شهد القصر العدلي في العاصمة السورية دمشق حدثاً استثنائياً بامتثال عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، أمام المحكمة الجنائية في أولى جلساتها العلنية. وتأتي هذه المحاكمة ضمن سلسلة إجراءات قانونية تستهدف رموز النظام السابق، وعلى رأسهم بشار الأسد الذي يحاكم غيابياً في قضايا تتعلق بالانتهاكات الجسيمة.
حظيت الجلسة باهتمام حقوقي وإعلامي واسع النطاق، كونها تمثل سابقة قضائية في محاسبة الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها بالشرارات الأولى للاحتجاجات السورية في عام 2011. وقد تركزت الأنظار على المسار القانوني وما قد يسفر عنه من نتائج تاريخية في سياق العدالة الانتقالية والمساءلة الوطنية.
رغم الطابع الرسمي والمهيب للمحكمة، انصب تركيز المتابعين على السلوك الشخصي لعاطف نجيب ولغة جسده التي عكست بروداً وتماسكاً غير متوقعين. وقد أثارت طريقة جلوسه ونظراته الحادة تجاه الحضور تساؤلات عديدة حول الحالة الذهنية التي يمر بها المتهم في مواجهة التهم الموجهة إليه.
كانت اللحظة الأكثر استفزازاً في الجلسة هي ضحك المتهم عند رفع صورة الطفل الشهيد حمزة الخطيب، وهو ما فتح نقاشاً عميقاً حول طبيعة الشخصية الإجرامية. هذا التصرف دفع الخبراء للبحث في الآليات النفسية التي تسمح للمجرم بالانفصال عن الواقع الإنساني والألم الذي تسبب به للآخرين.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور ملهم الحراكي، استشاري الطب النفسي أن تماسك المجرمين في مثل هذه المواقف قد يكون خادعاً للمراقب الخارجي. وأشار إلى أن الشخص الذي يمارس العنف والقتل بشكل روتيني يفقد القدرة على التفاعل العاطفي الطبيعي مع مرور الزمن.
وأضاف الحراكي أن تكرار ممارسة الانتهاكات يؤدي إلى تراجع فاعلية مناطق معينة في الدماغ، وتحديداً اللوزة الدماغية المسؤولة عن المشاعر. ونتيجة لذلك، تطفأ مشاعر الخوف والذنب والتعاطف، مما يجعل المتهم يبدو غير مكترث بالألم الذي يراه الآخرون بوضوح.
المجرم الذي اعتاد القتل بشكل متكرر لا يتفاعل كالإنسان الطبيعي، حيث تُطفأ داخله مشاعر الخوف والذنب والتعاطف.
من منظور علم النفس الجنائي، اعتبرت تحليلات محلية أن لغة جسد نجيب هي امتداد لمنظومته الإدراكية وطريقة فهمه لموقعه في العالم. فغياب الندم في سياق محاكمة تتعلق بضحايا بمليارات الدولارات وانتهاكات جسيمة يشير إلى إعادة تأطير ذهني كامل للأفعال المرتكبة.
ويرى المحللون أن المتهم قد لا يرى نفسه مذنباً بالمعنى التقليدي، بل يعتبر نفسه مجرد منفذ لدور وظيفي داخل منظومة شرعنت له هذه الأفعال. هذا الانفصال الأخلاقي يسمح له بالحفاظ على توازنه النفسي الظاهري رغم فظاعة الجرائم المنسوبة إليه في لائحة الاتهام.
كما يُفسر سلوك نجيب داخل القاعة بأنه محاولة يائسة لاستعادة 'السيطرة الرمزية' في فضاء فقد فيه سلطته الفعلية المطلقة. فبينما تحوله المحكمة إلى موضع مساءلة، يحاول هو عبر نظراته وتصرفاته إرسال رسائل ضمنية بأنه لا يزال يمتلك نوعاً من الهيمنة.
يرتبط هذا السلوك أيضاً بمفهوم 'التطبيع مع العنف'، حيث تؤدي البيئات القمعية الممنهجة إلى إعادة تشكيل وعي الأفراد المنخرطين فيها. فالعنف في هذه المنظومات لا يُنظر إليه كخرق للمبادئ الأخلاقية، بل كأداة وظيفية ضرورية للحفاظ على كيان السلطة.
وخلصت القراءات النفسية إلى أن غياب الاعتراف أو الندم يعزز الشعور بوجود قطيعة عميقة بين مسار العدالة والبنية الذهنية للمتهم. فالمحكمة تسعى لترسيخ قيم الحق والإنصاف، بينما يرفض المتهم الاعتراف بوجود خطأ أخلاقي أو قانوني في ممارساته السابقة.
ورغم أن برود المتهم قد لا يغير من الوقائع القانونية الثابتة، إلا أن استمرار هذا السلوك يزيد من معاناة الضحايا وذويهم الذين ينتظرون لحظة إنصاف معنوي. وتبقى هذه المحاكمة اختباراً حقيقياً لقدرة القانون على كسر جدار الإنكار الذي يتسلح به رموز الحقبة الماضية.




