رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات -27/7/2026
كشفت لقطات مصورة من فيلم وثائقي لم يُنشر بعد عن مواقف صادمة للسيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، أظهرت حماسته البالغة لاندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، وتفاخره بما اعتبره دورًا شخصيًا في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالمشاركة في الحملة العسكرية، في تطور يلقي الضوء على حجم تأثير غراهام في دوائر صنع القرار المتعلقة بالسياسة الخارجية خلال السنوات الأخيرة من حياته.
وتأتي هذه التسجيلات، التي نشرها المخرج البريطاني أليكس هولدر، بعد أن مُنح وصولًا واسعًا إلى غراهام على مدى سنوات سبقت وفاته، لتوفر نافذة نادرة على الكيفية التي كانت تُدار بها المناقشات داخل الدائرة المقربة من ترمب، وعلى طبيعة التنسيق السياسي مع القيادة الإسرائيلية قبل اندلاع الحرب.
وبحسب اللقطات، بدا غراهام في حالة من النشوة وهو يتحدث عن بدء العمليات العسكرية ضد إيران، قائلاً وهو يضحك: "انظروا إلى ما فعلناه هنا… كدت أبكي. منذ كم سنة ونحن ندفع بهذا الاتجاه؟"، في إشارة إلى أن الحرب كانت تمثل هدفًا طالما سعى إليه.
ولم يكتف غراهام بالإشادة بالحرب، بل كشف أنه تحدث مع الرئيس ترمب في صباح ذلك اليوم، مؤكدًا أن الأخير كان "سعيدًا للغاية" بالعملية العسكرية. ونقل عنه قوله إن ترمب وصفها بأنها “أفضل شيء فعلته على الإطلاق”، مضيفًا أن الرئيس "يحب تفجير الأشياء"، في تصريحات تعكس، وفق مراقبين، مناخًا احتفاليًا داخل بعض أوساط الإدارة تجاه الخيار العسكري.
وتُظهر التسجيلات أيضًا أن غراهام نسب إلى نفسه دورًا مباشرًا في ترجيح كفة دعاة الحرب داخل الإدارة الأميركية. وقال إن “هناك كثيرين في الداخل لم يكونوا يريدون القيام بذلك، ولذلك واجهت تحديات”، في إشارة إلى وجود معارضة داخل البيت الأبيض قبل اتخاذ قرار المشاركة في الحرب.
وفي السياق ذاته، شبه غراهام العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعلاقة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن الرجلين شكلا شراكة استراتيجية استثنائية في مواجهة إيران.
كما نشر هولدر تسجيلًا لمكالمة هاتفية جرت في أوائل مارس بين غراهام ونتنياهو، ناقشا خلالها التطورات العسكرية في المنطقة. وخلال الاتصال، أبلغ غراهام نتنياهو بأنه يستعد للسفر إلى ولاية فلوريدا للقاء ترمب بهدف إقناعه بالانضمام إلى الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
غير أن نتنياهو، بحسب التسجيل، ثناه عن هذه الخطوة، موضحًا أن الأولوية الإسرائيلية آنذاك كانت مركزة على إيران. وقال إن فتح مواجهة واسعة مع حزب الله في تلك المرحلة لن يخدم المصالح الإسرائيلية، لأن تنفيذ تهديدات شاملة ضد الحزب سيدفعه إلى الرد بأقصى قوته، وهو ما لم تكن إسرائيل ترغب فيه في ذلك التوقيت.
وتعكس هذه المكالمة، بحسب متابعين، مستوى التنسيق السياسي الوثيق بين غراهام والقيادة الإسرائيلية، كما تكشف أن أولويات تل أبيب كانت تتمحور حول توجيه الجهد العسكري نحو إيران قبل توسيع دائرة الحرب إلى جبهات أخرى.
وأشار هولدر إلى أن علاقة غراهام بنتنياهو كانت استثنائية، إذ كان يتحدث معه باستمرار ويزور إسرائيل بصورة متكررة. وأضاف أنه رافق غراهام في إحدى زياراته إلى إسرائيل، ولاحظ أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يستقبلونه “كما لو كان رئيس وزراء أو ملكًا”، في وصف يعكس مكانته الخاصة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
ورغم اشتهاره بمواقفه المتشددة في السياسة الخارجية، أظهرت التسجيلات جانبًا آخر من شخصية غراهام، إذ نشر هولدر أيضًا مكالمة هاتفية جمعته بجيك سوليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس السابق جو بايدن، بما يشير إلى احتفاظه بقنوات اتصال مع مسؤولين ديمقراطيين رغم الانقسام الحزبي.
ووفقًا لما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”، سأل سوليفان غراهام عن توقعاته لمدة الحرب، فأجاب بأن القوات المهاجمة ستكون قادرة خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع على دفع الإيرانيين إلى فقدان السيطرة على بعض المدن، داعيًا في الوقت نفسه إلى إشراك الدول العربية بصورة أكثر علنية في العمليات العسكرية من أجل خلق “زخم يكاد يصبح غير قابل للتراجع”.
وتكشف هذه التسجيلات أن قرار الحرب لم يكن مجرد استجابة لتطورات ميدانية أو تهديدات آنية، بل جاء نتيجة سنوات من الضغوط التي مارستها شخصيات نافذة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، كان غراهام أحد أبرز رموزها. والأهم أن حديثه عن "التحديات" داخل الإدارة يوحي بوجود انقسام حقيقي بين تيار كان يدفع نحو الحلول العسكرية وآخر كان يخشى تداعيات الانخراط في حرب إقليمية واسعة، ما يجعل قرار الحرب ثمرة صراع داخلي بقدر ما كان استجابة لعوامل خارجية.
كما تعزز المكالمة بين غراهام ونتنياهو الانطباع بأن التنسيق بين بعض السياسيين الأميركيين والقيادة الإسرائيلية تجاوز حدود التشاور التقليدي، ليصل إلى مستوى النقاش في توقيت العمليات العسكرية وأولوياتها. وهذا يثير تساؤلات سياسية حول حجم التأثير الذي مارسه مسؤولون إسرائيليون على النقاشات الدائرة داخل واشنطن، ومدى استقلالية القرار الأميركي عندما يتعلق الأمر بالأزمات الإقليمية، خصوصًا في الملفات التي تمس الأمن الإسرائيلي بصورة مباشرة.
أما حديث غراهام عن ضرورة إشراك الدول العربية بسرعة في الحرب لإيجاد "زخم غير قابل للتراجع"، فيعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية إضفاء شرعية إقليمية على العمليات العسكرية. فكلما توسعت دائرة المشاركين، أصبح التراجع السياسي والعسكري أكثر صعوبة. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن كثيرًا من الدول العربية كانت تخشى انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، وتفضل احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، إدراكًا لما قد تسببه حرب واسعة من تداعيات على الأمن والاستقرار الإقليميين.





شارك برأيك
وثائقي غير منشور يكشف احتفاء ليندسي غراهام ببداية الحرب على إيران ودوره في دفع ترمب نحو المواجهة