في الميثاق الأخلاقي للأوطان، لا يمكن قبول دفع قيمة تذكرة القطار مرتين؛ مرة من جيوب المواطنين عبر القروض المليارية، ومرة أخرى من أرواحهم تحت عجلات الآلات الصماء. إن تحول القضبان الحديدية من شريان للتنمية إلى مقصلة تلتهم الأجساد يضع الإدارة الحالية أمام اختبار أخلاقي ودستوري عسير.
حين تعجز وزارة النقل بكامل ترسانتها التمويلية عن توفير الحد الأدنى من الأمان للمواطن، فإننا لا نتحدث عن مجرد خلل تقني بسيط. إن هذا السقوط الإداري المروع يوجب الحساب الفوري، ويجعل من استمرار القيادة الحالية للمرفق خطراً داهماً يهدد أمن وسلامة الركاب يومياً.
لقد تحول رصيف المحطة في مصر من مساحة للقاء الإنساني إلى ما يشبه 'الروليت الروسي'، حيث يترقب المواطن مصيره المجهول مع كل رحلة. إن المشهد المتكرر للأجساد التي تطحنها العجلات ليس مجرد خطأ بشري عابر، بل هو تجسيد لأزمة إدارة تتعامل مع دم الإنسان كرقم هامشي.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فوق أنين المصابين ليس سؤالاً هندسياً عن جودة القضبان فحسب، بل هو سؤال سياسي وقانوني بامتياز. يوجه هذا السؤال مباشرة إلى قمة الهرم التنفيذي وإلى نواب الشعب الذين اؤتمنوا على مراقبة أداء الحكومة وحماية حقوق المواطنين.
بالعودة إلى تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والتوثيق الحقوقي، نجد سجلاً مرعباً من الفواجع المتقطعة على مدار العقد الأخير. آلاف الحوادث المتنوعة بين تصادم وانفصال عربات ودهس عند المزلقانات حصدت مئات الأرواح وخلفت آلاف المصابين بعاهات مستديمة.
تكمن الفاجعة الحقيقية في المفارقة الصارخة بين إعلانات الوزارة عن ثورات تكنولوجية وتحديثات هائلة، وبين استمرار نزيف الدماء البدائي. إن هذا التناقض يعد دليل إدانة قاطع على وجود فجوة سحيقة بين الاستعراض الإعلامي والواقع الدموي الذي يعيشه المواطن على القضبان.
لقد وافق مجلس النواب على حزم من القروض الدولية والاعتمادات المليارية المخصصة حصراً لتطوير شبكة السكك الحديدية وتأمين العنصر البشري. ومع ذلك، يظل التساؤل المشروع قائماً: أين هو الأثر الحمائي الملموس لهذه الأموال الضخمة على جسد المواطن البسيط؟
إن السلطة المطلقة تعني مسؤولية مطلقة، وحين يعجز المسؤول عن الوفاء بقسمه الدستوري في حماية النفس البشرية، تصبح إقالته ومحاسبته واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل.
إن النجاح الإداري لأي مرفق خدمي لا يقاس بفخامة التصميم الخارجي للقطارات أو بريق المحطات الجديدة التي أثقلت كاهل البسطاء بأسعارها. المعيار العالمي الوحيد والثابت هو المعدل الصفري للحوادث وتأمين الأرواح، وهو ما فشلت الإدارة الحالية في تحقيقه حتى الآن.
يضع تأخر العائد الأمني للأموال المقترضة علامات استفهام كبرى حول سوء ترتيب الأولويات الإدارية في وزارة النقل. ويبدو أن تقديم الجوانب المظهرية والجمالية جاء على حساب الجهد البنيوي الأساسي الذي يحمي الركاب من حوادث الفتك والدهس المتكررة.
تقع المسؤولية السياسية والجنائية مباشرة على عاتق الفريق كامل الوزير، انطلاقاً من القاعدة الذهبية التي تربط السلطة المطلقة بالمسؤولية المطلقة. إن محاولات التنصل عبر إلقاء اللائمة على 'عامل التحويلة' أو 'سلوك المواطن' هي حجج واهية لم تعد تنطلي على أحد.
الوزير الذي منح كافة الصلاحيات والدعم المالي غير المسبوق هو المسؤول الأول عن خلق 'سيستم' آمن يمنع الخطأ البشري من التحول إلى مذبحة. الحفاظ على حياة الإنسان هو القسم الدستوري الأسمى، والإخفاق في ذلك يستوجب الإقالة والمحاسبة دون تأخير.
لا يمكن إعفاء مجلس النواب من مسؤوليته التاريخية، حيث يضع الموقف الرقابي المتراخي البرلمان في موضع تساؤل أمام الناخبين. إن الاكتفاء بتشكيل لجان تقصي حقائق تحفظ تقاريرها في الأدراج يعد تفريطاً صريحاً في الأمانة الرقابية التي يحملها النواب.
تتمثل المطالب الشعبية اليوم في نقطتين حاسمتين: الإقالة الفورية لوزير النقل لفشله في تحقيق الأمان المنشود، وفتح تحقيق قضائي موسع. يجب تتبع مسارات كافة القروض والاعتمادات المالية لتحديد المسؤولية عن كل قطرة دم سالت على تلك القضبان.
في الختام، يجب أن تكون السكك الحديدية شرياناً للحياة والكرامة لا ساحة للإعدام أو مقصلة تحصد أرواح العائلات المكلومة. إن بناء المستقبل لا يستقيم على قضبان مغموسة بدماء الأبرياء، والمنصب الحكومي هو تكليف وخدمة وليس حصانة من النقد والحساب.





شارك برأيك
قضبان المليارات وتذاكر الموت: مطالبات بمحاسبة سياسية وجنائية على كوارث السكك الحديدية في مصر