لا يصدق الكثيرون ، وخاصة من هؤلاء الذين عرفوه ، انه رحل عن هذه الدنيا ، شابا في مقتبل عمره وأوج نشاطه وعطائه ، يعد نفسه كي يصبح قائدا فلسطينيا شعبيا متميزا عمن عرفناه عن باقي القيادات المستزلمة ، بل رمزا امميا في النضال السلمي العنيف والعنيد والعسير ضد الظلم والاستكبار المحلي والعالمي . فرش أرضية تاريخ نضاله بخمس إضرابات مفتوحة عن الطعام خلال عشر سنوات ضد اعتقاله الإداري ، حتى اصبح يعلن الاضراب لحظة اعتقاله من البيت ، أي قبل ان يصل السجن ، بغض النظر عن نوعية الاعتقال والجهة المعتقلة ، حتى جاء اعتقاله الأخير ببضعة تهم ملفقة مطلع شباط الماضي ، وفي مطلع أيار الجاري فارق الحياة دون أسف ودون تردد ودون مساومة على لقمة طعام كان يمكن لها ان تعيده الى الحياة أربعين سنة أخرى .
لم يدرك الشيخ المناضل ، ان الظروف هذه المرة قد تغيرت ، وأن ساعة قتله والتخلص منه قد دقت ، لم ينقلوه الى المستشفى بعد شهر من اضرابه ، و لا بعد شهرين ، هنا ، شعر بأنه "إهمال" إدارة سجن او سجان ، سرعان ما سيتم تداركه ، فكتب وصيته في محاولة للفت النظر ، دون أي مسحة تراجع عن قراره بوقف الاضراب او اخذ المدعمات ، هنا تقدم محاميه بطلب اطلاق سراحه بالكفالة ، الامر الذي يعني ان التهم الموجهة اليه فارغة ، ولكن حتى لو لم تكن كذلك ، فإنهم لا يحققون معه قيد مرة او حتى كلمة ، فلماذا يبقونه هناك ؟
في زيارتها الأخيرة قبل تسعة أيام على قتله ، رئيسة "أطباء لحقوق الإنسان" اتهمت الأطباء الإسرائيليين أنهم تخلوا عن "واجبهم" في إنقاذ حياته ، أبلغها "خضر"انه محشور في غرفة سريرها مملوء بالبق ما كان يضطره ان ينام على الأرض ، وزر الطوارئ موجود في المرحاض ما كان يضطره للزحف كي يصل اليه . إذن هناك قرار وزاري بقتل هذا الانسان ، اتخذه الوزير المعني مع آخرين في مصلحة السجون مفاده : هو يريد الموت ، دعوه يموت . الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي، وصفه بأنه مقاتل من اجل الحرية ، لكنه منذ ثلاثة اشهر ، هو اسير معتقل لدى دولة إسرائيل ، و لهذا طالب سكرتير عام الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق ، - شيرين أبو عاقلة التي اقتربت الذكرى الأولى على مقتلها ، ما زال التحقيق مستمرا - . ليس كل الناس يعرفون معنى الجوع المطبق عن الطعام 87 يوما ، الجوع حتى الموت ، انه من اصعب أنواع الموت ، لأنه ببساطة يموت في كل يوم ، بل في كل ساعة ودقيقة ، احتمله خضر عدنان أمام العالم بقطبيه الجيد والسيء ، النظيف والقذر ، المقاتل للحرية والعنصري الفاشي ، فيدخل التاريخ البشري المشرف ، ويصبح خضر عدنان شهيدا بالمعنيين الديني حيث يذهب الى الجنة ، والعلمي اللغوي بمعنى يخلد في شعبه ويحيا اكثر بكثير مما قدر له لو عاش حتى آخر لحظات سنوات ارذل العمر . أحببناك يا شيخ خضر حيا فوق الأرض وسنحبك أكثر حيا تحتها .





شارك برأيك
خضر عدنان قرع إسرائيل بالجوع