يرى مراقبون أن الخطورة الحقيقية في الصراعات الكبرى لا تكمن فقط في المواجهات العسكرية المباشرة، بل في تحول الوعي الشعبي إلى ساحة معركة بديلة. حيث يتم استبدال الإدراك العميق بالانحيازات العاطفية، ويغدو الاصطفاف الأعمى بديلاً عن التفكير العقلاني، مما يجعل الحقيقة الضحية الأولى في صراع الإرادات.
إن إعادة تشكيل العقول على مقاس ردود الأفعال اللحظية يؤدي إلى إنتاج سرديات خاصة تبتعد عن كشف الواقع وتعمق الجهل. فالأمم لا تنهض إلا بالعلم وترتيب الأولويات ونبذ الخلافات، بينما يؤدي غياب الرؤية الواضحة إلى السقوط في مستنقع التبعية والتجزئة والتخلف الذي ينهك القوى الحية.
بالنظر إلى نماذج دولية، نجد أن أمماً مثل اليابان استطاعت النهوض من رماد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية عبر بناء حضارة قائمة على قناعات وطنية وحسابات دقيقة. هذه الحسابات اعتمدت على وعي المصالح بعيداً عن العواطف المحتقنة، وهو ما يفتقده الواقع العربي الراهن الذي يعاني من تفكك وتدهور في مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية.
تعيش المنطقة العربية حالة من التردي تتمثل في التسابق لإرضاء القوى الخارجية والبحث عن صكوك الغفران من الخصوم التاريخيين. هذا الواقع يعكس غياب الحضور السياسي الفاعل على الساحة الدولية، وعدم الالتفات لحاجات الشعوب الأساسية في التطور والتقدم، مما يجعل المواقف العربية مجرد ردود أفعال ساذجة.
تتسم المواقف الشعبية في بعض الأحيان بالهشاشة، حيث لا يتم إدراك المخاطر المحدقة إلا بعد فوات الأوان. ويبرز اللوم اليوم على الشعوب التي شكلت مواقفها صدمة في وعيها للمصالح الحقيقية، حيث تداخلت الرغبات الشخصية مع الوقائع السياسية المعقدة في مشهد يفتقر للرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
لا يمكن إغفال الجروح التي سببتها السياسات الإيرانية في المنطقة، خاصة ما جرى في سوريا من تدخلات عسكرية مباشرة عبر أذرعها المختلفة. هذه التدخلات التي تمت بالتحالف مع روسيا أدت إلى كوارث إنسانية كبرى، شملت مقتل مئات الآلاف وتهجير الملايين، وهو واقع لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه عند تقييم الموقف.
رغم هذه الجراح، تبرز معضلة في العقل العربي حين ينادي البعض بالتحالف مع الاحتلال الصهيوني لمواجهة النفوذ الإيراني. هذا التوجه يعكس خللاً في تفكيك الذهنية العربية التي باتت مزيجاً من تيارات نفسية وثقافية متصارعة، تحاول الهروب من خطر بالارتماء في أحضان خطر أشد فتكاً وتاريخية.
ليس أخطر ما في الصراعات أن تتبادل القوى المتحاربة التهديد، بل أن يتحوّل وعيُنا بها إلى ساحة أخرى للمعركة حيث تُصاغ المواقف على إيقاع الانحياز.
ينقسم الرأي العام العربي تجاه الصراع إلى تيارات عدة، منها من يتبنى قاعدة 'عدو عدوي صديقي' نتيجة العداء التاريخي مع الولايات المتحدة. هذا التيار يرى في أي قوة تتحدى الهيمنة الغربية نوعاً من التعاطف الظرفي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تأييداً كاملاً للمشروع الإيراني في المنطقة.
في المقابل، يظهر تيار يخشى التمدد الإقليمي الإيراني ويرى فيه الخطر الأقرب الذي يهدد الهوية والاستقرار. هذا التوجه قد يدفع البعض للقبول بدور أمريكي أو صهيوني كنوع من التوازن، وهي مقاربة يصفها محللون بالكارثية لأنها ترهن أمن المنطقة لقوى استعمارية لا تبحث إلا عن مصالحها الخاصة.
هناك أيضاً العقلية البراغماتية التي تضع استقرار الدول، خاصة في منطقة الخليج، كأولوية قصوى فوق أي اعتبار آخر. هذه الفئة، التي تضم قطاعات واسعة من الشباب والمثقفين، تشعر بالإرهاق من الصراعات المستمرة وتطمح للتركيز على التنمية والسلم الاجتماعي بعيداً عن محاور الاستقطاب الإقليمي والدولي.
يعاني جزء كبير من الشارع العربي من 'ازدواج عاطفي'، حيث يرفض السياسات الأمريكية وفي الوقت ذاته يقلق من النفوذ الإيراني. هذا التذبذب ينتج موقفاً قلقاً يبحث عن قوة ثالثة مفقودة تستطيع مواجهة الغرب ولجم التمدد الإقليمي دون دفع أثمان باهظة من السيادة العربية.
تلعب الذاكرة التاريخية دوراً حاسماً في تلوين المواقف؛ فمن اكتوى بنيران التدخلات الأمريكية يميل لرفض واشنطن، ومن عانى من الصراعات المرتبطة بطهران يتحفظ عليها. هذا التعقيد يجعل العقلية العربية تبدو متناقضة، لكنها في جوهرها تعبير عن وعي مأزوم بين الرغبة في الكرامة والخوف من الفوضى الشاملة.
تؤكد القراءات الاستراتيجية أن الخطر الأمريكي الصهيوني يظل الأشد فتكاً بالمنطقة نظراً لطبيعته الاستعمارية الشاملة. فبينما يمكن مواجهة النفوذ الإيراني أو لجمه عبر تحالف عربي قوي ومستقل، فإن التبعية للمشروع الأمريكي تؤدي إلى خسارات مستمرة لا تنتهي، وتجعل العرب مجرد رعايا في منظومة القوى الدولية.
إن مصلحة المنطقة تكمن في كسر شوكة الاستكبار الخارجي لضمان عدم استباحة الشرق الأوسط عسكرياً في المستقبل. التحالفات الإقليمية، حتى مع الخصوم، تظل ممكنة إذا بنيت على أسس من القوة والندية، بدلاً من البقاء في دائرة الخوف والقلق التي تحركها زعامات هشة تفتقر للشرعية الشعبية والرؤية الوطنية.





