عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لحركة النهضة التونسية

يأتي صدور كتاب 'الاعتدال العنيد' للقيادي في حركة النهضة التونسية العجمي الوريمي، ليمثل محاولة جادة لترميم الذاكرة السياسية المهددة بالتشظي. فبالرغم من الحضور الطويل للحركة في المشهد التونسي منذ السبعينيات، إلا أن إنتاجها التوثيقي ظل محدوداً مقارنة بحجم تجربتها المعقدة.

يعتبر الكتاب أكثر من مجرد تجميع لمقالات ودراسات، بل هو أرشيف فكري يعيد تركيب صورة جيل كامل من الإسلاميين التونسيين. هؤلاء الذين تشكل وعيهم بين أروقة الجامعة وزنازين السجون، وصولاً إلى إكراهات الممارسة السياسية في الحكم.

يقدم أحمد عبد النبي، في تقديمه للكتاب، العجمي الوريمي بوصفه 'مثقفاً عضوياً' يتفاعل مع الواقع ويجعل من الفكر أداة للممارسة. فالكتاب يطمح لبناء 'سيرة ذهنية' لرجل تحرك طويلاً بين التنظيم والتأمل النظري في إدارة الصراع السياسي.

تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه يتيح قراءة تطور العقل السياسي الإسلامي من الداخل، بعيداً عن البيانات الرسمية الجامدة. فالنصوص المنشورة كتبت في لحظات تاريخية مختلفة، مما يسمح بتتبع التحولات الفكرية العميقة التي طرأت على الحركة.

يشير عنوان الكتاب 'الاعتدال العنيد' إلى رؤية سياسية تتجاوز السلوك الشخصي للكاتب، لتعبر عن منهج في التفكير. فالاعتدال هنا هو خيار واعٍ يرفض الإقصاء، بينما يمثل العناد تمسكاً بالخيارات الفكرية الكبرى رغم الضغوط والتحولات.

يعكس الكتاب كيف انتقلت حركة النهضة من مرحلة العمل الطلابي والصدام الأيديولوجي، إلى مواجهة الدولة ثم تجربة السجن الطويلة. هذا المسار يمنح القارئ فرصة نادرة لرؤية التعددية الداخلية والنقاشات الحقيقية حول إدارة الخلاف وآليات اتخاذ القرار.

يبرز التكوين الفلسفي للعجمي الوريمي، واهتمامه المبكر بفكر يورغن هابرماس، كعامل أساسي في صياغة رؤيته المنفتحة. فالرجل لم يتشكل داخل بيئة دعوية مغلقة، بل حاول المزاوجة بين المرجعية الإسلامية وأسئلة الحداثة والسياسة المعاصرة.

يحتل راشد الغنوشي موقعاً مركزياً في الكتاب، حيث يرى الوريمي في مشروعه محاولة لتأسيس إسلام سياسي يجعل الحرية جوهر الفكرة. هذه العلاقة تتجاوز الولاء التنظيمي إلى تقاطع فكري يرى في الإصلاح مساراً ممتداً وليس مجرد تكتيك ظرفي.

تحضر تجربة السجن في الكتاب كفضاء لإنتاج المعنى وإعادة التفكير، وليس فقط كأداة للقمع السلطوي. فسنوات العزلة الطويلة ساهمت في بناء وعي تأملي يميل إلى فهم التعقيدات السياسية بدلاً من إطلاق الأحكام القطعية المطلقة.

يساهم الكتاب في تفكيك الصورة النمطية التي تقدم الحركات الإسلامية ككيانات أحادية التفكير أو مغلقة على نفسها. فما يظهر من خلال النصوص هو وجود صراعات رؤى ومحاولات مستمرة لإيجاد توازن بين وحدة التنظيم وحرية الاجتهاد الفردي.

يصدر هذا العمل في لحظة حرجة يعيشها الإسلام السياسي في تونس والمنطقة العربية، بعد سنوات من الصعود والانكسار. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمة مضافة كونه يحاول إعادة التفكير في مسار كامل من خلال مراجعات نقدية من داخل التجربة.

يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة الإسلاميين على إنتاج مراجعات فكرية حقيقية دون القطيعة مع هويتهم. ورغم أن الكتاب لا يقدم إجابات جاهزة، إلا أنه يفتح آفاقاً واسعة للباحثين لفهم العلاقة بين المثقف والتنظيم.

إن 'الاعتدال العنيد' هو وثيقة سياسية وشهادة فكرية لجيل عاش تقلبات الجامعة والسجن والثورة وصولاً إلى الانقلاب السياسي. وهو بذلك لا يكتفي بسرد الماضي، بل يسعى لجعل التاريخ مادة حية للتفكير في مستقبل العمل السياسي.

في نهاية المطاف، يمثل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة السياسية العربية، حيث يسد فراغاً معرفياً استغلته لسنوات سرديات الخصوم. إنه دعوة لفهم العقل النهضوي في تجلياته المختلفة، بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده المنطقة.

تحليل

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

انكسار شعار 'أمريكا أولاً': كيف ورطت الحرب مع إيران إدارة ترامب في مأزق الجغرافيا؟

مثّل صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة ذروة التيار الشعبوي الذي تمحور حول شعار 'أمريكا أولاً'. هذا التوجه لم يكن مجرد دعاية، بل تعاقداً سياسياً لإنهاء استنزاف الموارد الأمريكية في صراعات خارجية لا تنتهي وإعادة التركيز على الاقتصاد الداخلي.

ومع ذلك، واجه هذا الخطاب اختباراً تاريخياً قاسياً مع اندلاع المواجهة العسكرية ضد إيران، مما كشف عن فجوة عميقة بين الوعود الانتخابية والواقع الجيوسياسي. لقد وجد الناخب الأمريكي نفسه أمام حرب لم يصوت لأجلها، بل صوت صراحة ضد تكرارها في منطقة الخليج.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم العسكري المباغت ضد طهران جاء بعد الانقلاب على مسار المفاوضات التي كانت قريبة من تسوية ثنائية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس استجابة لاعتبارات أمنية تخص حكومة نتنياهو أكثر من كونها مصلحة قومية أمريكية عليا.

لقد أحدث هذا التورط صدمة داخل قاعدة حركة 'ماكا' القومية، التي تؤمن بالانعزالية وترفض دور 'الشرطي العالمي'. هذا الجمهور لا يرى مصلحته في حروب بحرية معقدة، مما ينذر بشرخ داخلي بين ترامب وقاعدته التي بدأت تشعر بتنفيذ أجندات النخب التي كانت تعاديها.

يرى المفكر الأمريكي جيفري ساكس أن هذه المواجهة هي 'حرب أوهام'، بنيت على تقديرات خاطئة بإمكانية إخضاع طهران بالقوة العسكرية. ويبدو أن القرار لم يمر عبر القنوات المؤسساتية التقليدية، بل كان نتاج تفاهم شخصي مباشر بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.

استثمر نتنياهو لسنوات في بناء سردية تعتبر إيران تهديداً وجودياً يتجاوز الملف النووي ليشمل نفوذها الإقليمي. ونجح في إقناع الإدارة الأمريكية بأن ضربات مركزة كفيلة بإسقاط النظام الإيراني أو دفعه للتراجع الجذري، وهو ما أثبت الواقع عدم صحته.

سقطت هذه المقاربة الأمنية أمام صمود الدولة الإيرانية، مما أدى إلى تكاليف جيوسياسية باهظة لم تكن في الحسبان. فقد ارتفعت أسعار الطاقة عالمياً واضطربت حركة الملاحة الدولية، مما وضع الاقتصاد العالمي في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

برز مضيق هرمز كعنصر حسم استراتيجي في هذه المواجهة، حيث منحت الجغرافيا طهران قدرة على استنزاف الوجود البحري الأمريكي. وبدلاً من 'الصفقة السريعة' التي يفضلها ترامب، دخلت واشنطن في حرب استنزاف بطيئة ومكلفة تفتقر لأي أفق سياسي واضح.

وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في حرج دولي وهي تستجدي دعم الحلفاء الأوروبيين لتأمين ممرات الملاحة، وهو ما يتعارض كلياً مع عقيدة الانعزالية. هذا التردد الدولي أظهر واشنطن معزولة نسبياً بسبب قرارات لم تُدرس تداعياتها الاستراتيجية بعناية كافية.

تتعالى الأصوات الفكرية في الغرب مؤكدة أن جذور التوتر في المنطقة لا تكمن في طهران بل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وتعتبر هذه الأصوات أن إسرائيل تعمد إلى توسيع الصراعات الخارجية للهروب من استحقاقات السلام العادل وإقامة الدولة الفلسطينية.

إن محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر كسر 'العقدة الإيرانية' أثبتت فشلها في معالجة جوهر الأزمة. فغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية يظل الوقود الحقيقي لكل الصراعات الإقليمية التي تمنح الأطراف المختلفة مبررات للحضور العسكري والأيديولوجي.

وضعت هذه الحرب 'الترامبية' في مأزق سياسي يصعب تبريره أمام القواعد الشعبية التي سئمت التدخلات الخارجية. لقد أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية الفائقة لا يمكنها دائماً التغلب على حقائق الجغرافيا السياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط.

تظهر الخلاصة أن الطريق نحو تهدئة المنطقة لا يمر عبر التصعيد العسكري مع القوى الإقليمية، بل عبر معالجة القضية المركزية في القدس ورام الله وغزة. إن إنهاء الاحتلال هو المفتاح الوحيد لإغلاق أبواب الصراع التي استنزفت القوى الدولية لسنوات طويلة.

في نهاية المطاف، كشفت الحرب عن محدودية الخطاب الشعبوي عندما يصطدم بالواقع، حيث بدت الجغرافيا أقوى من الشعارات. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة النظام السياسي الأمريكي على استعادة توازنه بعيداً عن تأثير اللوبيات التي تدفع نحو حروب الوكالة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق يكشف مأساة اختفاء عشرات الأطفال في غزة وتصاعد أعداد المفقودين تحت الأنقاض

تواجه العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مأساة متفاقمة مع تصاعد أعداد الأطفال المفقودين، حيث تشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين إلى أن نحو 2700 طفل لا تزال جثامينهم مدفونة تحت أنقاض المنازل المدمرة. وبالتوازي مع هذه الأرقام الصادمة، يُرجح اختفاء نحو 200 طفل آخرين في ظروف غامضة مرتبطة بالنزوح القسري أو القرب من نقاط التماس مع قوات الاحتلال.

سلط تحقيق صحفي حديث الضوء على هذه الظاهرة، مستعرضاً قصصاً إنسانية مؤلمة لأطفال اختفوا من مخيمات النازحين أو أثناء بحثهم عن الطعام. ويأتي هذا الطرح في وقت يتجاهل فيه الإعلام العبري غالباً حجم الكارثة الإنسانية في القطاع، مما يعطي هذه الشهادات أهمية استثنائية في توثيق معاناة المدنيين.

من بين الحالات التي وثقها التحقيق، قصة الطفل محمد غبن البالغ من العمر أربع سنوات، والذي فقد أثره قبل ثلاثة أسابيع من خيمة عائلته في بيت لاهيا شمال القطاع. وأفادت والدته لمصادر إعلامية بأن طفلها كان يلعب أمام الخيمة قبل أن يختفي فجأة في غضون عشر دقائق فقط، دون ترك أي أثر يدل على مكانه.

وتشير التقارير إلى أن حالة محمد ليست معزولة، إذ تعج منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات المحلية في غزة بنداءات يومية من عائلات تبحث عن أطفالها المفقودين. وتتراوح أعمار معظم هؤلاء الأطفال بين ثلاث وعشر سنوات، مما يزيد من خطورة وضعهم في ظل الفوضى الأمنية والإنسانية التي خلفها العدوان المستمر.

ويرتبط اختفاء بعض الأطفال بشكل مباشر بالعمليات العسكرية، حيث فُقد أثر عدد منهم بعد اقترابهم من محور نتساريم أو نقاط توزيع المساعدات. وهناك مخاوف جدية من تعرض هؤلاء الأطفال لإطلاق نار مباشر أو الاعتقال من قبل قوات الاحتلال التي تفرض حصاراً مشدداً على تلك المناطق.

وفي قصة أخرى تعكس حجم الصدمات النفسية، اختفى الطفل سامر أبو جامع البالغ من العمر عشر سنوات قرب مدينة رفح في شهر مارس الماضي. وكان سامر يعاني من اضطرابات نفسية حادة نتيجة مشاهدته لعمليات قتل مروعة خلال الحرب، مما جعله في حالة من الانغلاق النفسي قبل فقدانه.

وتحدثت والدة سامر بمرارة عن غياب أي معلومات حول مصير ابنها، مشيرة إلى أنها تراه في أحلامها باستمرار وهو يبكي طلباً للمساعدة. وأكدت العائلة عزمها على مواصلة البحث رغم الظروف القاسية، مطالبة الجهات الدولية بالتدخل لمعرفة ما إذا كان محتجزاً أو مصاباً.

على الصعيد الميداني، نفت الأجهزة الأمنية في غزة وقوع عمليات خطف منظمة، وأرجعت حالات الاختفاء إلى الضياع الناتج عن النزوح المتكرر أو الخلافات العائلية. واتهمت مصادر محلية جهات مرتبطة بالاحتلال بنشر شائعات تهدف إلى إثارة الذعر وزعزعة الاستقرار الداخلي في مجتمع النازحين.

وكشف التحقيق عن أساليب ابتزاز يمارسها الاحتلال، حيث تعرضت عائلة الطفلة 'زينة' لمساومة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية بعد قصف منزل جيرانهم. وطالب ضابط مخابرات العائلة بتقديم معلومات أمنية مقابل الكشف عن مصير ابنتهم المفقودة، وهو ما رفضته العائلة بشكل قاطع.

من جهتها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها تتعامل مع آلاف الطلبات المفتوحة لمفقودين في غزة، لكن قدرتها على التحرك تظل محدودة للغاية. وتعرقل سلطات الاحتلال وصول الطواقم الدولية إلى المعتقلين أو تزويدهم بقوائم الأسماء، مما يترك آلاف العائلات في حالة من القلق الدائم على مصير أبنائهم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

يأخذ كل سفينة غصباً!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

مع كل محاولة اغتيالٍ فاشلةٍ للرجل المفتون بذاته المتضخمة، فإن على العالم أن يحبس أنفاسه من رد فعل "الرجل المجنون"؛ الذي يرى في نجاته قدراً، وفي حروبه نعماً على البشرية، التي ينبغي لها أن تدعو له بطول العمر حتى يبلغ "سن الرشد السياسي". يرى أن على خصومه أن يبلعوا ألسنتهم، "فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وعلى المرأة جارة القاعة الفارهة في البيت الأبيض أن تسحب دعواها القضائية، فلو كانت الاحتفالية داخل تلك القاعة لما وقعت المحاولة الفاشلة!
لا يترك الرجل حادثة دون أن يستثمر فيها ترهيباً لخصومه وتحريضاً لأنصاره؛ فالبطل في خطر. وبعد "أصفهان" التي جرّب فيها عملية الإنزال، أرسل سُفنه وحاملات طائراته إلى أعالي البحار ليحاصر حصاره، فبدأ يمارس هواية الملك الظالم: "يأخذ كل سفينة غصباً"، بينما يغط العالم في الظلام ويتضور عطشاً لـ"إكسير الحياة" الذي يحشره في المضيق، ولا فرق عنده بين العدو والصديق.
يتاجر "التاجر" في كل شيء، حتى في الخسارة وفي البورصات المنهارة. أصبح كلامه المتقلب مؤشراً لارتفاع الأسعار وانخفاضها، وسعاره ووعيده وصخبه وغضبه وتمديداته للهدن الهشة تربك الكون، وتشعل الإشارات الحمراء أمام رجلٍ لا يتورع عن التهديد بتدمير الحضارات. إنه زمن " الدولة المارقة"؛ حيث يُدار العالم بنزوات مقامرٍ يرى في مصائب الشعوب فوائد تصبّ دولاراتٍ في حصالته الشرهة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:39 صباحًا - بتوقيت القدس

مكاسب التحالف الأميركي واخفاقاته


الحلقة الرابعة


توقفت الحرب العسكرية والهجوم الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، بعد أن بدأت يوم 28/2/2026، واستمرت لغاية 8/4/2026، حيث بدأت أولى جلسات التفاوض بين واشنطن وطهران في إسلام آباد برعاية باكستانية يوم السبت 11/4/2026، والمفاوضات دائماً تكون حصيلتها نتائج الحرب بالضرورة، ولذلك لو كانت الحرب الأميركية على إيران تعكس انتصاراً لأحدهما سيكون في الموقع القوي ليفرض شروطه على الآخر المهزوم، ولهذا لم تكن نتائج الحرب بين الطرفين وحصيلتها الانتصار أو الهزيمة، بل كانت نتائجها العملية: 1- صمود إيران و2- عدم انتصار أميركي، وقد برز ذلك بشكل واضح وإنعكس على تعقيدات المفاوضات وفشلها في الجولة الأولى، وعدم التئام الجولة الثانية، لأن طرفي الحرب لم يتمكن أحدهما من فرض شروطه على الآخر.
لم تتمكن الولايات المتحدة من هزيمة إيران عسكرياً، رغم الدمار والخراب وعمليات الاغتيال لقياداتها السياسية والعسكرية والأمنية، وتدمير بناها التحتية، ومع ذلك لم تستسلم إيران، ولم تُهزم وصمدت أمام قوة الهجمة الأميركية الإسرائيلية وشراستها، وإيران لم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة، ولن تتمكن بسبب التفوق الأميركي، وعدم اجتياح أميركي للأراضي الإيرانية.
الحرب مازالت مستمرة بعد أن تحولت إلى أدوات أخرى، وأشكال صدامية غير عسكرية، واقتصرت على مواجهات سياسية مباشرة، فقد حولت الولايات المتحدة الأميركية قدراتها العسكرية وتفوقها في فرض الحصار البحري على إيران لعله يحقق سياسياً واقتصادياً ولوجستياً، ما لم تحققه الحرب العسكرية من نتائج لصالحها، وذلك عبر منع دخول وخروج أي من البواخر أو تصدير النفط أو إدخال الاحتياجات إلى إيران عبر البحر، مقابل ذلك فرضت إيران توقف العمل ومنع حرية الحركة في مضيق هرمز، وبات التصادم والمساومة الآن بالأدوات غير العسكرية، وعبر المفاوضات التي مازالت متعثرة.
خيارات الولايات المتحدة بات توقف الحرب العسكرية على الأغلب، ذلك أن الحرب العسكرية رغم تفوق القدرات الأميركية ولكنها لم تتمكن من فرض الاستسلام والهزيمة على إيران، وانعكس ذلك بأنها لم تتمكن من فرض شروطها التفاوضية في القضايا الخلافية المعلنة وهي:
1- التخصيب النووي، 2- الصواريخ البالستية، 3- توقف إيران عن دعم الحلفاء الذين يتفقون معها: حزب الله، حركة أنصار الله الحوثيين، الحشد الشعبي العراقي، وحركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين.
إيران صمدت ولكنها لم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة التي مازالت تفرض حصاراً صعباً على إيران، وبات الصراع بينهما مثل ما يُقال "العض على الأصابع" ومن منهما سيتأثر أكثر من هذا التصادم غير العسكري بينهما.
واقع الحال أن أطرافاً آخرى ستتأثر من هذا الحصار المفروض، وإن كان الحصار سيكون مؤذياً أكثر على المواطن الإيراني، ولكن نتائج الحرب الفاشلة المكلفة سيتأثر بها المواطن الأميركي، وسيظهر ذلك في سير الانتخابات الأميركية المقبلة، وهذا ما يدفع الرئيس ترامب للاستعجال بإنهاء المشكلة ووقف الصدام، حتى لا يدفع الثمن بفشل حزبه الجمهوري في نتائج انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب.
 



أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

دراما الاغتيال


سيد البيت الأبيض مهووس بمحاولات الاغتيال التي ينجو منها، فتارة تحدث النجاة في ساحة عامة وتارة في قاعة مغلقة محاطة ومحاصرة بكل وسائل الأمن والأمان، وفي الحادثة الأخيرة ما يثير الانتباه لعدة عوامل، أهمها أن القاعة ممتلئة بالضيوف الكبار من قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين واقتصاديين ودبلوماسيين، وبالتالي لا بد وأن تكون خاضعة لإجراءات أمنية شديدة بل ومشددة بحضور الرئيس الأمريكي وزوجته ونائبه وكبار مستشاريه، فكيف بشخص يدخل إلى تلك القاعة والمربع الأمني ويصل إلى الدائرة الأولى وهو يحمل السلاح، فهل بهذه البساطة يمكن الوصول لرئيس البيت الأبيض، وهل بهذه الكوميديا الغبية يمكن التقاط المشهد، لتصديره إلى العامة على أنها محاولة اغتيال محقة. لو استعان أحدهم بخبراء السينما في هوليود القريبة من مكان الحدث، لأخرج لهم مسرحًا مصدقًا أكثر وصورة لا تقبل التأويل، أكثر تصديقًا من الحادثة التي تلفها جملة من الشكوك.
التقاط صورة النجاة من محاولة الاغتيال، هذا ما يبحث عنه ترمب؛ فهل تراه الهوس؟ أم شيء آخر؟
ترمب الذي يطارده هوس التعرض للاغتيال السياسي، كي يكون صورة بديلة عن الاغتيال في أبستين حيث الصور الفاضحة، والواقعة المشهودة بالدلائل، لعله يستعيد بعض الحوادث التي يتكئ عليها لبعثرة سنوات مراهقته المسعورة، والصور المسربة والتي توثق لحظات هواه في صباه، بين المثلية والسادية والدونية والحيوانية مع الأطفال والفتيات، برفقة آخرين ممن يتلذذون على عذابات الآخرين بالقتل والتعذيب، وغيرها من وسائل وأساليب يكاد العقل لا يتصورها من شدة دونيتها وبذاءتها وسفالتها.
تتكرر صورة النجاة للرئيس ترمب وراء كل حادثة اغتيال، وخلال عام واحد فقط تعرض لمحاولتين نجا منهما بأعجوبة على حد وصف البعض، بيد أن الصورة كلها غير مقنعة، ومثيرة للشكوك.
رجل التغريدات والسوشال ميديا، ورجل التصريحات والتهديدات والصفقات والمفاجآت، وهذه شخصية ترمب التي باتت معروفة للعالم بغرابتها، فهو من جهة يواصل أساليبه في الحرب ويروج لاستحقاقه جوائز السلام، ومن جهة أخرى يفتعل الأزمات ولا يتوقف عن التحذير والوعيد، وحتى اليوم لا انتصر في حرب ولا أشاع السلام.
ترمب منذ جاء إلى سدة الحكم في البيت الأبيض وهو يعمل على خلق القلاقل والاضطرابات والحروب، وبعنجهية فجة يخاطب الناس والصحفيين والرؤساء والعاديين، وبين حادثة وأخرى تتسلل صور أبستين وتتكشف الفضائح التي يندى لها الجبين، وتؤثر على صورة الولايات المتحدة الأمريكية، وتفتح الباب أمام تساؤلات مستمرة حول أخلاقيات القيادة، ومدى تأثير هذه السياسات على الاستقرار الدولي، ومستقبل العلاقات بين الدول، في وقت يبدو فيه أن الأزمات لا تنفك بل تتجدد مع كل تغريدة يصدرها الرئيس ترمب.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة : ماذا لو وجدوا عملة إيرانية او سورة قرآنية في جيبه؟


     ما كانت صفحة محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي لتطوى بهذه السرعة وهذه الشاكلة، لوكانت إيران هي من تقف خلفها، ردا على اغتيال مرشدها الأعلى ومعه نحو خمسين مسؤولا من كبار قادتها، عدا زوجته الثمانينية، وحفيدته الرضيعة، بل ما كانت الصفحة ستطوى لو وجدوا لدى المنفذ، (أمريكي من كاليفورنيا ومقيم في الفندق ومريض عقليا وقطعتا سلاحه قانونيتان) أوفي جيبه عملة إيرانية اوجريدة فارسية او حتى سورة قرآنية .
    لقد نجا الرئيس، وطويت الصفحة في وسائل الإعلام والأخبار، لكني أشك انها ستطوى من التاريخ، أقله من التاريخ الأمريكي الحديث، كما أنها لن تطوى لدى الرئيس نفسه، فهو رئيس أقوى دولة في العالم، ويطرح نفسه بالتالي انه رئيس العالم كله، ولا لدى زوجته التي كانت بصحبته، فهي سيدة أمريكا الأولى وبالتالي سيدة العالم كله .
    عملية محاولة الاغتيال فشلت، لكن المحاولة بحد ذاتها نجحت، بمعنى انها حدثت، وتم إطلاق النار، في فندق موصوف، في عاصمة الدولة الأقوى في العالم، في احتفال عشاء لمراسلي البيت الأبيض الذي لا يبعد بعيدا عن الفندق، برفقة عدد من الوزراء وكبار المدعوين، وبالتأكيد بحراسة مشددة، بل بحراسات متنوعة، تكلفتها السنوية بالملايين، فشلت كلها في منع هذا المنفذ من الوصول او الدخول او على الأقل منعه من الإطلاق وإصابة أحد افراد قوة الحراسة السرية .
    إن السادرين في غيهم، المريضين بنزعات التفوق والعظمة، المسكونين بالقوة والبطش والعدوان والتدمير حد الإبادة والإعادة الى تخوم العصر الحجري، وردم الجسور والبنيان والحضارة ، يأتيهم من حيث لا يحتسبون، تلامذة صغار، تخرجوا من نفس المدرسة العنصرية، الضاربة جذورها في أركان ومداميك هذا العالم الأسود المطلية جدرانه بالأبيض والأشقر . على الأقل، لم نسمع يا سيد القوة الضاربة، ان مادورو الذي اختطفت، أوخامنئي الذي اغتلت، قد أطلق عليهما النار من فنزويلي أو إيراني . لو قضيت في هذه المماحكة، لرأيت الشوارع الإيرانية والعربية والدولية تغص بالمحتفلين . والخيرة فيما اختاره الله، كما يقولون، فبقاؤك على قيد الحياة، يعني ان ترى ما هو أسوأ من الاعتقال والاغتيال .
   إن الأنفة الذاتية لرئيس أمريكا السابع والأربعين التي مسّت في الفندق، مسّتها إيران في المنطقة كلها، على مدار شهرين، ومرّغت خلالها أنفة أمريكا العظمى وهيبتها وهالتها في التراب، وعليه، فإن هناك شكوك ان يحضر الرئيس اللبناني، خلال أيام، ويلتقي مجرم حرب لإملاء سلام “إبراهيمي” خامس على لبنان .

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس

وحدة لبيد- بينت تغير في الشكل .. لا في المضمون

هذه الوحدة الاندماجية لحزبي رئيسي وزراء سابقين لدولة الاحتلال نفتالي بينت ويائير لبيد، تقوم على أساس إنهاء حقبة حكم نتنياهو، وهي الحقبة الأطول في تاريخ دولة الاحتلال، وفاقت مدة حكم مؤسس دولة الاحتلال بن غوريون، فهو رئيس وزراء لدولة الاحتلال منذ عام 2009 وحتى اليوم، هذه الوحدة التي يمكن ان تستقطب قادة عسكريين سابقين غانتس واشكنازي، ويدعمها زعيم “إسرائيل بيتنا"، افيغدور ليبرمان، وكذلك ربما تحدث، شرخا وخلخلة داخل الليكود، وتنجح في استقطاب عدد من قياداته.
 كل المؤشرات تقول بأن المشهد الانتخابي السياسي القادم في إسرائيل في تشرين أول القادم، سيكون هو الأسخن،  لمجموعة اعتبارات وعوامل داخلية وإقليمية ودولية، ففي الليكود ستحتدم الخلافات والصراعات الداخلية على وراثة نتنياهو، بعد الكشف عن إصابته بمرض السرطان، وكذلك ستحتدم الخلافات والصراعات ما بين الموالاة والمعارضة.
 نتنياهو الخبير في تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، قد يلجأ الى توظيف الظروف الأمنية والسياسية لصالحه، وربما كما هو العادة في كل انعطافة حادة، وإمكانية توقف الحرب على جبهة من الجبهات، يعمد الى صب الزيت على نار لهيبها، أو يذهب لفتح جبهة عسكرية جديدة، فهو قد يقدم على القيام بمغامرة ما تعطل اجراء تلك الانتخابات، حيث سيتذرع بالظروف الأمنية، وعدم جواز اجراء الانتخابات في زمن الحرب،  يدرك بأن خسارته للانتخابات،  يعني بأن هناك لجنة تحقيق رسمية ستتشكل في اخفاقات السابع من اكتوبر/2023 ، أمنية واستخبارية، وسيطاله جزء  أساسي من المسؤولية عن ذلك، وبالتالي لن يحاكم فقط بالتهم الجنائية المنظورة ضده امام القضاء الإسرائيلي، الرشوة وسوء الائتمان وخيانة الأمانة، بل تلك الإخفاقات ستكون واحدة من التهم ضده، ولذلك نتنياهو سيحارب بكل قوة، لكي لا يخسر مستقبليه السياسي والشخصي، والخروج من المشهد، حتى لو لجأ الى خيار شمشون.
 نحن ندرك بأن الوحدة بين بينت ولبيد، لا تحمل سوى تغير في الشكل وليس في المضمون، فهؤلاء الجنرالات وقادة تلك الأحزاب، هم من صلب اليمين، ويتخندقون ويتموضعون على نفس الأرضية اليمينية، ويختلفون مع نتنياهو في استراتيجية إدارة الصراع وتقليص مساحته، في حين يتمسكون بقوه بموقف قوى اليمين، لا دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولا اعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، وزيادة أعداد المستوطنين فيها الى مليون مستوطن، لتحويلها الى ما يعرف بدولة يهودا والسامرة، عبر سياسات الضم والتهويد، واستمرار عمليات "الهندستين" الجغرافية والديمغرافية بحق الشعب الفلسطيني فيها،  والسعي لحسم السيادة والسيطرة على القدس بشكل نهائي، واستمرار العدوان على قطاع غزة بمستويات منخفضة  الى متوسطة، عبر عمليات نوعية وتوغلات واغتيالات وتصفيات، وتوسيع المساحة المستولى عليها، والإبقاء على سياسات الحصار والتجويع ، وتوسيع عمليات تهويد النقب والجليل، ما يعرف بأرض إسرائيل التاريخية.
 البعض يعتقد أنه اذا ما نجحت تلك القوى في إسقاط نتنياهو وحكومته وائتلافه، ستروج وتنشر وعياً زائفاً بتحقيق نصر مؤزر، يضاف لعشرات الانتصارات السابقة، التي يدفع ثمنها شعبنا على جلده قمعا وتنكيلا وحصارا وتجويعا وطردا وتهجيرا وتطهيرا عرقيا. وقضيتنا الجوهرية متعلقة بزوال وانهاء الاحتلال، وليس إسقاط نتنياهو، وأن كان لذلك أهمية ليست بسيطة.
 في ظل ما يعانية جيش الاحتلال من نقص في العنصر البشري، وخاصة بأن الحرب الأخيرة على أكثر من جبهة قالت بأن هذا الجيش في ظل هذا النقص لن يستطيع القتال على اكثر من جبهة، ولذلك الصدام مع نتنياهو سيكون في القضايا الداخلية من طراز السعي لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في اخفاقات السابع من اكتوبر/2023، أمنية واستخبارية، وقضية تجنيد اليهود الحريديم والميزانيات الكبيرة التي تضخ للأحزاب الدينية للحفاظ على ولائها، من خلال الصرف لمدارسها ومؤسساتها الدينية.
 يعتقد خبراء في الشؤون الإسرائيلية الداخلية أن فرص فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة بعد ستة شهور باتت معدومة بعدما نجحت المعارضة بتوحيد صفوفها وراء ثنائي نفتالي بينيت ويائير لبيد بما يضمن لها الأكثرية المريحة التي قد تصل إلى 70 صوتاً في ظل تراجع كبير في شعبية نتنياهو إلى حد الـ 35% وتوقعات بعدم تجاوز كتلته النيابية مع حلفائه الـ 40 نائباً. ويقول الخبراء إن الفشل في لبنان والمراوحة في حرب غير منتهية مع إيران يشكلان الأساس في تراجع شعبية نتنياهو وحكومته،  بعدما سجلت هذه الشعبية صعوداً ملموساً قبل الحرب الأخيرة مع الترويج لمعادلة القضاء على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي في إيران والتخلص من تهديد حزب الله لجيش الاحتلال ومستوطنات الشمال، وجاءت الوقائع تكذّب هذه المزاعم بقوة.
 نتنياهو حتى اللحظة هو الرجل القوي في دولة الاحتلال، والذي يمتلك القرار السياسي والعسكري، وهو قادر على أخذ المعارضة الى حيث يريد، وهذه المعارضة، تحالفها يأتي في الإطار التكتيكي، ولا تمتلك برنامج سياسي متكامل، وليس لديها حلول للقضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ومعالجة العنصرية البنيوية،  أو حتى طرح حلول سياسية إقليمية.
 الأزمة التي يمر بها نتنياهو متعددة الأبعاد؛ فهي تتعلق بأدائه السياسي بعد وقف إطلاق النار في لبنان بضغط أميركي، إضافة إلى وضعه الصحي، الذي يوحي بأنه يمر بمرحلة تراجع سياسي. هذا قد يؤدي إلى إعادة اصطفاف داخل المعارضة الصهيونية، وكذلك داخل معسكر اليمين نفسه،  بما في ذلك الليكود، ما قد يضعف موقع نتنياهو داخليًا.
بالمناسبة علينا ان نتذكر بأن الأحزاب السياسية الإسرائيلية، في مقارباتها التاريخية لتشكيل الحكومات الإسرائيلية تعاملت مع العرب كاحتياطي سياسي يُستخدم لضمان البقاء في السلطة، وليس كشريك في تغيير السياسات أو إنهاء الاحتلال أو مواجهة العنصرية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الإسلام السياسي والدولة الوطنية: بين الإشكال البنيوي ومسؤولية النظام


في خضم الجدل المتجدد حول موقع التيارات الإسلامية في الحياة العامة، يبرز النقاش حول جماعة الإخوان المسلمين بوصفه الأكثر حساسية وإثارة للانقسام. بين من يراها تهديدًا وجوديًا للدولة الوطنية، ومن يضعها في سياق التعددية السياسية، تتشكل مساحة رمادية تحتاج إلى قراءة أعمق وأكثر صراحة، بعيدًا عن التجميل كما عن الشيطنة المطلقة.
لا يمكن فهم صعود هذا التيار دون العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكّل فيه، خاصة خلال حقبة الحرب الباردة، حين سمحت أنظمة عربية بدرجات متفاوتة، بنمو الحركات الإسلامية كقوة موازنة لخصومها الأيديولوجيين.
 في هذا السياق، حصلت الجماعة على هامش للعمل الاجتماعي والتنظيمي، في وقت كانت فيه قوى سياسية أخرى تتعرض للتفكيك أو الإقصاء.
 هذه المفارقة التاريخية لم تمنح الإسلاميين فقط مساحة للحضور، بل أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، حيث اختلط الديني بالسياسي، والدعوي بالأيديولوجي.
غير أن هذا التمدد لم يكن بلا كلفة، فالبنية الفكرية التي قامت عليها الجماعة، منذ تأسيسها على يد حسن البنا، تنطلق من تصور يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويرى في "الأمة" إطارًا أعلى وأشمل.
هذا التصور، رغم وجاهته في سياق ديني حضاري، يصطدم عمليًا بمفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على السيادة، والحدود، والمواطنة المتساوية.
وهنا تتشكل أولى الإشكاليات البنيوية: هل الدولة هدف نهائي أم مرحلة ضمن مشروع أوسع؟
في التطبيق، لم تقدّم الجماعة إجابة حاسمة، بل ظهر خطاب مزدوج في كثير من الأحيان: لغة سياسية مرنة تعترف بالدولة ومؤسساتها، تقابلها بنية تنظيمية وفكرية تحتفظ بأولويات مختلفة.
هذا الازدواج لم يكن مجرد تفصيل، بل أصبح أحد أسباب فقدان الثقة، سواء لدى الدولة أو لدى قطاعات من المجتمع.
فالتعددية، في نظر كثير من منتقدي الجماعة، بدت أقرب إلى تكتيك مرحلي منها إلى التزام مبدئي، خاصة عندما تقترب الجماعة من مواقع التأثير أو السلطة.
أما في ما يتعلق بالمواطنة، فقد شهد خطاب الجماعة تطورًا نسبيًا، لكنه ظل محكومًا بمرجعية دينية تثير تساؤلات حول المساواة الكاملة بين المواطنين.
 فحين تكون "الهوية العقدية" جزءًا من البناء السياسي، يصبح من الصعب تحقيق حياد الدولة تجاه جميع مكوناتها.
غير أن البعد الأكثر خطورة في اختبار هذه الإشكاليات تجلّى بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث تحوّل التنافس السياسي إلى انقسام بنيوي أصاب النظام السياسي في الصميم.
 فقد شكّلت أحداث الانقسام الفلسطيني 2007 نقطة تحوّل مفصلية، عندما انتقل الخلاف بين القوى الوطنية وتيار الإسلام السياسي إلى مستوى السيطرة الميدانية، وما رافقه من تفكك في وحدة القرار السياسي والمؤسساتي.
هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف داخلي، بل فتح الباب أمام استثمارات مباشرة وغير مباشرة من قبل إسرائيل، التي وجدت فيه فرصة لتعميق الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وإضعاف الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية.
كما غذّت محاور الاستقطاب الإقليمي هذا الانقسام، فباتت الساحة الفلسطينية جزءًا من صراعات أوسع، على حساب وحدة القضية الوطنية.
والنتيجة كانت كارثية على مستويات عدة: تآكل شرعية النظام السياسي، إضعاف المشروع الوطني، إنهاك المجتمع، وتعميق معاناة الناس تحت الاحتلال والانقسام معًا.
وهنا تظهر بوضوح خطورة تغليب المشروع الأيديولوجي على متطلبات الوحدة الوطنية، حين يتحول "الاختلاف السياسي" إلى "انفصال سياسي".
مع ذلك، فإن تحميل هذا التيار وحده كامل المسؤولية، رغم وجاهة جانب كبير من النقد، قد يُغفل عوامل أخرى تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني ذاته، وطبيعة إدارته للصراع الداخلي.
 لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن إدخال البعد الأيديولوجي المغلق في ساحة تحرر وطني، يحتاج بطبيعته إلى أوسع درجات الوحدة، كان عاملًا حاسمًا في تعميق الأزمة.
الأردن، بحكم خصوصيته الجيوسياسية وتركيبته الاجتماعية، يقف أمام هذه التجربة بوصفها درسًا حيًا.
فالتحدي لا يكمن فقط في إدارة العلاقة مع التيار الإسلامي، بل في تجنب الوصول إلى لحظة ينكسر فيها التوازن الداخلي.
 أي خلل في هذا التوازن— سواء عبر الإقصاء الكامل أو التمكين غير المنضبط— قد يفتح الباب أمام احتمالات غير محسوبة.
خلاصة القول:
نعم، لدى التيار الإسلامي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين، إشكاليات فكرية وتنظيمية حقيقية في التوفيق بين مشروعه الأيديولوجي ومتطلبات الدولة الوطنية الحديثة. وقد أظهرت التجربة الفلسطينية، خاصة بعد الانقسام عام 2007، كيف يمكن للخلاف السياسي عندما يُدار بعقلية مغلقة، أن يتحول إلى انقسام يضعف الجميع ويمنح الخصم فرصة التقدم. لكن الحقيقة الأهم، والتي يجب أن تكون واضحة للجميع، هي أن الدولة لا تضعف بسبب تيار واحد فقط، بل تضعف عندما تغيب القواعد العادلة والواضحة التي تحكم الجميع دون استثناء.
فعندما يشعر أي تيار— إسلامي أو غيره— أنه قادر على العمل خارج القانون، أو فوق الدولة، تبدأ الفوضى.
وعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تمثله على قدم المساواة، أو أنها تميل لطرف دون آخر، تتآكل الثقة، ويتسع الشرخ داخل المجتمع.
وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: انقسام داخلي، وضعف عام، وفتح الباب أمام التدخلات والاستغلال الخارجي.
من هنا، فإن الحل لا يكمن في استبدال تيار بآخر، ولا في إقصاء طرف لصالح طرف، لأن الإقصاء لا يُنهي الأزمات بل يؤجلها ويجعلها أكثر تعقيدًا.
الحل الحقيقي يكمن في بناء دولة واضحة القواعد، يشعر بها كل مواطن، وتقوم على ثلاث ركائز أساسية:
أن يكون القانون فوق الجميع، فلا جماعة ولا حزب ولا فرد أقوى من الدولة؛ وأن تكون المواطنة متساوية، بحيث لا يُميَّز بين الناس على أساس الفكر أو الدين أو الانتماء؛ وأن تُدار التعددية السياسية ضمن إطار سلمي منظم، يحكمه الدستور، لا منطق الصراع المفتوح.
عندما تتحقق هذه القواعد، يصبح أي تيار سياسي— مهما كان فكره— مضطرًا للعمل ضمن حدود الدولة، فلا يستطيع فرض رؤيته على المجتمع، ولا احتكار الحقيقة أو السلطة.
بكلمات أبسط: الدولة القوية العادلة لا تخاف من أي تيار، لكن كل التيارات يجب أن تخضع لدولة قوية عادلة.
هنا فقط يمكن حماية المجتمع، وصون الوحدة الوطنية، ومنع تكرار التجارب المؤلمة التي شهدتها منطقتنا.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بين أنقاض الكراسي المتحركة.. حكاية زوجين مقعدين يصارعان الموت في خيام النزوح بغزة

تتحول حياة الغزيين في ظل الحرب المستمرة من استقرار بسيط إلى جحيم لا يطاق، وهو ما تجسده قصة الزوجين نهاد وزينب جربوع. فبعد أن كانت غرفتهما الصغيرة تمثل لهما قصراً من السعادة والرضا رغم الإعاقة، وجدا نفسيهما اليوم حبيسي خيمة بائسة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية في دير البلح.

بدأت رحلة المعاناة المضاعفة لزينب حين تزوجت من نهاد وهي تعلم بإصابته بشلل رباعي منذ الطفولة، عازمة على أن تكون سنده في الحياة. لكن القدر شاء أن تصاب بمرض أدى لبتر قدميها بعد أربعة أعوام من الزواج، لتصبح مقعدة بجانبه، ويتحول الثنائي من معيلين لأنفسهما إلى محتاجين لمن يرعاهما وسط ظروف الحرب القاسية.

كانت الكراسي الكهربائية المتحركة تمثل لنهاد وزينب شريان الحياة والحرية، حيث مكنتهما من التنقل وإعالة طفليهما الصغيرين قبل اندلاع العدوان. ومع اشتعال الحرب، دمر قصف الاحتلال هذه الكراسي، مما حول حركتهما إلى سجن دائم داخل خيمة ضيقة، وجعل من النزوح المتكرر رحلة عذاب لا تنتهي.

تصف زينب مرارة النزوح التي تكررت تسع مرات، مؤكدة أن وضع ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب هو مواجهة مباشرة مع الموت البطيء. فقد اضطرت العائلة للتنقل من مخيم الشابورة في رفح وصولاً إلى وسط القطاع، وسط انعدام الوسائل المساعدة التي تسهل حركة المقعدين في الطرقات الوعرة.

داخل الخيمة، تغيب الخصوصية وتنتشر الحشرات والقوارض، بينما يفتقر الزوجان لمرحاض ملائم لحالتهما الصحية الصعبة. وتضطر زينب لاستخدام وسائل بدائية جداً لقضاء الحاجة، مما يضيف عبئاً نفسياً وجسدياً ثقيلاً على كاهلها وكاهل أطفالها الذين باتوا يقومون بمهام تفوق أعمارهم بكثير.

يبرز الطفل إياد، البالغ من العمر 12 عاماً، كبطل مأساوي في هذه القصة، حيث تحول من تلميذ في المدرسة إلى 'رجل البيت' المسؤول عن رعاية والديه. يقع على عاتق إياد نقل والديه على كرسي يدوي متهالك، وإحضار الماء والطعام من مسافات بعيدة، مما حرمه من طفولته وحقه في التعليم.

أما الابنة الكبرى، التي لم تتجاوز 13 عاماً، فقد باتت تتحمل أعباء المنزل الشاقة من غسيل وتنظيف وإعداد للطعام على الحطب. وتعبّر والدتها عن حزنها العميق لرؤية طفلتها وهي تمارس أعمالاً شاقة لا تطيقها، في ظل غياب الغاز والكهرباء والماء الصالح للاستخدام.

تتفاقم الحالة الصحية لزينب بسبب مرض عصبي نادر يسبب لها انتفاخات وجروحاً دامية في يديها، ولا يتوفر له علاج في ظل انهيار المنظومة الصحية. ويخشى زوجها نهاد أن تفقد ما تبقى من أطرافها، حيث تضطر أحياناً لقضم أصابعها من شدة الألم الذي لا يسكنه سوى أدوية مفقودة تماماً.

من جانبه، يعيش نهاد فوق أريكة تحولت إلى سرير دائم لم يغادره منذ أكثر من شهرين، واصفاً حياتهم بأنها 'تحت الصفر'. ويؤكد أن فقدان الكراسي الكهربائية جعلهم يعيشون في سجن حقيقي، حيث لا يمكنهم التحرك أو حتى استنشاق الهواء خارج حدود الخيمة الضيقة دون مساعدة شاقة من الآخرين.

تتجاوز مطالب العائلة توفير الطعام والشراب، حيث تؤكد زينب أن صرختهم الوحيدة هي الحصول على العلاج وتركيب أطراف صناعية خارج القطاع. وتناشد الجهات الدولية بضرورة إجلائهم طبياً، معتبرة أن البقاء في غزة دون رعاية طبية متخصصة هو حكم بالإعدام على ذوي الإعاقة.

تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن مصادر فلسطينية إلى أن هناك نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات جسيمة غيرت مجرى حياتهم. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث تتطلب هذه الحالات تأهيلاً مستمراً وطويل الأمد لا يتوفر حالياً في ظل استهداف المستشفيات.

سجلت المصادر الطبية قرابة 6 آلاف حالة بتر للأطراف منذ بدء العدوان، تتركز معظمها في الأطراف السفلية بنسبة تصل إلى 75%. هذه الزيادة المهولة في أعداد ذوي الإعاقة تضع ضغطاً هائلاً على المجتمع الذي يعاني أصلاً من فقدان الموارد الأساسية والأدوات المساعدة.

يبقى الأطفال هم الضحية الأكبر لهذه الحرب، حيث يعاني أكثر من 10 آلاف طفل من إصابات جسيمة تسببت في إعاقات دائمة. وتكشف البيانات أن الأطفال شكلوا أكثر من نصف حالات الإجلاء الطبي التي تمت بصعوبة بالغة، مما يستوجب تحركاً دولياً لإنقاذ ما تبقى من جيل يواجه مستقبلاً مثقلاً بالإعاقة واليتم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الراتب والقسط: ماذا تقول القروض عن الاقتصاد الفلسطيني؟

في اقتصادٍ مثقلٍ بالهشاشة، لا يكفي أن نسأل عن حجم القروض، بل ينبغي أن نبدأ من الناس الذين يعيشون تحت وطأتها. فبحسب تقرير الاستقرار المالي 2024 الصادر عن سلطة النقد الفلسطينية، بلغت نسبة المقترضين إلى عدد البالغين نحو 18% في عام 2024، بواقع 14% للذكور و4% للإناث. وهذا يعني، بلغة الحياة اليومية، أن شريحة واسعة من الفلسطينيين تدير شهرها على إيقاع ثابت: راتب يدخل، وقسط يخرج، وما يتبقى يُترك لمواجهة سوق لا تكف تكاليفه عن الصعود. ومن هنا، لا يعود ملف القروض شأنًا مصرفيًا صرفًا، بل يتحول إلى مرآة لوضع اقتصادي بات فيه الائتمان، لدى كثير من الأسر، جزءًا من آلية التكيّف مع الضيق المعيشي.
هذه الزاوية تغيّر مسار القراءة بالكامل. فحين يكون الاقتراض ظاهرة تمس نسبة ملموسة من البالغين، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كم اقترض الناس؟ بل أيضًا: لماذا يقترضون، وإلى أين يذهب هذا التمويل؟ في الاقتصادات السليمة، يُفترض أن يكون الائتمان جسرًا نحو المستقبل؛ أما في الحالة الفلسطينية، فإنه يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى ممر نجاة مؤقت تعبر من خلاله الأسر فوق فجوة متسعة بين دخل محدود وكلفة معيشة مرتفعة.

وتكشف أرقام سلطة النقد أن صورة الائتمان الفلسطيني أكثر تعقيدًا من الانطباع العام السائد. فداخل محفظة القطاع الخاص المقيم، استحوذت قروض الشركات على نحو 54.0% من إجمالي المحفظة، بما يقارب 4.9 مليار دولار، بينما شكّلت قروض الأفراد نحو 44.6%، بما يقارب 4.1 مليار دولار. وعلى مستوى أوسع، يبين تقرير الاستقرار المالي أن حصة الائتمان الموجه إلى الأسر بلغت 37.4% من إجمالي التسهيلات الائتمانية في 2024، مقارنة بـ 38.0% في 2023، فيما انخفض الإقراض للأسر بنحو 3.0% إلى قرابة 4.4 مليار دولار. لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن الأسر أصبحت أقل حاجة إلى الاقتراض؛ فقد يعكس، أيضًا، وصول جزء من المقترضين إلى حدود قدرتهم على الاستدانة، أو ازدياد تحفظ المصارف في بيئة أعلى مخاطرة.
لكن الأهم من النسب المجردة هو طبيعة هذا الائتمان. فحين يحتفظ إقراض الأفراد بهذا الوزن الكبير في اقتصاد ضعيف النمو، محدود السيادة النقدية، ومثقل بالصدمات، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يذهب التمويل إلى خلق قدرة إنتاجية جديدة، أم إلى تثبيت الاستهلاك وتأجيل الأزمة؟ ذلك أن القرض الاستهلاكي لا يبدو دائمًا، في السياق الفلسطيني، تعبيرًا عن رفاه أو ترف إنفاقي؛ فكثيرًا ما يكون وسيلة لتغطية التعليم والعلاج والسكن والالتزامات الأساسية، أي لسد فجوة دخل لا لسلوك إنفاق زائد. ومع ذلك، فإن النتيجة الاقتصادية تبقى واحدة: جزء معتبر من الدخل المستقبلي يُستهلك مقدمًا، لا لتوسيع قاعدة الإنتاج، بل لحماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

وتصبح الصورة أشد وضوحًا حين ندخل موظفي القطاع العام إلى المشهد. فسلطة النقد تشير إلى أن الائتمان الممنوح لموظفي القطاع العام بلغ نحو 2.0 مليار دولار في 2024، بزيادة 5.0% عن العام السابق، وبما يمثل نحو 16.3% من إجمالي المحفظة الائتمانية. وهذا ليس رقمًا مصرفيًا معزولًا، بل مؤشر على مدى تشابك الائتمان الأسري مع أوضاع المالية العامة. فهذه الفئة تعتمد، في جزء أساسي من قدرتها على السداد، على انتظام الرواتب الحكومية. وعندما تتعرض هذه الرواتب للتأخير أو الاقتطاع، لا يبقى الخطر محصورًا في الأسرة المقترضة وحدها، بل يمتد إلى جودة الائتمان نفسه.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين ننتقل من هيكل القروض إلى الضغط المالي الذي يرافقها. فالتقرير السنوي لسلطة النقد يظهر أن التسهيلات المقومة بالشيكل شكّلت 48.9% من إجمالي التسهيلات في 2024، مقابل 40.8% بالدولار الأمريكي و8.9% بالدينار الأردني. وهذا ليس تفصيلًا فنيًا. فالمقترض الفلسطيني يسدد غالبًا بالشيكل، ويتلقى دخله في حالات كثيرة بالشيكل أيضًا، لكنه يستهلك في سوق تتأثر أسعار شريحة واسعة من سلعها بحركة الدولار والأسعار الخارجية. ومن هنا ينشأ اختلال صامت: القسط ثابت اسميًا، لكن كلفته الحقيقية تتضخم كلما تآكلت القوة الشرائية للدخل. أي أن المشكلة لا تكون دائمًا في ارتفاع قيمة القسط نفسه، بل في انكماش ما يبقى من الراتب بعد سداده.
وهذا ما يجعل قراءة القروض عبر مؤشرات التعثر الرسمية وحدها قراءة ناقصة. فسلطة النقد تشير إلى ارتفاع القروض غير العاملة إلى نحو 606.4 مليون دولار في 2024، وارتفاع نسبتها إلى إجمالي القروض إلى 5.08%، مقارنة بـ 4.49% في 2023 و4.29% في 2022. وهذه الزيادة لا تكشف فقط تدهورًا في جودة بعض المحافظ الائتمانية، بل تشير أيضًا إلى أن قدرة الاقتصاد على حمل الدين لم تعد بالصلابة السابقة. لكن ما لا تظهره هذه النسبة هو المساحة الواسعة بين «السداد المنتظم» و«الراحة المالية». فالمقترض قد يظل ملتزمًا بالقسط شهريًا، لكنه يفعل ذلك أحيانًا عبر تقليص إنفاقه الأساسي أو تأجيل نفقات ضرورية.
لهذا يبدو من الأدق الحديث عن استنزاف صامت للدخل، لا عن تعثر ظاهر فقط. فنجاح البنك في تحصيل القسط لا يعني بالضرورة أن الأسرة بخير، كما أن انخفاض التعثر لا يبرهن تلقائيًا على متانة المعيشة. وفي حالة موظفي القطاع العام على وجه الخصوص، قد يخفي انتظام السداد هشاشة أكبر تحت ضغط الرواتب غير المستقرة وكلفة المعيشة المتقلبة.

ومن زاوية أعمق، فإن المسألة لا تتعلق فقط بسلامة القطاع المصرفي، بل بوظيفة الائتمان في الاقتصاد الفلسطيني. وإذا كان جزء معتبر من القروض يذهب إلى الأفراد والأسر لتغطية التزامات معيشية، وكان جزء مهم من هذه الدائرة مرتبطًا بموظفي القطاع العام وحالة المالية العامة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: هل يدعم الائتمان الاقتصاد الفلسطيني فعلًا، أم أنه يعوّض ضعفه البنيوي؟ الجواب، على الأرجح، يقع بين الأمرين. فالائتمان يخفف اختناقات فورية، لكنه يتحول، في الوقت نفسه، إلى أداة تعويض عن غياب نمو إنتاجي كافٍ وعن قصور الدخل.

لهذا، فإن النقاش الجدي حول القروض لا ينبغي أن يُختزل في الدعوة إلى التشدد في الإقراض أو التوسع فيه، بل في إعادة توجيه البوصلة: نحو ائتمان أكثر اتصالًا بالإنتاج، وأكثر حساسية لقدرة الدخل على الاحتمال، وأكثر وعيًا بأثر تعدد العملات والتقلبات الاقتصادية على حياة المقترض. فالقضية، في النهاية، ليست أن الفلسطيني يقترض فقط، بل أن الاقتراض نفسه بات يؤدي، لدى شريحة واسعة، وظيفة تعويضية في اقتصاد عاجز عن منح الناس ما يكفي من الدخل والاستقرار. وعندما يصبح واحد من كل خمسة بالغين تقريبًا داخل هذه الدائرة، فإن القرض يتجاوز كونه عقدًا ماليًا بين بنك وعميل؛ إنه يتحول إلى مؤشر بالغ الدلالة على حدود قدرة الاقتصاد على حماية الناس من الارتهان الشهري للقسط.

مستشار اقتصادي دولي وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية



أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

شرعية مُعلّقة… وفعل مُعطَّل: من يدير توقف التاريخ الفلسطيني؟

ليست المعضلة الفلسطينية في غياب الشرعية، ولا في نقص المعنى التاريخي أو الأخلاقي الذي راكمته القضية عبر عقود طويلة من الصراع والتجربة، بل في هذا الانفصال المتزايد بين فائض الشرعية من جهة، وبين العجز البنيوي عن تحويلها إلى فعل سياسي منظم وفاعل من جهة أخرى، بحيث تبدو القضية، رغم كثافتها الرمزية والقانونية والأخلاقية الاستثنائية، وكأنها تمتلك كل عناصر القوة ما عدا القدرة على تحويل هذه القوة إلى فعل سياسي ملموس.

وهكذا لا يعود الصمود حقيقيًا ولا فعلاً ينتج تحولاً، بل يتحول إلى حالة زمنية معلّقة؛ يمنع الانهيار من جهة، لكنه لا يفتح أفق العبور من جهة أخرى، وكأن التاريخ نفسه قد دخل في منطقة تعليق طويلة، تتراكم فيها الوقائع دون أن تُنتج مساراً، وتتوالد فيها الأحداث دون أن تُبلور اتجاهاً. ومن هنا يتشكل السؤال الجوهري الذي لا يمكن الإفلات منه: كيف يمكن لشرعية مكتملة من حيث المصدر والمعنى أن تبقى عاجزة عن إنتاج فعل سياسي مكتمل من حيث الأثر؟

هذا السؤال، في عمقه، لا يجد إجابته في سطح الأزمة أو في تفاصيلها اليومية، بل في بنيتها الداخلية. فالنظام السياسي الفلسطيني بكافة مكوناته، لم يعد يعمل كبنية قرار موحدة، بل كحقل تمثيل متشظٍ يعيد إنتاج "التعدد" دون أن يمتلك القدرة على تحويله إلى وحدة سياسية ملزمة. وفي هذا السياق، لا يعود الانقسام مجرد خلل في التمثيل، بل يتحول إلى آلية مستقرة لإنتاج السياسة نفسها، حيث يصبح الفعل محكوماً بحدود التعايش مع التشتت، لا بالسعي إلى تجاوزه.

ومع هذا التحول، يتغير معنى التمثيل ذاته بصورة جذرية. فلم يعد السؤال من يمثل الفلسطينيين، بل كيف يمكن للتمثيل أن ينتج قراراً في بنية لا تسمح بتراكم القرار، وكيف يمكن لشرعية موزعة على أكثر من مركز أن تتحول إلى إرادة سياسية واحدة دون أن تمتلك أدوات الوحدة؟ وهنا يتراجع الفعل السياسي من كونه مشروعاً لبناء كيانية وطنية، إلى كونه حركة دائمة داخل بنية تشتت مستقر، حيث يصبح استمرار النمطية المتآكلة بديلاً عن التحول.

هذا الانزياح البنيوي لا ينفصل عن التحول الأعمق الذي أصاب وظيفة السياسة مع قيام السلطة الفلسطينية، إذ انتقلت السياسة تدريجياً من كونها أداة لتغيير الواقع إلى كونها أداة لإدارته ضمن شروط قائمة يُعاد إنتاجها باستمرار. ومن هذا التحول نشأ نمط مزدوج لا ينفك يتغذى على ذاته؛ خطاب سياسي يُبقي التحرر كأفق رمزي مفتوح، وممارسة يومية تُعيد إنتاج شروط القيد كواقع فعلي، بحيث لا يعود التناقض بينهما استثناءً عابراً، بل يتحول إلى نمط استقرار سياسي قائم على تعليق التحول لا إنتاجه.

وفي هذا السياق، لا يمكن للانتخابات أن تُعامل بوصفها مدخلاً شكلياً أو تقنية إجرائية معزولة، بل باعتبارها محطة لاحقة على إعادة بناء التوافق الوطني وتثبيت مرجعية سياسية قادرة على إنتاجها وضمان معناها. فحين تُعزل الانتخابات عن شروطها السياسية التأسيسية، تتحول من أداة لتجديد الشرعية إلى إجراء يعكس عمق الانقسام بدلاً من تجاوزه.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الآليات الديمقراطية فقط، بل وفي غياب البنية السياسية القادرة على جعل هذه الآليات ذات معنى ونتيجة. ولذلك فإن أي مسار لا يبدأ بإعادة تعريف القرار الوطني الملزم وتوحيد مرجعيته، سيبقى أسير إعادة إنتاج الواقع نفسه بأدوات مختلفة.

في ظل هذا التكوين، تصبح إعادة التأسيس مسألة تتجاوز بكثير منطق الإصلاح المؤسسي أو الترميم الإداري، لأنها تتعلق بإعادة تعريف شروط إنتاج الفعل السياسي نفسه. فالمعضلة ليست في من يقرر، بل في الكيفية التي يُنتج بها القرار داخل بنية فقدت صلتها بالواقع ومركزها الموحد، وتوزعت سلطتها بين مستويات متداخلة لا تنتج وحدة بل تفاوتاً دائماً في القدرة على الفعل.

ومن هنا، فإن إعادة بناء مركز القرار لا تعني إضافة طبقة مؤسسية جديدة فوق بنية قائمة، بل تعني إعادة هندسة وحدة الفعل داخل تعددية باتت هي القاعدة لا الاستثناء. وبالمثل، فإن إعادة بناء التمثيل لا تعني توسيعه شكلياً أو إدارياً، بل تحويله من شرعية تاريخية تستمد قوتها من الماضي، إلى شرعية انجاز تُقاس بقدرتها على تحويل المعنى السياسي إلى قرار ملزم. أما الاستراتيجية الوطنية، فهي ليست تعدداً في الأدوات، بل قدرة على تحويل التعددية إلى فعل سياسي متراكم، بدل أن يبقى مسارات متوازية يتآكل بعضها البعض دون أن تلتقي في نقطة تحول.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز غزة ليس فقط كملف جغرافي أو سياسي منفصل، بل وكنقطة الانكشاف الأقصى لأزمة التمثيل وغياب وحدة القرار. فهي تختصر مأزق البنية الفلسطينية بأكملها: تعدد المرجعيات، وتآكل القدرة على إنتاج قرار وطني ملزم، وتعطل القدرة على تحويل الشرعية إلى فعل سياسي موحّد.

كما يبرز  أيضًا الجيل الجديد لا بوصفه امتداداً عضوياً للبنية القائمة، بل بوصفه تحولاً في شروط الفعل السياسي ذاته. فهو يتحرك خارج ثقل الأطر التنظيمية التقليدية، ويعيد تشكيل أدواته ضمن شبكات أكثر مرونة، ويعيد ربط المحلي بالعابر للحدود خارج الوسائط الكلاسيكية للتمثيل السياسي. لكن الإشكال لا يكمن في هذه الحيوية، بل في قدرة النظام السياسي القائم على تحويلها إلى فعل مؤسسي داخل منظومة القرار، لا إبقائها في حالة احتجاج دائم خارج دائرة التأثير.

وهنا يتحدد المفترق الحقيقي الذي ستُقاس عليه المرحلة: إما إدماج يعيد تشكيل البنية من الداخل ويعيد تعريف قواعدها، أو إبقاء هذه الطاقة في حالة تعليق سياسي، حيث تتحول إلى فعل احتجاجي كثيف لكنه غير قادر على إنتاج أثر في بنية القرار.

وفي المقابل، لا تعمل البيروقراطية بوصفها بنية مقاومة للتغيير فقط، بل بوصفها بنية قادرة على امتصاصه وإعادة تشكيله. فهي لا تنفي التحول، بل تعيد تعريفه بطريقة تحافظ على مركز القرار كما هو، وتسمح في الوقت ذاته بقدر من التغيير الشكلي الذي لا يمس جوهر البنية، بقدر ما يعزز السيطرة عليها. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تقاوم البيروقراطية التغيير، بل كيف تنجح في إعادة إنتاجه بطريقة تمنع تحوله إلى تغيير فعلي.

لا يقتصر هذا المنطق على الداخل الفلسطيني، بل يمتد إلى الخارج؛ إذ تُدار الحالة الفلسطينية إسرائيليًا كساحة يُراد حسمها عبر تعطيل تبلورها السياسي: تفكيك الوحدة، ورفع كلفة التبلور المؤسسي، واستنزاف يمنع التراكم والتحول. إقليميًا، تُعامل بالمنطق ذاته كعنصر ضمن توازنات أوسع: دعم مشروط، وتحفّظ بدعوى الاستقرار، وتوظيف في صراعات أخرى، بما ينكرها كقوة معرِّفة للمجال السياسي. وفي تقاطع هذا الداخل المعلّق مع خارج يدير شروط الإمكان لا نتائجه، وإقليم يعيد توزيع الفاعلية بدل إنتاجها، يتبدّى السؤال الاستنكاري: أيُّ معنى تبقى للشرعية الفلسطينية، بثقلها التاريخي والقانوني والأخلاقي، إن عجزت عن أن تتحول إلى قدرة سياسية فاعلة.

وكيف يمكن لهذه القدرة أن تتشكل وتستمر في نظام إقليمي ودولي لا يعمل فقط على تعطيل الفعل، بل على إبقائه في حالة ضعف دائم غير مكتمل، بحيث يبقى الحال على ما هو عليه وكأنه "صمود"، بينما يبقى التحول مؤجلاً باستمرار؟!

إنه ليس سؤال مرحلة عابرة، بل سؤال الفعل ذاته: كيف يُنتج التاريخ فعلاً سياسياً حين تُصمم شروطه بحيث يُسمح له بالبقاء دون أن يُسمح له بالاكتمال وبالقدرة على إنجاز التحول والتغيير ؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الهوية السياسية الفلسطينية.. ما بين وهم الدولة وعبء التحرر


ثمة لحظة في حياة الشعوب لا يكون فيها الخطر الحقيقي هو العدو وحدة، بل الغموض أيضاً. الغموض في تعريف الذات، في فهم المرحلة، وفي تحديد الوجهة. وهذه اللحظة، بكل صراحة، هي ما نعيشه اليوم في الحالة الفلسطينية.
لسنا أمام أزمة أدوات بقدر ما نحن أمام أزمة تعريف: ما نحن؟ هل نحن دولة ذات سيادة؟ أم ما زلنا في مرحلة تحرر وطني؟ قد يبدو السؤال نظريًا، لكنه في الحقيقة سؤال عملي بامتياز، لأن كل خيار منهما يفرض سلوكًا مختلفًا، وأدوات مختلفة، بل وحتى عقلية مختلفة في إدارة الصراع.
المشكلة لم تنشأ من غياب الإجابة، بل من محاولة الجمع بين إجابتين متناقضتين في آنٍ واحد. نحن نتحدث كدولة حين نطالب بالاعتراف الدولي، وندير المؤسسات، ونصرف الرواتب، ونبني العلاقات السياسية، لكننا في الوقت ذاته نتحدث كحركة تحرر حين نرفع خطاب المقاومة، ونؤكد على الصراع المفتوح، ونرفض الواقع القائم. هنا يكمن الخلل، لأن الدولة تحتاج إلى الاستقرار لكي تبني وتُراكم، بينما تحتاج حركة التحرر إلى حالة من القلق الدائم والصراع المفتوح لتفجير التناقض مع الواقع المفروض. وحين نحاول أن نكون الاثنين معًا دون وعي، فإننا لا نصبح أيًّا منهما.
وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإن واقعنا أقرب إلى كيان سياسي ناقص السيادة يعيش تحت الاحتلال، ويحمل في داخله ازدواجية واضحة بين سلطة تُدير وحركة تحاول أن تُقاوم. وهذا التعريف ليس أمرًا ثانويًا، بل نقطة الانطلاق التي يتوقف عليها كل ما بعدها، وهو يمثل ضرورة حقيقية، لأن أي بناء فوق تعريف خاطئ، مهما بدا متماسكًا في ظاهره، سيكون عرضة للانهيار.
المسار الحالي لا يعمل، ليس لأننا نفتقر إلى الإمكانات، بل لأننا نعيش حالة تناقض داخلي عميق؛ فنحن نريد مزايا الدولة دون أن ندفع كلفة السيادة التي سنتطرق إليها في الحلقة الثالثة، ونريد أدوات التحرر دون أن نتحمل كلفة المواجهة. وهذه معادلة غير ممكنة في الواقع. لذلك لم ننجح في بناء دولة حقيقية مكتملة، ولم ننجح أيضًا في إدارة مشروع تحرر وطني واضح المعالم، فكانت النتيجة استهلاكًا للزمن، وتآكلًا في الثقة، وضبابية مستمرة في الاتجاه.
إذا أردنا الخروج من هذا المأزق، فإن الخيارات من حيث المبدأ واضحة، لكنها تتطلب شجاعة في الحسم. فهناك منطق يقود نحو التحول إلى مشروع دولة، يقوم على تثبيت الاعتراف الدولي وتحويله إلى قوة فعلية، وبناء مؤسسات حقيقية مستقلة، وتوحيد القرار والسلاح، مع الميل إلى تقليل منطق المواجهة المباشرة لصالح العمل السياسي والقانوني. وهذا المسار يمنح قدرة على التراكم الهادئ، لكنه يحمل خطر الانزلاق نحو إدارة مربع لا يحمد عقباه إن لم يكن مرتبطًا بهدف إنهائه.
وفي المقابل، هناك منطق آخر يقوم على العودة إلى مشروع تحرر وطني صريح، يُعاد فيه تعريف المؤسسات باعتبارها أدوات نضالية، ويتم بناء مرجعية وطنية حقيقية تمثل الجميع، وتُوحّد أشكال النضال ضمن استراتيجية واحدة، مع التحرر من القيود التي تعيق الفعل. وهذا المسار يتميز بالوضوح، لكنه مكلف ويتطلب استعدادًا شاملاً على المستويات كافة.
غير أن الواقعية لا تكمن في القفز الأعمى إلى أحد المسارين، بل في حسم التعريف أولًا، ثم توظيف الأدوات بذكاء. وبمعنى أدق، نحن ما زلنا في مرحلة تحرر وطني، لكن هذا لا يمنع من استخدام أدوات الدولة، لا باعتبارها حالة مكتملة نعيش وهمها، بل باعتبارها وسيلة من وسائل الصراع. فالدولة هنا لا تُفهم كغاية مكتملة، بل كأداة تخدم هدف التحرر، وهذا الطرح بمثابة طرح مركب للحالة الفلسطينية.
هذا الفهم يفرض بالضرورة خطوات عملية تبدأ بإنهاء الضبابية رسميًا عبر الاعتراف بأننا ما زلنا تحت الاحتلال ولسنا دولة مكتملة، وتمر عبر ضرورة توحيد القرار السياسي، لأن الانقسام كفيل بإسقاط أي مشروع مهما كان صحيحًا في جوهره، وتصل إلى إعادة بناء مرجعية وطنية تعبّر عن الكل الفلسطيني لا عن جزء منه، وتنتهي بتوجيه كل الأدوات، من دبلوماسية وإعلام واقتصاد، بل وكل أشكال النضال، ضمن استراتيجية واحدة واضحة الهدف.
في الخلاصة، المشكلة ليست أننا لا نملك طريقًا، بل أننا نقف في منتصف الطريق ونرفض أن نختار. فلا يمكن لشعب أن يصل وهو لا يعرف إلى أين يسير، ولا يمكن له أن ينتصر وهو لم يُعرّف معركته بعد. إما أن نكون دولة فنتصرف كدولة، أو نكون حركة تحرر فنُدير الصراع كما يجب، أما البقاء بينهما فليس سوى شكل من أشكال استنزاف الذات. فالأمم لا تنهزم فقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن تعريف نفسها.
ومن هذا المنطلق، نجد أنفسنا أمام السؤال التالي: كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟.

كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟

ليست المشكلة الكبرى في أن يُفرض علينا واقع، فهذه سُنّة الصراعات عبر التاريخ، حيث يسعى الأقوى دائمًا إلى تشكيل المشهد بما يخدم مصالحه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الواقع المفروض من حالة نعيشها إلى حالة نؤمن بها، ومن ظرف مؤقت إلى مرجعية دائمة تضبط سلوكنا وتحدد سقف تفكيرنا.
في الحالة الفلسطينية، لم يعد التحدي فقط في وجود احتلال يفرض معادلاته، بل في كيفية التعامل مع هذه المعادلات دون أن نتحول، عن وعي أو دون وعي، إلى جزء من تثبيتها. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد الرفض: كيف نتحرك داخل هذا الواقع دون أن نستسلم له؟
الإجابة لا تكمن في الشعارات العالية، ولا في القفز فوق التعقيدات، بل في بناء قدرة حقيقية على التمييز بين "التكيّف الضروري" و"الاندماج الخطر". فليس كل تعامل مع الواقع استسلامًا، كما أن ليس كل رفض له مقاومة. الفارق بينهما دقيق، لكنه حاسم؛ إذ يمكن لشعب أن يتكيف مع ظروف قاهرة ليحافظ على بقائه، دون أن يمنحها شرعية، ويمكن في المقابل أن يرفع خطاب الرفض، بينما يمارس في سلوكه اليومي ما يكرّس هذا الواقع.
من هنا، تصبح الخطوة الأولى هي إعادة تعريف العلاقة مع الواقع المفروض. نحن لا نتعامل معه باعتباره وضعًا طبيعيًا، ولا كقدر نهائي، بل كحالة مؤقتة تُدار بوعي، بهدف تقليص آثارها، لا التعايش معها كحقيقة مستقرة. هذا التحول في الفهم ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات، حيث لا يعود السؤال: كيف ننجح داخل هذا الواقع؟ بل يصبح: كيف نتحرك داخله دون أن نخدم استمراره؟
هذا الفهم يقود بالضرورة إلى تقليل مساحات الاعتماد التي يُمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط. فالاحتلال لا يفرض سيطرته فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر شبكة معقدة من الارتباطات الاقتصادية والإدارية التي تجعل أي محاولة للتحرك مكلفة. لذلك، لا يكون التحرر هنا فعلًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تقوم على تقليل الهشاشة، وبناء بدائل ولو كانت صغيرة في بدايتها، لكنها تتراكم مع الوقت لتمنح هامشًا أوسع من القرار.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل أثر الانقسام في تكريس الواقع المفروض. غير أن تجاوزه لا يكون دائمًا عبر الاتفاقات الكبرى التي غالبًا ما تصطدم بتعقيدات السياسة، بل يمكن أن يبدأ من مساحات العمل المشتركة التي تفرض نفسها من خلال الحاجة. حين يلتقي المختلفون على هدف عملي محدد، ويحققون من خلاله نتائج ملموسة، فإنهم يخلقون شكلًا من أشكال الوحدة الوظيفية، التي قد تسبق الوحدة السياسية وتمهد لها.
أما على مستوى أدوات الفعل، فإن محدودية التأثير الخارجي لا تعني غيابه الكامل، لكنها تعني أن التعويل عليه وحده لم يعد كافيًا. وهنا يصبح من الضروري إعادة توزيع الجهد، بحيث لا يبقى الضغط الدولي هو الرهان الأساسي، بل يتحول إلى جزء من منظومة أوسع تشمل بناء رواية ذكية قادرة على مخاطبة العالم، وتفعيل الأدوات القانونية بشكل تراكمي، والأهم من ذلك كله، إشراك المجتمع نفسه كفاعل حقيقي، لا كمتلقٍ سلبي للأحداث.
غير أن أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو الانجرار إلى ردود الفعل. فالواقع المفروض غالبًا ما يُصاغ بطريقة تدفع الطرف الأضعف إلى التحرك ضمن إيقاع محدد، يجعله يستهلك طاقته دون أن يحقق أثرًا حقيقيًا. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المقصود، حيث يتم اختيار اللحظة، وتحديد الأداة، وربط كل خطوة بهدف واضح، بدل الاكتفاء بالاستجابة اللحظية للضغوط.
وفي كل ذلك، يبقى الوعي هو الأساس. ليس الوعي بوصفه حالة معرفية مجردة، بل بوصفه قدرة على تفسير الواقع، وفهم آلياته، والتمييز بين ما يُفرض علينا وما نمنحه نحن من شرعية، لأن أي مشروع، مهما كان متماسكًا على مستوى الفكرة، لن يصمد إذا لم يجد حاضنة مجتمعية تدرك معناه وتؤمن بمساره.
في النهاية، لا أحد يملك رفاهية انتظار تغير الظروف من تلقاء نفسها. فالواقع المفروض لا يزول لأنه مرفوض، بل يتراجع حين يُدار بوعي، وتُبنى في داخله مسارات تقلص من تأثيره، وتفتح تدريجيًا أفقًا مختلفًا.
قد لا يكون الطريق سريعًا، وقد لا يحمل وعودًا بانفراج قريب، لكنه على الأقل طريق لا يُعيد إنتاج الأزمة، بل يعمل، بصمت وتراكم، على تفكيكها.
وهذا، في حد ذاته، بداية حقيقية.


السيادة المؤجلة
ليست كل دولة تُعلَن تُصبح دولة، وليست كل سيادة تُمنَح تتحقق على الأرض. في الحالة الفلسطينية، يبدو السؤال عن "إعلان الدولة" أكثر تعقيدًا من كونه خطوة سياسية، إذ يتحول إلى اختبار حقيقي للوعي: هل نحن أمام تتويج لنضال طويل، أم أمام قفزٍ فوق شروط الواقع؟
لقد ترسّخ في الوعي الجمعي أن الدولة تمثل الغاية الطبيعية لأي حركة تحرر، وأن إعلانها يُعدّ انتصارًا بحد ذاته. غير أن هذا التصور على وجاهته الظاهرية يغفل حقيقة أكثر صلابة مفادها بأن الدولة ليست اسمًا، بل وظيفة؛ وليست اعترافًا، بل قدرة.
من هنا، فإن الذهاب نحو تعريف الذات كـ"دولة" في السياق الفلسطيني، دون امتلاك أدوات السيادة الفعلية، قد لا يكون انتقالًا إلى الأمام، بل إعادة تموضع داخل قيدٍ جديد، أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.
أول ما يُدفع ثمنه هو التحول في المكانة السياسية. فالحركة التي كانت تُخاطب العالم بوصفها حركة تحرر، تستند إلى سردية العدالة التاريخية، ستجد نفسها فجأة أمام منظومة دولية لا تعترف إلا بموازين القوة. وهنا، لا يعود السؤال: "هل قضيتك عادلة؟"، بل: "هل تلتزم بقواعد اللعبة؟". هذا التحول ليس شكليًا، بل يجرّد الخطاب الفلسطيني من جزءٍ مهم من زخمه الأخلاقي، ويضعه في موقع المساءلة بدل موقع المطالبة.
أما على الصعيد الأمني، فإن السيادة تعني في جوهرها احتكار استخدام القوة داخل الإقليم. لكن ماذا يحدث عندما تُعلَن السيادة دون القدرة على فرض هذا الاحتكار؟ هنا يظهر التناقض الحاد: كيان يُطالَب بضبط السلاح، وهو لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض؛ وسلطة تُحاسَب على الأمن، بينما مفاتيح الجغرافيا ليست بيدها. النتيجة المحتملة ليست سيادة منقوصة فحسب، بل هشاشة داخلية قد تنزلق إلى صدامات أو فوضى مقنّعة.
وفي البعد الاقتصادي، تتكشّف مفارقة أخرى. فالدولة بحكم تعريفها تحتاج إلى موارد مستقلة، وحدود قابلة للتحكم، وقدرة إنتاجية تضمن الحد الأدنى من الاكتفاء. لكن الاقتصاد الفلسطيني، في بنيته الحالية، ما يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، سواء عبر المعابر أو العمل أو تدفق السلع. وعليه، فإن إعلان الدولة دون فك هذا الارتباط، يحوّل السيادة إلى إطار شكلي، تُدار داخله تبعية فعلية، بتكلفة مالية وسياسية مرتفعة.
ولا تقل الكلفة القانونية خطورة. فالدولة ليست فقط صاحبة حق، بل أيضًا طرف مُلزَم باتفاقيات كقضية هشام حرب (محمود العدرة) التي ليست عنا ببعيد، والدولة أيضاً طرف مُلَزم بمحاكم، وبمساءلة دولية. وفي بيئة غير متكافئة، قد تتحول هذه الالتزامات إلى أدوات ضغط، تُستخدم لتقييد القرار الفلسطيني بدل تمكينه.
لكن الكلفة الأعمق والأقل نقاشًا هي الكلفة النفسية والاجتماعية. فبمجرد إعلان الدولة يرتفع سقف توقعات الناس: حياة أفضل، استقرار، كرامة يومية. وعندما تصطدم هذه التوقعات بواقعٍ محدود الإمكانيات، تتآكل الثقة، ويتحوّل الإنجاز الرمزي إلى مصدر إحباط. وهنا، لا تكون الخسارة سياسية فقط، بل معنوية أيضًا.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن تأجيل تعريف الذات كدولة له كلفته كذلك. فهو يُبقي الحالة الفلسطينية في منطقة رمادية: لا هي حركة تحرر مكتملة الأدوات، ولا هي دولة مكتملة السيادة. وهذا الغموض ينعكس على الخطاب، وعلى الاستراتيجية، وعلى القدرة على بناء مشروع وطني واضح المعالم.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: "هل نعلن الدولة؟"، بل: "هل نملك شروط السيادة؟".
فالدولة التي تُعلَن قبل أوانها قد تتحول إلى قيدٍ جديد، يُكبّل الفعل السياسي بدل أن يحرّره.
إن التحدي الفلسطيني اليوم ليس في اختيار التسمية، بل في بناء القدرة: قدرة على التحكم بالأرض، وعلى إدارة الموارد، وعلى فرض القرار. وعندها فقط، يصبح إعلان الدولة تتويجًا طبيعيًا لمسار نضالي، لا محاولة لتعويض نقصه.
فالسيادة، في جوهرها، لا تُمنَح… بل تُمارَس.

من عدالة القضية إلى عبء المسؤولية و التحول الصامت

لطالما ارتكز الحضور الفلسطيني في الوعي الدولي على قاعدة أخلاقية صلبة: شعبٌ يطالب بحقه، وقضيةٌ تستند إلى مظلومية تاريخية واضحة. هذه المكانة لم تكن مجرد توصيف، بل كانت مصدر قوة ناعمة، منحت الفلسطينيين قدرة على مخاطبة العالم بلغة العدالة، لا بلغة القوة.
غير أن هذا التموضع ليس ثابتًا بطبيعته، بل هو مشروط بالسياق الذي تُعرّف فيه الذات سياسيًا. وهنا تبدأ الإشكالية: ماذا يحدث عندما تنتقل الحالة الفلسطينية من كونها "صاحبة قضية" إلى "صاحبة مسؤولية"؟
هذا التحول لا يُعلن رسميًا، لكنه يحدث تدريجيًا، وبآثاره العميقة.
في الحالة الأولى، حين تكون "صاحب قضية"، فإنك تتحرك ضمن إطار أخلاقي؛ تُطالب، تُدين، تُحرّك الرأي العام، وتستند إلى سردية الحق في مواجهة الظلم. أما في الحالة الثانية، حين تصبح "صاحب مسؤولية"، فإنك تدخل في منظومة مختلفة تمامًا: منظومة الالتزامات، والتوازنات، والحسابات المعقّدة.
لم يعد العالم يسألك: "ما الذي سُلب منك؟"
بل يسألك: "كيف تُدير ما لديك؟"
وهنا يكمن التحول الجوهري.
عندما يُعاد تعريف الفلسطيني ولو جزئيًا كـ"كيان مسؤول"، فإن الخطاب الدولي يتغير تبعًا لذلك. تصبح الأولوية للاستقرار، لا للتحرر؛ وللإدارة، لا للمقاومة؛ ولضبط الواقع، لا لتغييره. وبهذا، تنتقل البوصلة من مساءلة الاحتلال إلى مساءلة الفلسطيني ذاته.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحول قد يحدث دون اكتمال شروطه. أي أن يُطلب من الفلسطيني أن يتصرف كدولة، بينما لا يملك أدوات الدولة. أن يُحاسب على الأمن، دون سيطرة كاملة على الأرض؛ وأن يُطالب بالازدهار الاقتصادي، دون سيادة على الموارد؛ وأن يُلزم بالقانون الدولي، دون حماية حقيقية من انتهاكاته.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية: يُحمَّل عبء المسؤولية، دون أن يُمنح حق السيادة.
هذا الواقع لا يُنتج استقرارًا، بل يخلق توترًا دائمًا بين التوقعات والقدرة. فالشعب الذي اعتاد أن يرى نفسه في موقع المطالبة، يجد نفسه فجأة في موقع المساءلة. والقيادة التي كانت تُخاطب العالم بخطاب الحق، تصبح مطالبة بإدارة واقع معقّد، ضمن هوامش ضيقة.
لكن، هل هذا التحول كله سلبي؟
ليس بالضرورة.
فالانتقال إلى موقع "المسؤولية" قد يحمل في طياته فرصة لبناء نموذج وطني أكثر نضجًا، قائم على الفعل لا على رد الفعل، وعلى المبادرة لا على الانتظار. لكنه، في المقابل، يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون هذا الانتقال نابعًا من امتلاك القدرة، لا مفروضًا بفعل الواقع أو الضغوط.
لأن المسؤولية، حين تُفرَض دون أدوات، تتحول إلى عبء؛ وحين تُبنى على أساس هش، تتحول إلى أزمة.
إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟
فالقضية التي تفقد بعدها الأخلاقي، تخسر روحها؛ والمسؤولية التي تُحمَّل قبل أوانها، تفقد معناها.
وبين الاثنين، يقف الفلسطيني أمام مفترق حاسم: إما أن يُعاد تعريفه وفق ما لا يملك، أو أن يُعيد تعريف نفسه وفق ما يسعى لامتلاكه، وبمعنى اخر إما أن تعيش وفق حدودك… أو وفق طموحك.
———
إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟



اسرائيليات

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة تقنية في جيش الاحتلال: مسيرات حزب الله السلكية تتحدى أنظمة الدفاع

أقرت مصادر عسكرية في جيش الاحتلال بوجود فجوة دفاعية خطيرة أمام الطائرات المسيرة الانتحارية التي يطلقها حزب الله من جنوب لبنان. وأوضحت المصادر أن التحدي الأكبر يكمن في اعتماد الحزب على تقنيات توجيه عبر الألياف الضوئية، وهي وسيلة تجعل من المستحيل على منظومات الحرب الإلكترونية اعتراضها أو التشويش على مسارها.

وذكرت تقارير صحفية عبرية أن المؤسسة الأمنية تتابع بقلق تزايد استخدام هذه المسيرات السلكية التي تمنح المشغل دقة عالية وقدرة على المناورة حتى لحظة الاصطدام. هذا التطور التقني وضع القوات البرية في حالة من الارتباك، نظراً لعدم توفر حلول تكنولوجية آنية قادرة على تحييد هذا النوع من التهديدات الجوية القريبة.

وفي تفاصيل ميدانية كشفت عنها صحيفة معاريف، تسببت إحدى هذه المسيرات في مقتل جندي يتبع للواء السابع المدرع خلال عمليات قتالية في العمق اللبناني. ولم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، بل لاحق حزب الله قوة الإخلاء الطبي التي حاولت سحب المصابين من أرض المعركة باستخدام طائرة مسيرة ثانية استهدفت المروحية بشكل مباشر.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضربات اليومية التي ينفذها حزب الله باتت تعتمد بشكل مكثف على هذا السلاح النوعي الذي يتجاوز الرادارات التقليدية. وتؤكد مصادر مطلعة أن العجز عن مواجهة هذه المسيرات أثار موجة من المخاوف داخل قيادة المنطقة الشمالية، خاصة مع فشل المنظومات الدفاعية الحالية في رصدها مبكراً.

وأمام هذا العجز التقني، لجأ جنود الاحتلال في المواقع الأمامية إلى اتخاذ تدابير وقائية بدائية وغير فعالة في محاولة لحماية أنفسهم من الاستهداف المباشر. وشملت هذه الإجراءات نصب شباك معدنية حول الثكنات والمواقع العسكرية، بالإضافة إلى وضع ألواح خشبية وبلاستيكية لتغطية تحركاتهم وحجب رؤية المسيرات الانقضاضية.

وتعكس هذه الحالة من اللجوء للوسائل التقليدية حجم الإحباط السائد بين القوات الميدانية التي تجد نفسها مكشوفة أمام سلاح جوي صغير الحجم وعالي الفعالية. ويرى مراقبون عسكريون أن استمرار حزب الله في تطوير ترسانة المسيرات يفرض معادلة استنزاف صعبة على جيش الاحتلال الذي يفتقر حتى الآن لرد تقني حاسم.

ختاماً، تواصل الدوائر العسكرية في تل أبيب البحث عن حلول مبتكرة لمواجهة 'تحدي الألياف الضوئية'، إلا أن الواقع الميداني يثبت تفوق التكتيكات التي يتبعها الحزب. ويبقى القلق قائماً من إمكانية توسيع نطاق استخدام هذه المسيرات لتشمل أهدافاً استراتيجية أعمق، في ظل استمرار الفشل في تطوير منظومة اعتراض كهرومغناطيسية ملائمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بريطانيا في مهب الريح.. حكومة ستارمر تواجه شبح 'الشلل السياسي' والانهيار

تواجه الساحة السياسية البريطانية حالة من الغليان مع تصاعد حدة الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء كير ستارمر، حيث تشير تقارير صحفية إلى أن الانطباع السائد داخل أروقة حزب العمال بدأ يتحول من اعتباره منقذاً إلى كونه شخصية تفتقر للخبرة والقدرة على القيادة. وتتزايد القناعة بأن الحكومة الحالية باتت تمثل حلقة جديدة في مسلسل الإدارات العاجزة التي مرت على البلاد خلال العقد الأخير.

وأفادت مصادر صحفية بأن التقييمات القاسية لستارمر لم تعد تقتصر على المعارضة، بل امتدت لتشمل الأوساط المقربة من الحزب الحاكم، حيث يُنظر إليه الآن كقائد غير قادر على إدارة فريقه السياسي بكفاءة. وتتوالى الاتهامات ضده بأنه يميل للتضحية بالآخرين من أجل الحفاظ على موقعه، مما أدى إلى حالة من فقدان الثقة في قدرته على إنجاز المهام الموكلة إليه.

وزادت قضية بيتر ماندلسون من تعقيد المشهد، خاصة بعد الكشف عن فشله في اجتياز الفحص الأمني، وهو الأمر الذي ادعى ستارمر عدم علمه به، مما بدد آخر آمال أنصاره في قدرته على ضبط المشهد الداخلي. وبدأ عدد من الوزراء في النأي بأنفسهم عن رئيس الوزراء، بل ووصل الأمر إلى إعلان استقالات على الهواء مباشرة، في إشارة واضحة إلى تفكك الجبهة الداخلية للحكومة.

وتدخل بريطانيا حالياً ما يوصف بعصر 'الزومبي السياسي'، وهي حالة تتميز بوجود حكومة مشتتة الذهن، خاملة، وتفتقر إلى أي طموح أو إبداع في مواجهة التحديات الحقيقية. هذا الوضع ليس جديداً على المملكة المتحدة، فقد شهدت السنوات الماضية فترات مشابهة مع رؤساء وزراء سابقين تشبثوا بالسلطة رغم وصول سياساتهم إلى طريق مسدود.

ويرى مراقبون أن بقاء ستارمر في منصبه حالياً ينبع من الجمود وقلة الخيارات البديلة وليس من كفاءته القيادية، وهو ما يقود البلاد نحو حكم فوضوي مدمر. هذا النمط من الحكم لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار مفاجئ، بل يسبب تدهوراً تدريجياً في مستويات المعيشة وفقداناً للشعور بالمصير المشترك تحت قيادة مسؤولة.

على الصعيد الاقتصادي، حذر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا تواجه أكبر ضربة للنمو بين دول مجموعة العشرين نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسعار الطاقة. وتتزامن هذه الصدمات الخارجية مع أزمة غلاء معيشة قائمة مسبقاً، في ظل غياب أي خطة حكومية واضحة لاستباق الأزمات أو تقديم تطمينات ملموسة للمواطنين.

وفيما يتعلق بالتماسك الاجتماعي، يبرز حزب 'الإصلاح' كتهديد جدي فشل حزب العمال في التعامل معه، بل وساهم في تأجيج المناخ السياسي بخطاب يحاكي التيارات اليمينية المتطرفة. وقد تلوث المناخ الثقافي بالعداء للمهاجرين، مما وضع حزب العمال في موقف دفاعي ضعيف لم ينجح في كبح جماح القوى السياسية الصاعدة.

وتشير التوقعات الانتخابية إلى أن حزب العمال يتجه نحو أسوأ أداء له على الإطلاق في الانتخابات المحلية الشهر المقبل، بعد هزائم قاسية في انتخابات فرعية سابقة. ورغم هذه المؤشرات الخطيرة، يلتزم ستارمر الصمت أو يكتفي بتصريحات وُصفت بأنها غير لائقة، مما يعزز الانطباع بغيابه التام عن معالجة الأزمات الراهنة.

ويسلك رؤساء الوزراء في مثل هذه الظروف عادة مسارين؛ إما محاولة فرض الوجود عبر سياسات مثيرة للجدل، أو التقاعس التام والانشغال بإخماد الحرائق الداخلية. ويبدو أن ستارمر اختار المسار الثاني الذي قد ينتهي بتمرد جماعي من النواب والوزراء، على غرار ما حدث في أواخر عهد بوريس جونسون.

ويشبه محللون الوضع الحالي بما وصفه ألكسيس دو توكفيل عن الأرستقراطية الفرنسية التي تشبثت بامتيازاتها بعد أن تخلت عن واجباتها، مما أشعل فتيل الثورة. ستارمر، في هذا السياق، يمثل طبقة سياسية تشعر بالاستحقاق للسلطة لكنها تفشل في توظيفها لتحقيق غايات مادية ملموسة للشعب البريطاني.

إن الأزمة الحقيقية تكمن في فشل السياسة التقدمية في إعادة صياغة دورها داخل بريطانيا المتغيرة، حيث تآكلت القواعد الصناعية والعمالية التقليدية لصالح رأس المال. ولم تنجح حكومة العمال في معالجة الاختلالات الاقتصادية التي تخدم مصالح فئة محدودة من ذوي الثروات الطائلة على حساب الأغلبية.

كما تعاني القيادة البريطانية من فراغ أخلاقي في ظل قوى دولية متوحشة وانتهازية، حيث فشل ستارمر في تقديم نموذج قيادي ملهم أو واضح المعالم. لقد كان غموض شخصيته في البداية ميزة سمحت لمؤيديه بإسقاط أوهامهم عليه، لكن هذا الفراغ أصبح الآن عائقاً أساسياً أمام أي تغيير حقيقي.

ويؤكد مراقبون أن ستارمر تحول إلى مجرد 'وعاء' للسياسات القائمة بدلاً من أن يكون عاملاً للتغيير، وهو ما يجعل ولايته تبدو وكأنها مرحلة انتقالية باهتة. الأمل الوحيد المتبقي هو أن تنتهي هذه الفترة دون الدخول في دوامة جديدة من البدايات الخاطئة التي استنزفت طاقة البلاد لسنوات.

ختاماً، فإن من سيخلف ستارمر في قيادة حزب العمال عليه أن يدرك أن المهمة تتجاوز مجرد إدارة إرث متهالك، بل تتطلب شجاعة في تبني التحديات الاقتصادية والسياسية. إن الاستمرار في النهج الحالي سيقود أي خليفة محتمل إلى المصير نفسه، وهو السقوط في فخ 'الزومبي السياسي' الذي يهدد مستقبل المملكة المتحدة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي يخرق الهدنة في لبنان: غارات على النبطية وتحليق فوق بيروت

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة خروقاته لاتفاق الهدنة القائم في لبنان، حيث شنت مقاتلاته صباح اليوم الثلاثاء ثلاث غارات جوية استهدفت بلدة زوطر الشرقية التابعة لقضاء النبطية في الجنوب اللبناني. وتزامن هذا القصف مع إطلاق نيران مكثفة من الرشاشات الثقيلة باتجاه الأحياء السكنية في مدينة بنت جبيل، مما أثار حالة من الذعر بين المواطنين الذين يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية في ظل التهدئة الهشة.

ولم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على القصف الميداني، بل امتد ليشمل انتهاك الأجواء اللبنانية بشكل واسع، حيث أفادت مصادر ميدانية بتحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّر فوق مدينة صور وقراها المحيطة. كما سجلت العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية خروقات جوية مماثلة، حيث جابت الطائرات المسيّرة سماء المنطقة على ارتفاعات متفاوتة، في خطوة اعتبرها مراقبون استفزازاً صريحاً لبنود الاتفاق الذي ترعاه أطراف دولية.

وفي سياق متصل، لا تزال فرق الإنقاذ والدفاع المدني تواصل عمليات البحث المضنية عن مفقودين تحت أنقاض المباني في بلدة حاريص بقضاء بنت جبيل. وتأتي هذه الجهود عقب غارة عنيفة نفذها طيران الاحتلال مساء أمس الإثنين، أسفرت عن وقوع إصابات متفاوتة وأضرار مادية جسيمة، مما يعقد الوضع الإنساني في المناطق الحدودية التي تعاني أصلاً من دمار واسع.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية، فقد بلغت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية يوم أمس الإثنين أربعة شهداء، من بينهم سيدة، بالإضافة إلى إصابة 51 شخصاً بجروح مختلفة. وتشير التقارير الطبية إلى أن من بين المصابين 3 أطفال و6 نساء، مما يعكس استمرار استهداف المناطق المأهولة رغم سريان الهدنة التي بدأت في السابع عشر من أبريل الجاري ومددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخراً.

على الجانب الآخر، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بوقوع إصابات في صفوف جنوده، حيث أعلن عن إصابة جنديين بجروح إثر استهداف قواته بمسيّرة مفخخة في إحدى النقاط العسكرية بجنوب لبنان. وادعى الجيش في بيان له أنه نفذ هجمات استهدفت أكثر من 20 منشأة وبنية تحتية تابعة لحزب الله في مناطق متفرقة من البقاع والجنوب، زاعماً أنها كانت تُستخدم لأغراض عسكرية.

وفي اعتراف لافت يعكس حجم التحديات الميدانية، نقلت مصادر إعلامية عن قائد لواء في جيش الاحتلال يعمل في الجبهة الشمالية، قوله إنه لا يوجد حلول سحرية لمواجهة الطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله. وأوضح القائد العسكري أن هذه المسيّرات باتت تشكل تحدياً عملياتياً معقداً يصعب التعامل معه بشكل كامل، وهو ما يفسر القلق المتزايد في الأوساط العسكرية الإسرائيلية من تطور القدرات الجوية للمقاومة.

وتشير الإحصائيات الرسمية المحدثة إلى أن حجم الكارثة الإنسانية في لبنان منذ بدء العدوان في الثاني من مارس الماضي قد بلغ مستويات قياسية، حيث استشهد 2509 أشخاص وأصيب نحو 7755 آخرين. كما تسبب العدوان المستمر في نزوح أكثر من 1.6 مليون لبناني من قراهم ومدنهم، وسط ظروف معيشية صعبة ونقص حاد في الموارد الأساسية نتيجة الحصار والقصف الممنهج للبنية التحتية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس، حيث كان من المفترض أن تساهم الهدنة في تخفيف معاناة المدنيين وتسهيل وصول المساعدات. إلا أن استمرار عمليات النسف التي ينفذها الاحتلال في بلدات مثل حانين وشيحين، والقصف المدفعي الذي طال منطقة علمان - الشومرية، يضع الاتفاق الدولي على المحك ويهدد بانهيار التهدئة والعودة إلى مربع المواجهات الشاملة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

في حدث تاريخي.. السيمفونية السورية لمالك جندلي تصدح في كاتدرائية واشنطن الوطنية

شهدت كاتدرائية واشنطن الوطنية حدثاً فنياً استثنائياً تمثل في عزف السيمفونية السورية الخامسة للموسيقار السوري مالك جندلي، ليكون بذلك أول مؤلف عربي تنال أعماله هذا الاعتراف الفني في أحد أكبر الصروح الروحية والوطنية في الولايات المتحدة. أقيمت الأمسية بحضور نخبة من الدبلوماسيين والمثقفين والجالية السورية، وسط تغطية إعلامية واسعة احتفت بهذا المنجز الحضاري الذي يجسد تلاقي الشرق والغرب.

تولت أوركسترا جامعة نورث كارولاينا للفنون تنفيذ العمل بقيادة المايسترو جيمي آلبرتين، وهي المفارقة التي أضفت لمسة وفاء على الحفل، كون جندلي أحد خريجي هذه الجامعة المرموقة التي احتضنت موهبته في بداياته بمنحة دراسية كاملة. وقد أثبت العرض قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود الجغرافية، حيث امتزجت الألحان المستوحاة من العمق السوري مع الطراز القوطي للكاتدرائية التي اعتادت استضافة أعمال كبار الموسيقيين العالميين مثل باخ وبيتهوفن.

تعد السيمفونية الخامسة جزءاً من مشروع جندلي الطموح الذي يضم ثماني سيمفونيات، وقد سبق تسجيلها في فيينا بقيادة المايسترو مارين ألسوب. ويأتي هذا العرض ضمن سلسلة فعاليات دولية تشمل مدناً مثل لايبزيغ وبودابست، مما يعزز مكانة الموسيقى السورية المعاصرة في المحافل الدولية الكبرى، ويؤكد على عالمية اللغة الموسيقية التي يتقنها جندلي في صياغة هويته الفنية.

اعتمد جندلي في بناء سيمفونيته على توظيف معقد للمقامات الشرقية والتراث السوري بأسلوب أكاديمي رصين يتماشى مع نظريات الهارموني الكلاسيكي. ولم يكتفِ بتقديم الموسيقى كقالب إثني، بل أعاد صياغة المقام العربي ليحاور لغة كبار المؤلفين مثل مالر وشوستاكوفيتش، مما خلق صوتاً فريداً يحافظ على الهوية السورية دون أن يفقد بريق الحداثة الموسيقية العالمية.

تتألف السيمفونية من أربع حركات متنوعة، استلهمت الحركة الأولى منها ثيمات من الموشح الحلبي القديم 'اسق العطاش' وسماعي سوري قديم، حيث تفاعلت هذه الألحان في قالب 'السوناتا' لتنتج دفقات شعورية قوية. وتبرز هذه الحركة قدرة المؤلف على تحويل التراث الصوفي والديني إلى لغة سيمفونية عالمية تخاطب الوجدان الإنساني بمختلف خلفياته الثقافية.

في الحركة الثانية، انتقل الجمهور إلى أجواء 'النوكتيرن' الحالمة التي تعكس التأمل والهدوء، مستمدة إلهامها من سماعي حسيني وتجربة ذاتية للمؤلف في جبال سموكي الأمريكية. بينما جاءت الحركة الثالثة بقالب 'الاسكرتسو' السريع والحيوي، معتمدة على عنصر المفاجأة والإيقاع النشط المستقى من سماعي محير، مما أضفى توازناً درامياً بين الهدوء والاندفاع في بنية العمل.

اختتمت السيمفونية بحركتها الرابعة التي استلهمت تقنيات من مدرسة مالر، معتمدة على سماعي هزام قديم وتصاعد أوركسترالي مهيب قاد المستمعين إلى ذروة العمل. وقد تخللت السيمفونية انفرادات شجية لآلات التشيللو والأوبوا والباصون، مما عكس ثراء التوزيع الأوركسترالي وقدرة جندلي على توظيف كافة مجموعات الآلات الموسيقية لإيصال رسالته الفنية.

يحمل مشروع مالك جندلي أبعاداً تتجاوز الفن الصرف، إذ يسعى من خلال موسيقاه إلى توثيق آلام وآمال الشعب السوري، وتحويل نداءات الحرية إلى سيمفونيات خالدة. وقد كرس جندلي أعماله لتكريم ضحايا الحرب والنساء السوريات، مؤمناً بأن الفن الصادق يمتلك قوة خارقة قادرة على تغيير السرديات النمطية عن العرب والمسلمين وتقديم صورة مشرقة عن حضارتهم العريقة.

في ختام الحفل، صعد جندلي إلى المسرح وسط تصفيق حار، موجهاً رسالة أمل بمستقبل يسوده السلام في وطنه الأم، معبراً عن حلمه بعزف هذه السيمفونيات في ساحات حمص ودار الأوبرا بدمشق. ويمثل هذا العرض في واشنطن اعترافاً دولياً بقدرة المبدع العربي على المنافسة في أصعب الميادين الفنية، محققاً توازناً استراتيجياً ثقافياً يربط بين جذور أوغاريت وآفاق المستقبل العالمي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير يكشف خسائر بمليارات الدولارات في القواعد الأمريكية إثر ضربات إيرانية

أفادت مصادر إعلامية مطلعة بأن الهجمات الإيرانية الأخيرة ألحقت أضراراً جسيمة بالأصول العسكرية التابعة للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي، حيث قدرت الخسائر بمليارات الدولارات. وشمل الدمار مرافق حيوية تتنوع بين مدرجات الطيران وأنظمة الرادار المتطورة، بالإضافة إلى تدمير عشرات الطائرات ومقرات القيادة والسيطرة وحظائر الصيانة والبنية التحتية المخصصة للاتصالات الفضائية.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن فاتورة إصلاح المنشآت المتضررة قد تبلغ نحو 5 مليارات دولار، وهذا الرقم لا يشمل تكاليف استبدال أو صيانة أنظمة الرادار والأسلحة والمعدات التقنية التي خرجت عن الخدمة تماماً. وقد امتدت خارطة الاستهداف لتشمل قواعد عسكرية في عدة دول، من بينها قاعدتا الظفرة والرويس في الإمارات العربية المتحدة، وقاعدة الأمير سلطان في المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى قاعدة الموفق سلطي في الأردن.

وفي دولة الكويت، رصدت التقارير وقوع أضرار في قاعدة 'كامب بوهرينج' شملت طائرة من طراز إف-5، بالإضافة إلى استهداف قاعدة علي السالم الجوية ومجموعة من المخازن والموانئ الحيوية. كما طالت الضربات منشآت عسكرية في شمال العراق مخصصة لتخزين الذخيرة، ومدرجاً رئيسياً في قاعدة العديد الجوية الواقعة في دولة قطر، مما يعكس اتساع رقعة العمليات وتأثيرها على اللوجستيات الأمريكية.

أما في مملكة البحرين، فقد تعرض المبنى الرئيسي للبحرية الأمريكية لدمار واسع النطاق، حيث تشير البيانات إلى أن مقر الأسطول الخامس يحتاج وحده لميزانية إصلاح تقدر بـ 200 مليون دولار. ولم تقتصر الخسائر على المباني، بل شملت تعطيل نظامين للدفاع الجوي على الأقل، مما يضع تحديات كبيرة أمام القدرات الدفاعية للمنشآت الأمريكية في المنطقة خلال الفترة الراهنة.

وعلى صعيد العتاد الجوي، كشف التقييم عن خسائر فادحة شملت تحطم طائرة مقاتلة وعشرات الطائرات المسيرة من طراز 'إم كيو-9 ريبر' (MQ-9 Reaper) المعروفة بقدراتها الاستطلاعية والهجومية. كما تضرر عدد من المروحيات وطائرات الاستطلاع وطائرتي ناقلة للوقود، وهو ما يمثل ضربة قوية لسلاح الجو الأمريكي وقدرته على تنفيذ مهام المراقبة والانتشار السريع في مسرح العمليات بالشرق الأوسط.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

روبيو يتحدث عن تقدم في ملف نزع سلاح حماس ويشيد بالدور المصري التركي

أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن رصد تطورات إيجابية وملموسة في مسار المفاوضات الرامية لنزع سلاح حركة حماس في قطاع غزة. وأوضح روبيو في تصريحات إعلامية أن الأيام القليلة الماضية شهدت حراكاً مكثفاً في كواليس الدبلوماسية، مؤكداً أن هناك مؤشرات واعدة برزت رغم حالة التضارب التي تظهر في التصريحات العلنية للأطراف المعنية.

وأثنى رئيس الدبلوماسية الأمريكية على الجهود التي تبذلها كل من مصر وتركيا، واصفاً إياهما بالشركاء المحوريين في دفع هذه العملية المعقدة نحو الأمام. وأشار إلى أن واشنطن تضع ملف نزع السلاح على رأس أولوياتها لضمان عدم العودة إلى مربع الصراع، معرباً عن أمله في أن تترجم هذه التفاهمات إلى واقع ملموس خلال الفترة القريبة المقبلة.

وشدد روبيو على أن نجاح مشروع التسوية الشاملة في المنطقة مرهون بشكل أساسي بتحقيق تقدم حقيقي في ملف تجريد الحركة من سلاحها. واعتبر أن غياب هذه الخطوة سيجعل كافة التفاهمات والاتفاقيات التي تم التوصل إليها محل تساؤل وغير قابلة للاستدامة، مؤكداً أن الإدارة الأمريكية تسعى لتجنب سيناريو استئناف العمليات العسكرية بكل الوسائل الممكنة.

وتأتي هذه التصريحات في أعقاب الكشف عن قنوات اتصال مباشرة جرت بين مسؤولين أمريكيين وقيادات من حركة حماس في منتصف شهر أبريل الجاري. وتعد هذه اللقاءات هي الأولى من نوعها منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في أكتوبر الماضي، مما يعكس رغبة إدارة ترمب في تثبيت دعائم التهدئة عبر حوارات تقنية وسياسية مباشرة تهدف لضمان الاستقرار.

وفي ختام حديثه، لفت وزير الخارجية الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة تراقب بحذر ما سيتمخض عن هذه الجولات التفاوضية، مشدداً على أن العبرة تبقى بالنتائج الفعلية على الأرض. كما أوضح أن واشنطن تعمل بالتنسيق مع القوى الإقليمية لضمان عدم انهيار الاتفاق الهش، وتجنب العودة إلى التصعيد العسكري الذي وصفه بأنه سيناريو غير مرغوب فيه لجميع الأطراف.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد حادثة 'واشنطن هيلتون'.. كيف يعمل نظام الطبقات الأمنية لحماية ترمب؟

أعاد حادث إطلاق النار الأخير الذي وقع خلال حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، بحضور الرئيس دونالد ترمب، فتح ملف التحديات الأمنية التي يواجهها جهاز الخدمة السرية الأميركي. وقد تركزت الأنظار بشكل خاص على كيفية تأمين الشخصيات الرفيعة في بيئات معقدة مثل الفنادق الكبرى التي تشهد حركة كثيفة.

وقعت الحادثة داخل فندق 'واشنطن هيلتون'، وهو موقع يمثل كابوساً أمنياً نظراً لطبيعته المفتوحة وتعدد مداخله ومئات الغرف التي يضمها. وتفرض هذه المواقع على الفرق الأمنية ضرورة إيجاد توازن دقيق بين تأمين الأهداف وحماية استمرارية العمل اليومي للفندق دون تعطيل.

تاريخياً، تعود جذور مهمة حماية الرئيس الموكلة لهذا الجهاز إلى عام 1901، حيث تم إقرارها رسمياً عقب اغتيال الرئيس ويليام ماكينلي. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف الجهاز عن تطوير إستراتيجياته الدفاعية لمواكبة التهديدات المتغيرة والتقنيات الحديثة.

يعتمد جهاز الخدمة السرية في عمله الميداني على ما يُعرف بنظام 'الطبقات الأمنية' المتعددة، والتي تبدأ من المحيط الخارجي للموقع. وتتدرج هذه الطبقات لتشمل نقاط تفتيش دقيقة وأجهزة كشف متطورة، بالإضافة إلى مراقبة بشرية وتقنية مكثفة تشكل شبكة متكاملة.

تهدف هذه الشبكة الأمنية إلى اكتشاف أي تهديد محتمل قبل وصوله إلى المنطقة الصفرية أو الهدف المراد حمايته. وتعتبر سرعة الاستجابة التي أظهرها العناصر خلال الحادثة الأخيرة دليلاً على فعالية التدريبات الوقائية التي يتلقاها أفراد الجهاز بشكل دوري.

يرتكز جزء جوهري من العمل الأمني على التحليل الاستخباراتي المسبق وجمع المعلومات من مصادر متنوعة. وتشمل هذه المصادر وكالات إنفاذ القانون والبيانات الرقمية، بالإضافة إلى رصد التهديدات التي قد تظهر عبر الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل.

يتم توزيع هذه البيانات والمعلومات داخلياً لضبط مستويات الحماية المطلوبة لكل حدث بناءً على تقييم المخاطر. ومع ذلك، تبرز التحديات الكبرى عندما يكون التهديد غير معروف مسبقاً أو لم يتم التبليغ عنه، مما يضع ضغطاً هائلاً على الطبقات الأمنية الميدانية.

رغم تمكن المشتبه به في حادثة العشاء من الاقتراب من المحيط النسبي للفعالية، إلا أن مصادر أمنية أكدت أن النظام لم يفشل. فقد نجحت خطوط الإنذار المبكر في رصد التحرك المشبوه، مما أتاح لعناصر الأمن السيطرة على الموقف قبل تفاقمه.

وفي تعليقه على الحادثة، أشار القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش إلى أن المنظومة الأمنية أثبتت كفاءتها في الميدان. وأكد بلانش أن الطوق الأمني المحكم أدى الغرض منه في تقليص حجم الخطر وتأمين سلامة جميع الحاضرين في القاعة.

تثبت هذه الواقعة حقيقة تقنية مفادها أنه لا توجد منظومة أمنية محصنة بنسبة مئة في المئة، خاصة في الأماكن الديناميكية. لكن معيار النجاح الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى سرعة الاحتواء ومنع تحول الخروقات البسيطة إلى كوارث أمنية كبرى.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 8:50 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتمسك بالحصار النفطي ويشكك في مقترحات طهران بشأن مضيق هرمز

دخلت الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التعقيد، في ظل إصرار واشنطن على مواصلة سياسة الحصار الشامل. وأبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شكوكاً عميقة تجاه المقترحات الإيرانية الأخيرة المتعلقة بملف الملاحة في مضيق هرمز والبرنامج النووي، معتبراً إياها غير كافية لضمان الأمن الدولي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الموقف الأمريكي الحالي يستند إلى مخاوف جدية من عدم التزام طهران بتعهداتها المستقبلية. وترى الإدارة الأمريكية أن أي اتفاق يجب أن يضمن فتح مضيق هرمز بشكل دائم ومستقر، بعيداً عن التهديدات المتكررة التي شابت المرحلة الماضية، وهو ما لم يوفره العرض الإيراني الأخير بشكل مقنع لواشنطن.

وتضمن المقترح الذي قدمته طهران أفكاراً مثيرة للجدل، من بينها فرض رسوم مالية على السفن التجارية العابرة للمضيق لتخصيصها لتمويل عمليات إعادة الإعمار داخل إيران. وقد قوبلت هذه الخطوة برفض دولي واسع وصدمة في الأوساط الأمريكية، حيث اعتبرها مسؤولون في واشنطن محاولة لفرض واقع قانوني جديد يمس بحرية الملاحة الدولية.

وتسود حالة من التحفظ داخل البيت الأبيض تجاه فكرة العودة إلى 'نقطة الصفر'، أي ما قبل اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة. فالمقترح الإيراني يدعو لإنهاء الحصار وفتح الممرات المائية أولاً ثم البدء في مفاوضات نووية، وهو ما تراه واشنطن تراجعاً سياسياً غير مقبول بعد التكاليف العسكرية والبشرية الباهظة التي تكبدتها.

وتطرح الدوائر السياسية في واشنطن تساؤلات جوهرية حول جدوى العمليات العسكرية إذا كانت ستنتهي بالعودة إلى المسارات التفاوضية القديمة دون تحقيق مكاسب ملموسة. ويرى التيار المتشدد أن القبول بالشروط الإيرانية الحالية سيعني فشل استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي انتهجها ترمب منذ توليه السلطة.

في المقابل، تراهن الإدارة الأمريكية على سلاح الحصار الاقتصادي، لا سيما في قطاع الطاقة الذي يمثل شريان الحياة للنظام الإيراني. وتشير التقديرات الفنية إلى أن استمرار القيود الحالية على صادرات النفط سيؤدي إلى شلل شبه كامل في هذه الصناعة خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، مما سيضع طهران أمام خيارات صعبة.

ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن إيران ستواجه قريباً أزمة طاقة داخلية حادة نتيجة تراكم المخزونات وعدم القدرة على تصريف الإنتاج العالمي. هذا الضغط الفني والاقتصادي، بالإضافة إلى تكاليف إغلاق آبار النفط، قد يجبر القيادة الإيرانية على تقديم تنازلات جوهرية للوصول إلى اتفاق يخفف من وطأة الخناق الاقتصادي.

وعلى الصعيد الداخلي، كشفت مصادر عن وجود تباينات واضحة في وجهات النظر داخل أروقة الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني. فبينما يميل فريق من المستشارين إلى فتح قنوات تفاوضية لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، يصر فريق آخر على أن العقوبات ستحقق أهدافها النهائية في وقت قصير جداً.

ولا تقتصر الضغوط على الجانب الإيراني فحسب، بل تواجه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. وقد أدى هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف الوقود محلياً وارتفاع معدلات التضخم، مما أثار موجة من الانتقادات الشعبية والسياسية لسياسات الإدارة الخارجية وتأثيرها على معيشة المواطن الأمريكي.

وتوصف الحالة الراهنة بأنها 'لعبة عض أصابع' مستمرة بين القوتين، حيث يحاول كل طرف استنزاف الوقت لصالحه بانتظار تراجع الآخر. ومع بقاء الخيارات مفتوحة بين التصعيد العسكري أو التسوية السياسية المشروطة، تظل المنطقة رهينة حالة من 'لا حرب ولا سلم' بانتظار ما ستسفر عنه الأسابيع القليلة القادمة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 8:11 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريح ترامب “إسرائيل دولة صغيرة”: كيف تُرجم على الأرض؟

في فلسطين، لا تأتي الأسئلة الكبرى فجأة؛ بل تتراكم ببطء، حتى تصبح أثقل من أن تُؤجَّل. من بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال المرحلة: هل ما جرى ويجري هو مجرد فوضى سياسية، أم أنه مسار مُدار بعناية، يُعاد فيه تشكيل الواقع تمهيدًا لشيء آخر؟

حين عادت إدارة دونالد ترامب إلى الواجهة، لم تُعلن خطة جديدة صريحة بقدر ما أعادت إحياء منطق قديم بصيغة أكثر وضوحًا: تقليل الكلام، وترك الوقائع تتكفل بالباقي. لم يكن هناك بيان يقول إن الاستيطان سيُمنح “فترة سماح”، لكن ما حدث على الأرض كان كأنه كذلك. تسارع البناء، تراجعت الضغوط، وغاب الاعتراض الفعّال، وكأن الزمن نفسه أُعيد توجيهه ليخدم طرفًا دون آخر.

في أكثر من مناسبة، لم يتردد دونالد ترامب في وصف إسرائيل بأنها “دولة صغيرة جدًا”. قد يبدو هذا الوصف عابرًا أو حتى جغرافيًا بحتًا، لكنه في سياق الصراع يحمل دلالات أعمق بكثير. فحين تُقدَّم الدولة بوصفها “صغيرة”، فإن ذلك يفتح الباب ضمنيًا لتبرير التمدد، أو على الأقل لفهمه كحاجة طبيعية لا كخيار سياسي قابل للنقاش.

هذا الخطاب لا ينفصل عن الرواية الأمنية الإسرائيلية، التي طالما ربطت بين الجغرافيا والأمن، وبين العمق الاستراتيجي والقدرة على البقاء. في هذه الرواية، لا يُنظر إلى التوسع الاستيطاني باعتباره مجرد مشروع أيديولوجي، بل كأداة دفاعية تُستخدم لتقليل المخاطر وتعزيز السيطرة. وهنا، يصبح الاستيطان ليس فقط أمرًا واقعًا، بل ضرورة يُعاد إنتاجها سياسيًا وإعلاميًا.

وحين يُضاف إلى ذلك أفق سياسي ضيق في مقاربة الصراع، يتجلى في تصور لدى دونالد ترامب يقوم على إمكانية معالجة “مشكلات إسرائيل” دفعة واحدة، أو على الأقل تقليص هواجسها، سواء كانت متخيلة أو قائمة، من خلال فرض وقائع جديدة، فإننا نكون أمام رؤية تختزل صراعًا تاريخيًا معقدًا إلى مسألة إدارة أمنية قابلة للحسم السريع. هذا النوع من التفكير لا يكتفي بتبني الرواية الأمنية، بل يسعى إلى إغلاقها، كأنها ملف يمكن إنهاؤه بإعادة ترتيب الجغرافيا لا بإعادة تعريف العلاقة بين الأطراف.

حين يتقاطع هذا التصور مع سياسات عملية على الأرض، تسارع في البناء، غياب ضغط دولي حقيقي، وتطبيع تدريجي مع الوقائع الجديدة، فإن النتيجة لا تكون مجرد تغيير في الخريطة، بل إعادة تعريف لمفهوم “الأمن” نفسه. أمن من؟ وعلى حساب من؟ وبأي حدود؟

في هذا السياق، لا يبدو الاستيطان مجرد سياسة، بل أداة لإعادة تعريف التفاوض قبل أن يبدأ. حين تتغير الخريطة تدريجيًا، تصبح أي مفاوضات لاحقة محكومة بما فُرض بالفعل، لا بما كان مطروحًا نظريًا. وهنا، يتحول السؤال من “ما هو الحل العادل؟” إلى “ما الذي يمكن إنقاذه من الواقع القائم؟”.

ليست هذه المقاربة جديدة بالكامل. جذورها تعود إلى ما طُرح سابقًا في ما عُرف بـ صفقة القرن، حيث جرى التعامل مع المستوطنات كأمر واقع يمكن دمجه في أي تسوية مستقبلية. الجديد اليوم ليس الفكرة، بل وتيرة التنفيذ، وغياب التوازن في ردود الفعل الدولية.

في المقابل، تبدو الضفة الغربية وكأنها تعيش حالة إعادة تشكيل صامتة. الطرق، الحواجز، التمدد العمراني—كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تُراكم أثرًا سياسيًا عميقًا. لا إعلان ضم شامل، ولا اتفاق سلام، بل منطقة رمادية تتسع يومًا بعد يوم.

أما غزة، فهي في موقع مختلف ظاهريًا، لكنها جزء من المعادلة ذاتها، غير أن واقعها العملي يشير إلى استبعاد متزايد من أي أفق سياسي قريب، إذ ستكون منهمكة في إعادة إعمار طويلة ومعقدة قد تمتد لعقود، ما يجعل حضورها في أي مسار تفاوضي شامل محدودًا أو مؤجلًا.

وسط كل ذلك، يبدو أن “تأجيل الحل” لم يعد مرحلة انتقالية، بل سياسة قائمة بذاتها. ليس هناك اندفاع نحو تسوية شاملة، بل إدارة مستمرة للأزمة، مع ترك الباب مفتوحًا لمفاوضات تأتي لاحقًا، إذا جاءت، على أرضية مختلفة تمامًا.

لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا جوهريًا. فإعادة تشكيل الواقع قد تُسهّل فرض شروط جديدة، لكنها لا تُنهي الصراع. بل قد تعمّقه، لأن ما يُفرض دون توافق يبقى عرضة للاهتزاز، مهما طال الزمن.

وهنا يعود السؤال الأول، ولكن بصيغة أكثر حدة: إذا كان الزمن يُستخدم كأداة سياسية، فهل يمكن التعويل عليه وحده لحسم الصراع؟ أم أن ما يبدو كاستراتيجية طويلة الأمد ليس سوى تأجيل مستمر لانفجار أكبر؟

بعد كل هذا، يفرض الواقع سؤالًا يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في مضمونه: هل ما زال بالإمكان العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا؟ أم أن ما جرى تجاوز نقطة اللاعودة؟

بالنسبة لإسرائيل، يبدو أن الرهان يسير في اتجاه واضح: ليس فقط إدارة الصراع، بل إعادة تشكيله بحيث تصبح العودة إلى الخلف شبه مستحيلة. فكل توسّع استيطاني جديد، وكل طريق يُشق، وكل بنية تُقام، لا يُضاف فقط إلى الحاضر، بل يُثبّت مستقبلًا مختلفًا، يُصعّب التراجع عنه حتى لو توفرت الإرادة السياسية.

من هنا، لا يعود الحديث عن حل الدولتين مجرد خيار مؤجل، بل احتمال يتآكل تدريجيًا. ليس لأن الفكرة فقدت مشروعيتها النظرية، بل لأن الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تتغير باستمرار. وحتى لو جاءت في إسرائيل حكومات أو أحزاب تدعم هذا التوجه، فإنها ستجد نفسها أمام واقع مركّب إلى حد يجعل التنفيذ أقرب إلى المستحيل منه إلى التحدي السياسي التقليدي.

التعقيد هنا لا يقع على الفلسطينيين وحدهم، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. كيف يمكن تفكيك بنية استيطانية أصبحت جزءًا من الاقتصاد، ومن الجغرافيا، ومن الحياة اليومية لمئات الآلاف؟ وكيف يمكن إعادة رسم حدود بعد أن تداخلت الوقائع إلى هذا الحد؟

بهذا المعنى، لا يكون التغيير قد أغلق باب الحل فقط، بل أعاد تعريفه. فبدل أن يكون السؤال: كيف نصل إلى حل الدولتين؟ يصبح السؤال: هل ما زال هذا الحل قابلًا للتطبيق أصلًا، أم أنه تحوّل إلى فكرة سياسية تسبقها الوقائع ولا تلحق بها؟

في هذا المشهد، لا يبدو أن الزمن يعمل كوسيط محايد، بل كعامل ترجيح. كل يوم يمرّ دون معالجة جذرية لا يترك الأمور كما هي، بل يدفعها خطوة إضافية نحو واقع أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للفصل أو إعادة الترتيب.

وهكذا، لا تكون المعضلة في غياب الحلول فقط، بل في تضاؤل إمكانية العودة إلى نقطة يمكن عندها البحث عن حل أصلًا. في فلسطين، لا تُقاس التحولات فقط بما يُعلن، بل بما يتغير بصمت. وربما يكون أخطر ما في المرحلة ليس ما قيل، بل ما جرى تمريره دون حاجة إلى قول.


تحليل

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 7:49 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن بين فشل الحرب ومأزق هرمز: إدارة ترمب تبحث عن مخرج بعد إشعال الأزمة


واشنطن – سعيد عريقات – 28/4/2026


تحليل إخباري


تكشف التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حجم المأزق الذي وصلت إليه إدارة الرئيس دونالد ترمب بعد تعطيل جولة المفاوضات الأخيرة مع إيران، وتحويل مضيق هرمز إلى ساحة صراع مفتوح يهدد الاقتصاد العالمي. فبدلاً من تقديم رؤية دبلوماسية تُنهي التوتر، اختارت الإدارة الأميركية لغة الإملاءات والتهديد، ثم فوجئت بأن الحرب التي شنتها مع إسرائيل لم تُنتج استسلاماً إيرانياً، بل أزمة دولية متفاقمة.


روبيو قال إن الولايات المتحدة لا يمكنها قبول أن تتحكم إيران بمن يمر عبر مضيق هرمز أو أن تفرض رسوماً على السفن العابرة. وبدا حديثه محاولة لتصوير واشنطن حاميةً لحرية الملاحة، متناسياً أن الأزمة نفسها لم تكن قائمة قبل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في نهاية شباط الماضي. فالمضيق كان يعمل بصورة طبيعية، والأسواق مستقرة نسبياً، قبل أن تقرر واشنطن وتل أبيب فتح مواجهة عسكرية تحت ذريعة البرنامج النووي الإيراني.


وأشارت التقارير إلى أن طهران عرضت اتفاقاً مرحلياً يقضي بإعادة فتح المضيق مقابل إنهاء الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، وتأجيل الملفات النووية الأكثر تعقيداً إلى مرحلة لاحقة. غير أن الإدارة الأميركية تعاملت مع المقترح بقدر كبير من التردد، ما يعكس ارتباكاً داخلياً بين من يريد مخرجاً سريعاً من الأزمة، ومن يصر على مواصلة سياسة الضغط الأقصى ولو على حساب الاقتصاد العالمي.


المفارقة أن واشنطن تتحدث عن رفض "ابتزاز" إيران للممرات البحرية، بينما تمارس هي نفسها حصاراً عسكرياً وتستخدم القوة البحرية لفرض شروط سياسية. فحين تستخدم الولايات المتحدة الأساطيل لمنع سفن مرتبطة بإيران من الإبحار، فإنها لا تختلف كثيراً عن المنطق الذي تدّعي رفضه، بل تمنح طهران حجة إضافية لتقديم نفسها ضحية عدوان خارجي.


داخلياً، بدأت الحرب تتحول إلى عبء سياسي على ترمب. فارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة أصاب الناخب الأميركي مباشرة، وجعل السؤال المطروح أكثر إلحاحاً: لماذا تخوض واشنطن حرباً جديدة في الشرق الأوسط بينما يعاني المواطن الأميركي من التضخم وكلفة المعيشة؟ هذا السؤال يزداد حدة كلما طال أمد الأزمة من دون إنجاز واضح.


أما أوروبياً، فقد أظهرت العواصم الغربية امتعاضاً متزايداً من النهج الأميركي. فالدول الأوروبية تجد نفسها أمام أزمة طاقة جديدة، في وقت كانت تحاول تجنب الانجرار إلى صراع إضافي. تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التي وصف فيها الولايات المتحدة بأنها تتعرض لـ”الإذلال” أمام القيادة الإيرانية، عكست حجم التوتر داخل المعسكر الغربي نفسه.


الحقيقة الأعمق أن إدارة ترمب كررت خطأً استراتيجياً قديماً: الاعتقاد أن القوة العسكرية قادرة وحدها على فرض ترتيبات سياسية معقدة. لكن التجارب الممتدة من العراق إلى أفغانستان أثبتت أن الحروب قد تفتح أبواب الفوضى، لكنها لا تصنع استقراراً دائماً. وها هي إيران، رغم الخسائر والضغوط، ما زالت تفاوض من موقع الندّية، لا من موقع المهزوم.


وفي مجلس الأمن الدولي، حذرت فرنسا من أن السماح بتحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز أو عسكرة سيخلق سابقة خطيرة تهدد التجارة العالمية. غير أن هذا التحذير يصيب أيضاً السياسة الأميركية ذاتها، لأن عسكرة المضيق لم تبدأ من فراغ، بل من قرار الحرب والتصعيد.


ولعل أخطر ما في المشهد ليس مجرد إغلاق مضيق أو ارتفاع أسعار النفط، بل استعداد واشنطن لزج العالم في أزمة اقتصادية واسعة خدمةً لحسابات إسرائيل الإقليمية. فالولايات المتحدة، بشنها هذه الحرب تلبية للمطالب الإسرائيلية، أظهرت استعداداً لإشعال نزاع واسع قد يمتد إلى ما هو أبعد من الخليج، من أجل أهداف لا تخدم الاستقرار الدولي ولا مصالح المواطن الأميركي.


وتكشف أزمة هرمز أن واشنطن لا تزال أسيرة تصور استعماري قديم يعتبر الممرات الدولية مناطق نفوذ أميركية خالصة. فحين تتحكم دولة أخرى، ولو إقليمية، بجزء من معادلة الأمن البحري، يُنظر إليها فوراً كتهديد يجب سحقه. هذه العقلية لا تعترف بتوازنات القوى الجديدة ولا بحقيقة أن العالم لم يعد أحادي القطبية. لذلك تتحول كل أزمة قابلة للتفاوض إلى مواجهة عسكرية. والنتيجة ليست استعادة الهيبة الأميركية، بل تسريع تآكلها، لأن الإكراه يفشل حيث تنجح التسويات المتوازنة، ويُنتج مقاومة أشد بدلاً من الخضوع المتوقع سياسياً وعسكرياً.


سياسياً، يجد ترمب نفسه أمام تناقض جوهري. فهو صعد شعبياً بوعد إنهاء الحروب الخارجية والتركيز على الداخل الأميركي، لكنه يعود اليوم إلى النموذج ذاته الذي انتقده. الناخب الأميركي العادي لا يهتم كثيراً بتفاصيل مضيق هرمز، لكنه يهتم بسعر البنزين وفاتورة الغذاء. ومع كل يوم تستمر فيه الأزمة، تتآكل صورة الرئيس القادر على الإدارة الحاسمة. وإذا لم يحقق اختراقاً سريعاً، فقد تتحول الحرب إلى عبء انتخابي يطارده، تماماً كما طاردت حروب الشرق الأوسط أسلافه من الجمهوريين والديمقراطيين معاً لاحقاً انتخابياً.


أما إسرائيل، المستفيد الاستراتيجي الأكبر من التصعيد، فتدفع واشنطن مجدداً نحو معركة تستنزف الآخرين. فكل انشغال أميركي بمواجهة إيران يعني تخفيف الضغط عن سياسات تل أبيب في فلسطين والمنطقة. كما أن تحويل إيران إلى الخطر الأول يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي. غير أن هذه المقاربة قصيرة النظر؛ لأنها تربط المصالح الأميركية بأجندة إقليمية ضيقة، وتدفع الولايات المتحدة لتحمل التكلفة المالية والعسكرية والدبلوماسية، فيما تجني إسرائيل المكاسب الأمنية من دون أن تدفع الثمن الحقيقي وحدها أو تتحمل تبعات التصعيد كاملة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 6:05 صباحًا - بتوقيت القدس

في ظل انهيار المنظومة الصحية.. مجمع الشفاء ينقذ طفلاً من إعاقة دائمة بعملية معقدة

سجلت الكوادر الطبية في مجمع الشفاء بمدينة غزة إنجازاً طبياً لافتاً في ظل الظروف القاسية التي يعيشها القطاع، حيث تمكن فريق جراحي من إنقاذ الطفل يمان بركات، البالغ من العمر عامين ونصف، من خطر الإصابة بإعاقة حركية دائمة. وجاء هذا النجاح بعد إجراء عملية جراحية دقيقة ومعقدة في مفصل الحوض، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار شبه كامل جراء الاستهداف المستمر ونقص المستلزمات الأساسية.

وأوضحت والدة الطفل، حليمة بركات أن معاناة طفلها بدأت منذ لحظة ولادته، حيث كان يحتاج لتدخل جراحي عاجل لم يتحقق بسبب الدمار الواسع الذي لحق بالمنظومة الصحية وتعطل إجراءات السفر للعلاج بالخارج. وأشارت إلى أن يمان كان يمتلك تحويلة طبية رسمية منذ نحو عام، إلا أن إغلاق المعابر والقيود المفروضة حالت دون مغادرته، مما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل كبير قبل إجراء العملية محلياً.

واعتبرت العائلة أن عودة طبيب جراحة العظام، فيصل صيام، إلى قطاع غزة كانت بمثابة طوق نجاة لطلفهم، حيث تم التنسيق معه لإجراء الجراحة داخل مجمع الشفاء رغم المخاطر المحدقة ونقص المعدات. ووصفت الأم قرار إجراء العملية في هذه الظروف بأنه كان 'مخاطرة ضرورية'، مؤكدة أن البديل كان الاستسلام لواقع الإعاقة الدائمة التي كانت ستلازم طفلها طوال حياته.

من جانبه، أكد الدكتور فيصل صيام، رئيس قسم جراحة العظام في مجمع الشفاء أن هذا النوع من التدخلات الجراحية يتطلب مهارة فنية عالية وتقنيات خاصة، وهو ما يجعل تنفيذها في بيئة تفتقر لأدنى المقومات إنجازاً طبياً غير مسبوق. وذكرت مصادر طبية أن الفريق الجراحي يسعى جاهداً لتأمين الحد الأدنى من الرعاية لآلاف الجرحى والمرضى الذين ينتظرون أدوارهم في قوائم العمليات الطويلة.

ورغم نجاح العملية، إلا أن التحديات لا تزال قائمة أمام الطفل يمان، حيث يحتاج إلى برنامج متابعة طبية مكثف يمتد لستة أشهر على الأقل لضمان نجاح الجراحة بشكل كامل. وتواجه المنظومة الصحية صعوبات بالغة في توفير الرعاية اللاحقة للمرضى، في ظل استمرار الحصار ونقص الأدوية والمستهلكات الطبية الضرورية لمرحلة الاستشفاء والتعافي.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن إعادة تأهيل القطاع الصحي في غزة تحتاج إلى استثمارات ضخمة تصل إلى 10 مليارات دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة. وأفادت التقارير بأن أكثر من 1800 منشأة صحية، تشمل مستشفيات وعيادات ومختبرات، تعرضت لدمار كلي أو جزئي، مما جعل الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية أمراً في غاية الصعوبة.

وتتفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع مع استمرار تنصل الاحتلال من التزاماته الدولية واتفاقات وقف إطلاق النار التي نصت على فتح المعابر وتسهيل دخول المساعدات الإغاثية والطبية. ويواجه نحو 1.9 مليون نازح ظروفاً معيشية وصحية كارثية، في ظل تكدس الجرحى والمرضى داخل المنشآت الصحية المتبقية التي تعمل فوق طاقتها الاستيعابية وبأدوات بدائية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 4:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مقترح أوكراني لتسمية أجزاء من دونباس بـ 'دونيلاند' لاستمالة ترمب

كشفت مصادر صحفية دولية عن كواليس مثيرة شهدتها أروقة المفاوضات الأوكرانية الأخيرة، حيث طرح مسؤولون من كييف مقترحاً غير مسبوق يقضي بإطلاق اسم 'دونيلاند' على أجزاء من إقليم دونباس المتنازع عليه. ويأتي هذا المقترح كإشارة رمزية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في محاولة وصفت بأنها سياسية بامتياز تهدف إلى كسب ود الإدارة الأمريكية الجديدة.

وذكرت التقارير أن فكرة 'دونيلاند' لم تكن مجرد تسمية جغرافية عابرة، بل كانت تهدف إلى دفع ترمب لاتخاذ مواقف أكثر صلابة تجاه المطالب الروسية في المنطقة الشرقية لأوكرانيا. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس رغبة كييف في إيجاد نقاط تقاطع شخصية وسياسية مع الرئيس الأمريكي لضمان استمرار الدعم العسكري والدبلوماسي.

وعلى الرغم من غرابة المقترح، أكدت المصادر أن المصطلح لم يدرج في أي مسودة رسمية أو وثيقة قانونية مقدمة للأطراف الدولية، بل ظل حبيس النقاشات الجانبية. ووصفت بعض الأطراف المشاركة في المحادثات هذه الأفكار بأنها جاءت بنبرة تقترب من المزاح السياسي الهادف لجس نبض الوسطاء.

وتجاوزت المحاولات الأوكرانية مجرد التسمية، حيث أفاد مطلعون بأن أحد أعضاء الفريق المفاوض ذهب إلى حد تصميم علم خاص بالمنطقة المقترحة باللونين الأخضر والذهبي. كما تم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد نشيد وطني خاص بـ 'دونيلاند'، في إشارة إلى مدى الجدية التي أولاها البعض لهذه الفكرة الرمزية.

من جانبه، سارع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى نفي هذه الأنباء بشكل قاطع، مؤكداً أن المسميات الرسمية المعتمدة لدى دولته هي دونيتسك ولوهانسك ودونباس. وشدد زيلينسكي على أن الأراضي الأوكرانية ستبقى تحت سيادتها التاريخية والقانونية بعيداً عن أي تسميات مستحدثة قد تشتت الانتباه عن جوهر القضية.

وفي تعليق حمل دلالات سياسية قوية، قال زيلينسكي إن الأولوية القصوى هي ضمان ألا تتحول هذه المناطق إلى 'بوتينلاند'، في إشارة إلى رفضه المطلق للتوسع الروسي. واعتبر الرئيس الأوكراني أن التركيز يجب أن ينصب على استعادة السيادة الكاملة على الأرض بدلاً من الانخراط في نقاشات حول مسميات لا تغير من واقع الاحتلال شيئاً.

وتأتي هذه التسريبات في وقت حساس ميدانياً، حيث يواصل الجيش الروسي ضغوطه العسكرية العنيفة للسيطرة على الحدود الإدارية الكاملة لإقليم دونباس. ويُعد الإقليم المركز الصناعي الأهم في شرق البلاد، ويشهد حالياً أشرس المعارك العسكرية التي عرفتها القارة الأوروبية منذ عقود طويلة.

وفي السياق ذاته، تترقب الأوساط السياسية موقف إدارة ترمب التي ألمحت في مناسبات سابقة إلى إمكانية دعم تسوية سلمية قد تتطلب تنازلات جغرافية. ويخشى منتقدون في كييف أن تؤدي مثل هذه المقترحات إلى شرعنة الوجود الروسي في مناطق استراتيجية مقابل وعود سلام قد لا تصمد طويلاً.

وتشير التقديرات الميدانية إلى أن المنطقة التي دار حولها مقترح 'دونيلاند' تعاني من دمار هائل نتيجة القصف المستمر والعمليات العسكرية. ولا يقطن في هذه المساحات سوى عدد قليل من المدنيين يقدر بنحو 190 ألف شخص، يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة تحت تهديد الطائرات المسيرة.

واقتصادياً، لم يتبقَ في تلك المناطق سوى منجم فحم وحيد وبعض المحال التجارية الصغيرة التي تقدم خدماتها للجنود المرابطين على خطوط المواجهة. ورغم هذا الواقع المأساوي، تصر القيادة الأوكرانية على أن الدفاع عن كل شبر من دونباس هو واجب وطني لا يمكن التخلي عنه مهما بلغت التضحيات.

وكان زيلينسكي قد أشار في وقت سابق من شهر ديسمبر الماضي إلى انفتاحه على حلول وسطى تشمل إنشاء مناطق منزوعة السلاح أو مناطق اقتصادية حرة. وتهدف هذه الأفكار إلى إيجاد صيغة حكم لا تخضع لسيطرة كاملة من أي طرف، شريطة ضمان عدم قدرة روسيا على المطالبة بضم هذه الأراضي مستقبلاً.

في المقابل، أبدى الكرملين انفتاحاً مشروطاً على فكرة المناطق منزوعة السلاح، مطالباً بالسماح لقوات الحرس الوطني الروسي بتسيير دوريات أمنية فيها. وهو المطلب الذي رفضته كييف جملة وتفصيلاً، معتبرة أن وجود أي عنصر أمني روسي يعني استمرار الاحتلال بذرائع جديدة تهدد أمن أوكرانيا القومي.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 4:50 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادة صادمة لطفل فلسطيني: ضرب وخنق وإجبار على تقبيل علم الاحتلال

كشف الطفل الفلسطيني ثائر حمايل، البالغ من العمر 12 عاماً، عن تفاصيل مروعة لرحلة اعتقاله التي بدأت فجر الرابع عشر من أبريل الجاري. وأوضح الطفل في شهادته أن قوات الاحتلال اقتادته من منزله لتبدأ سلسلة من التنقلات القسرية والتحقيقات القاسية التي عكست واقعاً مأساوياً يعيشه الأطفال داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

بدأت معاناة ثائر في معسكر 'العاصور' القريب من بلدته، حيث تُرِك وحيداً في العراء يواجه البرد القارس لمدة ساعة كاملة دون أدنى مراعاة لسنه. وعقب ذلك، نُقل إلى معسكر 'جبعيت' الواقع شمال شرقي رام الله، ليُزج به في غرفة ضيقة للغاية برفقة أسير آخر لعدة ساعات في ظروف تفتقر لأبسط المقومات الإنسانية.

أفادت مصادر بأن الطفل تعرض لانتهاكات جسدية ونفسية خطيرة خلال استجوابه في مركز تحقيق 'بنيامين'، شملت الضرب المبرح ومحاولات الخنق. وذكر ثائر أن المحققين وجهوا له اتهامات بالانتماء لتنظيمات مسلحة ووصفوه بـ 'المخرب'، مع الإبقاء على يديه مكبلتين بقيود مؤلمة طوال فترة التحقيق لزيادة الضغط عليه.

عقب انتهاء التحقيق، نُقل حمايل إلى سجن 'عوفر' غربي رام الله، حيث استمرت سياسة التنكيل وسوء المعاملة خلال عملية النقل. وأشار الطفل إلى أن إدارة السجن مارست ضغوطاً نفسية مهينة بحقه، وصلت إلى حد إجباره على تقبيل علم الاحتلال الإسرائيلي تحت التهديد، في انتهاك صارخ لاتفاقيات حقوق الطفل الدولية.

وصف ثائر واقع الحياة اليومية في 'قسم الأشبال' بسجن عوفر بأنه يتسم بالقسوة المتعمدة، خاصة فيما يتعلق بنوعية الطعام وأسلوب التعامل الفظ من قبل السجانين. وأوضح أن الإدارة تتبع إجراءات عقابية يومية تشمل سحب الفرشات من المعتقلين الصغار من الصباح الباكر وحتى بعد الظهر، مما يضطرهم للجلوس على الأرض الصلبة طوال تلك الفترة.

تأتي هذه الشهادة في وقت تشير فيه المعطيات الميدانية إلى تصاعد وتيرة القمع ضد الأسرى الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم نحو 9600 أسير. ومن بين هؤلاء المعتقلين، يقبع 350 طفلاً و86 سيدة في ظروف تصفها المؤسسات الحقوقية بأنها رحلة انتقامية تفتقر للغذاء والدواء والأغطية الكافية، خاصة في ظل الأوضاع الراهنة.

وفقاً لتقارير مؤسسات شؤون الأسرى، فإن عدد المعتقلين الإداريين وصل إلى مستويات قياسية بلغت 3532 شخصاً، وهي النسبة الأعلى تاريخياً. كما سُجل وجود 1251 معتقلاً تحت مسمى 'مقاتلين غير شرعيين'، وهو رقم لا يشمل كافة معتقلي قطاع غزة الذين يُحتجزون في معسكرات سرية وتابعة لجيش الاحتلال بعيداً عن الرقابة القانونية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 4:06 صباحًا - بتوقيت القدس

مقترح تشريعي في مصر يقر عقوبات بالحبس والغرامة على الزوج في حال إخفاء الزواج الثاني

طرح حزب العدل المصري مشروع قانون جديد لتعديل أحكام الأحوال الشخصية، يتضمن إجراءات صارمة تهدف إلى تنظيم التعدد وضمان علم الزوجات القائمات بأي زيجة جديدة. ويفرض المقترح على الرجل ضرورة تقديم إقرار رسمي بحالته الاجتماعية وقت توثيق عقد الزواج، مع تحديد أسماء وعناوين الزوجات اللواتي لا يزلن في عصمته بشكل دقيق.

وبحسب مسودة المشروع، فإن أي محاولة من الزوج لإخفاء زواجه الثاني أو الامتناع عن تقديم البيانات الصحيحة، ستعرضه للملاحقة القانونية التي قد تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر. كما نص المقترح على فرض غرامات مالية تبدأ من 10 آلاف جنيه وتصل إلى 30 ألف جنيه مصري، أو الاكتفاء بإحدى هاتين العقوبتين وفقاً لتقدير المحكمة.

وفي سياق متصل، وضع مشروع القانون مسؤولية إضافية على عاتق الموثق المختص، حيث ألزمه بضرورة تدوين الحالة الاجتماعية للزوج بوضوح تام في الوثيقة الرسمية. كما أوجب القانون على الجهات المختصة إرسال إخطار رسمي للزوجة أو الزوجات السابقات عبر خطاب مسجل بعلم الوصول، لضمان وصول المعلومة إليهن بشكل قانوني وناجز.

صحة

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 4:06 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة علمية تحذر: مكملات أوميغا-3 قد تعيق تعافي الدماغ بعد الإصابات

كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة 'سيل ريبورتس' عن مخاوف طبية جدية تتعلق بتناول مكملات زيت السمك، خاصة للأفراد الذين يتعرضون لإصابات دماغية رضحية خفيفة ومتكررة. وأوضح الباحثون أن هذه المكملات التي تُسوق كدرع واقٍ للأعصاب قد تساهم في عرقلة العمليات الحيوية اللازمة لشفاء الدماغ بعد التعرض للصدمات.

قاد هذا البحث النوعي الدكتور أوندر ألبايرام، الأستاذ المشارك في جامعة ساوث كارولينا الطبية، بالتعاون مع فريق متخصص في علم الأعصاب. وركزت التجارب على فهم الكيفية التي تؤثر بها الأحماض الدهنية على إصلاح الأوعية الدموية الدقيقة التي تتضرر نتيجة الإصابات الرأسية المختلفة.

تشهد مكملات 'أوميغا-3' طفرة عالمية في الاستهلاك، حيث لم تعد تقتصر على الكبسولات الطبية بل امتدت لتدخل في صناعة المشروبات والوجبات الخفيفة وبدائل الألبان. ويرى الدكتور ألبايرام أن هذا الإقبال الواسع يحدث غالباً دون وعي كافٍ بالتبعات البيولوجية طويلة الأمد التي قد تتركها هذه المواد على وظائف الدماغ المعقدة.

أشار الفريق البحثي إلى اكتشاف ما يسمى بـ 'الضعف الأيضي المرتبط بالسياق'، وهو خلل في استهلاك الخلايا للطاقة يظهر في ظروف معينة. ويبدو أن هذا الخلل يرتبط بشكل مباشر بتراكم حمض 'الإيكوسابنتاينويك' (EPA)، وهو أحد المكونات الرئيسية لزيت السمك، مما يقلل من قدرة الأنسجة على التعافي.

أكدت النتائج المخبرية أن مستويات حمض (EPA) المرتفعة في الدماغ ترتبط بضعف واضح في عمليات الترميم الوعائي بعد الإصابة. ويختلف هذا التأثير تماماً عن حمض 'الدوكوساهيكسانويك' (DHA)، الذي يُعرف بدوره الإيجابي والمفيد كجزء أساسي في بناء أغشية الخلايا العصبية والحفاظ على سلامتها.

استخدم الباحثون في دراستهم نماذج متطورة لربط الأنماط الغذائية بوظائف الدماغ الحيوية وقدرته على الشفاء الذاتي. وشملت التجارب مراقبة فئران خضعت لنظام غذائي غني بزيت السمك لفترات طويلة، مع رصد استجابة أوعيتها الدموية للصدمات المتكررة التي تحاكي إصابات الملاعب أو الحوادث البسيطة.

لم تقتصر الدراسة على النماذج الحيوانية، بل امتدت لتشمل فحص خلايا البطانة الوعائية البشرية التي تشكل الحاجز الدفاعي بين مجرى الدم والدماغ. وأظهرت النتائج أن حمض (EPA) تحديداً يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في قدرة هذه الخلايا على إصلاح نفسها، مما يعزز فرضية خطورته في حالات الإصابة.

عزز الباحثون نتائجهم بتحليل أنسجة دماغية لأشخاص متوفين كانوا يعانون من اعتلال الدماغ الرضحي المزمن نتيجة إصابات متكررة. ووجدت التحاليل توافقاً كبيراً بين تراكم بعض الأحماض الدهنية وبين تدهور حالة الأوعية الدموية، مما يفتح الباب أمام إعادة تقييم الاستراتيجيات الغذائية العلاجية.

خلصت الدراسة إلى أن حمض (EPA) يقوم بعملية 'إعادة برمجة' للاستجابات الجينية داخل القشرة الدماغية بطريقة سلبية. هذا التغيير الجيني يؤدي إلى تثبيط الإشارات المسؤولة عن تحفيز تكوين أوعية دموية جديدة، وهو أمر حيوي لاستعادة الوظائف الإدراكية بعد أي ضرر فيزيائي.

شدد الدكتور ألبايرام على أن حمض (EPA) لا يمكن اعتباره سماً بالمعنى التقليدي، لكن خطورته تكمن في تفاعله مع الظروف البيولوجية الناتجة عن الإصابات. ففي تلك اللحظات، يعمل الحمض على إضعاف سلامة الحاجز البطاني، مما يعيد إنتاج الخلل الوعائي بدلاً من معالجته.

تضع هذه النتائج تحديات جديدة أمام مفهوم 'التغذية الدقيقة' وتصميم المكملات الغذائية المخصصة للرياضيين أو المصابين. ويؤكد الخبراء على ضرورة توخي الحذر عند تناول مكملات زيت السمك بجرعات عالية دون استشارة طبية، خاصة لأولئك المعرضين لإصابات الرأس بشكل مستمر.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 3:35 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يستقبل الملك تشارلز الثالث في البيت الأبيض بزيارة دولة تاريخية

استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الإثنين، الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض، إيذاناً ببدء زيارة دولة رسمية تمتد حتى نهاية شهر أبريل الجاري. وقد جرت مراسم الاستقبال الرسمية عند المدخل الجنوبي للمقر الرئاسي، حيث كان في استقبال الثنائي الملكي الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب.

تأتي هذه الزيارة في توقيت سياسي وأمني حساس، إذ تزامنت مع وقوع هجوم خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، بالإضافة إلى تصاعد التوترات الدبلوماسية الدولية على خلفية الحرب الدائرة على إيران. ورغم هذه التحديات، أكدت مصادر رسمية أن الجانبين مصممان على إنجاح الزيارة وتعزيز الروابط الثنائية بين واشنطن ولندن.

وصل الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى قاعدة أندروز الجوية القريبة من العاصمة واشنطن، حيث أقيمت لهما مراسم استقبال عسكرية قبل التوجه إلى البيت الأبيض. وشمل برنامج اليوم الأول لقاءات ودية تضمنت تناول الشاي وجولة تفقدية لخلايا النحل الموجودة في حدائق البيت الأبيض، في إشارة إلى الاهتمامات البيئية المشتركة.

وكان قصر باكنغهام قد حسم الجدل حول إمكانية تأجيل الزيارة بعد الحادث الأمني الذي استهدف مأدبة عشاء المراسلين، حيث أكد متحدث رسمي أن البرنامج سيمضي كما هو مخطط له دون تغيير. وأبدى الملك تشارلز ارتياحه العميق لسلامة الرئيس ترمب وعائلته والمدعوين الذين حضروا المناسبة التي شهدت محاولة اقتحام فاشلة.

وفي تصريحات إعلامية سبقت اللقاء، أشاد الرئيس ترمب بشخصية الملك البريطاني، واصفاً إياه بالرجل الشجاع الذي يمثل المملكة المتحدة بأفضل صورة ممكنة. وتعكس هذه التصريحات حالة التناغم الشخصي بين الزعيمين، والتي يسعى الطرفان لاستثمارها في حل الملفات العالقة وتجاوز الخلافات الدبلوماسية الراهنة.

من جانبه، أوضح السفير البريطاني لدى واشنطن، كريستيان ترنر أن الرئيس الأميركي أبدى حماساً كبيراً لاستضافة الملك، معتبراً هذه الزيارة فرصة لرد حسن الاستقبال الذي حظي به ترمب خلال زيارته للمملكة المتحدة في العام الماضي. وتهدف هذه اللقاءات إلى التأكيد على متانة 'العلاقة الخاصة' التي تربط البلدين منذ عقود طويلة.

ومن المقرر أن يشهد يوم الثلاثاء ذروة النشاطات الرسمية، حيث ستبدأ الفعاليات بمراسم استقبال عسكرية مهيبة تليها جلسة مباحثات مغلقة في المكتب البيضوي بين ترمب والملك تشارلز. وسيركز الاجتماع على القضايا الاستراتيجية المشتركة، وفي مقدمتها الوضع في الشرق الأوسط والتعاون الأمني والعسكري بين البلدين.

بالتوازي مع الاجتماع السياسي، ستشارك السيدة الأولى ميلانيا ترمب والملكة كاميلا في فعالية تعليمية متخصصة تركز على دور الذكاء الاصطناعي في تطوير المنظومات التربوية. ويعكس هذا النشاط الرغبة في توسيع آفاق التعاون لتشمل المجالات التكنولوجية والعلمية الحديثة التي تهم المجتمعين الأميركي والبريطاني.

وفي خطوة تاريخية، سيلقي الملك تشارلز الثالث خطاباً أمام أعضاء الكونغرس الأميركي بمجلسيه، وهو أول خطاب لملك بريطاني تحت قبة البرلمان الأميركي منذ عام 1991. ويهدف الخطاب إلى توجيه رسائل تهدئة وتأكيد على الجذور التاريخية المشتركة التي تمتد لأكثر من قرنين ونصف من الزمان بين واشنطن ومستعمرتها السابقة.

وتختتم فعاليات اليوم الثاني بعشاء رسمي يقيمه الرئيس ترمب على شرف ضيوفه داخل إحدى قاعات الاستقبال الكبرى في البيت الأبيض. وقد تقرر إقامة العشاء في الداخل بدلاً من الأجنحة الخارجية المعتادة، وذلك لضمان أقصى درجات الخصوصية والأمن في ظل الظروف الراهنة التي تحيط بالمنطقة والعالم.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 3:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بتوجيهات من حاكم عجمان: طائرة إغاثة إماراتية محملة بـ 100 طن من المساعدات تتوجه إلى غزة

أفادت مصادر رسمية بانطلاق طائرة إغاثة جديدة من مطار الشارقة الدولي يوم الجمعة، محملة بأكثر من 100 طن من الإمدادات الغذائية والمساعدات الإنسانية الضرورية الموجهة إلى سكان قطاع غزة. وتأتي هذه الرحلة في إطار مبادرة 'جسر حميد الجوي' التي تهدف إلى تعزيز الاستجابة الإنسانية العاجلة للأزمة المتفاقمة في القطاع، وتوفير الاحتياجات الأساسية للعائلات المتضررة.

وجاءت هذه التحركات الإغاثية بتوجيهات مباشرة من الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، وبالتنسيق مع عملية 'الفارس الشهم 3'. وتعكس هذه الخطوة التزام دولة الإمارات المستمر بمساندة الأشقاء الفلسطينيين وتقديم الدعم الإغاثي المكثف لمواجهة التحديات المعيشية الصعبة التي يفرضها الواقع الراهن في غزة.

من جانبه، صرح حمود سعيد العفاري، منسق عمليات الإغاثة في عملية 'الفارس الشهم 3' أن وصول هذه الطائرة يتزامن مع تنظيم فعالية 'ثوب الفرح 2'، وهو عرس جماعي يستهدف الاحتفاء بأكثر من 300 عريس من أبناء القطاع. وأكد العفاري أن هذه المبادرات تسعى لإدخال البهجة إلى قلوب السكان بالتوازي مع تقديم الدعم المادي والغذائي اللازم لاستمرار الحياة اليومية.

وأوضح العفاري أن مبادرة 'جسر حميد الجوي' تمثل شريان حياة إضافي يجسد نهج العطاء الإماراتي الراسخ تجاه القضية الفلسطينية. وأشار إلى أن الجهود لا تقتصر على الغذاء فحسب، بل تشمل حزمة متكاملة من الخدمات الإنسانية والطبية التي يتم تنفيذها ميدانياً لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها في مختلف مناطق القطاع.

وفي سياق الدعم الطبي، لفتت المصادر إلى استمرار عمل المستشفى الميداني الإماراتي داخل غزة والمستشفى العائم في مدينة العريش المصرية، واللذين تبلغ طاقتهما الاستيعابية 100 سرير. وتضم هذه المنشآت الطبية كوادر متخصصة في مجالات الجراحة العامة والعظام والأطفال والعناية المركزة، لتقديم الرعاية الصحية العاجلة للجرحى والمرضى.

وعلى صعيد حلول المياه المستدامة، تواصل 6 محطات لتحلية المياه ضخ المياه الصالحة للشرب بانتظام إلى سكان قطاع غزة لمواجهة أزمة الشح المائي الحادة. وتعد هذه المحطات جزءاً محورياً من البنية التحتية الإغاثية التي دشنتها الإمارات لضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان وتجنب الكوارث البيئية والصحية الناجمة عن تلوث المياه.

بدوره، أكد حسن العبيدلي، مدير إدارة دعم وتنمية المجتمعات في هيئة الأعمال الخيرية العالمية أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع المؤسسات الخيرية في عجمان لتسيير جسر جوي وبحري متواصل. وأوضح أن الشحنة الحالية تضم 3300 طرد غذائي، وهي جزء من خطة شاملة تهدف لإرسال 1000 طن من المساعدات المتنوعة خلال الفترة المقبلة.

وأشار العبيدلي إلى أن الهيئة تحرص على تلبية الاحتياجات الغذائية العاجلة للفئات الأكثر تضرراً من الأزمة الإنسانية في القطاع. وأعرب عن تقديره للقيادة الإماراتية التي تضع العمل الإنساني في مقدمة أولوياتها، مؤكداً أن الدولة ستظل سباقة في تقديم يد العون والمساعدة للمحتاجين في كافة الظروف الاستثنائية.

وفي ذات السياق، صرح أحمد عبدالله بن مالك، مدير إدارة دعم الحياة المجتمعية في مؤسسة الاتحاد الخيرية أن المساهمة في هذه المبادرة تترجم رؤية القيادة في تعزيز قيم التكافل والتراحم. وأكد أن المؤسسة تركز بشكل أساسي على ملف الدعم الغذائي كأولوية قصوى لتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المتضررين في غزة وترسيخ الرسالة الإنسانية العالمية للإمارات.