بقدر ما كشفت حرب الإبادة المستمرة عن عمق الفجوة والخلاف بين دولة الاحتلال والغرب الأوروبي، فإن التداعيات المترتبة على مسار وقف إطلاق النار أظهرت تصدعاً متزايداً مع الحليف الاستراتيجي الأبرز لتل أبيب، أي الولايات المتحدة الأمريكية. وكما أشرنا في تحليلات سابقة منذ بدء الحديث عن خطة الإدارة الأمريكية بشأن قطاع غزة، فإن حكومة بنيامين نتنياهو لم تظهر التزاماً حقيقياً بتلك الخطة التي قبلتها على مضض. السبب الجوهري وراء هذا الموقف هو أن وقف الحرب جاء دون أن تحقق إسرائيل هدفها الاستراتيجي بعيد المدى، والمتمثل في تهجير سكان القطاع وضم أراضيه تمهيداً لمشروع "إسرائيل الكبرى". وقد تجلى عدم الالتزام الإسرائيلي بوضوح من خلال استمرار عمليات القتل التي طالت مئات المواطنين، والمضي قدماً في تدمير ما تبقى من البنية التحتية والمنازل، فضلاً عن توسيع وترسيخ ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" التي تحتلها القوات الإسرائيلية وهي خالية من السكان بعد تهجيرهم قسراً. والأهم من ذلك، أن استمرار إطلاق النار يبقي خيار الحرب مفتوحاً في عقلية قادة الحكومة الإسرائيلية، مما يشير إلى نيتهم تجميد تنفيذ الخطة عند حدود المرحلة الأولى وعدم الانتقال لمراحل الحل المستدام.
في الواقع، هناك الكثير مما يمكن قوله لتشخيص الحالة الراهنة، ولكن يجب التأكيد على أن إسرائيل بتركيبتها اليمينية المتطرفة الحالية تعيش وهماً بأنها وصلت إلى اللحظة التاريخية المناسبة - سواء على صعيد جبهتها الداخلية، أو في علاقتها مع الفلسطينيين، أو في المشهد الإقليمي للشرق الأوسط ككل - لإعلان قيام "إسرائيل العظمى". هذا التوجه عبر عنه نتنياهو صراحة بمصطلح خادع قبل أكثر من عام حين تحدث عن "تغيير الشرق الأوسط". يعتقد نتنياهو وفريقه المتطرف أن الفشل في تحقيق طموحاتهم الآن يعني ضياع الفرصة إلى الأبد. هذه الحرب تختلف جذرياً عن سابقاتها؛ ففي الماضي كانت إسرائيل تشن حروباً كل بضع سنوات لتحقيق مكاسب أمنية أو سياسية أو احتلال أراضٍ جديدة، ثم تقبل بوقف إطلاق النار عند مواجهة عقبات كبرى لتعيد الكرة لاحقاً. أما اليوم، فيرى أصحاب مشروع "إسرائيل الكبرى" أن التحولات العالمية المتسارعة ليست في صالحهم، ولذلك قرروا المغامرة بكل شيء، حتى لو كلفهم ذلك خسارة الدعم الأوروبي، مراهنين حتى اللحظة الأخيرة على دعم الإدارة الأمريكية الحالية، مدركين أن الموقف الأمريكي قد يتغير جذرياً في المستقبل.
لن نكرر هنا تفاصيل المشهد الذي تبلور خلال عامين من الحرب على فلسطين وعلى عدة دول في المنطقة، ولكن الخلاصة الجوهرية هي أن إسرائيل، وبعد خوضها نحو عشر حروب كبرى، ومرور ما يقارب ثمانين عاماً على تأسيسها، ورغم توقيعها أربع معاهدات سلام مع دول عربية والعديد من اتفاقيات الهدنة، لا تزال تعيش حالة حرب مستمرة. هذه الحرب لم تعد مقتصرة على الجبهة الفلسطينية، بل اتسعت لتشمل الشرق الأوسط برمته. والأخطر من ذلك، أن العداء الإسرائيلي لم يعد موجهاً ضد أنظمة محددة، بل باتت الدولة العبرية في حالة حرب مفتوحة مع العالمين العربي والإسلامي. لقد تجاوزت الشوفينية الإسرائيلية مجرد مطالبة واشنطن بضمان تفوقها العسكري النوعي، لتصل إلى المجاهرة بالسعي لتغيير وجه المنطقة وتجريدها من عناصر القوة، بما في ذلك تغيير الأنظمة السياسية. ونتيجة لذلك، تجد إسرائيل نفسها اليوم في مواجهة عسكرية مباشرة مع فلسطين ولبنان وسورية واليمن وإيران، بينما تشهد علاقاتها توتراً شديداً مع باقي الدول مثل مصر والأردن وتركيا وقطر والسعودية، مما يعني عزلة إقليمية شبه تامة.
إن استمرار إسرائيل في حالة حرب منذ نشأتها هو ظاهرة فريدة لم يشهدها التاريخ الحديث إلا مع الدول والكيانات الاستعمارية، مثل الغزوات المغولية أو الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين كما حدث في الجزائر وفيتنام. هذا الواقع يؤكد أن اتفاقيات السلام والتطبيع التي أبرمتها إسرائيل، بدءاً من مصر والأردن وفلسطين، ووصولاً إلى الإمارات والبحرين والمغرب، لم تنجح في إنهاء حالة الصراع الوجودي بين الكيان ومحيطه الشرق أوسطي. لم يتحقق السلام الحقيقي ولا الاندماج، حتى في المجالات غير السياسية مثل الرياضة؛ فإسرائيل لا تزال جسماً غريباً يشارك في البطولات الأوروبية رغم موقعها الجغرافي الآسيوي، وكثيراً ما ينسحب رياضيون من دول عربية وإسلامية من المنافسات الدولية رفضاً لمواجهة ممثلي الاحتلال، مما يعكس عمق الرفض الشعبي لوجودها.
إسرائيل ما زالت في حالة حرب، ليس فقط مع فلسطين، بل مع الشرق الأوسط برمّته، وباتت الشوفينية الإسرائيلية تسعى لتغيير المنطقة وتفريغها من عوامل القوة.
بمعنى آخر، بقيت معاهدات السلام واتفاقيات التطبيع مجرد حبر على ورق في الأروقة الرسمية، بينما تحولت لحظات توقيعها إلى محفزات لتصاعد حركات مقاومة التطبيع على المستوى الشعبي. الخلاصة التي نود الوصول إليها هي أن إسرائيل لم تتحول إلى دولة طبيعية في الشرق الأوسط لا قبل ولا بعد توقيع هذه الاتفاقيات، ولم تنل شرف العضوية الحقيقية في النادي الإقليمي. ولعل هذه الحقيقة المؤلمة للإسرائيليين هي التي تدفع قادتهم لرفع شعارات مختلفة؛ فبينما كان شعار "السلام" هو السائد منذ عام 1948 وحتى كامب ديفيد، ظهر شعار "الشرق الأوسط الجديد" بعد الحرب الباردة ومؤتمر مدريد واتفاق أوسلو. حينها، حاول شمعون بيريس، عراب هذا التوجه، دمج المفاوضات الثنائية مع الفلسطينيين بمسار متعدد الأطراف إقليمياً، مقدماً إغراءات اقتصادية لدمج إسرائيل في نادٍ اقتصادي إقليمي بالتوازي مع الانسحاب الجغرافي.
الفرق الجوهري يكمن في أن "الشرق الأوسط الجديد" بمفهوم بيريس، الذي طُرح قبل ثلاثة عقود، كان يستند إلى فكرة أن نفوذ الدول في عالم ما بعد الحرب الباردة يعتمد على الاقتصاد والشراكة لا على التوسع الجغرافي والقوة العسكرية. في المقابل، فإن الشرق الأوسط الذي يريده نتنياهو هو النقيض التام، حيث يستبدل مبدأ "الأرض مقابل السلام" بمبدأ "فرض الأمن بالقوة العسكرية". كان من الممكن تحقيق شرق أوسط جديد قائم على الشراكة والأمن والرخاء بين شعوب المنطقة، خاصة في ظل التقارب الممكن بين دول الخليج ومصر وتركيا وإيران، إلا أن العقبة الوحيدة كانت ولا تزال إسرائيل بحكوماتها اليمينية التي تصر على تطويع المنطقة لتناسب طبيعتها الاستعمارية، بدلاً من أن تتغير هي لتنسجم مع محيطها الطبيعي ونظام عالمي قائم على التعايش.
هذه المعطيات تفرض حتمية التغيير الداخلي في إسرائيل كشرط مسبق لأي استقرار. وأهم ملامح هذا التغيير هو لفظ اليمين المتطرف والعودة إلى مسار دولة المؤسسات، وذلك عبر خطوات ملموسة تبدأ بالانسحاب الكامل من أراضي دولة فلسطين والأراضي العربية المحتلة، وتفكيك المناطق الأمنية العازلة، أو تطبيقها بشكل متبادل على طرفي الحدود إذا لزم الأمر. كما يتطلب الأمر الاعتراف بحق العودة والتعويض، وتقديم إسرائيل لضمانات أمنية لدول الجوار، باعتبارها الطرف المعتدي والأقوى عسكرياً، بالإضافة إلى نزع الصبغة الدينية عن الدولة وتوجيه رسالة سلام حقيقية للمحيط الإقليمي.
في الختام، الخطوة الأهم التي يجب على إسرائيل اتخاذها هي إعلان حدودها الجغرافية النهائية بشكل واضح، وصياغة دستور يثبت هويتها كدولة مدنية طبيعية تعيش وفق مبادئ حسن الجوار. كل هذه الاستحقاقات تتطلب أولاً إحالة بنيامين نتنياهو، عراب أوهام "إسرائيل الكبرى"، إلى التقاعد السياسي الإجباري، وإسقاط معسكر اليمين المتطرف، لفتح المجال أمام إمكانية تطبيق حل الدولتين وإنهاء حقبة الصراع الطويلة.




