحتلال أطلقوا النار بشكل مباشر تجاه الشاب، مما أدى إلى إصابته بجروح، في سياق استهداف المزارعين والمارة بالقرب من المناطق الحدودية والفاصلة.

وتشهد مدن ومخيمات الضفة الغربية والقدس المحتلة تصاعداً غير مسبوق في وتيرة الاقتحامات والاعتداءات منذ أكتوبر 2023، حيث باتت المداهمات الليلية سلوكاً يومياً يهدف للتنكيل بالفلسطينيين. وتترافق هذه الاقتحامات عادة مع مواجهات ميدانية عنيفة، يسعى خلالها الاحتلال لفرض واقع أمني جديد عبر تكثيف التواجد العسكري في المناطق المكتظة بالسكان.

ووفقاً لأحدث البيانات الرسمية الفلسطينية، فإن اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية أسفرت عن استشهاد 1154 فلسطينياً وإصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين منذ بدء التصعيد الأخير. كما ارتفعت حصيلة الاعتقالات لتصل إلى قرابة 22 ألف حالة، في ظل ظروف اعتقالية صعبة يواجهها الأسرى داخل سجون الاحتلال.

عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 6:06 صباحًا - بتوقيت القدس

مقترح إيراني جديد لواشنطن: تسوية شاملة لمضيق هرمز وتأجيل الملف النووي

كشفت مصادر مطلعة عن تقديم طهران مقترحاً دبلوماسياً جديداً إلى الإدارة الأمريكية عبر وسطاء من باكستان، يهدف إلى وضع حد للنزاع القائم وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. ويأتي هذا التحرك في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً وضغوطاً اقتصادية متزايدة، حيث تسعى إيران من خلاله إلى إيجاد مخرج سياسي شامل للأزمة الراهنة.

ويتضمن العرض الإيراني بنداً جوهرياً يقضي بإرجاء المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي إلى مرحلة زمنية لاحقة، وذلك في إطار صفقة أوسع تضمن استقرار الممرات المائية الحيوية. وبحسب تقارير إعلامية، فإن هذه الخطوة تعكس رغبة طهران في فصل الملفات العالقة والتركيز على وقف العمليات القتالية ورفع الحصار البحري المفروض عليها كأولوية قصوى في الوقت الراهن.

من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انفتاحاً مشروطاً على فكرة التفاوض، مشيراً إلى أن الباب مفتوح أمام القيادة الإيرانية للتواصل إذا كانت هناك رغبة حقيقية لإنهاء الحرب التي انخرطت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، جدد ترمب تأكيده على الخطوط الحمراء لبلاده، مشدداً على أن امتلاك طهران للسلاح النووي هو أمر غير مسموح به تحت أي ظرف من الظروف.

وفي إطار الحراك الدبلوماسي المكثف، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سلسلة من المباحثات في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، رغم غياب الوفد التفاوضي الأمريكي الذي كان من المفترض أن يشارك في جولات غير مباشرة. وقد تركزت هذه اللقاءات على إطلاع الجانب الباكستاني، بصفته وسيطاً رئيسياً، على تفاصيل الشروط الإيرانية اللازمة للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار.

وتشمل المطالب الإيرانية التي نقلها عراقجي صياغة نظام قانوني دولي جديد ينظم الحركة في مضيق هرمز، بما يضمن حقوق كافة الأطراف ويمنع الاحتكاكات العسكرية المستقبيلة. كما طالبت طهران بالحصول على تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بها، بالإضافة إلى تقديم ضمانات دولية صارمة تمنع تكرار أي عدوان من قبل الدول التي تصفها بالمحرضة على الصراع.

وعلى الرغم من تعثر المسار التفاوضي المباشر بعد إلغاء زيارة مبعوثين أمريكيين بارزين إلى المنطقة، إلا أن عراقجي واصل جولته التي شملت سلطنة عُمان، مؤكداً على دور الوسطاء الإقليميين في تقريب وجهات النظر. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن التحركات الإيرانية تهدف إلى بناء شبكة أمان سياسية تضمن رفع الحصار البحري وتدفق السلع والخدمات دون عوائق عسكرية.

وفي تطور لافت، انتقل وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين في مدينة سان بطرسبرغ، لبحث تداعيات المفاوضات المتعثرة مع واشنطن. وأكد الكرملين عقد هذا الاجتماع الذي يهدف إلى تنسيق المواقف بين الحليفين، في ظل سعي موسكو للعب دور أكثر فاعلية في دفع جهود التهدئة وتخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط.

ووصف السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، هذه الزيارة بأنها جزء من 'الجهاد الدبلوماسي' لحماية المصالح الوطنية الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية المتصاعدة. وأشار جلالي إلى أن التعاون بين طهران وموسكو يمثل جبهة موحدة تهدف إلى كسر الأحادية القطبية والهيمنة الغربية، مؤكداً أن المشاورات ستتناول أيضاً سبل الوصول إلى وقف إطلاق نار شامل ينهي المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب.

اسرائيليات

الإثنين 27 أبريل 2026 5:36 صباحًا - بتوقيت القدس

كشف تفاصيل نشر منظومة القبة الحديدية وقوات إسرائيلية في الإمارات خلال المواجهة مع إيران

كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل تعاون عسكري غير مسبوق بين تل أبيب وأبوظبي، حيث أقدمت إسرائيل على نشر منظومة الدفاع الجوي 'القبة الحديدية' داخل الأراضي الإماراتيّة. وتضمنت هذه الخطوة إرسال بطاريات دفاعية متطورة برفقة عشرات الجنود والتقنيين التابعين للجيش الإسرائيلي للإشراف على تشغيلها وتكاملها مع أنظمة الدفاع المحلية. وتعد هذه العملية سابقة تاريخية، إذ لم يسبق للاحتلال أن نشر هذا النظام الدفاعي الحساس خارج حدوده الجغرافية منذ دخوله الخدمة.

وجاء هذا التحرك العسكري الاستراتيجي استجابة لطلب رسمي عاجل تقدمت به القيادة الإماراتية عقب تصاعد وتيرة الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت حيوية وعسكرية. وأفادت التقارير أن القرار النهائي اتُّخذ بعد مشاورات مباشرة واتصال هاتفي بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد. وقد هدفت هذه الخطوة إلى تعزيز المظلة الدفاعية للإمارات في مواجهة مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالإضافة إلى آلاف الطائرات المسيرة التي أطلقتها طهران خلال فترة الصراع.

وأكدت مصادر ميدانية أن منظومة القبة الحديدية أثبتت فاعلية كبيرة خلال فترة نشرها، حيث نجحت في اعتراض عشرات المقذوفات والصواريخ التي كانت تستهدف مناطق مدنية وعسكرية في العمق الإماراتي. ولم يقتصر التعاون على الجانب الدفاعي فحسب، بل امتد ليشمل تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً رفيع المستوى، تضمن تنفيذ ضربات استباقية مشتركة ضد منصات إطلاق الصواريخ داخل الأراضي الإيرانية. ويعكس هذا المستوى من التنسيق تحولاً جذرياً في طبيعة التحالفات الإقليمية الناشئة منذ توقيع اتفاقات التطبيع عام 2020.

وفي سياق متصل، نقلت مصادر إعلامية عن مسؤول إماراتي رفيع قوله إن الموقف الإسرائيلي المساند لبلاده خلال تلك الأزمة يمثل علامة فارقة في العلاقات الثنائية ولن يتم نسيانه. ورغم التحديات السياسية والتعقيدات التي تشهدها المنطقة، إلا أن الشراكة الأمنية بين الطرفين أظهرت متانة غير متوقعة في مواجهة التهديدات المشتركة. ويشير مراقبون إلى أن هذا التطور يضع أسساً جديدة للتعاون العسكري في المنطقة، قد تتجاوز مجرد صفقات التسلح إلى العمليات الميدانية المشتركة.

اقتصاد

الإثنين 27 أبريل 2026 4:35 صباحًا - بتوقيت القدس

قفزة في أسعار النفط العالمية عقب إلغاء مفاوضات أمريكية إيرانية في باكستان

سجلت أسواق الطاقة العالمية قفزة ملموسة في أسعار النفط الخام مع ساعات التداول الأولى ليوم الاثنين، وذلك في أعقاب الإعلان عن إلغاء جولة مفاوضات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران كان من المقرر عقدها في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وعكست هذه التحركات السعرية قلق المستثمرين من تعثر المسارات الدبلوماسية وتأثيرها على استقرار الإمدادات.

وبحسب بيانات التداول، صعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي تسليم شهر يوليو بنسبة بلغت 2.3%، ليتجاوز سعر البرميل عتبة 101.41 دولار. وفي ذات السياق، شهد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم يونيو ارتفاعاً بنسبة 2.15%، حيث استقر السعر عند 96.43 دولار للبرميل الواحد، مدفوعاً بحالة عدم اليقين السياسي.

وأفادت مصادر بأن هذا التصعيد السعري جاء مباشرة بعد إلغاء رحلة الوفد الأمريكي التي كان يقودها نائب الرئيس جاي دي فانس إلى باكستان. وكان من المنتظر أن تشكل هذه الزيارة منصة لإجراء مباحثات مباشرة مع الجانب الإيراني، إلا أن إلغاءها المفاجئ أعاد التوتر إلى واجهة المشهد الاقتصادي والسياسي.

اقتصاد

الإثنين 27 أبريل 2026 4:20 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع البحار الأربعة: استراتيجية طموحة لإعادة صياغة ممرات التجارة والطاقة العالمية

عادت التوترات الجيوسياسية وإغلاق الممرات المائية الحساسة مثل مضيق هرمز لتضع مشروع 'البحار الأربعة' تحت مجهر الاهتمام الدولي. ويُطرح هذا المشروع كواحد من أبرز التصورات الاستراتيجية الهادفة لإعادة تنظيم تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، بما يضمن استمرارية سلاسل الإمداد بعيداً عن مناطق النزاع التقليدية.

لا يتوقف طموح المشروع عند مجرد الربط التقليدي بين المسطحات المائية، بل يسعى لبناء منظومة متكاملة تعيد تعريف الدور المحوري للشرق الأوسط. ويهدف المخطط إلى جعل المنطقة جسراً حيوياً يربط بين القارة الآسيوية وأوروبا عبر شبكة نقل متعددة الوسائط تتجاوز العوائق الجغرافية والسياسية الراهنة.

تتمثل الركيزة الأساسية للمشروع في الربط بين أربعة مسطحات مائية كبرى هي الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى البحر الأسود. ويتحقق هذا الترابط من خلال دمج المسارات البرية والبحرية في شبكة واحدة تتيح فتح آفاق جديدة لنقل السلع الاستراتيجية ومصادر الطاقة عبر القارات.

يعتمد التنفيذ الميداني لهذا المشروع الضخم على إنشاء ممر بري استراتيجي يمر عبر الأراضي السورية والتركية، مدعوماً ببنية تحتية متطورة عابرة للحدود الوطنية. وتتضمن هذه البنية مد خطوط أنابيب عملاقة لنقل النفط والغاز، إلى جانب إنشاء شبكات سكك حديدية حديثة وطرق نقل سريعة تربط الموانئ ببعضها البعض.

تعتبر الموانئ المتطورة ومراكز تخزين وتسييل الطاقة جزءاً لا يتجزأ من هذه الرؤية، حيث تهدف هذه المرافق إلى تسهيل حركة الموارد الطبيعية بكفاءة عالية. ومن خلال هذه المنظومة، يمكن تقليل الاعتماد الكلي على الممرات البحرية التي تعاني من حساسية أمنية مفرطة وتؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسواق العالمية.

يتيح المشروع نقل موارد الطاقة الوفيرة من دول الخليج العربي وحوض بحر قزوين مباشرة إلى الموانئ السورية والتركية المطلة على المتوسط والأسود. ومن هناك، يتم إعادة توجيه هذه الإمدادات إلى الأسواق الأوروبية والدولية، مما يعزز من سرعة وصول الموارد إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية في العالم.

في ظل الاضطرابات الحالية في باب المندب ومضيق هرمز، يبرز مشروع البحار الأربعة كبديل بري آمن يقلل من المخاطر المرتبطة بالتهديدات العسكرية والأمنية. ويرى خبراء اقتصاد أن هذا التحول في هندسة التدفقات يمثل خطوة حاسمة نحو نظام إمداد عالمي أكثر تنوعاً واستقراراً، يضمن حماية الاقتصاد العالمي من الهزات المفاجئة.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 4:05 صباحًا - بتوقيت القدس

رغم مشقة السفر وواقع الدمار.. عشرات الجرحى الفلسطينيين يعودون إلى قطاع غزة

استقبل قطاع غزة دفعة جديدة من الجرحى الفلسطينيين الذين أنهوا رحلاتهم العلاجية في الخارج، حيث امتزجت مشاعر الفرح بالوصول مع مرارة الواقع الإنساني المعقد الذي يشهده القطاع. وأصر العائدون على العودة إلى ديارهم رغم حجم الدمار الهائل وفقدان المقومات الأساسية للحياة، في رسالة واضحة على التمسك بالأرض.

وأفادت مصادر بأن الرحلة كانت محفوفة بالمشاق والتحديات، لا سيما عند المعابر الحدودية التي تشهد إجراءات أمنية مشددة. ووصفت إحدى العائدات تجربتها بأنها كانت مجهدة للغاية، مشيرة في الوقت ذاته إلى الرعاية الطبية والإنسانية التي تلقتها في المستشفيات المصرية خلال فترة علاجها.

وعند وصولهم إلى مدينة خان يونس، وجد العائدون أنفسهم أمام واقع مؤلم، حيث اضطر الكثير منهم للتوجه مباشرة إلى خيام مراكز الإيواء. وتأتي هذه الخطوة القسرية بعد أن دمرت قوات الاحتلال منازلهم بشكل كامل خلال العمليات العسكرية التي استهدفت المناطق السكنية في القطاع.

وروت سيدة عائدة تفاصيل مؤلمة عن فقدان نجلها خلال رحلة العلاج، حيث عانى من تدهور حالته الصحية قبل وفاته بعيداً عن وطنه. ورغم هذا الفقد، أكدت السيدة أن غزة تظل في نظر أهلها جميلة رغم كل ما أصابها من دمار، معربة عن أملها في بدء مرحلة إعادة الإعمار قريباً.

من جانبهم، تحدث عائدون آخرون عن تعرضهم لممارسات تنكيلية من قبل جنود الاحتلال أثناء عبورهم، شملت التفتيش المهين ومصادرة المقتنيات الشخصية. وأكد أحد الشبان أن هذه الإجراءات، بما فيها التقييد والانتظار الطويل، لم تمنعه من الإصرار على العودة إلى غزة التي يراها خياره الوحيد.

وفي مشهد عاطفي، استقبلت العائلات أبناءها الجرحى بدموع الفرح بعد غياب استمر لسنوات في بعض الحالات، حيث ذكر أحد العائدين أنه غاب عن القطاع لنحو عامين ونصف. واعتبر الأهالي أن سلامة أبنائهم وعودتهم إلى حضن العائلة هي المكسب الأكبر في ظل هذه الظروف القاسية.

وتأتي عودة هذه الدفعة في ظل عمل محدود لمعبر رفح البري، الذي يواجه صعوبات تشغيلية بعد فترات إغلاق طويلة أثرت سلباً على حركة المرضى. ويواجه آلاف الجرحى في غزة تحديات جسيمة في الوصول إلى الرعاية الطبية اللازمة نتيجة انهيار المنظومة الصحية المحلية.

وأشارت مصادر ميدانية إلى أن الاحتلال لا يزال يمارس ضغوطاً أمنية على العائدين عبر إخضاعهم لتحقيقات مطولة وظروف انتظار قاسية. وتعتبر هذه الممارسات جزءاً من سياسة التضييق المستمرة التي تهدف إلى تعقيد حياة الفلسطينيين حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة.

يذكر أن قطاع غزة يحاول التعافي من آثار حرب مدمرة استمرت لعامين، وأسفرت عن سقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودمار غير مسبوق في البنية التحتية. وقد جعل هذا الواقع من السفر للعلاج ضرورة حتمية للكثير من الحالات التي لا يتوفر لها علاج داخل المستشفيات المدمرة.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الانتهاكات الإسرائيلية لا تزال تلقي بظلالها على حياة السكان. وتعكس شهادات الجرحى العائدين إصراراً شعبياً على البقاء والتكيف مع أصعب الظروف المعيشية، مفضلين العيش في الخيام على البقاء في الغربة.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 3:50 صباحًا - بتوقيت القدس

سلاح التجويع في غزة: رغيف الخبز يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي ومعاناة إنسانية

لم يعد الحصول على رغيف الخبز في قطاع غزة مجرد تفصيل يومي روتيني، بل استحال إلى معركة بقاء تعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من 2.2 مليون فلسطيني. هذا التحول من الوفرة إلى الندرة القاتلة يجسد انهياراً كاملاً في المنظومة التي كانت تؤمن الحد الأدنى من الأمن الغذائي للسكان المحاصرين.

تشير البيانات الميدانية إلى فجوة هائلة في الإمدادات، حيث يحتاج القطاع يومياً إلى نحو 450 طناً من الطحين لتلبية الاحتياجات الأساسية، بينما لا تتوفر فعلياً سوى كميات شحيحة لا تتجاوز 200 طن. هذه الأرقام تعني عملياً أن آلاف الأسر الفلسطينية تبيت ليلها دون الحصول على حصتها من الخبز، مما يحول النقص إلى واقع دائم.

قبل التصعيد الأخير، كانت غزة تعتمد على شبكة متطورة من المخابز التجارية والآلية ذات القدرة الإنتاجية العالية. أما اليوم، فقد تقلصت هذه الشبكة بشكل حاد، حيث تفيد تقارير دولية بأن 9 مخابز فقط لا تزال تعمل من أصل 30 مخبزاً كانت تتلقى دعماً مباشراً لتوفير الخبز بأسعار مقبولة.

تتراوح نسبة عمل المخابز التي استطاعت العودة للإنتاج بين 30% و50% في أفضل حالاتها، وهي تعتمد بشكل كلي على ما يوفره برنامج الغذاء العالمي من طحين وخميرة. هذا التراجع الحاد يعكس هشاشة البنية التحتية الإنتاجية التي استُهدفت بشكل مباشر أو غير مباشر خلال العمليات العسكرية المستمرة.

يبرز دور المنظمات الدولية كبرنامج الغذاء العالمي والمطبخ العالمي كفاعل رئيسي في محاولة احتواء الكارثة عبر توزيع مئات آلاف الوجبات يومياً. ومع ذلك، يظل هذا الدور مقتصراً على إدارة الأزمة دون تقديم حلول جذرية، في ظل سياسة الاحتلال التي تعتمد 'الإغاثة المقننة' كأداة للتحكم.

إن نموذج التدفقات الخارجية المحسوبة بدقة يبقي سلاح التجويع حاضراً كخيار استراتيجي يمكن تفعيله عند أي إغلاق للمعابر أو نقص في الوقود. وبمجرد نفاد الطحين أو الطاقة، تتوقف المنظومة الإغاثية بالكامل، مما يفسح المجال لظهور شبح المجاعة في مختلف مناطق القطاع.

تعد أزمة الوقود والطاقة عاملاً حاسماً في تعطيل ما تبقى من قدرات إنتاجية، حيث سجلت أسعار السولار ارتفاعاً قياسياً بنسبة 438%. هذا الارتفاع غير المسبوق جعل تشغيل الأفران الآلية أمراً مكلفاً للغاية وغير عملي في ظل غياب بدائل الطاقة المستدامة وشح غاز الطهي.

إلى جانب نقص الوقود، تبرز معضلة غياب قطع الغيار والمعدات اللازمة لصيانة الأفران التي تضررت بفعل القصف. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى قفزة جنونية في أسعار الخبز وصلت إلى 400%، مما أخرج هذه السلعة الأساسية عن متناول شريحة واسعة من الفقراء والنازحين.

لم تقتصر الأزمة على نقص العرض، بل امتدت لتشمل خللاً بنيوياً في آليات التوزيع وظهور أنماط من الاحتكار والسوق السوداء. المخابز المحلية وجدت نفسها في مواجهة معادلة مستحيلة بين تكاليف التشغيل الباهظة وخطر الاستهداف المباشر للعاملين والمنشآت في الميدان.

المخابز الآلية التي كانت تنتج سابقاً نحو 100 ألف رغيف يومياً، تعمل الآن بأقل من نصف طاقتها في أحسن الأحوال. غياب القدرة على إعادة التأهيل الفني ونقص المواد الخام جعل الإنتاج يتراجع إلى مستويات دنيا لا تلبي الحد الأدنى من الطلب المتزايد في مراكز الإيواء.

تتجلى التداعيات الصحية لهذه الأزمة في تزايد حالات سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل. كما لجأ أكثر من 55% من السكان إلى استخدام وسائل بدائية وخطيرة للطهي، مثل حرق البلاستيك والأخشاب، مما يضيف مخاطر صحية تنفسية إلى معاناة الجوع.

اقتصادياً، تسببت أزمة الخبز في انهيار القدرة الشرائية المتهالكة أصلاً وفقدان آلاف فرص العمل في قطاع المخابز والخدمات المرتبطة به. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن نحو 41% من السكان فقدوا قدرتهم المستقرة على الوصول للغذاء، مما ينذر بكارثة اجتماعية طويلة الأمد.

على الصعيد القانوني، تثير هذه الأزمة المصطنعة تساؤلات جوهرياً حول فاعلية القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استخدام التجويع كوسيلة حرب. إن استمرار عرقلة وصول الإمدادات الغذائية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني للوفاء بالتزاماته تجاه المدنيين في المناطق المحاصرة.

في الختام، تظل أزمة الرغيف في غزة شاهداً على سياسة العقاب الجماعي المنهجية التي تتجاوز مجرد نقص الموارد لتصل إلى استهداف الكرامة الإنسانية. إن ضمان الحق في الغذاء ليس مطلباً إغاثياً فحسب، بل هو اختبار لمدى قدرة العالم على الانتصار لقيمه في القرن الحادي والعشرين.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 3:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الانتخابات المحلية الفلسطينية: مشاركة متوسطة وتحديات أمنية وسياسية تفرض التزكية في مدن كبرى

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، مساء الأحد، النتائج الرسمية لانتخابات الهيئات المحلية التي جرت في الضفة الغربية والقدس ومدينة دير البلح بقطاع غزة. وأظهرت البيانات الرسمية أن نسبة التصويت النهائية بلغت 53.4%، حيث مارس أكثر من نصف مليون فلسطيني حقهم الانتخابي في مراكز الاقتراع الموزعة على مختلف المحافظات.

وشهدت العملية الانتخابية تبايناً حاداً في نسب المشاركة بين المناطق، إذ بلغت النسبة في محافظة القدس 43.9% شملت خمس هيئات محلية فقط، بينما سجلت مدينة الخليل واحدة من أقل نسب التصويت بواقع 30% رغم ضخامة كتلتها الناخبية. وفي المقابل، حُسمت النتائج في 197 هيئة محلية عن طريق التزكية، مما أثار تساؤلات حول تراجع التعددية في مراكز الثقل السكاني.

وفي مشهد لافت، أصر المسن الفلسطيني نادر شعبان، البالغ من العمر 97 عاماً، على التوجه لمركز الاقتراع في قرية الجلمة شمال جنين للإدلاء بصوته. وأكد شعبان أن دافعه هو أداء الواجب الوطني ودعم من يراه الأنسب لخدمة المجتمع، رغم تشكيكه في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير جذري في ظل الواقع القائم.

وعلى الصعيد الميداني، سجلت مدينة دير البلح في قطاع غزة سابقة انتخابية بإجراء الاقتراع في 12 مركزاً لأول مرة منذ أكثر من عقدين، حيث بلغت نسبة المشاركة فيها 22.7%. وقد اضطرت لجنة الانتخابات لتمديد فترة التصويت في المدينة لساعة إضافية لتمكين المواطنين من الوصول إلى الصناديق في ظل الظروف الاستثنائية.

وفي مدينة نابلس، سادت حالة من الاستياء بعد إعلان فوز قائمة عنان الأتيرة بالتزكية، وهو ما حرم نحو 89 ألف ناخب من ممارسة حقهم في الاختيار. ووجه مرشحون مستقلون اتهامات للأجهزة الأمنية الفلسطينية بممارسة ضغوط حالت دون اكتمال قوائمهم المنافسة، مما أدى لتعطيل العملية الديمقراطية في المدينة.

وأوضح الأكاديمي محمد دويكات أنه قدم طعناً رسمياً للجنة الانتخابات بعد تعرض مرشحين في قائمته للاحتجاز من قبل جهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة. وأشار دويكات إلى أن هذه الاستدعاءات تسببت في عدم قدرته على تسجيل القائمة في الموعد المحدد، معتبراً ما جرى تغييباً قسرياً للمنافسة الانتخابية الحقيقية.

وبرز شرط 'الاعتراف بالتزامات منظمة التحرير' كعائق أساسي أمام مشاركة واسعة، حيث اعتبرته قوى سياسية ودينية شرطاً إقصائياً يتناقض مع أسس التعددية. وأدى هذا البند إلى مقاطعة فصائل وازنة للانتخابات، سواء بالامتناع عن الترشح أو دعوة المناصرين لعدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، مما أثر بوضوح على الزخم الانتخابي.

من جانبه، رأى المحلل السياسي أكرم النتشة أن تراجع الإقبال مقارنة بانتخابات عام 2022 يعود أيضاً إلى انشغال المواطن بالهموم اليومية وتصاعد اعتداءات الاحتلال. وأضاف النتشة أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة جعلت من الحدث الانتخابي قضية ثانوية لدى قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني.

ولم تكن العملية الانتخابية بمعزل عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، حيث أفادت مصادر محلية بإصابة 6 مواطنين خلال مداهمة جنود الاحتلال لمركز اقتراع في مدينة الخليل. كما شهد مخيم العروب مواجهات عقب إغلاق الصناديق، في حين قام مستوطنون بقطع الطرق المؤدية لبعض القرى في محيط القدس لعرقلة وصول الناخبين.

وفي سياق التحليل السياسي، اعتبر الناشط عمر عساف أن اشتراط الالتزام ببرنامج المنظمة يفرغ العملية الانتخابية من جوهرها الديمقراطي ويحولها إلى إجراء شكلي. وحذر عساف من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى عزوف دائم للمواطنين عن المشاركة في أي استحقاقات وطنية أو تشريعية مستقبلية.

بالمقابل، أشار أستاذ العلوم السياسية أيمن يوسف إلى أن هذه الشروط قد تكون نتاج ضغوط دولية تهدف لضمان استقرار المسار السياسي الفلسطيني بعد أحداث أكتوبر. وأوضح يوسف أن نتائج هذه الانتخابات ستكون مؤشراً هاماً لمستقبل تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية في ظل تعثر ملف المصالحة بين فتح وحماس.

وتشير المعطيات إلى أن غياب الانتخابات في مدن كبرى مثل رام الله وقلقيلية يعكس أزمة في تشكيل القوائم والقدرة على المنافسة في ظل الاستقطاب الحاد. فبينما ذهبت رام الله للتزكية، فشلت قلقيلية تماماً في تقديم أي قائمة مرشحة، مما يضع الهيئات المحلية أمام تحديات قانونية وإدارية في المرحلة المقبلة.

وعلى الرغم من التحديات، اعتبرت مصادر رسمية أن إجراء الانتخابات في هذا التوقيت يمثل رسالة حول قدرة المؤسسات الفلسطينية على إدارة الشأن الداخلي. وأكدت لجنة الانتخابات أنها عملت وفق القانون لضمان نزاهة العملية، رغم كافة الاعتراضات السياسية والقانونية التي رافقت مراحل التسجيل والاقتراع.

ويبقى التحدي الأكبر أمام المجالس المحلية المنتخبة هو تقديم خدمات ملموسة للمواطنين بعيداً عن التجاذبات السياسية التي طغت على المشهد. فالمواطن الفلسطيني، كما عبر عن ذلك المشاركون في الاقتراع، ينتظر برامج خدماتية ترتقي بواقع القرى والمدن وتواجه التحديات الاقتصادية المتفاقمة.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 3:36 صباحًا - بتوقيت القدس

تجاوزت 72 ألفاً.. حصيلة ثقيلة لضحايا العدوان المستمر على قطاع غزة

كشفت مصادر طبية في قطاع غزة، اليوم الأربعاء، عن تحديث جديد ومأساوي لحصيلة ضحايا العدوان المستمر، حيث سجلت الأرقام ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الشهداء والجرحى. وتأتي هذه الإحصائيات لتوثق حجم المعاناة الإنسانية المتفاقمة منذ بدء التصعيد العسكري في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، في ظل صمت دولي مطبق تجاه المجازر اليومية.

وأفادت المصادر أن المستشفيات العاملة في مختلف مناطق القطاع استقبلت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 17 شهيداً و32 إصابة متفاوتة الخطورة. وأوضحت البيانات الرسمية أن من بين هؤلاء الضحايا، ارتقى 13 مواطناً في غضون الـ 24 ساعة الأخيرة فقط، ما يؤكد استمرار استهداف المناطق السكنية المأهولة بالمدنيين دون سابق إنذار.

وفي إحصائية تعكس حجم الدمار منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، سجلت الجهات الطبية ارتفاع إجمالي الشهداء خلال تلك الفترة إلى 809 شهداء، فيما تجاوز عدد الجرحى حاجز 2,267 مصاباً. وتعمل الكوادر الطبية في ظروف قاسية للغاية مع نقص حاد في المستلزمات والأدوية الأساسية اللازمة لإنقاذ حياة المصابين الذين يتدفقون إلى مراكز الإيواء والمشافي المتبقية.

وعلى صعيد العمليات الميدانية، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال 761 جثماناً كانت عالقة تحت أنقاض المباني المدمرة في عدة أحياء بقطاع غزة. وتواجه هذه الفرق تحديات هائلة نتيجة نقص المعدات الثقيلة والوقود اللازم لتشغيل الآليات، مما يجعل عملية البحث عن ناجين أو انتشال الشهداء مهمة شبه مستحيلة في كثير من الأحيان.

وحذرت السلطات الصحية من أن الأرقام المعلنة رسمياً لا تشمل كافة الضحايا الفعليين، إذ لا يزال مئات المواطنين في عداد المفقودين تحت ركام منازلهم أو في الطرقات الوعرة التي يصعب الوصول إليها. وأكدت المصادر أن استمرار القصف العنيف يمنع طواقم الإسعاف من أداء مهامها في إجلاء الجثامين، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية إضافية في المناطق المستهدفة.

وشددت الجهات الطبية على أن العجز الكبير في إمكانيات الإنقاذ يحول دون إغاثة العالقين حتى اللحظة، في وقت يواصل فيه الاحتلال فرض حصاره المشدد ومنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية. وناشدت المؤسسات الدولية بضرورة التدخل الفوري لتوفير ممرات آمنة للطواقم الطبية وضمان حماية المدنيين والمنشآت الصحية التي باتت في مرمى النيران بشكل مباشر.

اسرائيليات

الإثنين 27 أبريل 2026 3:05 صباحًا - بتوقيت القدس

تآكل الدعم الأمريكي للاحتلال: مخاوف إسرائيلية من تحولات الديمقراطيين والجمهوريين

تواجه دولة الاحتلال أزمة دبلوماسية متصاعدة في الولايات المتحدة، حيث تشير التقارير إلى تدهور ملموس في مكانتها ليس فقط داخل المعسكر الديمقراطي التقليدي، بل وأيضاً بين صفوف الجمهوريين. ويرى مراقبون أن استمرار حكومة اليمين المتطرف الحالية في سياساتها قد يؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه في العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.

أكد شلومو شامير، خبير الشؤون الأمريكية أن مناقشة التراجع غير المسبوق في التأييد الأمريكي باتت ضرورة ملحة لا يمكن التغاضي عنها. وحذر شامير من الاكتفاء بالرضا عن العلاقة مع دونالد ترامب، مشيراً إلى أن التحولات العميقة في الرأي العام الأمريكي تتجاوز التحالفات الشخصية العابرة.

تظهر القراءات السياسية فرقاً جوهرياً في طبيعة الدعم بين الحزبين؛ فبينما كان الديمقراطيون يعتبرون التعاطف مع إسرائيل جزءاً من هويتهم السياسية التاريخية، يعتمد الجمهوريون في دعمهم على حسابات سياسية ومصالح متغيرة. هذا التمييز لا يزال قائماً ويؤثر بشكل مباشر على كيفية اتخاذ القرارات في واشنطن تجاه قضايا الشرق الأوسط.

يسود القلق في الأوساط الإسرائيلية من شخصيات ديمقراطية بارزة مثل السيناتور بيرني ساندرز، الذي يوصف في الأوساط اليمينية الإسرائيلية بالتشدد تجاه سياسات الاحتلال. كما يبرز اسم جافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا، كشخصية طموحة للرئاسة تحمل مواقف نقدية حادة تجاه الممارسات الإسرائيلية الحالية.

على الجانب الجمهوري، تتصاعد المخاوف من نفوذ شخصيات مثل ستيف بانون وجي دي فانس، حيث يُنظر إلى الأخير بوصفه تهديداً جدياً نظراً لمواقفه التي توصف بالعدائية تجاه إسرائيل. وقد نجح فانس في إبعاد شخصيات كانت تعتبر جسوراً للتواصل مع تل أبيب، مثل جاريد كوشنر، عن دوائر صنع القرار.

تشير الإحصاءات البرلمانية الأخيرة إلى تحول مقلق، حيث أيد 40 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ قراراً بتأجيل بيع معدات عسكرية ثقيلة للاحتلال. كما صوت 36 عضواً آخرين لصالح منع بيع القنابل، مما يعكس فجوة متزايدة بين الإدارة الأمريكية والقاعدة التشريعية للحزب الديمقراطي.

تتهم مصادر إسرائيلية حكومة بنيامين نتنياهو بالعمى السياسي تجاه التطورات الداخلية في الولايات المتحدة، حيث يتم تصوير ترامب في الداخل الإسرائيلي كحليف مطلق بينما يواجه انتقادات حادة من كبار الجمهوريين. هذا التباين في الرؤية يعكس انفصالاً عن الواقع الدبلوماسي والأخلاقي الذي تمر به واشنطن حالياً.

يرى محللون أن وجود وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش في مراكز القرار يشوه صورة إسرائيل بشكل غير مسبوق في العواصم الغربية. هؤلاء الوزراء يمثلون بالنسبة للمجتمع الدولي وجهاً متطرفاً يصعب الدفاع عنه، مما يضعف موقف المدافعين عن إسرائيل في المحافل الدولية.

أوضح آريك يوف، رئيس الحركة الإصلاحية اليهودية أن الدعم الأمريكي وصل إلى أدنى مستوياته التاريخية، معتبراً أن نتنياهو يمثل جزءاً كبيراً من هذه المعضلة. وأشار إلى أن الرأي العام الأمريكي بات يربط بين شخص نتنياهو وبين إسرائيل ككيان واحد، مما يزيد من حدة الانتقادات الموجهة للدولة ككل.

تنتقد الأوساط السياسية غياب الوعي الإسرائيلي بالأثر السلبي الذي تتركه الحكومة الحالية على الساحة الدولية، خاصة في واشنطن التي تعتبر الحليف الأهم. ويُعزى هذا الفشل إلى إصرار الائتلاف الحاكم على اتباع أجندات أيديولوجية تتصادم مع القيم الديمقراطية التي تدعيها الإدارة الأمريكية.

هناك فجوة كبيرة في التحرك الدبلوماسي الإسرائيلي، حيث يغيب قادة المعارضة عن الساحة الأمريكية ولا يبذلون جهداً كافياً للتواصل مع الجاليات اليهودية أو الناشطين المجتمعيين. هذا الغياب يترك الساحة خالية للرواية التي تربط إسرائيل بالكامل بسياسات الليكود واليمين المتطرف.

تؤكد التقارير أن الانتقادات الأمريكية الموجهة حالياً ليست موجهة ضد وجود إسرائيل بحد ذاته، بل ضد سياسات الحكومة الحالية وشخصياتها المحورية. ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج قد يؤدي تدريجياً إلى تحول النقد من المستوى الحكومي إلى المستوى الوجودي والشرعي.

يعتقد خبراء أن استعادة الدعم التقليدي في الولايات المتحدة تتطلب تغييراً جذرياً في القيادة السياسية الإسرائيلية واستبدالها بحكومة أكثر عقلانية. ويرى هؤلاء أن الانتخابات القادمة قد تكون الفرصة الأخيرة لتقليل الأضرار الناجمة عن سياسات الحكومة الحالية وإعادة بناء الجسور مع الحزبين.

في الختام، يبدو أن الخلل في الدعم الأمريكي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بجيل شاب متمرد، بل أصبح توجهاً مؤسسياً يتغلغل في مراكز القوى. إن بقاء إسرائيل رهينة لأهواء سياسية داخلية قد يكلفها خسارة الغطاء الدولي الأهم الذي تمتعت به لعقود طويلة.

فلسطين

الإثنين 27 أبريل 2026 2:20 صباحًا - بتوقيت القدس

14 شهيداً في غارات إسرائيلية على لبنان وحزب الله ينفذ كميناً بمسيرات FPV في الطيبة

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن ارتقاء 14 شهيداً، من بينهم طفلان، وإصابة نحو 37 آخرين جراء سلسلة غارات جوية شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في جنوب لبنان. ويأتي هذا التصعيد الدامي في ظل خروقات مستمرة لاتفاق الهدنة الذي بدأ سريانه في السابع عشر من أبريل الجاري، مما ينذر بانهيار التفاهمات الميدانية الهشة.

وأفادت مصادر رسمية بأن جيش الاحتلال لم يكتفِ بالغارات الجوية، بل نفذ عمليات نسف وتدمير ممنهجة للمنازل والبنى تحتية في المنطقة الواقعة بين بلدتي يارون وبنت جبيل. وترافقت هذه العمليات مع تحذيرات وجهها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لسكان سبع بلدات جنوبية بضرورة إخلائها فوراً، بزعم وجود نشاطات عسكرية لحزب الله فيها.

في المقابل، نفذ حزب الله عملية عسكرية مركبة في بلدة الطيبة الحدودية، أسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة ستة آخرين بجروح متفاوتة، وصفت حالة أربعة منهم بالخطرة. وبحسب البيانات الميدانية، فقد بدأت العملية باستهداف دقيق لقوة إسرائيلية كانت تحاول إصلاح دبابة من طراز 'ميركافا' في ساحة البلدة، على عمق نحو 3.5 كيلومترات من الحدود.

وأوضحت مصادر ميدانية أن الحزب استخدم في هجومه مسيرات انتحارية صغيرة الحجم من نوع (FPV)، والتي تتميز بدقة عالية وقدرة على المناورة للوصول إلى أهداف حساسة. وقد أظهرت لقطات بثتها وسائل إعلام إسرائيلية لحظة انفجار إحدى هذه المسيرات قرب تجمع للجنود، مما أحدث حالة من الإرباك الشديد في صفوف القوة المتواجدة بالمكان.

ولم يتوقف الهجوم عند الضربة الأولى، بل امتد ليشمل قوة الإنقاذ التابعة للوحدة '669' المختصة بالإخلاء الطبي، والتي تدخلت لنقل المصابين عبر المروحيات والآليات البرية. وخلال محاولة الإخلاء، أطلق الحزب مسيرتين إضافيتين، تمكنت أنظمة الدفاع من اعتراض إحداهما، بينما انفجرت الثانية على مسافة قريبة جداً من موقع الهبوط، مما أجبر المروحية على الإقلاع الفوري تحت التهديد.

ووثقت كاميرات مثبتة على خوذ الجنود الإسرائيليين لحظات الرعب خلال الاستهداف الثاني، حيث أظهرت المشاهد دقة المسيرات في تتبع الأهداف المتحركة والثابتة في ساحة المعركة. وتعكس هذه العمليات تطوراً في تكتيكات حزب الله من خلال استخدام تقنيات التحكم عن بُعد التي تتيح إصابة فتحات الدبابات والمواقع المحصنة بدقة متناهية.

وأشارت تقارير متابعة إلى أن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت استخداماً مكثفاً لهذا النوع من السلاح الجوي، حيث أطلق الحزب أكثر من سبع طائرات مسيرة انتحارية. واستهدفت هذه الهجمات تجمعات لجنود الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية المحتلة وفي نقاط قريبة من الشريط الحدودي، مما أدى إلى عرقلة التحركات العسكرية الإسرائيلية بشكل ملحوظ.

وفي مدينة حيفا، استقبل مستشفى 'رمبام' عدداً من الجرحى الذين تم نقلهم عبر المروحيات العسكرية من موقع العملية في بلدة الطيبة. وأكدت المصادر الطبية الإسرائيلية أن الإصابات ناتجة عن شظايا الانفجارات المباشرة للمسيرات، مشيرة إلى أن بعض الحالات لا تزال في غرف العناية المركزة نظراً لخطورة الجراح التي أصيبوا بها.

من جهتها، تواصل فرق الدفاع المدني والإسعاف في جنوب لبنان انتشال الضحايا من تحت أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية الأخيرة. وتواجه الفرق الطبية صعوبات بالغة في الوصول إلى بعض المناطق المستهدفة بسبب استمرار التحليق المكثف للطيران الحربي والاستطلاعي الإسرائيلي الذي لا يغادر الأجواء اللبنانية.

ويرى مراقبون أن هذا التصعيد المتبادل يضع اتفاق الهدنة على المحك، خاصة مع توسيع إسرائيل لنطاق استهدافاتها لتشمل المدنيين والبنى التحتية بشكل مباشر. وفي المقابل، يظهر حزب الله قدرة على التكيف مع الظروف الميدانية واستخدام أسلحة نوعية لفرض معادلات جديدة في المواجهة البرية المستمرة عند الحافة الأمامية للحدود.

عربي ودولي

الإثنين 27 أبريل 2026 1:36 صباحًا - بتوقيت القدس

حراك دبلوماسي إيراني في موسكو: عراقجي يلتقي بوتين لتعزيز مسار المفاوضات

كشفت مصادر دبلوماسية عن توجه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى مدينة سان بطرسبرغ الروسية في زيارة رسمية تكتسب أهمية استراتيجية بالغة. ومن المقرر أن يلتقي عراقجي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إطار ما وصفته طهران بـ 'الجهاد الدبلوماسي' لحماية المصالح الوطنية ومواجهة التهديدات الخارجية المتزايدة.

تأتي هذه المحطة الروسية بعد سلسلة من التحركات المكثفة التي شملت العاصمة الباكستانية إسلام أباد وسلطنة عُمان، حيث تسعى طهران لعرض رؤيتها للمستجدات المتعلقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة. وأكد السفير الإيراني في موسكو، كاظم جلالي أن اللقاء المرتقب مع بوتين يهدف إلى تعزيز التنسيق في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.

وفي سياق متصل، أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، محمد إسحاق دار، عن رفع القيود الأمنية حول الفندق الذي يستضيف الوفود المشاركة في المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن. وتعكس هذه الخطوة تقدماً تقنياً في مسار الوساطة التي تقودها باكستان لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.

من جانبه، شدد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي، ليونيد سلوتسكي، على أن موسكو تضطلع بدور محوري لتسوية الصراع القائم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وأوضح سلوتسكي أن بلاده تولي أهمية قصوى لاستمرار المسار التفاوضي، سواء في إسلام أباد أو عبر أي إطار دولي آخر يضمن التهدئة.

وأشار المسؤول الروسي إلى أن الكرملين يرحب بالجهود الإقليمية المبذولة، وخص بالذكر الدور الذي يقوم به أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وأكد أن روسيا تسعى لتوحيد كافة الجهود الدولية للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي حالة التصعيد العسكري في المنطقة.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن عودة عراقجي السريعة إلى إسلام أباد قبل توجهه لموسكو كانت تهدف لإبلاغ الجانب الباكستاني، بصفته وسيطاً، بشروط إيران النهائية لإنهاء الحرب. وتتضمن هذه الشروط وضع نظام قانوني جديد للملاحة في مضيق هرمز، وضمان الحصول على تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بالبلاد.

كما تصر طهران في رؤيتها التفاوضية على ضرورة تقديم ضمانات دولية تمنع وقوع أي عدوان مستقبلي من قبل الدول التي تصفها بـ 'المحرضة على الحرب'. ويشمل ذلك المطالبة برفع الحصار البحري بشكل كامل وفوري كجزء من أي اتفاق شامل ينهي الأزمة الراهنة.

وفيما يتعلق بالملف النووي، أعاد سلوتسكي طرح مقترح نقل اليورانيوم عالي التخصيب من إيران إلى الأراضي الروسية، واصفاً إياه بـ 'الخيار العقلاني'. ومن المتوقع أن يتصدر هذا الملف المباحثات الفنية بين عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف خلال الساعات القادمة.

ووصف الجانب الروسي وزير الخارجية الإيراني بأنه 'دبلوماسي ماهر' قادر على إدارة الملفات المعقدة في وقت حساس. وترى موسكو أن الوضع في إيران بات صعباً للغاية نتيجة التصعيد المستمر، مما يتطلب دفعاً قوياً نحو المسار التفاوضي بدلاً من الانزلاق نحو المواجهة المباشرة.

وأكدت مصادر من موسكو أن هناك تنسيقاً وثيقاً يجري حالياً مع عدد من الدول العربية لصياغة اتفاق يحفظ مصالح كافة الأطراف المتضررة من النزاع. وترحب روسيا بأي دور عربي يسهم في إنهاء العمليات القتالية ويوفر بيئة مستقرة للأمن الإقليمي.

وشددت روسيا على لسان مسؤوليها أنها لا تسعى لاستخدام 'أدوات ضغط' على الأطراف، بل تركز على دور 'صانع السلام' الذي يغلب لغة الحوار. وترى موسكو أن توسيع رقعة الصراع لتشمل دولاً إقليمية أخرى هو أمر غير صائب وسيؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

وتأتي زيارة عراقجي في وقت تترقب فيه الأوساط الدولية نتائج الحراك الدبلوماسي في سان بطرسبرغ، حيث قد تشكل التفاهمات الإيرانية الروسية حجر الزاوية في أي اختراق مستقبلي. ويسعى الطرفان لبلورة موقف موحد تجاه المطالب الأمريكية والشروط الإسرائيلية المرتبطة بالملف الإقليمي.

ختاماً، يبقى الرهان على قدرة الوسطاء في إسلام أباد ومسقط، مدعومين بالثقل الروسي، على إقناع واشنطن بتقديم تنازلات متبادلة. وتظل الأنظار شاخصة نحو ما سيسفر عنه لقاء بوتين وعراقجي من قرارات قد تغير مسار المواجهة في الشرق الأوسط.