تعيش الساحة السياسية في بغداد حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث لم تعد عملية تشكيل الحكومة العراقية شأناً داخلياً صرفاً، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بظلال التأثيرات الدولية والإقليمية. ويظهر المشهد الحالي أن مسار اختيار رئيس الوزراء الجديد بات جزءاً من حسابات حرب مفتوحة تتقاطع فيها المصالح بين طهران وواشنطن، وصولاً إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد.
تنتظر القوى السياسية، وتحديداً داخل الإطار التنسيقي، ما سيسفر عنه «الدخان الأبيض» من المحادثات الإيرانية الأمريكية برعاية باكستانية. هذا الانتظار يعكس إدراكاً عميقاً بأن نتائج هذا التفاوض ستعيد تعريف موازين النفوذ في المنطقة، وتحدد بالتبعية مواصفات الشخصية المطلوبة لقيادة المرحلة المقبلة في العراق، سواء كان رجل تسوية أو رئيساً يخضع للتوازنات الإقليمية.
على الرغم من كسر حلقة الانسداد السياسي بانتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في الحادي عشر من نيسان الجاري، إلا أن الكرة لا تزال في ملعب القوى الشيعية. فقد نجح المكون الكردي في إنتاج تسوية اللحظة الأخيرة بين أربيل والسليمانية، مما وضع الإطار التنسيقي أمام استحقاق تسمية مرشح الكتلة الأكبر دون مزيد من الذرائع الإجرائية.
تتأرجح الخيارات داخل الإطار التنسيقي بين ثلاثة مسارات رئيسية، أولها التجديد لمحمد شياع السوداني الذي يقود حالياً حكومة تصريف أعمال، وثانيها عودة نوري المالكي إلى المشهد، وثالثها الدفع باسم توافقي مثل باسم البدري. هذا الصراع لا يدور حول برامج سياسية، بل هو صراع تموضعات بانتظار إشارات خارجية تضمن استقرار الحكومة العتيدة.
تواجه طموحات العودة لبعض الشخصيات فيتو أمريكياً واضحاً، حيث بعثت واشنطن بإشارات رفض صريحة لعودة المالكي. وفي المقابل، يبدو أن الجانب الإيراني، المنشغل بملفات وجودية في المنطقة، يفضل رئيساً غير صدامي يحافظ على استقرار الساحة العراقية ولا يربك الحسابات المعقدة في مواجهة الضغوط الدولية.
بغداد قررت أن تنتظر ما إذا كانت التسوية ستولد في إسلام آباد قبل أن تولد حكومتها في المنطقة الخضراء.
في غضون ذلك، يحاول السوداني تبني سياسة «العراق أولاً» والنأي بالبلاد عن صراعات الوكالة، إلا أن هذه السياسة تصطدم بواقع «الدولة المزدوجة». فبينما تسعى الحكومة للحياد، تواصل فصائل مسلحة تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف قواعد أمريكية وأهدافاً إقليمية، مما يضع السيادة العراقية في اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي.
لقد كشفت الحرب الإقليمية هشاشة مفهوم السيادة في العراق، حيث تجد الحكومة نفسها في موقع المساءلة عن أفعال قوى مسلحة لا تخضع لسيطرتها الكاملة. هذا التداخل بين منطق الدولة واللادولة جعل بعض التحليلات تصف السياسة الحالية في بغداد بأنها مجرد «احتواء للعجز» بدلاً من كونها سياسة حياد فاعلة ومؤثرة.
تعتبر واشنطن أن أي حكومة عراقية قادمة يجب ألا تكون مجرد امتداد لشبكات النفوذ الإيرانية، بينما ترى طهران في منصب رئاسة الوزراء خط دفاع متقدماً لمصالحها. هذا التضارب يحول الاستحقاق الدستوري العراقي إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، مما يفسر حالة الجمود السياسي التي تزامنت مع انطلاق مفاوضات إسلام آباد.
على الصعيد الداخلي، يفاقم هذا الانتظار من الكلفة الاقتصادية والاجتماعية على المواطن العراقي، حيث تشهد صادرات النفط تراجعاً كبيراً وسط مخاوف من اضطراب الممرات المائية. الفراغ السياسي الحالي ليس مجرد تأخير إداري، بل هو خسارة مركبة تضع استقرار البلاد الاقتصادي على المحك في ظل غياب موازنات وخطط تنموية واضحة.
في نهاية المطاف، تظل المعضلة العراقية متمثلة في الصراع بين منطقين: منطق يريد انتزاع العراق من محاور الحرب وجعله دولة ذات سيادة، ومنطق يراه ساحة تابعة للصراعات الكبرى. وحتى يحسم الخارج تفاهماته، ستبقى بغداد تراقب دخان إسلام آباد، في مفارقة قاسية تعكس ارتهان القرار الوطني للتوازنات العابرة للحدود.





شارك برأيك
مخاض الحكومة العراقية: بغداد تترقب «دخان إسلام آباد» الأبيض لحسم هوية رئيس الوزراء