تستند استراتيجيات إيران من فرضية أساسية أساسها الحفاظ على نظام ولاية الفقيه الذي يعتبر أولوية عليا، وهذه الأولوية هي التي تجيب على طبيعة الاستراتيجيات والخيارات التي تنتهجها إيران في مواجهة الحصار والعقوبات الاقتصادية والحرب في المنطقة. وهي التي تكشف عن ماهية السلوك الإيراني وكيفية التعامل مع خياري التفاوض والحرب، وإلى أين تتجه إيران؟ ورغم التصريحات العديده والمتناقضة للرئيس ترامب تارة بتغيير النظام وتارة بتغيير سياسة النظام، وتقليص دورها وتجريدها من قدراتها العسكرية وخصوصا قوتها النووية. وهذا يقودنا إلى الفرضية الثانية وهي أنه بقدر قوتها العسكرية وبقدر توسيع نفوذها بقدر الحفاظ على النظام. في ضوء هاتين الفرضيتين تتراوح الاستراتيجيات الإيرانية بين ثلاث استراتجيات لا يمكن النظر إليها من منظور أحادي منفصل، بل من منظور الرزمة الواحدة. وهذه الاستراتيجيات تعكس أيضا طبيعة السلوك السياسي الإيراني، وكيف تفكر إيران. وهل يمكن الثقة في السلوك والنوايا الإيرانية؟. إيران تنطلق من كونها دولة قوة إقليمية، ورغبتها في قيادة العالم العربي والإسلامي، والنظرة القومية الفارسية الاستعلائية التي تلغي ما دونها. وتتلخص هذه الاستراتيجيات في:
استراتيجية المرونة البطولية : تقدم إيران نفسها من منظور الدولة البطولية والتي تقود محور المقاومة ضد الشيطان الأكبر وهو الولايات المتحدة وإسرائيل، والهدف من هذا التضخيم كسب الشرعية السياسية وحشد التأييد، رغم أن هذا قد تناقض مع سلوكها الواقعي الذي يفرض علاقات غير معلنة، من خلال تبينها لفكرة الواقعية والبراغماتية التي يمكن أن تضحي بالكل من أجل بقائها، فنظرتها لوكلائها مجرد أدوات لتنفيذ أهدافها ومصالحها العليا، وبقدر أداء وظائفها وما هو مطلوب منها بقدر تلقيها الدعم الإيراني. وتتبني إيران هذه الاستراتيجية في مواجهة الدبلوماسية القسرية التي تمارسها إدارة الرئيس ترامب، ومن قبله مارستها إدارة الرئيس أوباما في التعامل مع موضوع النووي الإيراني، والتي قد انتهت بمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ومجموعة الدول الأوروبية، والتي من خلالها هدف الرئيس روحاني إلى الإيفاء بوعوده الانتخابية بتحسين حياة الإيرانيين اقتصاديا، وفي الوقت ذاته تجنب الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة، وقد نجح في إقناع المرشد الأعلى خامنئي بقبول هذه الاستراتيجية وإبداء مرونة سياسية في الملف النووي والظهور بالإلتزام بشروط مجموعة الخمس زائد واحد، ومقابل هذه التنازلات حصلت إيران على بعض المزايا الاقتصادية، وتركت لها مجالا واسعا من الحراك الإقليمي والتغلغل في الشؤون الداخلية لعدد من الدول التي تعتبر من وجهة نظرها تشكل أهمية استراتيجية في تحقيق أهداف الثورة، وهذه الدول اليمن، الخصر الجنوبي للسعودية وبذلك تقوض القوة السعودية المنافسة وتتحكم في مصير الخليج كله، وفي سوريا وتطلعها للوصول إلى مياه البحر المتوسط وهو ما يزيد من نفوذها ومساومتها لإسرائيل لاقتسام المنطقة العربية كلها.
استراتيجية الصبر والانتظار وهي الاستراتيجية الأكثر تعبيرا عن السياسة الإيرانية، وهي من ملامح الدول ذات النظم الثيوقراطية، ومفاد هذه الاستراتيجية عدم التعجل بتحديد المواقف او تقديم التنازلات، وحيث تقترب الانتخابات الرئاسية الأمريكية النصفية، فلا ضرر من الانتظار حتى تتم، ويمكن أن تتغير قواعد اللعبة في السياسة الأمريكية ويخسر الجمهوريون انتخابات الكونجرس، وتبدأ في التعامل بقواعد جديدة. ومن خلالها يتم تمييع المواقف السياسية بالالتزام بالإتفاق النووي، والمطالبه بتقديم ضمانات، وتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة حتي يستطيع النظام الاستمرار والبقاء. وتمارس إيران هذه الاستراتيجية في تعاملها مع إسرائيل، فكما نرى ورغم الضربات العسكرية الإسرئيلية المكثفة في إيران ذاتها ومواقعها في سوريا وضرب حزب الله الآن تلتزم إيران الصبر وضبط النفس تجنبا لخيار المواجهة والحرب الشاملة.
استراتيجية المقاومة النشطة وهي الاستراتيجية التي تستمد منها شرعيتها، وباعتبارها تقود قوى المقاومة في مواجهة قوى التخاذل والشر, وهذه الاستراتيجية تمنحها انضواء العديد من قوى المقاومة كحزب الله وحماس والجهاد وما زالت تلوح بها رغم ما خسرته في غزه ولبنان. وتترجم هذه الاستراتيجية وبتفعيل دور الحوثيين والتلويح بتهديد مضيق باب المندب.
وأخيراً، لا توجد ضمانات لنجاح هذه الاستراتيجيات وتحقيق أهدافها، فقد فرضت الحرب الحالية تداعياتها على قرار إيران السياسي وتنازعه بين قوة الحرس الثوري وقوة التيارالإصلاحي. ويبقى التفكير الإيراني قائما بالدور الذي يلعبه منصب المرشد مجتبى وتحكمه في القرار السياسي مدعوما بدور الحرس الثوري والأساس الديني للحكم والبعد القومي وهي من تحدد أي استراتيجية إيرانية.





شارك برأيك
استراتيجيات إيران الثلاث