عربي ودولي

الجمعة 03 يوليو 2026 8:15 صباحًا - بتوقيت القدس

سوريا تدخل مرحلة التشريع الانتقالي: مجلس الشعب الجديد يواجه تحديات الشرعية وإعادة بناء الدولة

تدخل الدولة السورية محطة سياسية فارقة مع اكتمال تشكيل أول مجلس شعب للمرحلة الانتقالية، وذلك بعد مرور نحو عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد. تأتي هذه الخطوة في ظل تحديات أمنية واقتصادية جسيمة تضع المؤسسة التشريعية الجديدة أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة وإرساء قواعد الحكم الرشيد.

وقد دعا رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، أعضاء المجلس المنتخبين والمعينين لعقد الجلسة الافتتاحية يوم الإثنين الموافق 6 يوليو/تموز 2026. ويأتي هذا الانعقاد عقب صدور المرسوم الرئاسي الذي حدد أسماء الأعضاء، مدشناً بذلك مرحلة جديدة من العمل المؤسسي الذي غاب عن البلاد منذ التحول السياسي الكبير.

ووفقاً للإعلان الدستوري الناظم للمرحلة، تبلغ مدة ولاية هذا المجلس 30 شهراً، مع وجود صلاحية لتمديدها إذا اقتضت الضرورة الوطنية ذلك. ويهدف هذا السقف الزمني إلى منح السلطة التشريعية فرصة كافية لترتيب الأوراق القانونية والتمهيد لانتخابات دائمة وشاملة تعكس إرادة السوريين بشكل كامل.

تضمن تشكيل المجلس ما يُعرف بـ 'الثلث المكمل'، وهو إجراء استهدف تحقيق توازن بين القوى التي ساهمت في التغيير السياسي وبين أصحاب الكفاءات الوطنية. وضم هذا الثلث 70 عضواً، من بينهم 15 امرأة، في خطوة تهدف لتعزيز الحضور النسائي في مراكز صنع القرار التشريعي خلال الفترة الانتقالية.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الأمانة العامة للمجلس، فإن قائمة التعيينات شملت 23 شخصية من الأعيان و47 من ذوي الخبرات العلمية. وتبرز المؤهلات الأكاديمية بوضوح في هذا التشكيل، حيث يضم المجلس 12 عضواً حاصلاً على درجة الماجستير و17 عضواً يحملون شهادة الدكتوراه في تخصصات متنوعة.

تعتبر المهمة العاجلة للمجلس هي سد الفراغ التشريعي الذي عانت منه سوريا طوال الأشهر الثمانية عشر الماضية. فخلال تلك الفترة، انفردت السلطة التنفيذية بإصدار المراسيم والقرارات لتسيير شؤون البلاد، مما جعل وجود برلمان أمراً ملحاً لاستعادة التوازن بين السلطات وتحقيق الرقابة المطلوبة.

ويرى مراقبون أن المجلس الحالي يمثل ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ 'الاستثناء الانتقالي'، وهو وضع يمنح الحكومات المؤقتة هامشاً في اختيار المجالس. ومع ذلك، يظل أداء المجلس خاضعاً لرقابة شعبية ودولية صارمة للتأكد من عدم تحوله إلى مجرد أداة شكلية كما كان الحال في العقود السابقة.

ويشدد محللون سياسيون على أن الدور المنوط بالمجلس يتجاوز مجرد التشريع الروتيني، ليشمل العمل كجسر عبور نحو دولة القانون. فالمطلوب هو تحويل قبة البرلمان إلى ساحة حقيقية للحوار والنقاش السياسي، بعيداً عن سياسة 'التصفيق' التي ارتبطت بالبرلمانات في العهد الماضي.

من أبرز الملفات الموضوعة على طاولة المجلس هو التحضير لصياغة دستور جديد للبلاد يعبر عن تطلعات كافة أطياف المجتمع السوري. كما يُنتظر منه مراجعة القوانين السياسية الأساسية، وعلى رأسها قانون الأحزاب وقانون الانتخابات، لضمان بيئة تنافسية عادلة في المستقبل القريب.

وعلى الرغم من التفاؤل بوجود مؤسسة تشريعية، إلا أن هناك انتقادات واسعة طالت آلية التشكيل التي اعتمدت على التعيين في جزء كبير منها. ويرى منتقدون أن هذه الآلية قد لا توفر التمثيل الشعبي الحقيقي، خاصة في ظل غياب صناديق الاقتراع الشاملة في بعض المناطق والاعتماد على دوائر محددة.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن التحدي الأكبر أمام المجلس هو كسب ثقة الشارع السوري الذي يعاني من أزمات معيشية خانقة. فالمواطن السوري ينتظر حلولاً عملية للقضايا المطلبية والاجتماعية، وقد لا يمنح المجلس وقتاً طويلاً قبل أن يبدأ في إطلاق أحكام على فاعليته وقدرته على التغيير.

وفي سياق متصل، حذر خبراء قانونيون من التداخل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية نتيجة تعيين ثلث الأعضاء من قبل الرئاسة. واعتبروا أن هذا التداخل قد يضعف من الدور الرقابي للمجلس على أعمال الحكومة، وهو ما يتطلب يقظة من الأعضاء المستقلين وأصحاب الكفاءات لضمان استقلالية القرار.

إن نجاح هذه التجربة التشريعية يعتمد بشكل أساسي على النظام الداخلي الذي سيقره المجلس في جلساته الأولى. فهذا النظام هو الذي سيحدد مساحة الحرية المتاحة للنقاش، ومدى قدرة المعارضة الداخلية على ممارسة دورها في تصويب المسارات السياسية والاقتصادية الخاطئة.

ختاماً، يبقى مجلس الشعب السوري الجديد أمام فرصة تاريخية لإثبات أن سوريا قد غادرت بالفعل عهد الشمولية نحو التعددية. وسيكون أداؤه في مراجعة التشريعات الموروثة وإقرار قوانين عصرية هو المعيار الحقيقي لمدى نجاح المرحلة الانتقالية في تحقيق أهدافها الكبرى.

دلالات

شارك برأيك

سوريا تدخل مرحلة التشريع الانتقالي: مجلس الشعب الجديد يواجه تحديات الشرعية وإعادة بناء الدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.