أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

ما رآهُ الدِّيكتاتورُ في المَنامِ.. ونَسِيَه

يرى ثمّ ينسى.

لقد دبَّ في رُكْبَتيهِ الجليد،

وصار سريعَ التقلُّبِ؛ يضحكُ، يغضبُ،

يأمُرُ أنْ يَقتلوا الطيرَ، حيناً،

وحيناً يُهادلُ أسْرابَها، في الفضاءِ السّعيدِ،

ويمشي وئيداً، كأنَّ الزجاجَ تكسّرَ في النَّعْلِ،

والجَمْعُ مِن حَولِهِ،

في البهاءِ الرّغيد.. 

يُنادي على الكاهنِ الأُرجوانيِّ،

ماذا رأيتُ؟

- يسألهُ أن يفسّر ما مرَّ مِن بين عينيه، في الليلِ -

لكنّه حارَ ما بينَ جَهْل السّوادِ، وحَدِّ الوعيد!

فقال له: سيدي! إنها بعضُ أضغاثِ سُهْدٍ شديد!

وكيف لنا أن نرى مُبْهَماً لا يُرى،

هل تُرى سوف أكذبُ حتى ترانيَ ذاكَ الرّشيد؟

لو أنَّها رؤيةٌ لاستبانت، وكنّا لها قارئينَ،

ولكنّها، من بقايا سحائب هَمٍّ، يمرُّ على أكثرِ الناسِ..

***

ماذا تقولُ؟ انتبه!

لستُ من طينةِ الخَلْقِ،

إنّي من الضوءِ، والبَدْرُ أُمّي،

 ولي هذه الأَنْهرُ الجارياتُ، والأنْجمُ السابحاتُ..

على ما تهادى على ضِفّتي من جَمالٍ مَشيد!

اقتلوه..فقد أَعْجَزَتْهُ الحقائقُ،

وأتوا إليَّ برأيٍ سديدٍ..

وإلّا!   

فيأتونَ بالشُعراءِ الفحولِ،

 الذين يُخالِطُهم عَبقرٌ في القصيد..

وجاءوا بموشومةٍ جدُّها عائفٌ، لا يخيبُ،

 وجاءوا بِقرّاءِ رَمْلِ الكثيبِ،

 ومَن يتنبأُ بالغَيْثِ عندَ المغيبِ،

 وجاءوا بكلِّ ولِيٍّ مُريدٍ، وغَوثٍّ عَميدٍ،

 ومَن شرَّدتهُ النّوايا، ومَن أهلكتهُ المنايا،

 ومَن فكَّ حَرْفاً،

 ومَن طوَّحتهُ السنونُ وأضحى حكيماً بِعُمْرٍ مديد..

وكانوا يعودون دون رؤوسٍ،

فهذا الهَشيمُ وذاكَ الحَصيدُ..

***

فما يفعلون؟ وقد أُسْقِطَ الأمرُ في يَدِهِم.

مَن لا يرى ما يُريدُ..يموتُ،

ولمّا يجد كَفَناً في الجَريد!

وَجِيءَ بِعرّافهِ في الصباحِ، وكان يَعوفُ..

فقالَ بأَمْرٍ لهُ، دون وَجْهٍ:

عليكَ الدخولُ إلى رؤيتي، فاعبُرْ، الآن، وانظُرْ..

وقلْ لي..

قال: يا سيّدي! قد رأيتَ، وأنتَ على العَرْشِ

أنكَ تحكمُ ألفاً،

 وبعدكَ يأتي الوريثُ، على رأسهِ فِضّةُ التّاجِ،

ثمّ يجيءُ الصغيرُ، وفي يدهِ خاتَمُ العاجِ،

والنَّصْلُ، ما كان مِن جَدِّهِ، للحفيد.

ودرَّتُكَ الكهرمانُ، والعَرْشُ من خالصِ الموجِ،

لكنَّ مَن سوف يأتونَ إثْرَكَ لن يجلسوا فوقَ سُنْدُسِهِ،

 فالقبابُ، على مدِّ ألفٍ، ستسقطُ في البئرِ،

والماءُ يصدأُ مثلُ الحديد.

سينسون، للأسفِ المُرِّ، ما مَرَّدَتهُ يداكَ،

من الحُسْنِ في الطرقاتِ،

ويمشون، دون التفاتٍ، إلى ما تبقّى من العاليات،

لأنّ الظنونَ ستغلبُ أسئلةَ الجائعينَ،

وتجتاحُ أيامَهم فِتنُ الذّاريات..

ويأتي المماليكُ، بعدَ الهلاكِ، لكي يحكموا القصرَ..

يا ويلَ نَجْمَته من ظلامِ الغُزاة!

ويبقون دَهراً وأكثرَ، حتى يهبَّ الصناديدُ..

يمشون للشاطئ السُكَّريِّ،

ويبنونَ مملكةً من قلاعٍ البحارِ،

وترتبكُ السّاريات،

 وتمشي إلى أوّلِ المجدِ،

 في حَرْبِها، ذات عامٍ مريرٍ،

وتخفقُ راياتُهم بالنشيد.

ولكنَّ سيّدةً من غبارِ الدّماءِ تُباغتُ أعيادَهم،

 في الهزيعِ،

وتحرقُ ما ظلَّ من شجرٍ في الصَّعيد.

وتغزلُ ألفَ جديلةِ حربٍ،

 على كلِّ مَن لا يجيء إليها، ركوعاً،

وتشربُ كلَّ الينابيعِ،

تأخذُ غيمَتَهم من قريبٍ،

وتسْحقُ غابتَهم في البعيد.

ومِن بعد ألفٍ يعودُ الفتى السّرمديُّ،

إلى تلّةٍ في المدينةِ، يصرخُ فيها،

 ويرفعُ شارَتَه للسماءِ،

 ويكشفُ سرَّ اللهيبِ المجيد.

وتبدأُ حربُ النهايات..

***

ماذا تقولُ؟ توقَّفْ.

هل قلتَ إنّي رأيتُ السنينَ تباعاً،

 وإنّي سأخسرُ مملكتي، بعدَ ألفٍ،

وتخضعُ، ثانيةً، للعبيد؟

اقتلوهُ..فإنّيَ باقٍ،

 وتبقى سلالاتُ روحي إلى أبدٍ لا يبيد..

اقتلوهُ..

وإنْ كان لا بُدّ، فالموتُ للأرضِ،

حتى أظلَّ أنا دون كلِّ الممالِكِ،

وحدي سأبقى..

ووحدي سأحكمُ..

لا صوتَ يبقى سوى رَنَّتي في البلادِ،

فَلا دمَ يشبهُ لونَ جداول ساقيتي في الوريد.

اقتلوه..هنا، الآنَ..

- لا مِن رجاءٍ ولا مِن بكاءٍ ولا مِن مزيد -

..تذكّرتُ؛ كنتُ على شُرْفةِ النَّصْرِ،

والناسُ تهتفُ..ترجو بقائي،

وتسأل، كي أرتضي ظَهْرَهُم سُلَّماً للخلودِ،

وكانت جموعٌ بلا عددٍ..

***

واستيقظ الرجلُ النائمُ القَلِقُ المُستَبِدُّ العنيدُ،

وكانَ وحيداً..

ولا شيءَ، مِن حولِهِ، غيرُ ظِلِّ الوحيدِ القَعيدِ،

ولا شيءَ غيرُ الكَميدِ الشّريد..







أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر فتح بين ضجيج الترشيحات وغياب النقاش بالبرامج


كيف يمكن تعريف فتح؟ هل هي حركة تحرر وطني، أم تنظيم سياسي، أم حزب، لعلّ الإجابة الأقرب أن فتح هي انعكاس للمجتمع الفلسطيني، فما ميز فتح منذ انطلاقها قبل 61 عاما، كونها  إطارًا وطنيًا عريضًا، لا يضيق بتنوع المشارب الفكرية والسياسية والاجتهادات، بل يستوعبها تحت سقف القضية المركزية: تحرير فلسطين، فكرة عبقرية نجحت بجمع الوطنيين، والقوميين، واليساريين، وكل المؤمنين بالفعل الوطني، بمن فيهم أولئك الذين رفضوا سلبية جماعة الإخوان المسلمين، أو محدودية مقاربتهم تجاه القضية الفلسطينية في مراحل تاريخية معينة تحت ظلالها، فقد كان الرئيس المؤسس ياسر عرفات يختصر تعريفها بعبارته الشهيرة: “إحنا فتح”؛ وهي عبارة تختزن هويةً وطنية جامعة، وتؤكد خصوصية الحركة في فضائها الفلسطيني والقومي والعالمي، تمامًا كما تصف روسيا الاتحادية نفسها بقولها: “نحن روسيا”، في إشارة إلى كيان لا يُختزل في انتماء جغرافي جامد، فلا هو أوروبي خالص، ولا آسيوي خالص، بل مزيج من التاريخ الإمبراطوري، والجغرافيا المركبة، والمصالح القومية المتشابكة مع الأيديولوجيا، وكذلك هي فتح، فلسطينية الهوية دون انفكاك عن امتدادها القومي،والعالمي الواسع. أو تقييدات الجدل الأيدلوجي الذي غرقت به عدد من الفصائل على الساحة الفلسطينية، وفي هذا الفضاء الكفاحي الواسع، نجحت فتح في استيعاب التناقضات، واحتواء الاجتهادات، وإدارة الاختلافات، لأنها التقت جميعًا عند الفكرة الكبرى: فلسطين أولًا، والتحرير هدفًا جامعًا. ومن هنا اتسعت فتح، في ذروة حضورها، إلى درجة التماهي الكامل مع الخريطة الجينية لشعبنا الفلسطيني؛ فهي حاضرة في المخيمات، بين الفقراء والعمال وأحلامهم، ومنها، ومن بين أزقتها، خرج عدد من القادة المؤسسين للحركة. وهي حاضرة كذلك بين أبناء الطبقة الوسطى، من مثقفين وفلاحين وأكاديميين وبرجوازيين، كما أنها لم تكن يومًا منفصلة عن طبقة رأس المال الوطني الملتزم، التي نجحت في استقطابها وتوجيه جزء من طاقتها وإمكاناتها لخدمة القضية الفلسطينية لتكون الإطار الأوسع الذي احتمل الكل الفلسطيني، وعبّر عن طموحه الوطني في لحظة الصعود التاريخي.

تقف حركة فتح على أعتاب مؤتمرها الثامن، وهنا لا تسقط عبارة “استحقاق عقد المؤتمر” سهوًا، بل بكامل القصد والدلالة. ففتح، التي قادت منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1969، وعقدت في ظل قيادتها ثماني عشرة دورة للمجلس الوطني من أصل إحدى وعشرين جلسة، تدرك تمامًا أن معادلة مؤتمرها الداخلي أكثر تعقيدًا من دورات المجلس الوطني التي تضم مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني. ولذلك، لم يتجاوز عدد مؤتمراتها سبعة مؤتمرات فقط منذ انطلاقتها عام 1965 وحتى الربع الأول من عام 2026، فمؤتمر فتح هو المحطة التي ترتسم فيها معالم النظام السياسي القادم، ومسار الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، لا سيما بعد مآلات السابع من اكتوبر، وارتداداتها على حركات الإسلام السياسي بفلسطين والمنطقة، وبالتالي فمؤتمر فتح يتجاوز رفاهية الاستحقاق الديمقراطي التي تحظى به غيرها من الحركات والأحزاب بالدول المستقلة، نحو دلالات وارتدادات اكثر عمقا وتاثيرا على حياة الناس ومستقبل القضية، ففتح هي العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن مؤتمرها حاضر في خبز الناس، ودوائهم، ومناهج التدريس، وحرية التعبير، وفضاء الحريات.

شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد تاريخها، محطّ اهتمام لافت لدى الأصدقاء والخصوم والأعداء على حدّ سواء. فقد كان العالم يترقّب أي تصريح يصدر عن ياسر عرفات أو رفاق دربه من القادة المؤسسين، استشرافًا لما قد تتمخض عنه مؤتمرات الحركة من برامج ومواقف وسياسات، بوصفها تجسيدًا حيًّا للحركة الوطنية الفلسطينية، وموجّهًا للخط السياسي العام.

أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفا، إذ يبذل عدد من مديري الدوائر السياسية بالسفارات جهدًا لوضع ملف مؤتمر فتح أمام سفرائهم، ثم يحتاجون إلى جهد مضاعف لإقناعهم بضرورة رفعه إلى عواصمهم. ويعود ذلك، وفقًا لعدد من المحللين والخبراء والمختصين في الشأن الفلسطيني ممن نلتقي بهم، إلى أنكم “قابلون للتوقع " وأن لا مؤشرات عن خروج المؤتمر عما هو متوقع من المجتمع الدولي، سواء على المستوى البرامجي أو الانتخابي.

ومن هنا، تطغى قضايا أخرى على مستوى الاهتمام الدولي بمؤتمر فتح، مثل مسودة الدستور المؤقت، أو توجهات الجيل الفلسطيني الجديد، أو التحولات التي تعتمل في البنية السياسية الفلسطينية. كما يبدو اهتمام الحركات والأحزاب والمنظمات الدولية بمؤتمر فتح اليوم أكثر تواضعًا قياسًا بالمؤتمرات السابقة، ففي الوقت الذي كان فيه قادة العالم المنتمون إلى الأسرة الاشتراكية الديمقراطية والقوى التقدمية والثورية يقطعون التزاماتهم للمشاركة في مؤتمر فتح، يكتفي مساعدوهم اليوم بالقول: “دعونا نرى موعد المؤتمر أولًا، ثم ننظر في جدول مواعيدنا”. وبين المشهدين تتبدى المسافة بوضوح: من مؤتمر كان يُنظر إليه بوصفه حدثًا سياسيًا وطنيًا عابرًا للحدود، إلى مؤتمر يتراجع حضوره في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، فتحول حركات التحرر الوطني إلى صفحة مقروءة هو أحد أسباب مقتلها، وأتذكر حينما كنا في شبيبة فتح، نفتتح قرية نضالية، أو نعلن منع القنصلية الامريكية من تنفيذ لقاء لها في رام الله خلال فترة ترامب الأولى، أو حينما أعلنا أن مبعوث الرباعية " توني بلير" شخصية غير مرحب بها بفلسطين، أو حينما أعلنا حملة وطنية رمزية لفرض السيادة الوطنية في جميع الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، حتى وان كانت بخطوة رمزية تمثلت بتأسيس قرى نضالية او بتعليق يافطات على طول الشوارع تطالب المستوطنين بالانسحاب من أراضينا، كيف كان العالم بأسره، بما في ذلك الدبلوماسيين والإعلاميين وحركات التحرر العالمي، تتسابق للالتقاء بشبيبة فتح، والاستماع إلى رؤاها، وتوجهاتها، ليس لأنها صنعت المستحيل، إنما لأنها " غادرت مساحة المتوقع".

مياه كثيرة جرت في نهر فتح، وتغيرات واسعة اعترت مسيرة الحركة منذ اطلاقها للكفاح المسلح، إلى مسيرة التسوية السياسية التي أجهضها الاحتلال، قاضيا على حلم الدولة ومشروع فتح، وصولا للمؤتمر الثامن للحركة، الذي سيشكل في حال توافرت الظروف لعقده بموعده المحدد، وأُحسن استثماره، فرصة استثنائية لتوجيه مجموعة من الرسائل إلى الداخل والخارج؛ إلى أبناء الحركة، والشعب الفلسطيني، والشركاء، والأصدقاء، والخصوم، والحلفاء، والأعداء، والمتابعين، وكذلك إلى الأمة العربية والإسلامية، وإلى المجتمع الدولي. بأن الحركة ما تزال حيّة، وقادرة على الفعل، وتمتلك قيادةً وبرنامجًا ورؤيةً للمرحلة، كما يشكّل المؤتمر فرصة لإعادة بناء جسور الثقة بين الحركة وقاعدتها الاجتماعية، عبر التعبير البرامجي والعملي عن صوت الناس وآمالهم، واستعادة ثقة الجمهور بحركة نشأ في أكنافها، وأودع لديها أحلامه وتطلعاته، إلا أن ما يجري للأسف، يخالف ذلك تماما، أذ يبدو أن المؤتمر الثامن لحركة فتح يضج بالمرشحين أكثر مما يضج بالأفكار، وتعلو فيه ضوضاء السباق إلى المجلس الثوري واللجنة المركزية على أي نقاش جدي يطال المرحلة السياسية والنضالية، أو يراجع الأولويات، أو يزن الإنجازات والإخفاقات، ويقيّم الوضع الداخلي للحركة أو يعيد قراءة ميزان القوى بما يليق بحركة تحرر وطني، لا بالشعبوية والتطرف، ولا بالاستسلام والمراوحة في المكان، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تنشغل حوارات ما قبل المؤتمر بالأسئلة المؤسسة: ما هو المشروع الوطني، وما هي الاستراتيجية، وما شكل المقاومة أو العمل السياسي، وما طبيعة العلاقة مع الجماهير والسلطة والخصوم والأعداء، والإقليم والعالم، نرى هذه الأسئلة تتراجع لصالح أسئلة أخرى لا تخلو من الأهمية، لكنها تفقد قدرتها على صناعة الفارق، حين تُفصل عن البرامج والرؤى، مثل: من سيترشح، وكيف ستتشكل التحالفات، وما خريطة التنافس، وكيف ستُفرز موازين القوى داخل الحركة، فحتى كتابة هذه السطور، لم أسمع عن ورشة واحدة، نظمتها مفوضية، أو أقليم، أو مكتب حركي، بالوطن، أو بالشتات، حول أدبيات المؤتمر، كما أن المئات من مجموعات " الواتس آب" التي أنشئت مع اقتراب المؤتمرات، تنحصر عضويتها بأعضاء المؤتمر المضمون عضويتهم، ويضاف لها من تتاكد عضويته بالمؤتمر، في مشهد حزين، يسيء للحركة، ويقزّم حضورها وقيمتها، ويحول النظرة إلى اعضاء المؤتمر، من فاعلين إلى مجرد أصوات انتخابية، ويحول البرامج والرؤى داخل المؤتمر إلى فضاء حركي عام، يشارك في صياغته كل أبناء الحركة، إلى أقراص جاهزة للبلع، أو إبر وريدية لحقن المؤتمرين، نظرا لضيق وقت المؤتمر وطبيعته الانتخابية التي ستجعل من نقاش واسع وعميق ومستفيض حول ادبيات المؤتمر مهمة مستحيلة، مما يفقد فتح روحها وجوهرها المذكورين في افتتاحية المقال، فحينما يتقدم سؤال الموقع على سؤال المشروع، ويطغى التنافس على المقاعد على الحاجة إلى إعادة بناء البنية التنظيمية، وتعديل اللوائح، وتوزيع الصلاحيات، ومعالجة الترهل والانقسام، وتجديد الأطر القيادية بما يبقي الحركة قادرة على الفعل، ينتهي المؤتمر إلى مجرد تبديل جزئي في الوجوه، من دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يفتح أفقًا حقيقيًا لإصلاح الحركة واستعادة دورها، فالساحة الوحيدة التي قامت بمهمة التقييم والاجتهاد والمبادرة ما قبل المؤتمر السابع كانت ساحة السجون، التي تغيب في هذا المؤتمر نظرا لاجراءات الاحتلال التي تجعل من أي تواصل بينها وبين الخارج مهمةِ شبه مستحيلة.

ختاما، ان الاهتمام بالبرامج لا يعني الانتقاص من أهمية القيادة، ولا من الدور الذي ينبغي أن يؤديه المؤتمر في إدارة التنافس الداخلي بصورة مؤسسية وشفافة، تقوم على معايير واضحة وعادلة للعضوية، وآليات انتخاب وفرز موثوقة، تستند إلى سرية الاقتراع وعلنية الفرز. بل إن من الممكن اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، ربط مواقع انعقاد المؤتمر الأربعة في رام الله وغزة ومصر ولبنان بآليات تصويت إلكترونية ضمن معايير واضحة تضمن الحياد والمهنية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بنتائج المؤتمر الانتخابية، ويوفر الوقت، ويضمن سلامة عمليات الفرز، ويخفف من كلفها البشرية واللوجستية، كما أنه من الأهمية بمكان، أن تتحول الأقاليم والمكاتب الحركية والنقابات ومفوضيات الحركة وكادرها إلى خلية عمل، لمناقشة مقترحات القرارات والرؤى والبرامج، تماما كما فعلت شبيبة فتح قبل انعقاد مؤتمرها العام في نهاية العام الماضي، حينما حولت الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل إلى ساحة للنقاش والحوار شارك به أبناء الشبيبة من الوطن والشتات، وخرجت بما يزيد عن احدى عشر ورقة عبرت عن توجهات الشباب وصوتهم. لا زال هناك هامش من الوقت، إن جرى استثماره بالطريقة المثلى، فربما ننجح في تغيير المسار، والانتصار لفتح الفكرة لا الأشخاص.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح الحرب قرارًاً أميركياً: تعدد القراءات وتآكل مركز القرار الإسرائيلي

لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان حدثاً عابرًا في سياق حرب طويلة ومتعددة الجبهات، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأسئلة الكبرى: من يقرر الحرب؟ ومن يقرر نهايتها؟ وهل ما زالت إسرائيل تملك هامش القرار الاستراتيجي، أم أنها تتحرك داخل سقف يُرسم خارجها؟


في ظاهر الصورة، يبدو الأمر كأنه “تنسيق” بين حليفين تقليديين: واشنطن وإسرائيل. لكن القراءة التي تتقاطع عند أكثر من محلل إسرائيلي، رغم اختلاف زواياهم، تشير إلى شيء أعمق: انتقال مركز الثقل من إسرائيل إلى واشنطن، وتحديداً إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي فرضت بحسب هذه القراءات إيقاع الحرب وحدودها، لا فقط مسارها الدبلوماسي.


في هذا السياق، يذهب محللون عسكريون مثل عاموس هرئيل إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن فصله عن مسار أوسع مرتبط بالمفاوضات مع إيران. فالمعادلة، كما تُقدَّم، ليست لبنان وحده، بل هندسة إقليمية تريد واشنطن ضبطها بما يسمح بالتوصل إلى تسوية مع طهران، حتى لو كان ذلك على حساب الرؤية الإسرائيلية التي سعت إلى ربط الحرب بهدف أوسع: تغيير قواعد الاشتباك وربما تغيير النظام الإقليمي نفسه.


وفق هذا الفهم، لم يعد القرار الإسرائيلي مستقلاً  في لحظته الحاسمة. بل إن بعض التحليلات تذهب إلى حد القول إن إسرائيل تجد نفسها في موقع “تنفيذ” لخط سياسي أكبر، تُرسم ملامحه في واشنطن، بينما تُترك لها مهمة إدارة النتائج الميدانية—وليس فقط شريكاً في صياغة القرار، بل طرفاً فاعلاً يتحرك داخل حدود لم يعد يحددها وحده.

من زاوية سياسية داخلية، يقرأ محللون هذا التحول باعتباره مأزقاً شخصياً لبنيامين نتنياهو. فهو الذي دفع باتجاه تصعيد واسع في أكثر من جبهة، وبنى خطاب “الحسم” و”تغيير المعادلة”، يجد نفسه الآن أمام تسويات لا تشبه تلك الوعود. المعضلة ليست عسكرية فقط، بل خطابية أيضاً : كيف يمكن إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الأهداف تحققت، في حين أن حزب الله لم يُهزم، وإيران لم تُردع استراتيجياً، والتهديدات البنيوية ما زالت قائمة؟


هنا يظهر ما يشبه الفجوة البنيوية بين “سردية الحرب” و”نتائجها الفعلية”، وهي فجوة يصفها بعض المحللين بأنها مركز الأزمة السياسية الحالية. على الجبهة اللبنانية وشمال إسرائيل، تتخذ هذه الفجوة شكلاً  أكثر حدة؛ فسكان المستوطنات الحدودية الذين أُعيدوا إلى منازلهم يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف: التنظيم لم يُكسر، والردع لم يُحسم، وفكرة “النصر” نفسها أصبحت موضع شك.


في قراءة يوسي يهوشع، المقرب من المؤسسة العسكرية، تتخذ المسألة منحى عملياً؛ فهو لا يتعامل مع الحرب كحسم نهائي، بل كمسار طويل من “إدارة النتائج”. يركز هذا المنظور على سؤالين: هل يتحسن الوضع الأمني فعلياً في الشمال؟ وهل قدرة إسرائيل على إضعاف حزب الله تتفوق على قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه؟ الإجابة ليست حاسمة، ما يعني أن وقف إطلاق النار ليس إلا محطة ضمن صراع أطول.


في المقابل، يقدم مئير بن شبات قراءة أكثر تحفظاً، تنطلق من فرضية أن أي اتفاق لا يترافق مع شروط صارمة سيكون هشاً. لكن ما يلفت في قراءة بن شبات، وهو أحد أركان اليمين الأمني، هو اعترافه الضمني بأن قدرة إسرائيل على فرض شروطها ليست مطلقة، وأن الموقف الأميركي بات هو العامل الحاسم.


وفي مقابل هذه القراءات النقدية، تبرز داخل الخطاب الإعلامي القريب من الحكومة مقاربة مغايرة، يمثلها كتّاب من طراز عميت سيغال، ترى أن ما يجري ليس تآكلاً  في القرار، بل تعبير عن تنسيق استراتيجي عميق. غير أن هذه القراءة، في جوهرها، تبدو موجهة لصناعة وعي الجمهور الإسرائيلي والدفاع عن نتنياهو أمام قاعدته اليمينية؛ حيث يتم تصوير الضغوط الأمريكية وكأنها "رافعة قوة" لامتصاص غضب الجمهور الاسرائيلي وتحويل التبعية إلى "ذكاء سياسي". إنها محاولة لتجميل الواقع، تتجاهل معياراً جوهرياً  في تعريف الاستقلال الاستراتيجي: القدرة على رفض الإملاء، لا مجرد المشاركة في صياغته. فعندما يصبح القرار مرتبطاً بحسابات طرف خارجي، فإن الحديث عن “تنسيق” يفقد معناه المتكافئ، ويتحوّل إلى إعادة توزيع لمركز القرار، لا إلى شراكة فيه.


أما كوبي ميخائيل، فيقدم منظوراً أكثر تشاؤماً على مستوى غزة وإيران؛ فالمفاوضات في القاهرة ليست مساراً  نحو الحل، بل إدارة دائمة للأزمة تمنح حماس فرصة لإعادة التموضع. وفي إيران، يرى أن أي اتفاق محتمل قد يتحول إلى “طوق نجاة” للنظام، ما يعني تثبيت الخصم بدل إضعافه.


القاسم المشترك بين معظم هذه القراءات هو إعادة تموضع دور الولايات المتحدة، وتحديداً دونالد ترامب، كفاعل مباشر يفرض إيقاع الحرب والتهدئة. هذا التحول يعني أن الحرب لم تعد تُدار فقط في ساحات القتال، بل في مراكز القرار الدولي، وأن إسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد الذي يحدد توقيت النار وسقفها.


ما يتشكل في النهاية هو حالة انتقالية أعمق؛ إسرائيل عالقة بين رواية "النصر الاستراتيجي" وواقع ميداني يثبت عدم اكتماله. لقد أصبح وقف إطلاق النار لحظة كشف كبرى: ليس فقط لحدود القوة الميدانية، بل لهامش القرار نفسه،،حين تضطر إسرائيل للعمل داخل توازنات أوسع تحدد سقف ما يمكن تحقيقه، لا أصل ما يُراد الوصول إليه. وهنا، لا يُختبر ميزان القوة فقط، بل معنى السيادة في اتخاذ القرار: متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

خلف كواليس 'بنك الأهداف' الإسرائيلي: كيف يحول الذكاء الاصطناعي والعملاء المدنيين إلى ملفات تصفية؟

تعتمد دولة الاحتلال الإسرائيلي في حروبها الحديثة، ولا سيما خلال حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، على منظومة متطورة لإدارة ما يعرف بـ 'بنك الأهداف'. وتتنوع هذه الأهداف بين عسكرية وأمنية ومدنية، حيث يتم تحديثها لحظياً عبر تقنيات التعلم الآلي لضمان اختيار الطريقة الأمثل للتدمير أو التحييد وفقاً لتقديرات القيادة العسكرية.

وأفادت مصادر بحثية بأن بنك الأهداف يدار ضمن منظومة عسكرية استخبارية متكاملة تقودها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). وتتولى هذه الشعبة مهام جمع المعلومات وتحليلها بالتعاون مع مراكز القيادة العملياتية التي تملك الصلاحية النهائية لاتخاذ قرار الاستهداف بناءً على المعطيات الميدانية المتوفرة.

تبدأ عملية بناء هذا البنك من خلال تراكم مستمر للبيانات المستقاة من مصادر متعددة تشمل الصور الجوية والأقمار الصناعية والإشارات الإلكترونية. كما تلعب المعلومات البشرية المستمدة من العملاء والمتابعة الرقمية الدقيقة لحركة الأفراد والبنى التحتية دوراً مركزياً في تغذية هذه المنظومة بالمعلومات الحساسة.

وتُعالج هذه البيانات الضخمة عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تقوم بربط المعطيات واكتشاف الأنماط السلوكية وتحديد العلاقات بين الأهداف المحتملة. ولا يقتصر هذا التحليل على رصد الموقع الجغرافي فحسب، بل يمتد لفهم دور الهدف العملياتي وتوقيت وجوده، مما يحوله إلى ملف رقمي ديناميكي.

ويعد تسريع دورة القرار العسكري، المعروفة بمصطلح (OODA)، أحد الأهداف المركزية لاستخدام التكنولوجيا في بناء بنك الأهداف. حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في اختصار مراحل الملاحظة والتوجيه والقرار، مما يرفع وتيرة إنتاج الأهداف لتصل إلى عشرات الأهداف الجاهزة للقصف خلال ساعة واحدة فقط.

تمنح هذه السرعة الفائقة جيش الاحتلال أفضلية عملياتية تمكنه من المبادرة وتنفيذ الضربات قبل أن يتمكن الطرف الآخر من التكيف أو المناورة. ويتم شحن البنك وتجديده عبر ثلاث آليات رئيسية تشمل التحديث اللحظي للمعلومات الميدانية والتعلم الآلي المستمر للتنبؤ بالأنماط القادمة.

كما تعتمد المنظومة على التكامل بين المصادر المختلفة لإنتاج صورة مركبة وأكثر دقة للأهداف التي قد لا تكون مرئية في الظروف العادية. ويسمح هذا الربط بين السلوكيات المتفرقة بكشف أهداف جديدة وتصنيفها وفق أهميتها الإستراتيجية أو العملياتية أو التكتيكية الميدانية.

وتخضع عملية اختيار الأهداف لمعايير صارمة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاستخبارية، حيث تمنح الأولوية للأهداف التي تحقق أكبر 'أثر عملياتي'. ويقصد بذلك مدى مساهمة تدمير الهدف في شل قدرات الخصم أو تقويض بنيته التنظيمية واللوجستية بشكل كامل وسريع.

وفي سياق متصل، أوضحت مصادر متابعة للشأن الإسرائيلي أن دائرة بنك الأهداف تعمل على مدار الساعة لتطوير قوائمها وفقاً للأهداف السياسية للحرب. ففي الجبهة اللبنانية مثلاً، يتم وضع بنوك أهداف متنوعة تشمل الضغط على الحاضنة الشعبية وتدمير البنى التحتية للدولة لزيادة الأعباء على المقاومة.

وقد يتضمن بنك الأهداف قوائم بأسماء مدنيين في مناصب رسمية مثل رؤساء البلديات، مع توثيق كامل لعناوين سكنهم وأرقام هواتفهم وتحركاتهم اليومية. ويهدف هذا الإجراء إلى توفير خيارات استهداف واسعة تخدم الضغط السياسي والنفسي خلال جولات التصعيد العسكري.

كما يمتد الاستهداف ليشمل القدرات المالية، حيث تضم القوائم أسماء الصرافين وكل من له علاقة بالتمويل أو الدعم اللوجستي. وتتم ملاحقة هذه الشخصيات بناءً على معلومات استخبارية دقيقة ترصد التحويلات المالية والارتباطات التنظيمية المفترضة مع القوى المقاومة.

وتبرز القدرة التكنولوجية للاحتلال في اختراق الهواتف الذكية ورصد التحركات عبر أنظمة تجسس متطورة جداً قادرة على تجاوز معظم التشفيرات الرقمية. وتستخدم هذه التقنيات لتتبع الشخصيات القيادية أو المستشارين الذين ينتقلون بين العواصم، مما يسهل عمليات الاغتيال الدقيقة.

ورغم الاعتماد الكبير على التوصيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلا أن القرار النهائي للتنفيذ يبقى بيد القادة العسكريين والسياسيين. ويتم تقييم كل هدف ضمن سياق أوسع يأخذ بالاعتبار التداعيات القانونية والسياسية والكلفة العملياتية مقابل الفائدة المرجوة من الضربة.

إن هذا التكامل بين التجسس التقني والعملاء الميدانيين والذكاء الاصطناعي جعل من بنك الأهداف الإسرائيلي أداة للقتل الممنهج والواسع. وهو ما يفسر حجم الدمار الهائل في المناطق السكنية، حيث يتم تبرير استهداف المربعات المدنية بوجود 'ملفات ديناميكية' أعدتها الآلة الاستخبارية مسبقاً.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تكشف كواليس ضغوطها لفرض هدنة لبنان وتهدد بإغلاق مضيق هرمز

أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلايي أن القوات المسلحة الإيرانية لا تزال تبسط سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، مع استمرار حظر مرور السفن الحربية عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. وأوضح طلايي أن أي ضغوط مستقبلية قد يتعرض لها لبنان ستدفع طهران لإعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه سابقاً من إغلاق وقيود مشددة.

تأتي هذه التصريحات بعد ساعات قليلة من قرار إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية بشكل مؤقت، في خطوة تزامنت مع بدء سريان الهدنة بين لبنان وإسرائيل. ومع ذلك، لا يزال التوتر سيد الموقف عقب تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لن يتوقف، مما أثار تحذيرات إيرانية مضادة.

وفي سياق متصل، شددت طهران على أن المسار التفاوضي لا يزال قائماً ولم يُغلق، مشيرة إلى أن الاتفاقات الأولية تضمنت بنوداً واضحة تتعلق بوقف إطلاق النار في الساحة اللبنانية. وترفض الحكومة الإيرانية بشكل قاطع المحاولات الأمريكية الرامية لفصل ملف الجبهة اللبنانية عن التفاهمات الأوسع التي تجري بين واشنطن وطهران.

ونقلت مصادر إعلامية مقربة من الحرس الثوري الإيراني عن مسؤولين عسكريين قولهم إن وقف إطلاق النار في لبنان لم يكن ليتحقق لولا الضغوط العسكرية الشديدة التي مارستها إيران. وكشفت المصادر أن طهران أبلغت أطرافاً دولية بقرارها توجيه ضربات صاروخية مباشرة نحو إسرائيل إذا لم يتم التوصل لاتفاق وقف النار قبل موعد محدد.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التهديد الإيراني كان جدياً وحدد الساعة الثامنة مساءً من يوم الاتفاق كمهلة نهائية قبل بدء الهجوم الصاروخي. هذا التصعيد الكلامي يعكس حجم الارتباط الوثيق الذي تفرضه طهران بين أمنها القومي وملف حلفائها في المنطقة، وتحديداً في الساحة اللبنانية التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع.

وعلى صعيد الملف النووي، حسم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الجدل الدائر حول إمكانية نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الحدود. ونفى بقائي وجود أي نية أو اتفاق يقضي بالتخلي عن المكتسبات النووية، واصفاً اليورانيوم المخصب بأنه يمثل 'تراب الوطن' الذي لا يمكن التفريط بذرة واحدة منه تحت أي ظرف.

كما شنت الخارجية الإيرانية هجوماً حاداً على سياسة الحصار البحري التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، واصفة إياها بأنها 'قرصنة بحرية' تخالف القوانين الدولية. وأكدت طهران أن رفع هذا الحصار يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تفاهمات مستقبلية تهدف إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة وضمان حرية الملاحة الدولية.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أمام السفن التجارية طوال فترة الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين إسرائيل ولبنان. وتأتي هذه الخطوة كبادرة حسن نية مشروطة باستقرار الأوضاع الميدانية، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الأمور في ظل استمرار العقوبات الأمريكية المشددة.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في الخليل وسلسلة اعتداءات للمستوطنين والاحتلال بالضفة الغربية

ارتقى الشاب الفلسطيني محمد أحمد أبو غالية السويطي، البالغ من العمر 25 عاماً، شهيداً صباح اليوم السبت برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة جنوب غربي الخليل. وأفادت مصادر محلية بأن جنود الاحتلال استهدفوا الشاب بالرصاص الحي في خربة سلامة التابعة لبلدة دورا، مما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة فارق على إثرها الحياة في المكان.

وزعمت سلطات الاحتلال أن الشاب السويطي حاول الاقتراب من مستوطنة 'نجوهوت' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب غرب الخليل قبل إطلاق النار عليه. وفي سياق سياسة التنكيل المتبعة، تواصل قوات الاحتلال احتجاز جثمان الشهيد وترفض تسليمه لذويه، وسط حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة عقب الجريمة.

وفي محافظة نابلس، شنت قوات الاحتلال حملة مداهمات أسفرت عن اعتقال مواطنين، من بينهم فتى لم يتجاوز السن القانوني. وأوضحت مصادر أن الاعتقالات طالت الفتى يوسف فؤاد حسن من بلدة قصرة، والمواطن نضال أبو سعادة من قرية بيت دجن، وذلك بعد تفتيش منازل عائلاتهم والعبث بمحتوياتها بشكل استفزازي.

أما في محافظة طوباس، فقد طالت الاعتقالات شابين من مخيم الفارعة جنوب المدينة بعد استدعائهما للمقابلة الأمنية. وذكرت هيئات تعنى بشؤون الأسرى أن الاحتلال اعتقل محمد محمود عبد المعطي ومحمود ماهر صبح عقب توجههما للتحقيق في معسكر سالم الاحتلالي، ليتم تحويلهما لاحقاً إلى جهة مجهولة.

وشهدت قرية يبرود شرق رام الله اقتحاماً عسكرياً واسعاً نفذته قوات الاحتلال مساء الجمعة، تخلله إطلاق كثيف لقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع تجاه منازل المواطنين. وأدت هذه الاعتداءات إلى وقوع إصابات بحالات اختناق بين السكان، في ظل استمرار سياسة الترهيب التي يمارسها الجيش ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وفي اعتداء سافر للمستوطنين، أقدمت مجموعة من المتطرفين على إضرام النيران في غرفة زراعية بقرية أبو فلاح شمال شرق رام الله. وهاجم المستوطنون الجهة الشمالية للقرية تحت حماية جيش الاحتلال، الذي تدخل لاحقاً لإطلاق النار صوب المواطنين الذين حاولوا التصدي للحريق وإنقاذ ممتلكاتهم من التدمير.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، حيث اقتحمت آليات الاحتلال بلدة الخضر جنوب بيت لحم وتمركزت في منطقة البوابة الحيوية. كما امتدت الاقتحامات لتشمل منطقة الدوحة، حيث انتشر الجنود في محيط مسجد زيد بن ثابت، مما أعاق حركة تنقل المواطنين وأثار حالة من القلق في صفوف الطلبة والأهالي.

وفي مدينة بيت ساحور، تعرض المواطن محمد قادري لاعتداء وحشي من قبل مجموعة من المستوطنين في منطقة عش غراب. وأكدت مصادر أمنية أن المستوطنين احتجزوا قادري لفترة من الوقت وقاموا بضربه بشكل مبرح، مما تسبب له بكدمات وجروح، في إطار تصاعد هجمات المستوطنين المنظمة ضد الفلسطينيين بالضفة.

تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصعيد إسرائيلي شامل يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية عبر القتل والاعتقال وتوسيع اعتداءات المستوطنين. وتؤكد هذه الأحداث المتلاحقة إصرار الاحتلال على فرض واقع أمني وعسكري معقد، يهدف إلى تضييق الخناق على المواطنين في قراهم ومدنهم المحاصرة.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

انسياب حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وسط إجراءات تنظيمية جديدة

أظهرت أحدث بيانات تتبع السفن الدولية تحركاً مكثفاً لقوافل ناقلات النفط والغاز العملاقة وهي تغادر منطقة الخليج العربي عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. ووفقاً لمصادر ملاحية، فقد تألف الأسطول الراحل من أربع ناقلات مخصصة للغاز البترولي المسال، بالإضافة إلى مجموعة من السفن المحملة بالمنتجات النفطية والمواد الكيميائية، مما يشير إلى انتظام تدفقات الطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.

وفي سياق متصل، رصدت التقارير الفنية تحرك نحو عشرين سفينة شحن وناقلة نفط من الموانئ الخليجية باتجاه مخرج المضيق مساء الجمعة الماضية. وتأتي هذه التحركات في ظل مراقبة دقيقة من قبل شركات البيانات البحرية التي أكدت أن وتيرة الملاحة بدأت تستعيد زخمها الطبيعي بعد فترة من التوترات التي أثرت على سلاسل الإمداد في المنطقة.

وعلى صعيد الصادرات الإيرانية، كشفت شركة 'كيبلر' للبيانات البحرية عن مغادرة ثلاث ناقلات إيرانية محملة بنحو خمسة ملايين برميل من الخام عبر المضيق. وتعد هذه الشحنات هي الأولى من نوعها التي تخرج من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار البحري الأمريكي المشدد، مما يمثل تطوراً لافتاً في مسار الأزمة القائمة بين طهران وواشنطن.

من جانبها، أعلنت السلطات الإيرانية عن إجراءات تنظيمية جديدة لضمان سلامة الملاحة، حيث أكد مسؤول إيراني أن حركة الدخول والخروج ستنحصر في مسار محدد يمر بجزيرة 'لارك'. وتأتي هذه الخطوة في إطار التفاهمات الأخيرة بين طهران وواشنطن لفتح الممر المائي بشكل كامل أمام التجارة الدولية خلال فترة الهدنة المتفق عليها بين الطرفين.

وفي واشنطن، أكد الرئيس دونالد ترامب أن طهران تعهدت بعدم إغلاق المضيق مرة أخرى، مشدداً في الوقت ذاته على أن الحصار البحري سيظل مفروضاً بصرامة على الصادرات الإيرانية حصراً. وأوضح ترامب عبر منصة 'تروث سوشال' أن الممر جاهز تماماً للعبور التجاري، لكن القيود لن تُرفع عن إيران إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بنسبة مئة بالمئة.

تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تنزف بصمت النساء: الأمم المتحدة للمرأة تؤكد مقتل 38 ألف امرأة وفتاة على يد إسرائيل خلال حرب الإبادة



واشنطن – سعيد عريقات – 18/4/2026


في مشهد يختصر قسوة الحرب وعمق المأساة الإنسانية، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يوم الجمعة، أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في قطاع غزة حتى نهاية عام 2025، جراء القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية البرية، في حصيلة تضع النساء والفتيات في قلب الكارثة التي اجتاحت القطاع على مدى أكثر من عامين.


وقالت المتحدثة باسم الهيئة، صوفيا كالتورب، خلال إحاطة صحفية في جنيف، إن الفترة الممتدة من تشرين الأول 2023 إلى كانون الثاني 2025 شهدت سقوط أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يُقتلن يومياً. أرقام تبدو جافة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها صور أمهات انتُزعن من أطفالهن، وفتيات خُنقت أحلامهن تحت الركام، وعائلات انهارت أعمدتها البشرية في لحظات.


وأوضحت الهيئة أن هذه الأرقام قد لا تمثل الحقيقة الكاملة، إذ ما تزال جثامين كثيرة مدفونة تحت الأنقاض، فيما تواجه أنظمة التوثيق والإبلاغ ظروفاً قاسية بسبب انهيار البنية التحتية واستمرار الحصار. وبين الأرقام الرسمية وما تخفيه الأنقاض، تتسع هوة الفقد أكثر فأكثر.


وأكدت كالتورب أن نسبة النساء والفتيات بين القتلى في هذه الحرب تجاوزت بكثير ما سُجل في الحروب السابقة على غزة، إذ بلغت النسبة 15% خلال حرب 2008-2009، و22% في حرب 2014، بينما تخطت في هذه الجولة حدوداً غير مسبوقة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف وانهيار قواعد الحماية الإنسانية.


لكن الموت لم يكن الوجه الوحيد للمأساة. فقد أشارت الهيئة إلى إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بجروح بالغة أدت إلى إعاقات دائمة، لتتحول النجاة نفسها إلى شكل آخر من المعاناة. نساء خرجن من تحت الركام بأجساد منهكة، يحملن ندوباً سترافقهن مدى الحياة، في بيئة تفتقر إلى الرعاية الطبية والتأهيل والدعم النفسي.


وفي موازاة ذلك، أعادت الحرب رسم البنية الاجتماعية الفلسطينية داخل القطاع. عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تقودها نساء فقدن الأزواج والمعيلين، واضطررن إلى حمل أعباء العائلة في ظروف يستحيل معها توفير الحد الأدنى من الحياة. لا دخل، ولا خدمات، ولا أفق واضح، فيما تتحول الأم إلى سند أخير لعائلة محاصرة بالجوع والخوف.


كما تعرض ما يقرب من مليون امرأة وفتاة للنزوح المتكرر، فيما واجهت نحو 790 ألف أنثى مستويات حرجة أو كارثية من انعدام الأمن الغذائي. وبين خيمة ممزقة وممرات انتظار المساعدات، تتكرر يومياً رحلة البحث عن الماء والخبز والدواء والنجاة.


وأشارت الهيئة إلى أن الحرب الإقليمية التي تصاعدت عقب الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في شباط 2025 زادت من تعقيد الأوضاع في غزة، بسبب إغلاق المعابر وتشديد القيود على دخول المساعدات. ورغم إعلان وقف إطلاق نار هش في أكتوبر 2025، فإن وزارة الصحة في غزة أفادت بمقتل ما لا يقل عن 766 فلسطينياً منذ دخوله حيز التنفيذ، فيما استمرت عمليات قتل النساء والفتيات خلال الأشهر الأخيرة، بحسب الهيئة الأممية، ما يجعلها  حربا لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعدد الأمهات اللواتي غبن، والطفلات اللواتي لم يكبرن، والبيوت التي فقدت صوتها ودفئها.


وتكشف هذه الأرقام أن النساء في غزة لم يعدن مجرد ضحايا جانبيات للنزاع، بل أصبحن في صلب المعادلة الدموية للحرب. حين تُقتل النساء بهذا الحجم، فإن المجتمع يُستهدف في قدرته على الاستمرار وإعادة البناء. فالمرأة في المجتمعات المنكوبة ليست فرداً معزولاً، بل محور الأسرة والرعاية والتماسك الاجتماعي. لذلك، فإن استنزاف النساء يعني إضعاف البنية المجتمعية بأكملها، وتحويل آثار الحرب من دمار مؤقت إلى ندوب طويلة الأمد تمتد عبر الأجيال القادمة.


ويثير صمت المجتمع الدولي أمام هذه الحصيلة أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصدر الأرقام عن مؤسسات أممية، ثم تمر كخبر عابر في المشهد العالمي، يصبح الخلل أكبر من مجرد عجز دبلوماسي؛ إنه أزمة في قيمة الإنسان ذاته. لو وقعت هذه الأرقام في أي مكان آخر لاهتزت العواصم وامتلأت المنابر بالشجب. أما في غزة، فيبدو أن المأساة تُستهلك إخبارياً ثم تُطوى، وكأن أرواح الضحايا أقل وزناً في ميزان السياسة الدولية.


ولعل الأخطر من الموت المباشر هو ما يليه: مجتمع من الأرامل، واليتامى، والمصابات بإعاقات دائمة، والفتيات اللواتي نشأن وسط الخوف والجوع والتشرد. هذه ليست خسائر آنية، بل تأسيس قاسٍ لمستقبل مثقل بالصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إعادة إعمار الحجر ممكنة، أما إعادة ترميم الإنسان فتحتاج سنوات طويلة وإرادة سياسية وعدالة غائبة. ومن دون محاسبة حقيقية، ستبقى غزة مختبراً مفتوحاً لإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.

تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

تقدير استراتيجي: كيف تدير بكين توازنات الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران؟

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقديراً استراتيجياً جديداً يحمل الرقم (143)، أعده الباحث محمد مكرم بلعاوي، لتسليط الضوء على الموقف الصيني المعقد تجاه المواجهة القائمة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران. وينطلق التقرير من رؤية مفادها أن بكين لا تكتفي بمراقبة الأزمة كحدث إقليمي عابر، بل تتعامل معها كاختبار حقيقي لمكانتها الدولية ومصالحها الحيوية.

تتحرك الصين في هذا الملف مدفوعة بثلاثة محددات جوهرية تتمثل في ضمان تدفق إمدادات الطاقة، وحماية مشاريعها الجيوسياسية الكبرى، وإدارة صراع القوة المحتدم مع واشنطن. وتبرز إيران في هذه المعادلة كحليف استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه، ليس فقط لكونها مورداً رئيساً للنفط، بل لتموضعها كعقدة وصل حيوية في مبادرة الحزام والطريق.

تسعى بكين من خلال تعزيز علاقتها بطهران إلى إيجاد ممرات برية بديلة تقلل من اعتمادها التاريخي على المسارات البحرية التي يهيمن عليها النفوذ الغربي، وتحديداً مضيق ملقا. وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لزعزعة استقرار الدولة الإيرانية تُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني ورؤيتها لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.

على الرغم من هذا الانحياز الاستراتيجي، تنتهج الصين سياسة توازن دقيقة للغاية تهدف إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية المتشعبة مع دول الخليج العربي وقنوات التعاون مع إسرائيل. هذا التوازن يفرض على صانع القرار في بكين العمل على منع انهيار إيران دون الدخول في صدام عسكري مباشر ومفتوح مع الولايات المتحدة.

يوضح التقدير الاستراتيجي أن الدعم الصيني لإيران يتخذ طابعاً غير مباشر، حيث تستمر بكين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الدولية المشددة. كما قامت بتفعيل أدوات مالية مبتكرة مثل نظام الدفع الصيني (CIPS) ليكون بديلاً عن نظام 'سويفت' العالمي، مما يمنح طهران متنفساً اقتصادياً بعيداً عن الهيمنة الدولارية.

دبلوماسياً، تقود الصين حراكاً نشطاً داخل أروقة مجلس الأمن الدولي لقطع الطريق أمام أي قرارات تشرعن الضربات الاستباقية أو تهدف إلى تغيير الأنظمة بالقوة. وتخشى بكين أن تتحول مثل هذه التحركات إلى سوابق قانونية دولية قد تُستخدم ضدها مستقبلاً في ملفات حساسة مثل تايوان أو نزاعات بحر الصين الجنوبي.

تعمل بكين أيضاً على تدويل الأزمة الإيرانية عبر منصات دولية بديلة مثل مجموعة 'بريكس' ومنظمة شنغهاي للتعاون، وذلك بهدف حشد موقف دولي موحد ضد العقوبات الأحادية. هذا التوجه يعزز من خطاب 'الجنوب العالمي' الذي تتبناه الصين لمواجهة ما تصفه بالهيمنة القطبية الواحدة التي تمارسها واشنطن وحلفاؤها.

على الصعيد العملياتي والتقني، يكشف التقدير عن تقديم الصين دعماً استخباراتياً وتكنولوجياً متطوراً للجانب الإيراني، يشمل مجالات الأمن السيبراني الحساسة. كما تتيح بكين لطهران استخدام نظام الملاحة الفضائية 'بيدو' (Beidou)، وهو ما يعزز القدرات الدفاعية الإيرانية دون الحاجة لانخراط عسكري صيني مباشر على الأرض.

يرى التقرير أن الصين تجد في استمرار حالة التوتر الحالية فرصة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت انتباه واشنطن عن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. هذا الاستنزاف يخدم الطموح الصيني طويل الأمد في تسريع وتيرة التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب ينهي التفرد الأمريكي بالقرار العالمي.

فيما يخص السيناريوهات المستقبلية، يرجح التقدير أن تواصل الصين نهج 'الصعود الحذر'، طالما ظلت المواجهة العسكرية ضمن حدود السيطرة الحالية. وبموجب هذا السيناريو، ستستمر بكين في تقديم المظلة الاقتصادية والدبلوماسية لطهران مع مراقبة التطورات الميدانية بدقة متناهية لتجنب أي مفاجآت استراتيجية.

يشير التقدير إلى وجود 'خطوط حمراء' صينية واضحة، أهمها منع سقوط النظام الإيراني أو تعرض بنيته النفطية لدمار شامل قد يقطع إمدادات الطاقة. وفي حال تجاوزت الهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية هذه الخطوط، قد تضطر بكين لرفع مستوى تدخلها التقني والاستخباراتي إلى مستويات غير مسبوقة لحماية مصالحها.

يبقى الانخراط الاستراتيجي الأوسع، بما في ذلك الوجود البحري الصيني في مضيق هرمز أو حماية خطوط الطاقة بالقوة، خياراً مطروحاً في حال حدوث تهديد وجودي للمصالح الصينية. ومع ذلك، يظل هذا الخيار مرتبطاً بمدى التصعيد الأمريكي وقدرة طهران على الصمود في وجه الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.

يخلص مركز الزيتونة في تقديره إلى أن الموقف الصيني يمثل عاملاً مركزياً في تحديد مآلات الصراع في الشرق الأوسط، وقدرة إيران على المناورة. إن السياسة الصينية التي تمزج بين الحذر والمناورة الاستراتيجية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل موازين القوى ليس في المنطقة فحسب، بل في النظام الدولي برمته.

ختاماً، يؤكد التقرير أن بكين تدرك تماماً أن معركة إيران هي جزء من صراع أكبر على شكل العالم القادم، ولذلك فإنها لن تسمح بهزيمة استراتيجية لطهران. إن هذا الالتزام الصيني، وإن كان مغلفاً بالدبلوماسية والاقتصاد، يمثل حائط صد حقيقي أمام الطموحات الأمريكية والإسرائيلية في إعادة صياغة المنطقة بالقوة.

أحدث الأخبار

السّبت 18 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الضغط الاقتصادي يفرض التراجع على ترامب في مواجهة إيران

أظهرت سبعة أسابيع من المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران أن الضغط الاقتصادي يمثل نقطة الضعف الأبرز في استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم القوة العسكرية الغاشمة، لم تنجح واشنطن في إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الرضوخ الكامل للمطالب الأمريكية، مما كشف عن حدود قدرة الإدارة الحالية على تحمل الألم الاقتصادي في الداخل.

ومع إعلان طهران مؤخراً عن إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، بدأت تتضح معالم الأزمة التي واجهها ترامب نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد معدلات التضخم. هذه العوامل الاقتصادية أدت إلى تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس، مما دفعه إلى مسابقة الزمن لإيجاد صيغة دبلوماسية تخفف من وطأة التداعيات المعيشية على الناخب الأمريكي.

وكان ترامب قد انخرط في حملة عسكرية مشتركة مع إسرائيل منذ نهاية فبراير الماضي، مستنداً إلى تقارير استخباراتية حول تهديدات نووية وشيكة. إلا أن الرد الإيراني الذي استهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة والسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية، تسبب في صدمة طاقة عالمية لم تكن في حسبان المخططين في البيت الأبيض.

ويرى محللون سياسيون أن إيران، رغم تلقيها ضربات عسكرية موجعة، أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد العالمي. هذا الواقع الجديد أجبر فريق ترامب على إعادة تقييم الموقف، خاصة مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من شبح ركود اقتصادي عالمي يلوح في الأفق نتيجة اضطراب إمدادات النفط.

وفي الداخل الأمريكي، تتزايد الضغوط السياسية على الحزب الجمهوري الذي يسعى للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ويخشى قادة الحزب من أن استمرار الحرب وتأثيرها على أسعار السلع الأساسية قد يؤدي إلى خسارة انتخابية قاسية في نوفمبر القادم، مما يجعل إنهاء الصراع ضرورة سياسية ملحة.

من جانبها، استغلت القيادة الإيرانية بذكاء ورقة مضيق هرمز لجر واشنطن إلى طاولة المفاوضات من جديد، وهو ما اعتبره مراقبون درساً قد تستفيد منه قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين. فقد أدرك خصوم الولايات المتحدة أن ترامب، رغم ميله لاستخدام القوة، يتراجع بسرعة عندما تبدأ المؤشرات الاقتصادية والأسواق المالية في الانهيار.

وأفادت مصادر بأن ترامب بدأ بالفعل في تغيير نبرته تجاه طهران، حيث تحول من التهديد بالغارات الجوية إلى الحديث عن اتفاق وشيك ينهي الأزمة. ويأتي هذا التحول تحت ضغط مباشر من الأسواق المالية التي يعتبرها ترامب المقياس الحقيقي لنجاح إدارته، بالإضافة إلى تضرر قطاع الزراعة الأمريكي نتيجة تعطل إمدادات الأسمدة.

وعلى الرغم من إعلان ترامب أن مضيق هرمز بات آمناً، إلا أن المفاوضات الجارية لا تزال تواجه عقبات تقنية وسياسية كبيرة. وتؤكد مصادر مطلعة أن هناك فجوات واسعة بين ما تطالب به واشنطن وما تقبل به طهران، خاصة فيما يتعلق بمصير المواد النووية عالية التخصيب التي تزعم الولايات المتحدة ضرورة نقلها إلى أراضيها.

وفي سياق متصل، نفت طهران بشكل قاطع موافقتها على شحن أي مخزون من اليورانيوم إلى الخارج، وهو ما يضع ترامب في موقف حرج أمام جمهوره. وكان الرئيس الأمريكي قد صرح بأن الاتفاق المرتقب سيتضمن تعاوناً تقنياً لاستعادة المواد النووية التي تضررت خلال الغارات الجوية السابقة في شهر يونيو.

وحذر خبراء اقتصاديون من أن الأضرار التي لحقت بسلاسل التوريد العالمية وقطاع الطاقة قد تستغرق سنوات للتعافي منها، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سريع. فالصدمة التي تعرضت لها الأسواق خلقت حالة من عدم اليقين، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري في واحدة من أهم مناطق التجارة في العالم.

وأبدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا استياءهم من الطريقة التي أدار بها ترامب الأزمة، حيث تم اتخاذ قرارات الحرب دون تنسيق مسبق معهم. ويرى هؤلاء الحلفاء أن التصرفات الأمريكية غير المنتظمة تسببت في مخاطر جيوسياسية كبرى هددت أمنهم القومي واقتصاداتهم التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.

ويقارن مراقبون بين نهج ترامب ونهج الإدارة السابقة، حيث كان الرئيس بايدن أكثر حذراً في التعامل مع قطاع الطاقة الروسي لتجنب رفع أسعار الغاز. أما ترامب، الذي وعد ناخبيه ببنزين رخيص، فقد وجد نفسه في مواجهة اتهامات مباشرة بأن سياساته الهجومية هي السبب وراء الغلاء المعيشي الذي يعاني منه المواطن الأمريكي.

وفي منطقة الخليج، تسود حالة من الترقب المشوب بالقلق تجاه أي اتفاق قد يبرمه ترامب دون ضمانات أمنية إقليمية شاملة. وقد صرحت مصادر دبلوماسية عربية بأن إنهاء الصراع لا ينبغي أن يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الدائم، بل يجب أن يضمن حماية البنية التحتية الحيوية للدول المصدرة للطاقة.

ويبقى السؤال الأهم حول مدى قدرة ترامب على تحقيق أهدافه الاستراتيجية من خلال الدبلوماسية بعد فشل الخيار العسكري في تحقيق نتائج سريعة. فالمفاوضات الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية الإدارة الأمريكية وقدرتها على الموازنة بين طموحاتها السياسية الخارجية والواقع الاقتصادي الداخلي المأزوم.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات 'إيران الجديدة': واشنطن تبحث عن صفقة على وقع الاغتيالات وحصار هرمز

كشفت تقارير صحفية دولية عن كواليس مفاوضات ماراثونية تجري في باكستان بين وفد إيراني رفيع المستوى ومسؤولين أمريكيين، في خطوة تعد الأرفع تمثيلاً منذ عقود. ويقود الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي برز كشخصية محورية في المشهد السياسي عقب سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت قيادات النظام، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وذكرت مصادر إعلامية أن قاليباف، البالغ من العمر 64 عاماً، استطاع لفت أنظار الفريق الأمريكي بصفته مفاوضاً بارعاً وقائداً محتملاً للمرحلة المقبلة، رغم حالة الانسداد التي تشوب بعض الملفات. وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استنساخ 'السيناريو الفنزويلي' في التعامل مع طهران، عبر ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار النظام على تقديم تنازلات جوهرية.

ويعتمد الطرح الأمريكي على تجربة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث يرى ترامب أن الحصار البحري والسيطرة على الموارد النفطية هما المفتاح لإخضاع القيادة الإيرانية. وصرح ترامب في مناسبات عدة بأن السيطرة على النفط الإيراني خيار مطروح بقوة، مشيداً بالتكتيكات التي أدت إلى خنق عائدات الطاقة في فنزويلا، وهو ما يحاول تطبيقه الآن عبر تشديد الحصار في منطقة الخليج.

في المقابل، أظهرت القيادة الإيرانية الجديدة، رغم انخراطها في المفاوضات، نزعة أكثر عسكرة وتشدداً من أسلافها، حيث يتصدر المشهد قادة من الحرس الثوري مثل أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر. هؤلاء القادة، الذين ارتبطت أسماؤهم بعمليات قمع داخلية وتطوير برامج تسليحية، يرون في السيطرة على مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها دون ثمن باهظ يضمن بقاء النظام.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن واشنطن عرضت خطة من ثلاث صفحات لإنهاء التوتر، تتضمن الإفراج عن نحو 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. ويشترط المقترح الأمريكي مقابل هذه الأموال أن تتخلى طهران بالكامل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، ونقله إلى دولة ثالثة أو تحت رقابة دولية صارمة لضمان عدم استخدامه في أغراض عسكرية.

ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين الطرفين بشأن مدة وقف أنشطة التخصيب، حيث تطالب الولايات المتحدة بمدة لا تقل عن 20 عاماً، بينما يقترح المفاوضون الإيرانيون فترة لا تتجاوز 5 سنوات. كما تطالب طهران برفع سقف الأموال المفرج عنها إلى 27 مليار دولار، في حين تصر واشنطن على تخصيص مبالغ محددة للأغراض الإنسانية فقط تحت إشراف دولي.

ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن هيكل السلطة اللامركزي في طهران يجعل من الصعب تطبيق نموذج 'ديلسي رودريغيز' الفنزويلية، حيث تتوزع القوة بين الحرس الثوري والسلطة القضائية ومجالس الأمن القومي. وأوضح المحللون أن القادة الجدد يستمدون شرعيتهم من النظام الثيوقراطي ذاته، مما يجعل فكرة الانقلاب الداخلي أو التغيير السلس وفق الرؤية الأمريكية أمراً محفوفاً بالمخاطر.

وعلى الصعيد الميداني، تسبب حصار مضيق هرمز في تداعيات اقتصادية عالمية كبرى، حيث تستخدمه إيران كأداة لردع أي هجوم عسكري شامل يستهدف ما تبقى من بنيتها القيادية. وتقدر خسائر النظام الإيراني جراء هذا التوتر بنحو 435 مليون دولار يومياً، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على المفاوضين الإيرانيين لمحاولة التوصل إلى اتفاق يخفف من وطأة الأزمة المعيشية.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، كقوة خفية لا تزال تؤثر في صنع القرار رغم غيابه عن الأنظار منذ بداية الحرب وأنباء إصابته. ويُعرف مجتبى بتوجهاته الأكثر راديكالية، وهو ما قد يمثل عقبة أمام أي اتفاق يراه المتشددون في الحرس الثوري بمثابة 'إذلال' للدولة الإيرانية أمام 'الشيطان الأكبر'.

وأفادت مصادر بأن الإيرانيين يشعرون بنوع من 'نشوة النصر' لقدرتهم على الصمود رغم اغتيال قيادات الصف الأول، وهو ما يجعلهم يرفضون إظهار المرونة ما لم يحصلوا على ضمانات أمنية شاملة. وتؤكد سوزان مالوني، الباحثة في معهد بروكينغز أن القيادة الحالية لن تقبل بأي صفقة تؤدي إلى تآكل نفوذها الإقليمي أو تجريدها من قدراتها الردعية النووية.

وتتزايد المخاوف من أن تتحول إيران إلى دولة أكثر قمعية في الداخل مع صعود التيار العسكري المتمثل في وحيدي وذو القدر، اللذين يمتلكان نفوذاً واسعاً في الكواليس الأمنية. هؤلاء القادة، الذين شاركوا في قمع احتجاجات سابقة، يرون أن أي تراجع أمام الضغوط الخارجية سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الجبهة الداخلية، ولذلك يفضلون خيار المواجهة المحسوبة.

من جانبه، وصف الرئيس ترامب القيادة الإيرانية الحالية بأنها 'أكثر عقلانية' من سابقتها، في محاولة منه لتسويق المفاوضات لجمهوره الداخلي كنجاح لاستراتيجيته القائمة على القوة. ويرى ترامب أن 'النظام القديم قد دمر'، وأن التعامل مع الوجوه الجديدة مثل قاليباف قد يفتح الباب أمام اتفاق تاريخي ينهي العداء المستمر منذ عام 1979.

ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن شمول المذكرة المقترحة لبرنامج الصواريخ الباليستية أو الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها في المنطقة، وهي ملفات تعتبرها واشنطن خطاً أحمر. وتصر الإدارة الأمريكية على أن أي اتفاق نووي يجب أن يتبعه التزام إيراني بتغيير سلوكها الإقليمي، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً حتى الآن، معتبرة نفوذها الخارجي جزءاً من أمنها القومي.

إن نجاح أو فشل محادثات باكستان سيعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات مؤلمة في ملفات السيادة والطاقة، في ظل مراقبة دقيقة من القوى الإقليمية ودولة الاحتلال. ومع استمرار الحصار البحري والتهديدات المتبادلة، تظل المنطقة فوق صفيح ساخن بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج لهذه المفاوضات غير المسبوقة.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان بين مطرقة التسويات الإقليمية وسندان الهوية الوطنية

يقف لبنان اليوم على حافة جرف تاريخي يعيد إلى الأذهان ذكريات الانقسامات الكبرى، حيث تتشابك التعقيدات الجغرافية والسياسية مع إرث الحرب الأهلية الذي لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العام. وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ إقليمي مضطرب، تتقاطع فيه نيران الحروب المفتوحة مع مساعي الوصول إلى تسويات سياسية لم تكتمل ملامحها بعد.

برزت في الآونة الأخيرة إشارات سياسية ثقيلة تضمنها خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون، والذي ركز على آليات إدارة المرحلة التي تلي الحرب الأخيرة. وتتزايد التكهنات حول ترتيبات دولية قد تشمل لقاءات مع أطراف فاعلة، من بينها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لبحث سبل إغلاق الجبهة العسكرية التي استنزفت البلاد.

لقد خلفت العمليات العسكرية الأخيرة فاتورة باهظة من الدماء والدمار، حيث سقط مئات الشهداء والجرحى، واضطر مئات الآلاف من اللبنانيين للنزوح عن ديارهم. هذا الواقع المأساوي يضع الدولة أمام تحديات إنسانية واجتماعية تفوق قدراتها الحالية، ويعمق من جراح الذاكرة الوطنية المثقلة بالتهجير.

في قلب هذا المشهد، تبرز قضية السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الداخل اللبناني. ويُنظر إلى سلاح حزب الله ليس فقط كأداة عسكرية، بل كمعادلة سياسية تمس جوهر التوازنات التي استقر عليها النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف.

ينقسم اللبنانيون في رؤيتهم لهذا الملف؛ فبينما يرى فريق أن احتكار الدولة للسلاح هو الشرط الأساسي لبناء سيادة حقيقية، يخشى فريق آخر من أن نزع السلاح قد يخل بتوازن الردع أمام التهديدات الخارجية. هذا الانقسام يحول الملف من إجراء أمني تنظيمي إلى عقدة وجودية ترتبط بالهوية والمصير.

على الصعيد التاريخي والاجتماعي، يمثل المكون الشيعي جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني، حيث يمتد حضوره في جبل عامل والبقاع والجنوب لقرون طويلة. ولا يمكن اختزال الروابط بين شيعة لبنان والمحيط الإقليمي في أبعاد سياسية عابرة، بل هي امتداد لتفاعل معرفي ومذهبي ضارب في القدم.

تشير القراءات الفكرية إلى أن علماء جبل عامل كان لهم دور ريادي في صياغة وتطوير الفكر الشيعي في مراحل تاريخية سابقة، مما يعكس عمق التأثير اللبناني في المحيط. ومع ذلك، يتم أحياناً توظيف هذا البعد التاريخي في السجالات السياسية الراهنة لتعميق الفجوات بين المكونات الطائفية المختلفة.

تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية من انزلاق لبنان نحو نموذج 'الدولة منقوصة السيادة'، وهو ما يشبهه البعض بتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا النموذج يختزل دور الدولة في إدارة الأزمات اليومية وتوفير الخدمات، بينما تظل القرارات السيادية والأمنية الكبرى رهينة التوافقات والضغوط الخارجية.

إن الترتيبات المرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار والتسويات الإقليمية قد تعيد تشكيل وظيفة الدولة اللبنانية بدلاً من تقويتها. ويخشى مراقبون أن تؤدي هذه الصيغ الرمادية إلى استقرار هش يضبط التناقضات مؤقتاً دون تقديم حلول جذرية للأزمات البنيوية التي تعاني منها البلاد.

يواجه لبنان اليوم اختباراً مصيرياً يتجاوز حدود إعادة الإعمار المادي للمناطق المدمرة، ليصل إلى ضرورة إعادة تعريف الهوية الوطنية. السؤال الجوهري يبقى حول قدرة المؤسسات اللبنانية على احتكار القرار والسلاح، أم أن البلاد ستبقى ساحة لتجاذب الإرادات الدولية والإقليمية.

رغم قتامة المشهد السياسي، تظل الذاكرة الثقافية والفنية للبنان صمام أمان يحفظ الهوية من التحلل، حيث لعب الفن الملتزم دوراً بارزاً في توثيق المقاومة. أصوات فيروز ومارسيل خليفة وأحمد قعبور لم تكن مجرد ترف، بل كانت وثائق حية تحفظ أسماء الغائبين وتعيد صياغة الوجع كفعل صمود.

لبنان الذي صمد في وجه حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، يثبت في كل مرة أنه عصي على الانكسار أو النسيان. إن ذاكرة الدم حين تتحول إلى وعي جمعي، تصبح هي الهوية الحقيقية التي تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة والتسويات العابرة التي تحاول اختصار الوطن.

يرتبط الجرح اللبناني ارتباطاً عضوياً بالقضية الفلسطينية، حيث يمثل الجنوب اللبناني امتداداً طبيعياً وجغرافياً لشمال فلسطين المحتلة. هذا التداخل يتجاوز الحدود المصطنعة، ليتجلى في وحدة الألم والمصير بين غزة وبيروت، وفي قصص الأمهات اللواتي ينتظرن عودة الغائبين.

في نهاية المطاف، يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين استقرار تفرضه التسويات أو انفجار تعيده الهواجس. لكن الثابت الوحيد هو أن ما كُتب بالدم في تاريخ هذا البلد لا يمكن أن تمحوه الأيام، وأن الذاكرة الوطنية ستظل هي البوصلة في مواجهة الهاوية.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

كوسوفو والبوسنة تنضمان لـ 'قوة الاستقرار' الدولية في قطاع غزة

أعلنت سلطات كوسوفو والبوسنة والهرسك، بشكل رسمي، عن نيتها إرسال وحدات عسكرية وأمنية إلى قطاع غزة، وذلك للانضمام إلى قوة دولية تهدف إلى إرساء الاستقرار في المنطقة. تأتي هذه الخطوة تحت مظلة 'مجلس السلام' الذي أسسته الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، في إطار مساعي واشنطن لترتيب الأوضاع الأمنية في القطاع الفلسطيني عقب الحرب.

وفي العاصمة بريشتينا، صادق برلمان كوسوفو بالإجماع على تشريع قانوني يمنح الضوء الأخضر لعناصر الأمن للمشاركة في هذه البعثة الدولية التي ستقودها الولايات المتحدة. ورغم أن القانون لم يحدد سقفاً عددياً للقوات، إلا أن مصادر إعلامية أكدت أن الحكومة تخطط لإرسال نحو 22 عنصراً في المرحلة الأولى من الانتشار المرتقب.

من جانبه، كشف وزير الدفاع في البوسنة والهرسك، زوكان هيليز، عن تفاصيل المباحثات التي أجراها في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية حول طبيعة المشاركة العسكرية لبلاده. وأكد هيليز أن التحضيرات الفنية واللوجستية وصلت إلى مراحل متقدمة، مشيراً إلى أن المساهمة البوسنية ستتجاوز 60 جندياً من القوات المسلحة الوطنية.

وكانت السلطات في البوسنة قد أقرت مبدأ المشاركة في هذه القوة الدولية منذ مطلع العام الجاري، معتبرة أن هذه الخطوة تعزز من دور البلاد في حفظ السلم والأمن العالميين. ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع اجتماعات مكثفة يعقدها 'مجلس السلام' لتنسيق الجهود الدولية الرامية لإعادة إعمار غزة وتوفير الغطاء الأمني اللازم للعمليات الإنسانية.

وتشير التقارير إلى أن القوة الدولية المقترحة قد تضم في صفوفها نحو 20 ألف جندي من جنسيات مختلفة، حيث أبدت دول مثل إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وألبانيا استعدادها للمشاركة. وتتصدر إندونيسيا قائمة الدول المساهمة بتعهدها بإرسال نحو 8 آلاف جندي، مما يجعلها العمود الفقري لهذه البعثة الدولية الطموحة.

وعلى الرغم من هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية، لا يزال تنفيذ خطة السلام الأمريكية يواجه تحديات ميدانية جسيمة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار. وكان الاتفاق قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر من العام الماضي، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى هشاشة الالتزام ببنوده من قبل الجانب الإسرائيلي.

وتأتي هذه التطورات بعد حرب مدمرة شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، أسفرت عن كارثة إنسانية غير مسبوقة وسقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى. وقد خلفت العمليات العسكرية دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية والمرافق الحيوية في القطاع، مما جعل الحاجة إلى قوة استقرار وإعادة إعمار أمراً ملحاً.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر رسمية في غزة بأن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب آلاف الخروقات منذ توقيع اتفاق وقف النار، شملت عمليات قتل مباشر واعتقالات وحصاراً مستمراً. وأوضحت التقارير أن هذه الانتهاكات تسببت في سقوط مئات الشهداء الجدد، مما يضعف فرص نجاح أي مبادرة دولية لا تضمن وقفاً شاملاً ونهائياً للأعمال العدائية.

ويبقى ملف 'قوة الاستقرار' رهناً بالتوافقات السياسية الكبرى وقدرة المجتمع الدولي على إلزام الأطراف بالاتفاقيات الموقعة، في وقت تترقب فيه الأوساط الفلسطينية مدى فاعلية هذه القوات. وتتزايد التساؤلات حول طبيعة المهام التي ستوكل لهذه الوحدات الأجنبية، وما إذا كانت ستنجح في توفير الحماية الفعلية للمدنيين في ظل التوترات القائمة.

اقتصاد

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

ناقلة نفط إيرانية عملاقة تصل الهند قبيل انتهاء مهلة الإعفاءات الأمريكية

رصدت أنظمة تتبع الملاحة الدولية وصول ناقلة النفط الإيرانية العملاقة 'دورنا' إلى السواحل الجنوبية للهند، بعد فترة من الغياب عن أجهزة التتبع (AIS). وأفادت مصادر متخصصة في مراقبة حركة الناقلات بأن السفينة تحمل على متنها قرابة مليوني برميل من الخام، ومن المتوقع تفريغ حمولتها في إحدى المصافي الهندية الكبرى خلال الساعات المقبلة.

تعد هذه الشحنة هي الثالثة من نوعها التي تستقبلها الموانئ الهندية من المصادر الإيرانية خلال الأسبوع الأخير، مما يرفع إجمالي الكميات المستلمة إلى نحو 6 ملايين برميل. وتأتي هذه التحركات المكثفة في ظل سباق مع الزمن لاستغلال نافذة الإعفاءات المتاحة قبل دخول القيود الدولية المشددة حيز التنفيذ الكامل.

وفي سياق الالتفاف على القيود المالية، كشفت مصادر مطلعة أن شركات التكرير في الهند بدأت فعلياً باستخدام اليوان الصيني كعملة بديلة لتسوية مدفوعات النفط الإيراني. وتتم هذه العمليات المالية عبر بنك (آي.سي.آي.سي) في مدينة مومباي، في خطوة تعكس التوجه نحو تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة النفطية الحساسة.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أقرت في وقت سابق إعفاءً استثنائياً لمدة 30 يوماً يسمح بشراء النفط الموجود حالياً في عرض البحر، وذلك في محاولة للسيطرة على أسعار الطاقة العالمية. وجاء هذا القرار بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار التي أعقبت التوترات العسكرية والسياسية الأخيرة في المنطقة، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد.

من جانبه، حسم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الجدل حول إمكانية تمديد هذه التسهيلات، مؤكداً أن واشنطن لا تنوي تجديد الإعفاءات الممنوحة. ومع اقتراب موعد انتهاء الصلاحية المقرر يوم الأحد المقبل، تتزايد الضغوط على الأسواق الآسيوية لتأمين احتياجاتها قبل إغلاق القنوات الرسمية للاستيراد من طهران.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر برلين والأزمة السودانية: تساؤلات حول غياب الموقف العربي وضرورة المحاسبة القانونية

تتقاطع المآسي الإنسانية في المنطقة العربية بشكل غير مسبوق، حيث تتزامن الإبادة المستمرة في قطاع غزة مع تصاعد الاعتداءات في لبنان، وسط حالة من الغموض التي تكتنف المواجهة الإقليمية بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يدفع السودان ثمناً باهظاً جراء حرب داخلية دامية تشهد انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، في ظل صمت دولي يثير تساؤلات أخلاقية عميقة.

يبرز مؤتمر برلين لداعمي السودان كمحاولة دبلوماسية لإعادة تسليط الضوء على الجرح السوداني الذي بات منسياً في خضم الأزمات المتلاحقة. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول جدوى هذه الاجتماعات الرمزية إذا لم تقترن بتدخل حاسم يوقف نزيف الدماء ويضع حداً للانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين والبنية التحتية.

إن ما يشهده السودان اليوم يتجاوز كونه نزاعاً داخلياً عابراً، بل هو انهيار شامل لمنظومة الحماية الإنسانية الدولية. فقد أدى الصراع إلى تهجير الملايين قسراً وتدمير مقومات الحياة، مما يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفترض حماية غير المشاركين في العمليات العسكرية.

يواجه الموقف العربي والإسلامي انتقادات حادة لكونه لا يزال دون مستوى المسؤولية التاريخية والشرعية المطلوبة تجاه الأزمة السودانية. ويغلب على هذا الموقف طابع التردد والاكتفاء ببيانات الإدانة الورقية، بدلاً من اتخاذ قرارات حازمة تساهم في إنهاء المأساة الإنسانية المتفاقمة.

من الناحية القانونية، لا يمكن تبرير الصمت تجاه الجرائم المرتكبة في السودان، خاصة وأن اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي يفرضان التزامات واضحة على الدول. هذه الالتزامات لا تقتصر على الإدانة فحسب، بل تمتد إلى العمل الفعلي على منع الجرائم ومعاقبة مرتكبيها لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

تعتبر الجرائم المرتكبة في السودان، بما تحمله من سمات الاستهداف المنهجي للمدنيين، من أخطر الجرائم الدولية التي لا تسقط بالتقادم. وعليه، فإن ملاحقة مجرمي الحرب ليست مجرد خيار سياسي للدول، بل هي واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.

تتحمل الدول العربية والإسلامية مسؤولية مضاعفة تجاه السودان بحكم روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك التي تجمعها بهذا البلد. إن التقاعس عن اتخاذ موقف واضح وحاسم في هذه المرحلة الحرجة لا يمكن اعتباره حياداً، بل قد يرقى في بعض صوره إلى مستوى التواطؤ بالصمت.

على الصعيد الحقوقي، يمثل ما يحدث في السودان انتهاكاً جوهرياً لأبسط حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمن والكرامة. وهذه الحقوق ليست منحة من أي سلطة، بل هي حقوق أصيلة كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية التي توجب التحرك العاجل لحمايتها.

تؤكد الشريعة الإسلامية بشكل قاطع على حرمة الدماء، وتجعل من حفظ النفس أحد المقاصد الكلية الكبرى للدين. ومن هذا المنطلق، فإن نصرة المظلوم في السودان ورفع الظلم عنه يعد واجباً شرعياً لا يسقط بالتذرع بالمصالح السياسية الضيقة أو الحسابات الإقليمية المعقدة.

إن إقامة العدل ومحاسبة الجناة يمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار المستدام في السودان بعد انتهاء الحرب. فلا يمكن تصور استقرار حقيقي بلا عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتضمن عدم تكرار الفظائع التي ارتكبت بحق الأبرياء خلال سنوات النزاع.

يتطلب الواقع الحالي ترجمة المؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر برلين، إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض تشمل الضغط السياسي الحقيقي لوقف إطلاق النار. كما يجب العمل على إنشاء آليات دولية وإقليمية فعالة لمراقبة الانتهاكات وتوثيقها لضمان تقديم المسؤولين عنها للمحاكمة.

يجب أن تشمل الجهود الدولية أيضاً دعم مسارات إعادة الإعمار وتمكين الشعب السوداني من العودة إلى دياره بكرامة وأمان. إن إعادة الأمل للسودانيين تتطلب إرادة سياسية صادقة تتجاوز حدود الدعم الإغاثي التقليدي نحو بناء دولة القانون والمؤسسات.

إن الدول العربية والإسلامية، بحكم موقعها الجيوسياسي وتأثيرها، قادرة على لعب دور حاسم في إنهاء المأساة السودانية إذا ما توفرت الإرادة السياسية. والاستمرار في حالة التردد الحالية لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وإطالة أمد معاناة الملايين من المشردين والجوعى.

في الختام، يمثل الوضع في السودان اختباراً حقيقياً لضمير العالم وللأنظمة السياسية القائمة على حد سواء. فالتاريخ لا يرحم والشرع لا يبرر الظلم، مما يضع الجميع أمام خيارين: إما الانحياز للعدالة قولاً وفعلاً، أو تحمل التبعات القانونية والأخلاقية للصمت.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات من مسرح الجريمة.. رجال الدفاع المدني في غزة يروون أهوال انتشال الضحايا

تتحول شوارع قطاع غزة في ذاكرة طواقم الدفاع المدني إلى سجل مفتوح من الأوجاع والدماء، حيث لا تمثل الأماكن مجرد إحداثيات جغرافية، بل هي مسارح لمجازر تركت ندوباً لا تمحى في أرواحهم. يروي عبد الله المجدلاوي، أحد عناصر الإنقاذ، كيف تحولت مهماتهم الميدانية إلى مواجهات مباشرة مع الموت، حيث يركضون نحو الركام بأدوات بدائية لانتشال ما تبقى من حياة أو حفظ كرامة الجثامين المتناثرة.

في ليلة حالكة من شهر سبتمبر، واجهت الطواقم اختباراً قاسياً عند استهداف منزل عائلة مسعود في حي الدرج، حيث ظل صوت الفتاة ملك مسعود عالقاً تحت الأنقاض لساعات طويلة. رغم محاولات الإنقاذ المستميتة والنزول لعمق خمسة أمتار تحت الكتل الخرسانية، فارقت الفتاة الحياة وهي غارقة في دمائها، مما وضع الطواقم أمام قرار يطحن القلوب بضرورة قص ساقها لانتشال جثمانها بعد يومين من الحصار.

لم تتوقف مآسي حي الدرج عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل قصصاً تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها، حيث وصف المجدلاوي لحظات تشغيل آلة القص وتناثر بقايا العظام على وجهه. كانت تلك اللحظات الفاصلة تعكس حجم القسوة التي يفرضها الاحتلال على المدنيين، وتحول المنقذين إلى شهود على فظائع تتجاوز حدود القدرة البشرية على الاحتمال.

وفي حي الزيتون، وبعد انقضاء 12 يوماً على التوغل العسكري، نجحت الطواقم في الوصول إلى الطفل أحمد نعيم الذي كان عالقاً تحت الردم وسط قصف مدفعي مكثف. استخرج الطفل بجسد هزيل يشبه الهيكل العظمي نتيجة الجوع والعطش، في سباق محموم مع الزمن لإنقاذه قبل أن تطاله قذائف الاحتلال التي كانت تستهدف محيط المكان بشكل مباشر.

أما في معسكر جباليا، فيستذكر عبد السلام العاصي أهوال 'مجزرة الترنس' التي وقعت في نوفمبر 2023، حيث اختلطت روائح البارود بأشلاء الضحايا في الشوارع. يصف العاصي صدمته حين صرخ في وجهه رجل مكلوم ليدفعه بعيداً عن جثمان زوجته التي داس عليها المنقذ دون قصد وسط الدخان الكثيف والفوضى العارمة التي خلفتها الغارات الجوية.

المشاهد في جباليا لم تقتصر على الركام، بل امتدت لتشمل أجساداً تحترق داخل المركبات المستهدفة، حيث تلتصق جلود الشهداء بأيدي المنقذين عند محاولة انتشالهم. يقول العاصي إن ملمس اللحم الذي يغلي كالنار يظل عالقاً في ذاكرة اللمس لديه، وهي صور تجسد أبشع أنواع القتل حرقاً التي تعرض لها الفلسطينيون خلال حرب الإبادة المستمرة.

وفي مشروع بيت لاهيا، تكررت مأساة عائلة الدواوسة التي سويت بنايتها بالأرض فوق رؤوس ساكنيها، ليخرج من تحت الأنقاض أنين شاب يتوسل ألا يترك وحيداً. صرخات الشاب 'لا أريد أن أموت، أنا الوحيد الحي من عائلتي' لخصت مأساة الإبادة الجماعية التي تمحو عائلات كاملة من السجل المدني، وتترك الناجين في مواجهة صدمات نفسية لا تنتهي.

الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، لم يكن بمنأى عن هذه الفواجع، حيث تلقى الصدمة الكبرى باستشهاد والدته في قصف استهدف منزلهم بحي الزيتون. يروي بصل كيف كان يداوم في مستشفى المعمداني لخدمة الجرحى، ليفاجأ بجثمان والدته يصل إليه مبتور الساق، ليقوم بدفنها بيديه في لحظة اجتمع فيها الفقد الشخصي مع الواجب الوطني المثقل بالدموع.

تتعدد الحكايات وتتشابه في قسوتها، مثل قصة العائلة التي عثر عليها فادي الصليبي في مدينة الشيخ زايد، حيث وجد أباً وأماً وأطفالهما الأربعة في عناق أخير تحت الركام. كانت الجثامين قد بدأت بالتحلل وهي متلاصقة، مما اضطر المنقذين لتفريقهم بصعوبة، في مشهد يوثق محاولة العائلة الاحتماء ببعضها البعض من رعب القصف والقنص الإسرائيلي.

في حي الفالوجة، واجهت سيارات الإسعاف والدفاع المدني نيراناً مكثفة منعتهم من الوصول للمصابين لثلاثة أيام متواصلة، مما أدى لتعفن الجثامين في الشوارع. وعندما تمكنت الطواقم من الدخول أخيراً، كانت الأشلاء تغطي مداخل المنازل، في إشارة واضحة لسياسة القتل العمد ومنع الطواقم الطبية من أداء مهامها الإنسانية المكفولة دولياً.

تؤكد هذه الشهادات أن طواقم الدفاع المدني في غزة تعمل في ظروف مستحيلة، حيث يفتقرون لأبسط مقومات العمل والآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض. ومع ذلك، يستمر هؤلاء الرجال في أداء واجبهم، محولين أجسادهم إلى جسور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وموثقين بذاكرتهم تفاصيل جرائم ستبقى شاهدة على حقبة من التنكيل الوحشي بحق المدنيين.

إن القصص التي يرويها المجدلاوي والعاصي وبصل والصليبي ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي وثائق حية تدين الصمت الدولي تجاه ما يحدث في قطاع غزة. كل فقرة من هذه الروايات تحمل في طياتها صرخة إنسانية تطالب بالعدالة للضحايا الذين قضوا تحت الركام، وللمنقذين الذين باتت حياتهم عبارة عن سلسلة من الجنائز والمهمات المستحيلة.

تظل ذاكرة الدفاع المدني في غزة مثقلة بصور الأطفال المتفحمين والنساء اللواتي فارقن الحياة وهن ينتظرن بصيص أمل من فوق الأنقاض. هذه الروايات الميدانية تبرز حجم التضحيات التي يقدمها الكادر الفلسطيني الذي يواجه آلة الحرب بصدور عارية وأدوات يدوية، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من كرامة الإنسان في ظل حرب إبادة شاملة.

ختاماً، لا تنتهي هذه الحكايات بانتهاء القصف، بل تبدأ فصول جديدة من الألم مع كل جثمان يتم انتشاله ومع كل صرخة استغاثة لا تجد من يلبيها بسبب الحصار. إنها روايات تكتب للتاريخ بمداد من دم وألم، لتبقى شاهدة على صمود شعب وعلى رجال آثروا البقاء في الميدان رغم أن الموت يحيط بهم من كل جانب.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة تاريخية في مسيرة حركة فتح: من التأسيس في القاهرة إلى تحديات السلطة والانقسام

تعود جذور حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى منتصف الخمسينيات، حيث تبلورت نواتها الأولى داخل اتحاد طلبة فلسطين في القاهرة. وكان للرئيس الراحل ياسر عرفات دور محوري في هذا التأسيس قبل انتقاله إلى الكويت عام 1957، لتبدأ مرحلة توسيع القاعدة التنظيمية بين الفلسطينيين في دول الخليج والشتات.

تشكلت الحركة كحصيلة لاندماج مجموعات فدائية وتجمعات فلسطينية انتشرت في مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق. واتخذت اسماً موحداً هو 'حركة تحرير فلسطين' التي اختصرت لاحقاً بكلمة 'فتح'، لتبدأ مسيرة طويلة من العمل المسلح والسياسي امتدت لعقود.

تميزت المرحلة الأولى من عمر الحركة (1954-1969) بتبني النهج الوطني الخالص، متجردة من الأيديولوجيات الإسلامية أو الشيوعية أو القومية التي كانت تسود المنطقة آنذاك. ويرى مراقبون أن هذا التوجه منحها مرونة في التعامل مع الأنظمة العربية، لكنه تسبب في هشاشة بنيوية داخلية.

من المفارقات التاريخية أن الرعيل الأول الذي قاد فتح، أمثال خليل الوزير وصلاح خلف وكمال عدوان، كانت خلفيتهم التنظيمية تعود لجماعة الإخوان المسلمين. وقد غادر هؤلاء الجماعة بعد تغيير استراتيجيتها نحو العمل الدعوي السلمي، باحثين عن مظلة تتبنى الكفاح المسلح ضد الاحتلال.

اعتمدت فتح استراتيجية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، مما جعل القضية الفلسطينية تبدو كقضية 'قطرية' في بعض الأحيان. هذا التوجه أضعف الارتباط العضوي بالقضايا القومية والإسلامية الكبرى، وحصر التأثير الفلسطيني في أطر سياسية محدودة.

شهد عام 1969 تحولاً جذرياً بسيطرة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية وتولي ياسر عرفات رئاستها. وجاء هذا التحول بدعم من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي سعى لامتصاص حالة الإحباط الشعبي عقب نكسة عام 1967 عبر دعم العمل الفدائي.

واجه العمل الفدائي الفلسطيني تحديات جسيمة في دول الطوق، بدأت بالصدام مع الجيش الأردني عام 1970 والخروج من عمان. ثم تكرر المشهد في لبنان عام 1982 إثر الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت، مما أدى لتشتت القوات الفلسطينية في عدة دول عربية.

مثلت انتفاضة الحجارة عام 1987 نقطة تحول جديدة، حيث برز دور التيارات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي في الميدان. وفي ظل هذا الزخم، أعلن الملك حسين فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية في يوليو 1988، تاركاً المسؤولية السياسية للمنظمة.

استثمرت منظمة التحرير هذا التحول بإعلان قيام الدولة الفلسطينية في مؤتمر الجزائر بنوفمبر 1988. ورغم الرمزية الكبيرة لهذا الإعلان، إلا أنه واجه انتقادات لكونه 'تحريراً موهوماً' يفتقر للسيادة الفعلية على الأرض أو السيطرة على الموارد والمعابر.

قادت المفاوضات السرية في النرويج إلى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 في البيت الأبيض، وهي المرحلة التي شهدت اعترافاً متبادلاً بين المنظمة وإسرائيل. وبموجب هذا الاتفاق، تأسست السلطة الفلسطينية وعاد ياسر عرفات إلى قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية.

يرى محللون أن اتفاقية أوسلو كانت محاولة لإجهاض النتائج السياسية للانتفاضة الشعبية ومنع الإسلاميين من قطف ثمارها. وقد منحت الاتفاقية السلطة صلاحيات إدارية وأمنية محدودة، بينما احتفظ الاحتلال بالسيطرة الفعلية على الأمن الخارجي والحدود.

بعد رحيل ياسر عرفات وتولي محمود عباس رئاسة السلطة، شهدت الساحة الفلسطينية انقساماً حاداً عام 2007. سيطرت حركة حماس على قطاع غزة عسكرياً، مما أدى إلى نشوء سلطتين منفصلتين وتراجع نفوذ المنظمة في المشهد الدولي.

تفاقمت أزمات السلطة الفلسطينية في رام الله مع توسع الاستيطان الإسرائيلي وقضم أراضي الضفة الغربية بشكل مستمر. كما أدى تنصل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من التزامات أوسلو إلى تحويل دور السلطة إلى مهام أمنية وإدارية معقدة في ظل حصار سياسي.

ختاماً، يظهر المسار التاريخي لفتح تعثراً في الوصول إلى التحرير الكامل نتيجة قصور في البناء الفكري واستعجال النتائج السياسية. وتواجه الحركة اليوم تحديات وجودية في ظل مشاريع تصفية القضية والاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال وتراجع الدعم الإقليمي.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات مرتقبة في باكستان: ترمب يتحدث عن 'أخبار جيدة' وطهران تهدد بإغلاق هرمز

كشفت مصادر مطلعة عن ترتيبات لعقد جولة مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران يوم الإثنين المقبل، ومن المقرر أن تستضيف العاصمة الباكستانية إسلام أباد هذه المباحثات. تأتي هذه الخطوة في ظل حراك دبلوماسي مكثف يهدف إلى نزع فتيل الأزمة المتصاعدة في المنطقة وتجنب صدام عسكري أوسع.

من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تفاؤلاً لافتاً حيال التطورات الأخيرة، واصفاً الأنباء الواردة من القنوات الدبلوماسية بأنها 'أخبار جيدة'. وأكد ترمب في تصريحات للصحفيين على متن طائرة الرئاسة أن هناك خطوات منطقية وضرورية ستحدث قريباً، مشيراً إلى أن الأوضاع في الشرق الأوسط بدأت تسير في اتجاه إيجابي.

ورغم نبرة التفاؤل، لم يخلُ حديث الرئيس الأمريكي من التهديد، حيث لوح بمواصلة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية إذا تعثرت جهود الوصول إلى اتفاق نهائي. وأوضح ترمب أنه قد يتجه لعدم تمديد قرار وقف إطلاق النار الذي من المفترض أن ينتهي مفعوله يوم الأربعاء القادم، مما يضع المفاوضات تحت ضغط زمني حرج.

وفيما يخص الملاحة الدولية، أشار ترمب إلى أن الجانب الإيراني وافق على عدم فرض أي رسوم مالية على السفن التي تعبر مضيق هرمز، وهو ما كان يمثل نقطة خلاف جوهرية في الجولات السابقة. واعتبر أن إعادة فتح الممر المائي الحيوي يمثل انتصاراً للدبلوماسية، لافتاً إلى أن قوى دولية مثل الصين ترحب بهذه الخطوة.

في المقابل، جاء الرد الإيراني حازماً على لسان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي حذر من أن استمرار الحصار الأمريكي سيؤدي حتماً إلى إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى. وشدد قاليباف على أن طهران لن تسمح بمرور السفن إلا عبر مسارات محددة وبموافقة صريحة من السلطات الإيرانية، طالما استمرت الضغوط الاقتصادية على موانئ البلاد.

وأكد قاليباف في تصريحاته أن حرية الملاحة في المضيق الإستراتيجي مرتبطة بشكل مباشر برفع القيود المفروضة على التجارة الإيرانية. وتأتي هذه التحذيرات لتعكس حجم الفجوة التي لا تزال قائمة بين الطرفين رغم الحديث عن تقدم في بعض الملفات التقنية واللوجستية المتعلقة بالتهدئة المؤقتة.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أشارت في وقت سابق إلى أنها لا ترى خلافات جوهرية لا يمكن حلها مع طهران في المرحلة الراهنة. ويرى مراقبون أن تصريحات ترمب حول 'اتفاق سلام قريب' تهدف إلى ممارسة ضغوط ناعمة على المفاوض الإيراني قبل الجلوس على طاولة الحوار في باكستان مطلع الأسبوع.

وعلى صعيد الملف النووي، ادعى ترمب وجود تفاهمات أولية تقضي بتعليق إيران لبرنامجها النووي لفترة غير محددة، وهو ما سارعت طهران لنفيه جملة وتفصيلاً. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن مثل هذه التصريحات تفتقر للدقة وتهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية داخلية في واشنطن، مؤكدة تمسكها بحقوقها النووية السلمية.

يُذكر أن إيران كانت قد أعلنت عن فتح مضيق هرمز 'بالكامل' كبادرة حسن نية خلال فترة وقف إطلاق النار الراهنة، لتسهيل حركة التجارة العالمية. ومع ذلك، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه جولة إسلام أباد، التي قد تحدد مسار العلاقة بين واشنطن وطهران للسنوات القادمة.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 7:28 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب المفاوضات: هل تنجح الدبلوماسية القسرية فيما عجزت عنه الآلة العسكرية؟

تشهد الساحة الدولية حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يتجاوز حدود الحوار التقليدي، حيث تبرز المفاوضات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، والمباحثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، كأدوات جديدة في صراع القوى. وتأتي هذه التحركات برعاية أمريكية مباشرة، منطلقة من مبدأ أن المفاوضات ليست سوى وجه آخر للحرب، تهدف لتحقيق مكاسب سياسية عجزت الخيارات العسكرية والاقتصادية عن انتزاعها في الميدان.

لقد كشفت جولات التفاوض الماراثونية التي قادها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في إسلام آباد، والتي استمرت لنحو 21 ساعة، عن رغبة أمريكية جامحة في حسم الملفات العالقة. ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تقبل بالعودة دون نتائج ملموسة، حيث كانت المباحثات قريبة جداً من إعلان تفاهمات أولية تمهد لاتفاق نهائي وشامل ينهي حالة التوتر القائمة مع الجانب الإيراني.

في المقابل، أظهرت هذه المفاوضات أوراق القوة التي لا تزال طهران تتمسك بها، وعلى رأسها التهديد بإغلاق مضيق هرمز والتحكم في المسار اللبناني عبر حلفائها. وقد ربطت إيران بشكل واضح بين التوصل لاتفاق معها وبين وقف العمليات العسكرية على حزب الله في لبنان، مما يعكس استراتيجية 'وحدة الساحات' التي تحاول واشنطن تفكيكها عبر مسارات تفاوضية منفصلة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من جانبه، تبنى موقفاً متصلباً خلال سير المفاوضات، مصرحاً برغبته في الحصول على 'كل شيء' وموجهاً فريقه التفاوضي بعدم التنازل عن أي من المطالب الأمريكية. هذا التوجه دفع بالعملية التفاوضية نحو طريق مسدود مؤقتاً، حيث انتهت جولة فانس بالإعلان عن الفشل والعودة إلى واشنطن بدلاً من توقيع الاتفاق المرتقب.

وعلى إثر ذلك، انتقلت الإدارة الأمريكية إلى مرحلة تجريد إيران من أوراق ضغطها، حيث فُرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية. وفي المسار اللبناني، سعت واشنطن لسحب 'الورقة اللبنانية' من يد طهران عبر رعاية مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب، بمشاركة دبلوماسية رفيعة المستوى شملت سفراء الطرفين ووزير الخارجية الأمريكي.

ورغم الضغوط الأمريكية، أبدى الجانب اللبناني صموداً في مواقف معينة، حيث رفض الرئيس اللبناني جوزيف عون محاولات ترتيب اتصال مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واشترطت الرئاسة اللبنانية وقفاً كاملاً للاعتداءات الإسرائيلية قبل الانخراط في أي تواصل مباشر، مما يعكس تعقيد المشهد وتداخل الملفات الأمنية بالسياسية.

وفي سياق متصل، أدت الضغوط التي مارسها ترامب على نتنياهو إلى تهدئة نسبية ووقف لإطلاق النار في جنوب لبنان، تزامناً مع سعي إسرائيل لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى. وتتطلع تل أبيب من خلال هذه المفاوضات إلى تحويل ملف سلاح حزب الله إلى شأن داخلي لبناني، مع الحفاظ على منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية كأمر واقع.

أما على الصعيد الإيراني، فتشير التقديرات إلى أن النظام الجديد قد يظهر مرونة غير مسبوقة في الملف النووي مقابل إنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي. فإعادة الإعمار وتحسين مستوى المعيشة وتوفير الأساسيات للمواطنين باتت أولويات تتقدم على الطموح النووي، مما قد يفتح الباب أمام تسليم المخزون النووي مقابل الإفراج عن المليارات المحتجزة في المصارف الدولية.

لقد منحت الهدنة الحالية فرصة لكافة القوى الإقليمية والدولية لإعادة حساباتها، بدءاً من القوى المتحاربة وصولاً إلى الدول المتضررة من انقطاع إمدادات الطاقة مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي. وتضغط هذه القوى مجتمعة على الإدارة الأمريكية لإنجاح المسار السياسي، خوفاً من تداعيات انهيار المفاوضات على الاقتصاد العالمي المنهك أصلاً من تبعات الحروب المستمرة.

ختاماً، نحن أمام مخاض عسير لما يسمى 'السلام بالقوة'، حيث تترقب المنطقة تواريخ حاسمة في نيسان 2026 مع انتهاء مهل الهدنة القائمة. وتتأرجح السيناريوهات بين توقيع اتفاقيات تاريخية تنهي الصراع، أو تمديد المهل لمنح الدبلوماسية فرصة إضافية، أو العودة إلى مربع الاقتتال الشامل الذي قد يكون هذه المرة مدمراً للجميع دون استثناء.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 4:44 صباحًا - بتوقيت القدس

فوز كاسح للناشطة التقدمية أناليليا ميخيا في انتخابات نيوجرسي رغم حملات التحريض

حققت الناشطة التقدمية أناليليا ميخيا فوزاً كاسحاً في الانتخابات الخاصة بالدائرة الحادية عشرة في ولاية نيوجرسي الأمريكية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً قوياً على تنامي نفوذ التيار الداعم للطبقة العاملة. وجاء هذا الانتصار بعد شهرين فقط من فوزها في الانتخابات التمهيدية، ليؤكد قدرة المرشحين التقدميين على اختراق الدوائر الانتخابية الصعبة رغم التحديات الكبيرة.

وأظهرت النتائج الرسمية تقدم ميخيا بفارق يصل إلى 20 نقطة مئوية على منافسها الجمهوري جو هاثاواي، وذلك بعد الانتهاء من فرز نحو 94% من أصوات الناخبين. وقد سارعت وكالة أسوشيتد برس إلى إعلان فوزها بعد دقائق معدودة من إغلاق صناديق الاقتراع، مما يعكس حجم التأييد الشعبي الواسع الذي حظيت به في دائرتها.

وتعد ميخيا من الوجوه البارزة في التيار التقدمي، حيث سبق لها العمل كمديرة تنفيذية لتحالف العائلات العاملة في نيوجرسي، كما كانت ركناً أساسياً في حملة السيناتور بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020. وتركزت أجندتها السياسية على قضايا الرعاية الصحية الشاملة، وإلغاء ديون الطلاب، ومواجهة الاحتكارات الكبرى التي تسيطر على الاقتصاد الأمريكي.

وفي خطاب النصر الذي ألقته أمام مؤيديها، أكدت ميخيا أن العائلات من الطبقة الوسطى والفقيرة لا ينبغي أن تعاني من الديون في واحدة من أغنى دول العالم. وشددت على أن سيطرة المليارديرات على مفاصل الاقتصاد يجب أن تنتهي لصالح سياسات تخدم المواطن العادي وتضمن له حياة كريمة.

من جانبه، حاول المرشح الجمهوري المهزوم جو هاثاواي التقليل من شأن النتائج، معتبراً أن الناخبين لا يدعمون ما وصفها بـ السياسات اليسارية المتطرفة. ورغم هذه الانتقادات، يرى محللون أن فوز ميخيا يمثل تحدياً للسرديات التقليدية التي تدعي عدم قدرة التقدميين على الفوز في دوائر انتخابية متنوعة.

وتميزت حملة ميخيا بمواقف جريئة تجاه القضية الفلسطينية، حيث كانت المرشحة الوحيدة في الانتخابات التمهيدية التي وصفت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأنها إبادة جماعية. ولم يمنعها هذا الموقف من كسب تأييد واسع، بما في ذلك أصوات من داخل المجتمعات اليهودية التي رأت في برنامجها الاقتصادي والاجتماعي مخرجاً للأزمات الراهنة.

وتعرضت ميخيا خلال مسيرتها الانتخابية لهجمات مكثفة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة العمل السياسي المرتبطة بـ إيباك. واتهمها خصومها بمعاداة السامية بسبب انتقاداتها للسياسات الإسرائيلية، وهي اتهامات رفضتها بشدة مؤكدة التزامها بمكافحة الكراهية وحماية حقوق جميع الناخبين.

ويرى مراقبون أن تدخل اللوبي الإسرائيلي في الانتخابات التمهيدية ضد مرشحين آخرين أدى إلى نتائج عكسية، حيث ساهم في تعزيز حضور ميخيا كبديل مستقل عن ضغوط المال السياسي. وأشار الصحافي رايان غريم إلى أن هذا الفوز يثبت خطأ التوقعات التي كانت تستبعد نجاح تيار ساندرز في هذه المنطقة.

ومن المقرر أن تشغل ميخيا المقعد الشاغر في الكونغرس لمدة ثمانية أشهر، خلفاً للحاكمة ميكي شيريل، معلنة عزمها خوض انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي الحزب الديمقراطي لاستعادة السيطرة على المؤسسة التشريعية وتقليص نفوذ إدارة الرئيس دونالد ترامب.

واحتفت مجموعة ثورتنا التقدمية بهذا الفوز، معتبرة أن الناخبين في نيوجرسي اختاروا الانحياز للناس على حساب مصالح الشركات الكبرى. وأكدت المجموعة أن وصول ميخيا إلى الكونغرس يمثل خطوة نحو بناء حزب ديمقراطي يعبر عن تطلعات القواعد الشعبية ويناضل من أجل تغيير جذري وحقيقي.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يتوقع اتفاقاً وشيكاً مع إيران ونقل اليورانيوم لواشنطن وطهران تنفي بشدة

أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تفاؤله الحذر بشأن مسار العلاقات مع طهران، مشيراً إلى أنه لا يرى خلافات جوهرية مستعصية مع الجانب الإيراني في الوقت الراهن. وأوضح ترمب أن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تلوح في الأفق، لافتاً إلى أن هذه التطورات ستنعكس آثارها قريباً على ملفات إقليمية أخرى ومن بينها الوضع في لبنان.

وكشف الرئيس الأمريكي خلال خطاب ألقاه أمام تجمع للمحافظين في ولاية أريزونا أن المفاوضات الجارية تهدف إلى إنهاء حالة الحرب القائمة دون الالتزام بدفع أي مبالغ مالية. وأكد أن واشنطن تسعى لإبرام اتفاق يضمن مصالحها الاستراتيجية ويضع حداً للتوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية.

وفي تصريح مثير للجدل، أعلن ترمب أن أي اتفاق سلام سيتم إبرامه سيتضمن بنداً يقضي بنقل مخزون اليورانيوم المخصب من المنشآت الإيرانية إلى الأراضي الأمريكية. وأشار إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم التقني واللوجستي اللازم لاستخراج هذه المواد من المواقع النووية التي تعرضت للتدمير خلال العام المنصرم.

وشدد ترمب على أن بلاده ستستخدم معدات ضخمة وحفارات متطورة لإتمام عملية نقل اليورانيوم بالتعاون مع السلطات الإيرانية في وقت قريب جداً. وادعى الرئيس الأمريكي أن طهران أبدت موافقة مبدئية على كافة القضايا المطروحة للنقاش، بما في ذلك التعاون الكامل في ملف إخراج المواد النووية الحساسة من البلاد.

في المقابل، سارعت طهران إلى تفنيد هذه التصريحات جملة وتفصيلاً، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة. وشدد بقائي في تصريحات متلفزة على أن بلاده لم ولن تطرح مسألة نقل اليورانيوم المخصب كخيار للتفاوض في أي مرحلة من المراحل.

ووصف المتحدث الإيراني اليورانيوم المخصب بأنه يمثل سيادة وطنية وهو 'مقدس كتراب الوطن'، مؤكداً أن طهران لن تسمح بخروج غرام واحد منه تحت أي ضغوط أو ظروف. وأوضح أن جدول أعمال المفاوضات الحالية يركز على قضايا أخرى بعيدة تماماً عن التنازل عن المكتسبات النووية التي حققتها البلاد.

وتأتي هذه السجالات السياسية في وقت تستعد فيه الوفود من واشنطن وطهران لاستئناف جولة جديدة من المحادثات المباشرة مطلع الأسبوع المقبل. ويهدف هذا التحرك الدبلوماسي إلى كسر الجمود الذي أصاب المفاوضات بعد فشل الجولة الأولى التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد في منتصف أبريل الجاري.

وتسعى الأطراف الدولية إلى تحويل الهدنة المؤقتة التي بدأت في الثامن من أبريل إلى وقف دائم وشامل للأعمال العدائية في المنطقة. وتعتبر هذه الهدنة، التي تم الاتفاق عليها لمدة أسبوعين، فرصة أخيرة للدبلوماسية لإنهاء صراع دام نحو 40 يوماً وأدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح والبنية التحتية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الجولة القادمة من المفاوضات ستكون حاسمة في تحديد مصير الاستقرار الإقليمي، حيث تضغط أطراف دولية للوصول إلى صيغة توافقية. ورغم نبرة التفاؤل التي أبداها ترمب، إلا أن الفجوة في المواقف المعلنة بين البيت الأبيض والخارجية الإيرانية تشير إلى تعقيدات كبيرة لا تزال تكتنف المشهد.

ويبقى ملف اليورانيوم المخصب هو العقدة الأبرز في منشار المفاوضات، حيث تصر واشنطن على تحييده تماماً لضمان عدم عودة البرنامج النووي، بينما تراه طهران خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. ومن المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة حراكاً مكثفاً لتجاوز هذه العقبات قبل انتهاء المدة الزمنية المحددة للهدنة المؤقتة.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 2:42 صباحًا - بتوقيت القدس

صدمة في مكتب نتنياهو عقب تصريحات ترامب بشأن العمليات العسكرية في لبنان

كشفت مصادر مطلعة عن حالة من الإرباك سادت الأوساط السياسية في تل أبيب عقب صدور موقف مفاجئ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث سارعت الحكومة الإسرائيلية لمطالبة البيت الأبيض بتقديم توضيحات عاجلة حول طبيعة الموقف الأمريكي الجديد بشأن العمليات العسكرية في لبنان.

وذكرت المصادر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه الاستشاري أصيبوا بحالة من الذهول فور اطلاعهم على منشور ترامب الذي دعا فيه إلى وقف الغارات، وهو ما اعتبرته تل أبيب تناقضاً صريحاً مع بنود اتفاق وقف إطلاق النار المبرم مؤخراً، والذي ترى إسرائيل أنه يمنحها غطاءً للتحرك العسكري ضد أي تهديدات وشيكة.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، بدأ مساعدو نتنياهو اتصالات مكثفة مع الإدارة الأمريكية لفهم ما إذا كان هذا المنشور يمثل تحولاً رسمياً في السياسة الخارجية لواشنطن، خاصة وأن الجانب الإسرائيلي يتمسك بما يصفه بـ 'حق الدفاع عن النفس' وإحباط أي هجمات مخططة من الأراضي اللبنانية وفقاً لنصوص الاتفاق القائم.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 2:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الأمم المتحدة للمرأة: استشهاد 38 ألف فلسطينية في غزة وإصابة 11 ألفاً بإعاقات دائمة

أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة تقريراً حقوقياً مفصلاً يوثق حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالنساء والفتيات في قطاع غزة، حيث أكدت استشهاد أكثر من 38 ألف فلسطينية بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2025. وأوضح التقرير أن الضحايا يتوزعون بين 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، ما يعكس استهدافاً ممنهجاً للمدنيين بمعدل قتل يومي يصل إلى 47 ضحية على الأقل.

وأشارت المعطيات الأممية إلى أن العدوان الإسرائيلي، الذي اعتمد على القصف الجوي والعمليات البرية، لم يكتفِ بالقتل المباشر، بل تسبب في إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بإعاقات دائمة سترافقهن مدى الحياة. ونوهت المصادر إلى أن انهيار المنظومة الصحية وبقاء آلاف الجثامين تحت ركام المنازل المدمرة يحول دون التوثيق الدقيق للعدد الفعلي للضحايا، والذي يرجح أن يكون أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.

وعلى صعيد الأوضاع المعيشية، كشف التقرير عن نزوح قرابة مليون امرأة وفتاة لعدة مرات داخل القطاع في ظروف قاسية، بينما تواجه نحو 790 ألف فلسطينية انعداماً حاداً وكارثياً في الأمن الغذائي. ورغم إعلان وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي، رصدت الهيئة استمرار عمليات القتل، حيث سُجل استشهاد 730 شخصاً وإصابة ألفين آخرين خلال الأشهر الستة الأخيرة، ما يؤكد استمرار التهديدات الوجودية التي تواجه النساء في غزة.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 1:12 صباحًا - بتوقيت القدس

لغز اختفاء العلماء في أمريكا: تحقيقات فيدرالية وتحذيرات من اختراق أمني

تصاعدت حدة القلق داخل الأوساط السياسية والعلمية في الولايات المتحدة عقب تقارير كشفت عن سلسلة من حالات الاختفاء والوفاة الغامضة التي طالت عدداً من كبار العلماء والباحثين الأمريكيين خلال السنوات الأخيرة. وقد دفعت هذه التطورات إلى إطلاق دعوات واسعة لفتح تحقيق فيدرالي شامل يهدف إلى كشف الملابسات المحيطة بهذه الحوادث، خاصة مع تزايد المؤشرات التي تربط الضحايا بملفات أمنية بالغة الحساسية.

وأكد عضو الكونغرس إريك بورليسون، العضو في لجنة الرقابة بمجلس النواب أن مكتبه يتابع هذه الملفات منذ أكثر من عام، مشدداً على أن فقدان 11 عالماً لا يمكن إدراجه ضمن إطار المصادفات العابرة. وأشار بورليسون إلى أن هذه القضية باتت تتصدر الأولويات الوطنية الملحة، نظراً لطبيعة التخصصات التي كان يشغلها هؤلاء الباحثون في قطاعات حيوية.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن معظم العلماء المنخرطين في هذه الحالات كانوا يعملون على مشاريع دفاعية متقدمة وأبحاث تتعلق بالفضاء، بما في ذلك دراسة ما يُعرف بالظواهر الجوية غير المحددة. وتثير هذه التخصصات مخاوف من أن يكون استهدافهم مرتبطاً بمحاولات للوصول إلى أسرار تكنولوجية أو معلومات تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

ولم يستبعد المسؤولون الأمريكيون فرضية تورط قوى خارجية معادية في هذه العمليات، حيث وُجهت أصابع الاتهام بشكل أولي نحو جهات مرتبطة بالصين وروسيا وإيران. ويرى مراقبون أن وصول هؤلاء العلماء إلى مستويات متقدمة من المعلومات الحساسة قد جعلهم أهدافاً محتملة لعمليات استخباراتية دولية تهدف إلى تقويض التفوق العلمي الأمريكي.

ومن أبرز الحالات التي أثارت جدلاً واسعاً، اختفاء اللواء ويليام نيل مكاسلاند، المسؤول السابق في سلاح الجو الأمريكي، الذي فُقد أثره من منزله في ولاية نيو مكسيكو. وكان مكاسلاند قد ارتبط اسمه سابقاً بتسريبات تتعلق بالأجسام الطائرة المجهولة، مما أضفى طابعاً من الغموض على ظروف اختفائه التي سبقتها تقارير عن معاناته من تشوش ذهني مفاجئ.

وفي سياق متصل، تبرز قضية الباحث إيمي إسكردج التي توفيت عام 2022 في ولاية ألاباما بطلق ناري، حيث صُنفت الواقعة حينها على أنها انتحار. إلا أن شكوكاً جديدة طفت على السطح بعد تصريحات لمسؤولين أمنيين سابقين ألمحوا إلى إمكانية تعرضها لهجوم بأسلحة طاقة موجهة، خاصة وأنها كانت قد أسست معهداً للعلوم الغريبة وتحدثت عن تلقيها تهديدات.

وتشمل قائمة المفقودين والمتوفين أسماءً بارزة مثل ميليسا كاسياس وأنتوني تشافيز، وكلاهما كان يعمل في مختبر لوس ألاموس الوطني الشهير بتجاربه النووية. ويثير اختفاء كوادر من هذا المختبر تحديداً تساؤلات عميقة حول مستوى التأمين والحماية الموفرة للعلماء الذين يمتلكون تصاريح أمنية عالية المستوى تسمح لهم بالاطلاع على أسرار الدولة.

كما سُجلت وفاة جيسون توماس، الذي كان يقود فريق البيولوجيا الكيميائية في شركة نوفارتس، وفرانك مايوالد المهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا. وتتوزع هذه الحالات بين وفيات مفاجئة واختفاءات غير مبررة، مما يعزز فرضية وجود نمط منظم يستهدف الكفاءات العلمية في تخصصات دقيقة وحرجة.

وفي حادثة صادمة أخرى، تعرض الفيزيائي الشهير نونو لوريرو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للاغتيال رمياً بالرصاص في ديسمبر الماضي، تلاه مقتل الباحث في مجال الكواكب كارل غريلماير. هذه الحوادث المتلاحقة دفعت الأجهزة الأمنية إلى إعادة تقييم المخاطر المحيطة بالعلماء والباحثين في الجامعات والمراكز البحثية الكبرى.

وامتدت قائمة الحالات لتشمل ستيفن غارسيا، المتخصص في تأمين المكونات غير النووية للأسلحة النووية، والذي اختفى في أغسطس من العام الماضي. كما فُقد أثر مهندسة الفضاء مونيكا جاسينتو رضا، مما يشير إلى أن دائرة الاستهداف تشمل طيفاً واسعاً من التخصصات المرتبطة بالصناعات العسكرية والفضائية المتطورة.

من جانبه، أعلن الرئيس دونالد ترمب أن إدارته تولي اهتماماً كبيراً لهذا الملف، واعداً بتقديم إجابات واضحة للجمهور خلال الأيام المقبلة. وأكد البيت الأبيض أن هناك تنسيقاً مكثفاً يجري حالياً بين مختلف الوكالات الفيدرالية، وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي، لمراجعة كافة الحالات والبحث عن أي قواسم مشتركة قد تربط بينها.

ورغم انتشار نظريات متباينة حول مصير هؤلاء الباحثين، إلا أن السلطات الرسمية لا تزال تتوخى الحذر في إطلاق أحكام نهائية قبل اكتمال التحقيقات. وتعهدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بعدم ادخار أي جهد في سبيل كشف الحقيقة، مشيرة إلى أن الحكومة ستواصل تقديم تحديثات دورية حول سير التحقيقات في هذه القضية التي هزت المجتمع العلمي الأمريكي.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 1:12 صباحًا - بتوقيت القدس

صدمة في تل أبيب: ترمب يفرض حظراً على قصف لبنان ويقترب من اتفاق مع إيران

أفادت مصادر مطلعة بأن حالة من الذهول والقلق الشديد سادت مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب التصريحات المفاجئة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن العمليات العسكرية في لبنان. وأوضحت المصادر أن نتنياهو ومساعديه لم يتوقعوا النبرة الحازمة التي استخدمها ترمب في تحذيراته الأخيرة، خاصة أنها جاءت في وقت كانت فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تزال مستمرة.

وكان الرئيس الأمريكي قد نشر تدوينة عبر منصته 'تروث سوشيال' أكد فيها بوضوح أن الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من شن أي غارات إضافية على الأراضي اللبنانية، مستخدماً عبارة 'طفح الكيل'. هذا الموقف الصارم أحدث إرباكاً كبيراً في الأوساط السياسية والأمنية داخل تل أبيب، التي كانت تعول على هامش مناورة أوسع في تنفيذ ضرباتها الجوية.

وعلى الفور، تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية لاستيضاح الموقف الأمريكي الجديد، حيث أجرى السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، اتصالات عاجلة مع البيت الأبيض لطلب تفسيرات حول طبيعة هذا الحظر. وتأتي هذه التحركات بعد أن علمت الحكومة الإسرائيلية بتوجهات ترمب عبر وسائل الإعلام، مما عكس فجوة في التنسيق المباشر بين الحليفين في هذه اللحظة الحرجة.

من جانبه، حاول مسؤول أمريكي تخفيف حدة التوتر بتوضيح بنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي يرعاه ترمب، مشيراً إلى أن الاتفاق ينص صراحة على امتناع إسرائيل عن شن عمليات هجومية. ومع ذلك، شدد المسؤول على أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بما وصفه بـ 'حق الدفاع عن النفس' في حال مواجهة هجمات وشيكة أو جارية من داخل الأراضي اللبنانية.

وفي الداخل الإسرائيلي، نقلت تقارير صحفية عن مصادر رسمية أن التقديرات الحالية تشير إلى تحول جذري في مسار المواجهة، حيث بات من المستبعد العودة إلى القتال في لبنان. وأضافت المصادر أن رسالة ترمب كانت واضحة وحاسمة، مما يضع حداً للآمال الإسرائيلية في استئناف العمليات العسكرية بعد انقضاء مهلة العشرة أيام المقررة للهدنة.

ولم تقتصر المفاجآت الأمريكية عند حدود الملف اللبناني، بل امتدت لتشمل العلاقة مع طهران، حيث كشف ترمب عن توقعاته بعقد اجتماع رفيع المستوى مع الجانب الإيراني خلال يومين. ويهدف هذا التحرك الدبلوماسي السريع إلى وضع لمسات نهائية على اتفاق شامل ينهي حالة الحرب المستعرة في المنطقة، وهو ما يمثل انعطافة كبرى في السياسة الخارجية الأمريكية.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن واشنطن وطهران أحرزتا تقدماً ملموساً في صياغة اتفاق مكون من ثلاث صفحات يتناول القضايا الشائكة بين الطرفين. وبحسب مصادر إعلامية، فإن المسودة تتضمن التزامات إيرانية بوقف دعم الفصائل المسلحة في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله وحركة حماس، مقابل تفاهمات أمنية وسياسية واسعة.

كما ادعى الرئيس الأمريكي أن طهران أبدت موافقة مبدئية على التعاون مع الولايات المتحدة في ملفها النووي، وتحديداً فيما يخص إزالة مخزون اليورانيوم المخصب لديها. هذه التطورات إن صحت، ستمثل تغييراً جوهرياً في موازين القوى الإقليمية، وتفرض واقعاً جديداً يتعين على الحكومة الإسرائيلية التعامل معه بحذر شديد.

وفي سياق الضغوط الأمريكية المتواصلة، كشفت تقارير عبرية أن إدارة ترمب تضغط بقوة على تل أبيب لاستئناف المسار التفاوضي مع سوريا أيضاً. ويبدو أن الرؤية الأمريكية الحالية تهدف إلى تصفير الأزمات في المنطقة من خلال سلسلة من الاتفاقيات المتزامنة التي تشمل لبنان وإيران وسوريا، لضمان استقرار طويل الأمد.

ويرى مراقبون في تل أبيب أن احتمال التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران بات الآن يفوق احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة. هذا الشعور المتنامي يعكس قناعة لدى النخبة السياسية الإسرائيلية بأن واشنطن قررت فرض حلول سياسية قسرية تتجاوز التحفظات الإسرائيلية التقليدية بشأن أمن الحدود الشمالية والتهديد الإيراني.

ختاماً، يترقب الشارع الإسرائيلي واللبناني على حد سواء ما ستسفر عنه الساعات القادمة من لقاءات مفصلية في واشنطن أو عواصم أخرى. وبينما تستمر الهدنة الهشة في لبنان، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة نتنياهو على مواءمة سياساته مع 'عاصفة' ترمب الدبلوماسية التي يبدو أنها لن تتوقف عند حدود التصريحات الإعلامية.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 1:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة النبطية.. غارة إسرائيلية تسبق الهدنة بساعات وتدمر حياة عائلة لبنانية

وقف المواطن اللبناني خضر سحمراني مذهولاً فوق ركام منزله في مدينة النبطية بجنوب لبنان، يرقب ما تبقى من ذكريات عائلته التي سحقتها غارة إسرائيلية غادرة. الضماد الأبيض على جبينه كان شاهداً على نجاته من الموت بأعجوبة، بينما لم يحالف الحظ شقيقه وابن شقيقته وجيرانه الذين استشهدوا تحت الأنقاض.

وقعت الغارة العنيفة بعد ظهر يوم الخميس، مما أدى إلى انهيار المبنى السكني بالكامل وتحوله إلى كومة هائلة من الركام والحديد. ويروي سحمراني، البالغ من العمر 57 عاماً، لحظات الرعب قائلاً إنه وجد نفسه فجأة تحت الأنقاض يصرخ بحثاً عن ذويه دون أن يتلقى أي رد.

استمرت عمليات البحث والإنقاذ لساعات طويلة في الموقع المستهدف، حيث تمكن المسعفون من إخراج سحمراني حياً من بين الحطام. وأكدت مصادر طبية وميدانية أن فرق الإنقاذ انتشلت جثة واحدة مساء الخميس، قبل أن تستكمل انتشال ثلاث جثث أخرى في صباح اليوم التالي.

تعتبر مدينة النبطية اليوم منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعد أن تعرضت لقصف إسرائيلي مكثف ومنهجي على مدار أكثر من أربعين يوماً. الدمار طال وسط المدينة التاريخي وأحيائها السكنية، مما جعلها تبدو كمدينة أشباح رغم بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

دخل اتفاق الهدنة حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس الجمعة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن التوصل لتفاهمات تنهي جولة العنف الحالية. ورغم توقف القصف، إلا أن مرارة الفقد بقيت تسيطر على المشهد في الجنوب اللبناني الذي دفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه.

تشير إحصائيات وزارة الصحة اللبنانية إلى أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة أدت إلى استشهاد نحو 2300 شخص منذ اندلاع المواجهات. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها العدوان في مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية.

شوارع النبطية التي كانت تنبض بالحياة بقيت شبه خالية في اليوم الأول للهدنة، حيث بدت معالم الخراب واضحة في كل زاوية. المباني المدمرة جزئياً أو كلياً باتت السمة الغالبة للمدينة التي صمدت أمام آلة الحرب الإسرائيلية طوال الأسابيع الماضية.

على أطراف المدينة، شوهدت مواكب لسيارات ترفع الأعلام الصفراء، حيث عبر العائدون عن دعمهم للمقاومة رغم حجم التضحيات. هؤلاء النازحون الذين بدأوا بالعودة تدريجياً واجهوا واقعاً مريراً يتمثل في فقدان منازلهم ومصادر رزقهم في القرى والبلدات الحدودية.

يعبر سحمراني عن ألمه العميق لأن الضربة القاتلة جاءت في الساعات الأخيرة التي سبقت الهدنة، معتبراً أن توقيتها ضاعف من حجم المأساة. وتساءل بدموع محبوسة عن مصيره ومصير من تبقى من عائلته بعد أن فقد كل ما يملك في لحظة واحدة.

من جانبه، أكد فضل زهري، أحد جيران سحمراني أن الراحلين كانوا رفاق العمر والدرب، مشيراً إلى أن من بينهم رجالاً مسنين لم يكن لهم أي دور عسكري. وشدد زهري على رفضه القاطع لأي شكل من أشكال التطبيع مع الاحتلال، مؤكداً أن الكرامة أغلى من البيوت والممتلكات.

وفي ظل الحديث عن مفاوضات سياسية مقبلة، يبدو الشارع في النبطية منقسماً بين الرغبة في الاستقرار والتمسك بالثوابت الوطنية. ويختم سحمراني حديثه بالتأكيد على أنه سيبقى فوق ركام منزله، متسائلاً بمرارة عن الجهة التي ستتولى إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتعويضهم عن خسائرهم البشرية والمادية.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 12:12 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تضع إسرائيل تركيا في دائرة الاستهداف بعد إيران؟

لم يعد الحديث عن استهداف الدولة التركية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة مجرد تحليلات عابرة، بل انتقل إلى العلن على لسان كبار المسؤولين الأتراك. فقد صرح وزير الخارجية حقان فيدان بأن إسرائيل، بطبيعتها التي تقتات على وجود عدو خارجي، ستوجه بوصلة عدائها نحو أنقرة فور انتهائها من مواجهتها الحالية مع طهران. هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الدوائر الغربية وتل أبيب تنظر إلى تركيا وإيران ككتلة حضارية واحدة لا يمكن الفصل بينهما رغم التباينات السياسية الراهنة.

تاريخياً، يكشف التداخل بين الهويتين التركية والإيرانية عن عمق مذهل؛ إذ خضعت إيران لحكم سلالات ذات أصول تركية لما يقارب عشرة قرون متواصلة، بدأت من الدولة الغزنوية عام 962م وصولاً إلى القاجاريين في عام 1925م. وخلال هذه القرون، تشكلت ملامح الدولة الإيرانية على يد قادة أتراك مثل طغرل بك وملكشاه الأول، وحتى الدولة الصفوية التي رسخت المذهب الشيعي كانت نواتها العسكرية والسياسية من قبائل تركية أذربيجانية، مما جعل الحضارتين تندمجان في قالب ثقافي ولغوي مشترك يصعب فصمه.

هذا التمازج لم ينتهِ بسقوط السلالات التركية وصعود الأسرة البهلوية، بل لا يزال حاضراً في صلب الدولة الإيرانية المعاصرة، حيث تشكل القوميات التركية نحو ربع سكان البلاد. وتبرز هذه الحقيقة بوضوح عند النظر إلى قمة الهرم السياسي في طهران، إذ ينتمي المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الحالي مسعود بزشكيان إلى أصول تركية أذرية. هذا الوجود الديموغرافي والسياسي يعزز فرضية الشراكة الحضارية المتجذرة التي تتجاوز حدود المصالح السياسية الآنية والحدود الجغرافية المرسومة.

في ظل هذه المعطيات، تكتسب تصريحات القادة الأمريكيين والإسرائيليين أبعاداً أكثر خطورة، خاصة مع تلميحات الرئيس السابق دونالد ترامب حول استهداف الحضارة الفارسية. ويبدو أن واشنطن وتل أبيب بدأتا في إعادة تقييم المنطقة بناءً على هذا الإرث المشترك، مما يفسر توسع دائرة التهديدات لتشمل تركيا. إن الصراع القادم قد لا يكون سياسياً فحسب، بل هو مواجهة مع كتلة حضارية ترى القوى الإقليمية والدولية أنها تشكل عائقاً أمام طموحاتها في إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الجمعة 17 أبريل 2026 11:42 مساءً - بتوقيت القدس

طهران تنفي الموافقة على نقل مخزونها النووي وترمب يتحدث عن اتفاق وشيك

أعلنت طهران رسمياً، مساء الجمعة، رفضها القاطع لأي مقترحات تقضي بنقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد. وجاء هذا النفي رداً على تصريحات صدرت عن الإدارة الأمريكية تلمح إلى وجود تفاهمات حول مصير البرنامج النووي الإيراني في ظل المفاوضات الجارية.

وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية أن اليورانيوم المخصب يمثل قضية سيادية كبرى لا تقبل المساومة. وشدد بقائي على أن هذا المخزون لن يغادر الأراضي الإيرانية، مشبهاً أهميته بقدسية التراب الوطني بالنسبة للجمهورية الإسلامية.

في المقابل، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن رؤية مغايرة تماماً، حيث صرح لمصادر صحفية بأن واشنطن تعتزم العمل مع طهران لانتشال اليورانيوم المخصب المدفون. وأوضح ترمب أن العمليات ستشمل استخدام آلات ضخمة لنقل ما وصفه بـ 'الغبار النووي' المتبقي بعد الهجمات السابقة إلى الولايات المتحدة.

وأشار ترمب في مقابلة هاتفية إلى أن هذه الخطوات ستتم بوتيرة هادئة وبالتنسيق مع الجانب الإيراني في وقت قريب جداً. ويرى الرئيس الأمريكي أن الحصول على هذه المواد النووية يعد ضرورة أمنية لمنع طهران من تطوير سلاح نووي، وهو ما يعتبره أحد الأهداف الرئيسية لتحركاته الحالية.

وعلى صعيد المسار الدبلوماسي، أعرب ترمب عن تفاؤله بعقد اجتماع مباشر مع المسؤولين الإيرانيين خلال الساعات القليلة القادمة. ويهدف هذا اللقاء المرتقب إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق ينهي حالة الصراع الدائرة في المنطقة، وسط تقارير تتحدث عن تقدم ملموس في صياغة المسودة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن المفاوضات تقترب من بلورة اتفاق موجز يتكون من ثلاث صفحات فقط لمعالجة القضايا العالقة. وتتضمن البنود المطروحة للنقاش إفراج الولايات المتحدة عن نحو 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل تنازلات نووية محددة من جانب طهران.

وتشمل المقترحات الأمريكية تجميداً طوعياً لعمليات تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية لا تزال قيد التفاوض بين الطرفين. كما يطرح مشروع التفاهم إمكانية احتفاظ إيران بمفاعلات أبحاث لإنتاج النظائر الطبية، شريطة أن تكون كافة المنشآت فوق سطح الأرض مع حظر استخدام المواقع الحصينة تحت الأرض.

وتشير التقديرات الفنية إلى أن إيران تمتلك حالياً مخزوناً يتجاوز 900 رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60%. وتعد هذه النسبة قريبة جداً من المستويات المطلوبة لإنتاج أسلحة نووية، مما يجعلها النقطة الأكثر تعقيداً في أجندة المفاوضات الدولية.

من جهته، حذر مسؤول إيراني رفيع المستوى من أن الفجوات لا تزال واسعة بين واشنطن وطهران رغم الأجواء الإيجابية التي يشيعها البيت الأبيض. وأوضح المسؤول أن التوصل إلى اتفاق نهائي يتطلب مفاوضات جادة ومعمقة تتجاوز العناوين العريضة لتصل إلى التفاصيل التقنية الدقيقة.

وربطت طهران استمرار تدفق الملاحة في مضيق هرمز بمدى التزام الولايات المتحدة ببنود وقف إطلاق النار الشامل. وأكدت المصادر الإيرانية أن أي رواية تتحدث عن التوصل لاتفاق نهائي بشأن القضايا النووية في الوقت الحالي تعد تحريفاً للواقع القائم على الأرض.

وتبرز باكستان كلاعب محوري في هذه الأزمة من خلال جهود الوساطة التي تبذلها لتقريب وجهات النظر بين الخصمين. وتأمل الأطراف المعنية في التوصل إلى اتفاق مبدئي يمهد الطريق لرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران والحصول على تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحرب.

فلسطين

الجمعة 17 أبريل 2026 11:42 مساءً - بتوقيت القدس

في يوم الأسير: سجون الاحتلال تتحول إلى 'مختبرات للوحشية' وتصاعد سياسات الإعدام الممنهج

تأتي ذكرى يوم الأسير الفلسطيني في السابع عشر من نيسان/أبريل هذا العام، لتسلط الضوء على واقع هو الأكثر دموية وقسوة منذ عقود. وتواجه الحركة الأسيرة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي حملة انتقامية غير مسبوقة، تضاعفت وتيرتها بشكل حاد منذ بدء العدوان الواسع في أكتوبر تشرين الأول 2023.

وأفادت مصادر حقوقية بأن أعداد المعتقلين شهدت قفزة هائلة، حيث ارتفعت من 5 آلاف أسير إلى نحو 9500 أسير حالياً. وتمثل هذه الزيادة التي بلغت 83% ضغطاً هائلاً على البنية التحتية للسجون التي تحولت إلى مراكز للتنكيل والتعذيب الممنهج بعيداً عن الرقابة الدولية.

وحذر رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله زغاري، من المساعي الإسرائيلية الحثيثة لتشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. ووصف زغاري هذا التوجه بأنه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، معتبراً إياه امتداداً طبيعياً لحرب الإبادة التي تشنها سلطات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

من جانبه، أشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد إلى أن غياب المساءلة الدولية أدى إلى تفاقم عمليات التنكيل. وانتقد شديد الازدواجية الدولية في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، حيث يتم تجاهل استشهاد نحو 80 أسيراً داخل السجون منذ أكتوبر الماضي، في حين تثار ضجة دولية حول قضايا أقل حدة في مناطق أخرى.

وفي سياق متصل، أكد أستاذ القانون الدولي مايكل لينك أن وتيرة المعاملة الوحشية تصاعدت بشكل ملحوظ منذ تولي حكومة بنيامين نتنياهو والوزير المتطرف إيتمار بن غفير. وأوضح لينك أن السجون باتت تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، حيث يُحرم الأسرى من الطعام والنوم والعلاج الطبي بشكل متعمد.

واستندت التقارير الحقوقية إلى ما أوردته المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي، التي وصفت منظومة السجون بأنها 'مختبر للوحشية المحسوبة'. وأكدت التقارير أن الاحتلال ينتهك القانون الدولي الإنساني عبر نقل السجناء من الأراضي المحتلة إلى داخل إسرائيل، وهي ممارسة وثقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

وتضمنت الشهادات الموثقة أساليب تعذيب يندى لها الجبين، شملت استخدام الصعقات الكهربائية وعمليات التعرية القسرية. كما كشفت المصادر عن استخدام الكلاب البوليسية لنهش أجساد الأسرى وهم عراة، في محاولة لتحطيم كرامتهم الإنسانية والنيل من صمودهم داخل الزنازين.

وتعد جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي من أخطر ما تم توثيقه في الآونة الأخيرة بحق المعتقلين الفلسطينيين. وأكدت مؤسسات الأسرى أن هذه الممارسات ليست سلوكاً فردياً من السجانين، بل هي سياسة استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إذلال الفلسطينيين وامتهان كرامتهم بشكل قطعي.

ولم يسلم قادة الحركة الأسيرة من هذه الاعتداءات، حيث تعرض القائد مروان البرغوثي ورفاقه لضرب مباشر وتنكيل مستمر. وتهدف هذه السياسة إلى عزل القيادات عن بقية الأسرى وكسر إرادة التنظيم داخل السجون التي تعيش حالة من الغليان المستمر نتيجة هذه الانتهاكات.

وفي إطار سياسات الإذلال، يُجبر المعتقلون على تقليد أصوات الحيوانات والسماح للجنود بالركوب فوق ظهورهم في مشاهد تعيد للأذهان أسوأ فضائح السجون العالمية. وتستمر هذه المعاناة في ظل صمت دولي مطبق، بينما يواصل الفلسطينيون فعالياتهم في الضفة وغزة للتأكيد على أن قضية الأسرى تظل على رأس الأولويات الوطنية.

عربي ودولي

الجمعة 17 أبريل 2026 11:42 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تفرض عقوبات على شبكة تجنيد كولومبية تقاتل لصالح الدعم السريع في السودان

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، يوم الجمعة، عن فرض حزمة جديدة من العقوبات استهدفت خمس شركات وأفراد بتهمة التورط في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للقتال في صفوف قوات الدعم السريع بالسودان. وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي في إطار ملاحقة الشبكات الدولية التي تساهم في إطالة أمد النزاع المسلح الذي يمزق البلاد منذ ثلاث سنوات.

وأكدت الإدارة الأمريكية في بيان رسمي أن هذه الشبكة العابرة للحدود لعبت دوراً محورياً في تأجيج الصراع، مما أدى إلى نشوء واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والمجاعات في العصر الحديث. وشددت واشنطن على ضرورة توقف الأطراف المتصارعة عن جلب المرتزقة الأجانب الذين يساهمون في تدمير البنية التحتية وتهجير المدنيين.

وفي سياق متصل، جددت الولايات المتحدة دعوتها لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للقبول الفوري بهدنة إنسانية غير مشروطة تمتد لثلاثة أشهر. وتهدف هذه المبادرة إلى السماح بوصول المساعدات الإغاثية للمناطق المتضررة، في وقت تصف فيه منظمات دولية الوضع في السودان بأنه الأزمة الإنسانية الأسوأ عالمياً حالياً.

وكشفت تقارير وزارة الخزانة أن مئات من العناصر السابقة في القوات المسلحة الكولومبية قد انتقلوا بالفعل إلى الأراضي السودانية لتنفيذ مهام قتالية وفنية متقدمة. وقد انخرط هؤلاء المقاتلون في معارك ضارية بمختلف الجبهات، مما منح قوات الدعم السريع قدرات إضافية ساهمت في تعقيد المشهد العسكري الميداني.

وشملت قائمة العقوبات شركة 'فينيكس هيومن ريسورسز' التي تتخذ من العاصمة الكولومبية بوجوتا مقراً لها، بالإضافة إلى مديرها خوسيه ليباردو كيخانو توريس. كما طالت الإجراءات الكولونيل السابق خوسيه أوسكار جارسيا بات، بصفته مالكاً لشركة تجنيد، إلى جانب عمر فرناندو جارسيا باتي الذي يدير شركة 'جلوبال كوا البشريا'.

وتقضي هذه العقوبات بتجميد كافة الأصول والممتلكات والمصالح التابعة لهؤلاء الأفراد والشركات داخل الولاية القضائية للولايات المتحدة، ومنع التعامل معهم مالياً. وتهدف هذه الخطوة إلى تجفيف منابع تمويل العمليات العسكرية غير القانونية وقطع خطوط الإمداد البشري التي تعتمد عليها القوات شبه العسكرية في السودان.

على الصعيد الدولي، أعلن مسؤولون أوروبيون عن نتائج مؤتمر مانحين نجح في حشد تعهدات مالية تجاوزت 1.77 مليار دولار لدعم الجهود الإنسانية في السودان. ويأتي هذا التحرك المالي في محاولة لإعادة لفت الأنظار إلى المأساة السودانية، بعد أن تراجعت أولويتها في الأجندة الدولية لصالح صراعات أخرى في المنطقة والعالم.