أفادت مصادر صحفية دولية بأن الأحزاب السياسية المقربة من دوائر السلطة في الجزائر تبدو الأوفر حظاً لتصدر نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة. ويأتي ذلك في وقت دعي فيه نحو 25 مليون ناخب للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وسط غياب ملحوظ لمنافسة سياسية حقيقية قادرة على تحريك الشارع.
وتشير المعطيات الميدانية في شوارع العاصمة الجزائرية إلى حالة من الخمول السياسي غير المسبوق، حيث تخلو لوحات الإعلانات من الملصقات الانتخابية المؤثرة. كما تعقد الاجتماعات الحزبية أمام مقاعد شبه خالية، مما يعكس فتوراً حاداً في الحملة الانتخابية لم تشهده البلاد منذ إقرار التعددية الحزبية في أواخر الثمانينيات.
وعلى الرغم من محاولات بعض الوسائل الإعلامية المحلية تصوير الحملة على أنها تشهد نشاطاً مكثفاً وجداول مزدحمة للمرشحين، إلا أن الواقع يشير إلى انصراف اهتمام المواطنين نحو قضايا أخرى. فقد تصدر تأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى الأدوار المتقدمة في المونديال اهتمامات الجمهور، متفوقاً على الوعود السياسية للمتنافسين.
ويرى مراقبون أن هذا العزوف ليس نتاج الصدفة، بل يعود بشكل أساسي إلى إحكام السيطرة على العملية الانتخابية من خلال آليات الاعتماد الصارمة. فقد لعبت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات دوراً حاسماً في تصفية القوائم، مما قلص من فرص ظهور قوى سياسية بديلة أو مفاجآت انتخابية.
وقد كرس الإطار القانوني الجديد الذي تم اعتماده في مطلع عام 2026 تراجعاً في تنوع الخارطة السياسية للمرشحين. ومن أبرز هذه التغييرات إلغاء نظام الحصص الإلزامية للنساء، وهو الإجراء الذي كان يضمن سابقاً تمثيلاً أوسع للمرأة داخل قبة البرلمان الجزائري.
كما ساهمت شروط التزكية المعقدة والتحقيقات الإدارية التي توصف بغير الشفافة في إقصاء عدد كبير من القوائم المستقلة والمعارضة. وبررت الجهات الرسمية هذه الخطوات بضرورة "تنقية الحياة العامة"، إلا أن قوى سياسية اعتبرتها مناورات تهدف إلى الإقصاء السياسي الممنهج.
وبحسب الأرقام المعلنة، فقد تم استبعاد نحو 30% من إجمالي 10 آلاف مرشح تقدموا للسباق الانتخابي، مما أفرغ العملية من محتواها التنافسي. هذا الوضع ولد انطباعاً لدى شريحة واسعة من الناخبين بأن الانتخابات باتت مجرد إجراء شكلي لترسيخ التوازنات القائمة.
إن هيمنة الأجهزة الأمنية وتأثير مراكز القرار غير الخاضعة للرقابة الديمقراطية، ما زالت تقيد استقلالية المؤسسات المدنية وتعرقل السير الطبيعي للحياة السياسية.
وتدرك القوى السياسية الداعمة للرئيس عبد المجيد تبون خطورة العزوف الشعبي على شرعية المؤسسات المنتخبة. لذا، كثفت هذه الأحزاب من دعواتها للمواطنين بضرورة المشاركة القوية في الاقتراع، معتبرة أن التصويت واجب وطني يساهم في استقرار البلاد.
ويبدو أن القلق الرسمي لا يتعلق بهوية الفائزين، بقدر ما يتعلق بنسبة المشاركة النهائية التي ستفرزها الصناديق. فالسلطات تخشى أن تعكس الأرقام المتدنية فجوة عميقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، مما يضعف الموقف السياسي للنظام أمام التحديات الداخلية والخارجية.
وفي محاولة لتحفيز الناخبين، ربطت بعض الخطابات الإعلامية بين المشاركة الانتخابية وحماية الأمن الوطني في ظل التوترات الإقليمية. وتأتي هذه المحاولات لتفادي تكرار سيناريو عام 2021، حين سجلت الانتخابات نسبة مشاركة تاريخية متدنية لم تتجاوز حاجز 23%.
وتظهر المقارنات الإحصائية تراجعاً مستمراً في الإقبال على صناديق الاقتراع، حيث انخفضت النسبة من 43% في عام 2012 إلى مستويات حرجة في السنوات الأخيرة. هذا التراجع يضع الخطاب الرسمي حول بناء "الجزائر الجديدة" في مواجهة تحدي المصداقية الشعبية.
وزاد قانون الأحزاب الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ في يناير الماضي، من تعقيد المشهد السياسي عبر فرض قيود إدارية مشددة على تأسيس النشاطات الحزبية. ويرى منتقدون أن هذه القوانين جعلت من الأحزاب مؤسسات شبه خاضعة للإدارة الرسمية، مما أفقدها استقلاليتها وقدرتها على التعبئة.
وفي هذا السياق، يرى الناشط السياسي كريم طابو أن هيمنة الأجهزة الأمنية ومراكز القرار غير الخاضعة للرقابة لا تزال تعيق التطور الطبيعي للحياة السياسية. ويؤكد أن استقلالية المؤسسات المدنية تظل رهينة بتغييرات جذرية تسمح بممارسة ديمقراطية حقيقية بعيداً عن الوصاية الإدارية.





شارك برأيك
مخاوف من عزوف انتخابي واسع في الجزائر وسط إحكام السيطرة على المشهد السياسي