واشنطن – سعيد عريقات – 7/7/2026
جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته التصعيدية تجاه إيران، ملوحاً باستهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور ومنشآت الطاقة، إذا أخفقت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق. ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه الاتصالات غير المباشرة مستمرة بين الجانبين، وسط تباينات عميقة حول عدد من الملفات الإقليمية والاستراتيجية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن جدية المسار الدبلوماسي وإمكانية صموده أمام لغة التهديد المتبادلة.
وقال ترمب، خلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض يوم الاثنين، إن الولايات المتحدة “ستنجز المهمة” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، مؤكداً أن بلاده قادرة على تدمير الجسور الإيرانية خلال ساعة واحدة، وشل إمدادات الطاقة في البلاد. وأضاف أنه يفضل التوصل إلى اتفاق لأنه لا يرغب في الإضرار بالشعب الإيراني، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة.
ولا تعد هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها ترمب لغة التهديد العلني ضد إيران. ففي 7 نيسان الماضي، صرح بأن الولايات المتحدة "ستمسح الحضارة الإيرانية من الوجود" إذا اضطرت إلى استخدام القوة، وهو تصريح أثار آنذاك انتقادات واسعة باعتباره تجاوزاً للخطاب التقليدي الذي يميز بين النظام الحاكم والشعب الإيراني، واعتُبر مؤشراً على تصعيد غير مسبوق في الخطاب السياسي الأميركي تجاه طهران.
وتكتسب تصريحات ترمب الأخيرة أهمية إضافية لأنها تتعارض، بحسب مراقبين، مع مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تنص على امتناع الطرفين عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها خلال فترة تنفيذ التفاهمات المتفق عليها. ويرى خبراء أن مجرد التلويح بضرب منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية يضعف الثقة بين الطرفين، ويزيد من صعوبة الحفاظ على مسار التفاوض.
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي في وقت شهدت فيه العاصمة الإيرانية طهران مراسم تشييع حاشدة للمرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل مع عدد من أفراد أسرته في الهجوم الأميركي الإسرائيلي الذي استهدف إيران في 28 شباط الماضي، وهو الهجوم الذي شكل بداية الحرب الواسعة التي شهدتها المنطقة.
وكان ترمب قد أعلن في وقت سابق أنه منح إيران "أسبوعاً للحداد" قبل استئناف الضغوط السياسية، في إشارة إلى استمرار الاتصالات غير المباشرة التي استضافتها قطر بشأن تنفيذ مذكرة التفاهم بين البلدين. إلا أن المفاوضات ما زالت تواجه خلافات جوهرية تتعلق بالحرب الإسرائيلية على لبنان، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
ويرى مراقبون أن العودة إلى لغة القوة في هذا التوقيت تعكس صعوبة التوفيق بين الضغوط العسكرية والمسار الدبلوماسي، خاصة في ظل انعدام الثقة المتراكم بين الجانبين، واستمرار الملفات الإقليمية المعقدة دون حلول واضحة.
من جهته قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم الثلاثاء إن المحادثات الرامية للتوصل إلى اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن لن تبدأ إذا استمرت التهديدات الأميركية، وذلك في أعقاب تهديد الرئيس ترمب "بإنهاء المهمة" في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
وكتب عراقجي في منشور على إكس: "لن تبدأ المفاوضات بشأن الاتفاق النهائي إذا استمرت التهديدات. احترموا توقيعكم".
وكان منشور عراقجي يشير إلى اتفاق مؤقت وقعته إيران والولايات المتحدة الشهر الماضي، والذي يدعو الجانبين للامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض.
وتكشف تصريحات ترمب عن استمرار اعتماده سياسة "الدبلوماسية القسرية"، التي تقوم على الجمع بين التفاوض والتهديد العسكري في آن واحد. غير أن التجارب السابقة بين واشنطن وطهران تشير إلى أن هذا الأسلوب غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يدفع القيادة الإيرانية إلى التشدد بدلاً من تقديم تنازلات. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية، حتى على مستوى التهديد، يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن توافق مثل هذه التصريحات مع القانون الدولي، ويقوض الثقة اللازمة لإنجاح أي اتفاق سياسي مستقبلي.
ويعكس التوقيت السياسي لهذه التصريحات محاولة أميركية للحفاظ على أوراق الضغط قبل الدخول في مراحل أكثر حساسية من المفاوضات. إلا أن استمرار استخدام الخطاب التصعيدي قد يمنح التيار المتشدد داخل إيران مبررات إضافية لرفض أي تسوية مع واشنطن، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها الأداة الرئيسية لإدارة العلاقة مع الجمهورية الإسلامية. ومن ثم، فإن التهديدات قد تصبح عاملاً معرقلاً للمفاوضات بدلاً من أن تكون وسيلة لتعزيز فرص نجاحها.
وتتجاوز تداعيات التهديد باستهداف الجسور ومنشآت الطاقة حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، إذ إن أي هجوم على هذه المرافق قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وإقليمية واسعة، تشمل أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية وحركة الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية قد يدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط في المواجهة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يرفع احتمالات اتساع الصراع وتحوله إلى أزمة إقليمية يصعب احتواؤها سياسياً أو عسكرياً.





شارك برأيك
ترمب يجدد تهديداته لإيران: استهداف الجسور والطاقة يعيد التصعيد إلى الواجهة ويثير الشكوك حول مستقبل المفاوضات