شهدت منصات التواصل الاجتماعي السورية، فجر الثلاثاء، موجة واسعة من التفاعل عقب تداول مقاطع مصورة مسربة من داخل سجن صيدنايا العسكري، الذي يُعرف بسمعته السيئة كأحد أبرز مراكز الاحتجاز والتعذيب التابعة للنظام السوري السابق. وتُظهر هذه التسجيلات مشاهد قاسية من داخل أروقة السجن، مما أعاد تسليط الضوء على ملف المعتقلين والمفقودين في سوريا.
وبحسب البيانات الظاهرة في المقاطع المسربة، فإن تاريخ تسجيلها يعود إلى الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وهو ما يعني أنها التُقطت قبل نحو ستة أيام فقط من الانهيار المتسارع لنظام بشار الأسد. وقد أثار هذا التوقيت تساؤلات عميقة بين الناشطين والحقوقيين حول كيفية خروج هذه المواد إلى العلن ودلالات توقيت نشرها في هذه المرحلة الانتقالية.
المقاطع التي نُشرت في البداية عبر حساب شخصي على منصة 'فيسبوك' قبل أن يتم حذفها لاحقاً، وثقت ظروفاً مأساوية للمعتقلين داخل غرف الاحتجاز. حيث ظهر عدد من السجناء بملابس موحدة وهم يجلسون على الأرض بوجوههم نحو الحائط، في وضعيات مهينة تعكس طبيعة التعامل القمعي الذي كان سائداً داخل جدران هذا المعتقل.
كما تضمنت التسريبات لقطات لغرفة المراقبة المركزية في السجن، والتي تحتوي على عشرات الشاشات المرتبطة بكاميرات موزعة في مختلف الأقسام. ويُعتقد أن هذه الغرفة كانت المركز الأساسي لإدارة الرقابة والسيطرة على المعتقلين، مما يجعل من الوصول إلى أرشيفها الكامل مطلباً ملحاً للمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية.
وفي مشهد آخر، أظهرت المقاطع غرفة مخصصة لاستقبال زيارات الأهالي، حيث بدا أحد العناصر العسكرية وهو يستجوب رجلاً وسيدة خلف قضبان حديدية حول هوية المعتقل وصلة القرابة. هذه المشاهد أعادت للأذهان معاناة آلاف العائلات التي قضت سنوات طويلة في محاولات مضنية لمعرفة مصير أبنائها المغيبين خلف تلك القضبان.
من جانبها، أعربت سوسن العبار، المعتقلة السابقة وعضو رابطة الناجيات السوريات، عن قلقها إزاء حالة الغموض التي تكتنف ملف السجن بعد سقوط النظام. وأكدت في تصريحات صحفية أن التعامل مع هذا الملف الحساس لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، داعية إلى ضرورة توخي الشفافية والوضوح في كشف الحقائق المتعلقة بالانتهاكات.
وطالب ناشطون سوريون بفتح تحقيق فوري وشامل للكشف عن مصدر هذه التسريبات والجهة التي تضع يدها حالياً على الأرشيف الرقمي للسجن. وأشار الناشط صبحي البصاص إلى أن نشر هذه المقاطع دون سياق قانوني أو حقوقي واضح يثير الشكوك، محذراً من تحويل آلام الضحايا إلى مادة للتداول الإعلامي دون تحقيق العدالة.
التعامل مع ملف سجن صيدنايا لم يكن بالشكل المطلوب منذ لحظة سقوط النظام، ويجب تحديد الجهة المسؤولة عن نشر هذه الفيديوهات.
وفي سياق متصل، ظهر الناشطان عمر نزهت وحمزة عباس في تسجيل مصور لتوضيح بعض الملابسات، حيث أكدا أن المواد المسربة تم تسليمها بالفعل إلى الجهات المختصة لمتابعتها. ومع ذلك، لم يقدم الناشطان تفاصيل إضافية حول هوية هذه الجهات أو طبيعة الإجراءات التي سيتم اتخاذها حيال هذه الوثائق البصرية الهامة.
هذه التطورات أعادت إلى الواجهة قضية سرقة أجهزة الكمبيوتر والوثائق الرسمية من سجن صيدنايا، وهي القضية التي حذرت منها 'رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا' في وقت سابق. وتخشى المنظمات الحقوقية من أن يؤدي ضياع هذا الأرشيف إلى طمس الأدلة التي قد تساهم في كشف مصير آلاف المختفين قسرياً وتحديد المسؤولين عن الجرائم.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الشخص الذي نشر المقاطع كان من بين أوائل الذين دخلوا السجن عقب انسحاب قوات النظام، ويُرجح أنه حصل على قرص صلب يحتوي على تسجيلات الكاميرات. ويبدو أن الدافع وراء النشر كان البحث عن معلومات تخص شقيقه المعتقل، دون إدراك كامل للأبعاد القانونية والسياسية لنشر مثل هذه المواد الحساسة.
يُذكر أن سجن صيدنايا قد وُصف من قبل منظمات دولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، بأنه 'مسلخ بشري' نظراً لحجم الإعدامات الجماعية والتعذيب الممنهج الذي شهده. وقد وثقت المنظمة إعدام نحو 13 ألف شخص شنقاً في السجن خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، في ظل تعتيم كامل من قبل السلطات.
وتشير إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن هناك أكثر من 96 ألف سوري لا يزالون في عداد المختفين قسرياً، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً منهم مر عبر زنازين صيدنايا. ومع سقوط النظام، تحول السجن إلى مزار لمئات العائلات التي تبحث عن أي أثر لذويها، وسط آمال وتخوفات من اكتشاف مقابر جماعية في محيطه.
ورغم عمليات البحث المكثفة التي نفذتها فرق الدفاع المدني السوري في مرافق السجن وأقبيته، لم يتم العثور على معتقلين أحياء بعد هروب الحرس. هذا الواقع زاد من تعقيد المشهد، حيث تتجه الأنظار الآن نحو الوثائق والتسجيلات المسربة كخيط أمل وحيد لفك رموز الجرائم التي ارتكبت خلف تلك الجدران الصماء.
ويبقى ملف سجن صيدنايا أحد أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة السورية المعاصرة، حيث يمثل رمزاً للقمع والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. وتشدد الأوساط الحقوقية على أن المحاسبة والعدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق دون الكشف الكامل عن مصير المفقودين وحماية الأرشيف الأمني من الضياع أو التلاعب.





شارك برأيك
تسريبات مصورة من داخل سجن صيدنايا تثير ضجة واسعة ومطالبات بالتحقيق